تاريخ الدرس: 1990/03/09

في رحاب التفسير والتربية القرآنية

مدة الدرس: 01:34:33

سورة الدخان، الآيات: 1-8 / الدرس 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبيِّين والمرسلين، وعلى أبيه سيدنا إبراهيم، وأخويه سيدنا موسى وعيسى، وجميع إخوانه من النبيين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه المجاهدين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعدُ

الآيات: ﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)

بناء القرآن للإنسان المسلم

فقد انتهى معكم في الدروس الماضية تفسير سورة الزخرف، وهذه السورة كبقية سور القرآن أنزلها الله عزَّ وجلَّ لبناء شخصية الإنسان المسلم رجلًا أو امرأة، لنحوِّل آيات الله وأحكام الله ووصايا الله عزَّ وجلَّ من كلمات تُتلَا إلى معانٍ تُفهَم، وإلى أعمالٍ تَظهر، إلى قرآنٍ مجسَّم في المجتمع، ثم قرآنٍ مجسَّم في العالَم كله، ومجسَّم برحمته للعالمين؛ للبشر كلهم باختلاف أجناسهم وأنواعهم وأديانهم وعقائدهم.. وهذا شيء جميلٌ في المسامع وفي الأماني، ولكنه عند التطبيق وليكون حقيقةً واقعةً، فبين الأماني وبين الواقع فرقٌ بعيد، كالفرق بين الموت والحياة والليل والنهار والأرض والسماء.

والمسلمون الأوَّلون الذين صنع النبي ﷺ إسلامهم كانوا في أنفسهم قرآنًا مجسَّمًا، وما كان قرآن التلاوة فقط، بل كان قرآن التلاوة وقرآن الفهم وقرآن أخلاقهم وقرآن أعمالهم وقرآن مجتمعهم وقرآن جهادهم، وحملوا الرسالةَ -رسالةَ الرحمة- نيابةً عن رسول الله ﷺ وفي عهد رسول الله ﷺ، وجاهدوا في سبيل الله.

وما سبيل الله؟ سبيل الله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الصراط والسبيل والطريق شيء واحد، فإذا قلنا: اهدنا الصراط المستقيم أو الطريق المستقيم أو السبيل المستقيم فهي بمعنى واحد، فما السبيل المستقيم؟ قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، حتى ننتقل من الشقاء إلى النعيم، ومن الجهالة إلى العلم، ومن العِداء إلى الحب، ومن التمزُّق إلى الوحدة.. وإلخ.

مهمة النبي ﷺ في الدعوة

وهذا مجموع بمهمة النبي ﷺ التي أُمِر بتبليغها في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2]، والنبي ﷺ لم تكن تلاوته عندما يتلو صوتًا وهواءً فقط، ولكن كان يصحب صوتَه نورُ الله وروح الله، فكان مع الصوت والهواء نورٌ إلهيٌّ وروحٌ ربانيَّة تدخل في المسامع فتخترق حُجُب القلوب، وتحيي أموات العقول، حتى نَشأ منهم من نَشأ، فأوصلوا رسالة الإسلام، واجتازوا حدود الصين، ووصلوا إلى أواسط فرنسا وإلى جنوب ألمانيا، وعلى قلَّتهم وأميَّتهم التي نفهمها في عصرنا.

ونحن أميون بالنسبة لمفهومهم، فالصحابة سُمُّوا أميين وسُمُّوا بعكس الأميين، ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]، و﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الأعراف:157]، لكن في موضع آخر قال الله عزَّ وجلَّ عن هذا الأميّ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، فكيف أُمِّيٌّ ومعلم الحكماء؟! وكيف هم أميون وقال عنهم: ((عُلماءُ حُكماءُ أُدباءُ فُقهاءُ، كادُوا مِن فِقهِهِم أن يَكونُوا أَنبياءَ)) 1 ؟

سيدنا نوح عليه السَّلام في ألف سنة إلا خمسين عامًا كم مؤمنًا صنع؟ ثمانين ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، وسيدنا إبراهيم عليه السَّلام هاجر وهرب من العراق إلى فلسطين، ولوطٌ عليه السَّلام ما آمن معه إلا أهله، حتى زوجته ما آمنت، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [هود:81].

أما أصحاب رسول الله ﷺ فالذي آمن على أيديهم أكثر من مجموع كل مَن آمن على أيدي الأنبياء من عهد آدم عليه السَّلام إلى سيدنا محمد ﷺ.

ولقد وَصَفَهم بالأميين، وتلك أمِّيّة الكتابة والقراءة على الورق، لكن كانوا علماء ومعلمين، وكانوا يكتبون على القلوب نور الله وفي العقول حكمه.

معنى العلم وحقيقته

سبيل الله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:129]، والعلم بالمعنى الحقيقي هو الذي يوجب العمل، [يرفع سماحة الشيخ وردة كانت أمامه على الطاولة ويشمها، ويقول مشيراً إليها:]، فإذا عرفتَ أن هذه وردة فإنك تشمُّها، وإذا كان هذا عقرب تقتله، هذا هو العلم، وإذا عكستَ وأخذتَ العقرب لتشمه والورد وطئتَه بنعلك، فهل هذا علم؟ حتى لو قلتَ: ورد وزنبق وكذا بالكلام، لكن إذا لم تتجاوب النَّفْس مع الفهم فهذا مثل الشيطان، [حيث نستعيذ من هذا العلم كما نستعيذ من الشيطان، فنقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك نقول:] ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)) 2 .

فسبيل الله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ العلم الذي يتبعه العمل ولا يتخلَّف عنه، ﴿وَالْحِكْمَةَ، العقل بكل أبعاده وبكل نضجه وبكل إدراكاته، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129].

لقد كانوا يجاهدون في سبيل الله، يعني في نشر العلم وإيقاظ العقول لتتخلص من الخرافات والأوهام، وتزكيةِ النفوس، ثم التآخي في ظل هذه المعاني.. ولقد رفع رسول الله ﷺ القوميات ورفع الخرافات ورفع أمية الأخلاق والعقول حتى أمية القراءة والكتابة رفعها، وأول ما بدأ بها بأسرى بدر، وكان كل أسير يفرض عليه أن يُعلِّم عشرةً من أطفال المسلمين.

الإخلاص في الجهاد في سبيل الله تعالى

وإنَّ كلمة “يجاهدون في سبيل الله” تعني إلزامية العلم في كل شعوب العالَم، وإلزامية الحكمة واستعمال العقل الحكيم لكل شعوب العالَم، وتزكية النفوس لكل شعوب العالَم، هذا هو الجهاد في سبيل الله.

وماذا يأملون؟ وبماذا يطمعون؟ هل هناك غنائم أو أوسمة أو مظاهر نفسية بأن يصير أميرًا أو جَنِرالاً أو “ماريشال”؟ [ماريشال: كلمة فرنسية انتقلت إلى العربية، وتعني أعلى رتبة عسكرية في بعض الجيوش، وتُقابل تقريبًا: قائدًا عامًا للجيوش، وتُمنح كوسام شرف عسكري رفيع، وهي أعلى من جنرال]، وهذا ما حدث عندما عزل سيدنا عمر رضي الله عنه خالدًا رضي الله عنه في أثناء معركة اليرموك، وهي أخطر معركة في كل التاريخ الإسلامي، وكان الرومان ربع مليون من الرومان والعرب المتنصِّرة، والمسلمون خمسة وثلاثون ألفًا، وفي المعركة قرأها القائد، وكان يجب أن تسوء نفسيته وتضطرب لو أنه كان مع هوى نفسه ومع أنانيته، وأنْ يقوم بانقلاب ويدَّعي الخلافة، وقد كان الجيش بيده، ولأتى إلى المدينة واعتقل عمر رضي الله عنه وأعدمه.

ولكنه حبس البريد ووضع “المَكتُوب” [الرسالة] في عمامته وأكمل المعركة، وأنهى دولة الرومان في معركة ستة أيام، وهي إمبراطورية عمرها ألف سنة ويزيد، أنهاها في ستة أيام.. وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنهى استعمار الشرق في معركة القادسية في أربعة أيام، وهاتان الدولتان الأعظم.

هذه ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ [الحج:47] من أيامنا نحن.. وهذا المعنى الذي أذكره لكم غير ما أراده القرآن.

وسورة الزخرف التي مضت سمعتم تفسيرها وفهمتم معانيها، والآن المقصود من السماع والتعلُّم والتفسير والفهم أن تتحوَّل فيكم أخلاقًا وسلوكًا ودعوةً وتعليمًا للمجتمع، وتعريفًا له بحقيقة الإسلام، وذلك ببيان الحقائق ومحاربة الخرافات والأوهام.

ذكر قصص الأولين

وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ فيها للنبي ﷺ قصص الأمم السابقة مع ما كان يعانيه من عناء وإيذاء وصدود وفتن على المسلمين، والفتن تعني فتنتهم عن دين الله بالعذاب وبالتقتيل وبالتهديد وبكل وسائل الإغراء وبكل وسائل التهديد، وهذه اسمها: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، وكانوا أصمد من الجبال بإيمانهم.

ولقد قصَّ الله عزَّ وجلَّ على النبي ﷺ قصة إبراهيم عليه السَّلام، وكيف عُرِّض للنار، وكيف.. وكيف.. وقصة موسى عليه السَّلام مع فرعون، وهذا درسٌ لكل مسلم أن كن كإبراهيم عليه السَّلام معلِّمًا للمجتمع ولأهل زمانك ولمحيطك، وأولًا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وكانت الدعوة في السرّ، فقال تعالى للنبي ﷺ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94]، اجهر.

وهذا القرآن إذا لم يصر فينا قرآنًا مجسَّمًا وقرآن عمل وإلا فقد قال الله تعالى عن قرآن التلاوة أو الحفظ غيبًا، وهو ما وصف به قراءة اليهود للتوراة فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ، يعني قرؤوها فحملوها قراءةً وحملوها دراسةً، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا تطبيقًا وأعمالًا وتنفيذًا، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]. “الأسفار”: تعني الكتب، وسُوَر التوراة يسمُّونها أسفارًا، والحمار إذا حمل الكتب أو حمل القرآن هل يصير عالِمًا؟ بل لا يفهم إلا الوزن، وكلما كثرت الكتب يُخشَى عليه أن يُكسَر ظهره.

تعلق المؤمن بالله والكافر بالزخرف

وسمِّيت سورة الزخرف وهو الذهب أو الزينة لما ذَكر اللهُ فيها من قول الكفار عن النبي ﷺ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، هذا الفقير الذي لا يملك شيئًا من الذهب والفضة هل هذا أهلٌ لأن يصير نبيًّا؟ فذكر الله عزَّ وجلَّ حقارة الدنيا وحقارة المال، وأنها يجب أن لا تكون عظيمةً في عين المسلم، لا إذا مَلَكها ولا إذا رآها مملوكةً لغيره، والله أكبر من الزخرف ومن الذهب ومن الجاه ومن الحياة ومن كل شيء.

ويجب أن يكون تعلُّق المؤمن بالله، والتعلُّق بالله ليتعلَّق بمدرسة الله وبكتاب الله وبثقافة الله، فإذا بنى إسلامه بناءً صحيحًا فإنه يخرج من هذه المدرسة -التي هي دار المعلِّمين- معلمًا وحكيمًا ومزكًّى ومزكِّيًا، وعند ذلك يكون أهلًا ليجاهد في سبيل الله؛ أي في نشر علوم القرآن وحكمة القرآن وتزكية النفوس بعد أن تزكت نفسه.

فهل تعاهدونني أن تطبِّقوا سورة الزخرف على حسب ما سمعتم أم إنني أتعب من دون فائدة؟ وهذا [الجهد في الدرس] على حساب قلبي، والأطباء طلبوا مني اليوم أن أتأخَّر في المجيء لكيلا يطول عليَّ الدرس إشفاقًا على قلبي، [كان سماحة الشيخ رحمه الله يعاني من أمراض كثيرة ولسنوات مديدة، وقد كنا نسمع أطباءه يقولون بتعجب: إنّ فيه من الآلام والأمراض ما لا يتحمله عشر رجال، وعليه أن لا يتحرك من السرير ولا يتكلم.. ولكنه كان في ميدان الدعوة يومياً وكأنه ليس فيه أي مرض]، فأنا أقدَّم لكم حياتي يا بُنَيّ، وهذا بفضل الله عليَّ، وأنا أقول لكم هذا كيلا يضيع تعبي فيكم، ولنحقِّق الهدف الذي خُلِقنا من أجله، وهو أن نكون جنود الإسلام، وأن نكون جنود القرآن، وأن نكون رحمةً للعالمين.

أعداء الإسلام يفسِّرون الجهاد في سبيل الله أنه لإدخال الناس في الإسلام بالسيف وأن هذا هو سبيل الله، وكثير من المسلمين لا يعرفون أيضًا، مع أن القرآن يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].

هذا تعليقٌ على السورة التي مضت.

سبب تسمية سورة الدخان

والآن درسكم في تفسير سورة الدخان، لماذا سميت سورة الدخان؟ أولًا سمَّاها الله بذلك، فَلِمَ سمَّاها بذلك؟ لأن كل سورة وكل آية لها أسباب وموجبات، وقد وردت أحاديث نبوية عن الدخان، بعضها يقول: “أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفة”.. وعرفة مكان الحجاج حين يقفون يوم الوَقْفَة.. “ونحن نتذاكر الساعة”، والساعة تعني القيامة، فقال ﷺ: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ حتى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ))، عشر علامات ومقدمات قبل ظهور القيامة وقيامتها، ((طُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها)).

زارتني صحفية هولندية مسلمة فقالت لي: ترجمتُ أربعة آلاف حديث إلى اللغة الهولندية، وسألتني: ما معنى هذا الحديث عندكم؟ وبحسب سياق الحوار بيني وبينها عرفتُ مقصودها، فما أحببتُ أن أجيبها، وقلتُ لها: أنت ماذا فهمتِ من الحديث؟ قالت لي: ليس كما فهمتموه أنتم أن الكرة الأرضية تدور من الغرب إلى الشرق، فيتغيَّر جَرَيانها فتخرج الشمس من الغرب، فقلتُ لها: إذن ماذا؟ قالت لي: أي يبزغ شروق شمس الإسلام من العالَم الغربي، لأنكم أنتم لستم مسلمين، ونحن الآن نبحث عن الإسلام، ومن عَرَفه وشَمَّ رائحته على بُعد عشرين كيلومترًا يعتنق الإسلام.. يعتنقون الإسلام علمًا وعملًا وأخلاقًا وسلوكًا ودعوةً.

نحن الآن مسلمون بالاسم، فإذا سألتَ شخصًا: ما معنى الإسلام؟ فإنه لا يعرف الإسلام، وما معنى الطب؟ أي معرفة الأمراض والأدوية لمعالجة المرضى، ومعنى الإسلام -وحتى تكون مسلمًا- يعني أن تعرف أوامر الله ونواهي الله، ثم تطبق الأوامر وتستسلم لها وتنقاد وتجتنب المحارم ومبغوضات الله فلا تقربها، فإذا فعلتَ ذلك فقد أسلمتَ، وإذا أسلمتَ تستحقُّ لقب مسلم، وإذا كنتَ إلى الآن لا تعرف أوامر الله وتُخالفها ولا تعرف محرمات الله أو تعرفها وترتكبها فاسمك كافرٌ، وإذا ادَّعيتَ الإسلام فاسمك منافق، ولكن المسلم اليوم لا يَفهم ما معنى الكافر ولا معنى المنافق ولا معنى المسلم، ويدَّعي أنه ليس هناك من يفهم أكثر منه، وهذا إذا لم يقل: إن الإسلام رجعيٌّ وقد أكل الدهر عليه وشرب.

قال: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حتى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها، والدُّخانُ)) وهنا شاهدي، ((ونُزُولُ عِيسى، وثَلاثةُ خُسوف: خَسفٌ في المشرِقِ، وخَسفٌ في المغرِبِ، وخَسفٌ في جَزيرةِ العَربِ)) 3 ، وفي حديثٍ آخر يقول: ((أَوَّلُ الآياتِ مِن علاماتِ القِيامةِ الدَّجالُ، ونُزُولُ عِيسى، والدُّخانُ)) 4 ، وهذه الأحاديث في الصحيحين، يعني من الأحاديث الصحيحة، والآن نحصر بحثنا في الدخان.

معنى الدخان

بعض المفسِّرين قالوا: الدخان كان شيئًا خياليًّا، وحصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا استعصت قريش على النبي ﷺ فدعا عليها وقال: ((اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجعَلْها عَلَيهِم سِنِينَ)) يعني قحطًا، ((كَسِنِي يُوسُفَ)) 5 ، وصار القحط، فصاروا من جوعهم يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان، ولكن هذا ليس دخانًا، بل من ضعف البصر.. وهذا قولٌ مرجوح.

أما القول الذي عليه أكثر المفسِّرين وهو الذي يتلاقى مع الحديث النبوي ومع القرآن في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يعني لم يأتِ الدخان بعدُ، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10]، إذن الدخان الذي عُنوِنت السورة باسمه لم يأتِ بعدُ.

فربما يكون الدخان هو القنابل الذرية، لأن علماء الذرة في مؤتمر موسكو وغيره من المؤتمرات من أجل السلام -وكان يُؤتَى بالعلماء المختصين بتأثير القنابل النووية- يقولون: إنه ستُحجَب الشمس عن الأرض من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات إذا صارت الحرب النووية، يعني ستمتلئ السماء بالدخان، والجزيرة العربية المشهورة بشدة حرارتها ستصل درجة حرارتها فيها إلى أربعين تحت الصفر.

[سماحة الشيخ يخاطب أحد الضيوف:] دكتور تفضل إلى هنا، الدكتور أتى من اللاذقية ليحضر الدرس، ويوجد أناس يكون بينهم وبين الجامع عرض الطريق ولا يأتون، وقد زارني هو وعدد من المهندسين رضي الله عنهم، فأهلًا وسهلًا، وهو مختصٌّ بجراحة العظام.

علماء الحرب النووية هكذا يقولون، والأحاديث تقول: الدخان من علامات الساعة، ولقد ظهر في زماننا هذا الشيء وهو يتلاقى مع الحديث النبوي، وأنه سيكون قبل الساعة، والدخان لم يظهر بعد، والقرآن قال: ﴿فَارْتَقِبْ، إذن فالدخان سيأتي، وهو من أشراط الساعة وعلاماتها.

الدعوة إلى الصبر في الدعوة

إنّ عنوان سورة الدخان له معنى وله دلالته، كما كان عنوان سورة الزخرف له معناه، فقد كان يعني أن لا تأخذ قلوبَكم زخارفُ الحياة وزخارف الدنيا، واقتدوا بالنبي ﷺ، وكانت سورة الزخرف كلها ملاحم بين الإسلام والكفر وبين العلم والجهل وبين الحقيقة والخرافة في ظلال الصبر والصمود ومختلف ألوان التعذيب للمستضعفين من المؤمنين.

وقد مرَّ النبي ﷺ على ياسر وابنه عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وهما يحرَّقان بالنار، فقالا: إلى متى يا رسول الله؟ [ولما شكا إليه بعض ضعفاء المسلمين ما يصيبهم من أذى قريش]، غضب النبي ﷺ واحمرَّ وجهه وقال: ((إنَّ مَن كانَ قَبلَكُم كانَ يُنشَرُ بالمنشارِ حتى يَسقُطَ شِقَّينِ، ويُفصَلَ ما بَينَ لَحمِه وعَظمِهِ، ولا يَرتَدُّ عَن دِينِه)) 6 ، يعني لم يحدث معكم كما حدث مع المؤمنين قبلكم، ((صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ)) 7 ، فانظروا إلى تربية الإسلام لشخصية المسلم في صموده في المعارك.

والآن أمامنا معركة إسرائيل التي هي واجهةٌ لمعركة صليبية عالمية، لكن بصورة اليهودية والصهيونية، والحقيقة: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51].

تقصير المسلمين اليوم في تطبيق القرآن

وكأنما القرآن ينزل الآن طريًّا طازجًا من السماء، ويوجد من المسلمين من إذا سمع الأذان والمطر ينزل خفيفًا يقول: سأجلس في البيت، لماذا؟ لأن المطر ينزل، فهو لا يستطيع أن يتحمَّل القليل من المطر في سبيل الله، وإذا دُعِي إلى واجب إسلامي وحدث أمر صغير أزعجه فلا يلبي، ولو أتاه ضيف أو دُعِي إلى فنجان قهوة، فإنه يبيع الله ونداء الله وواجب القرآن وواجب الإسلام حتى لا ينزعج فلان.. فأين نحن؟

أصحاب رسول الله ﷺ قَتلوا آباءهم، وبعضهم أبناءهم وبعضهم إخوانهم وبعضهم أزواجهم -احذروا أن تفعلوها- [يقول الشيخ هذه الجملة وهو يضحك]، نحن نريد واحدًا بالمئة، يعني أنْ تشدُّوا هِمتكم ولو قليلًا، وذلك في ميدان العلم والإعداد القلبي والروحي -وفاقد الشيء لا يُعطيه- وفي ميدان الأخلاق والسلوك والفهم، ثم دعوةً وأمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر وبالحكمة والموعظة الحسنة، والناس في هذا الأسلوب كلهم بخير، ونحن في مجتمع إسلامي، فإذا استوعبنا القرآن وسورة الزخرف يخرج منها المسلم مربًّى، فهي مدرسة، وفيها مدرسة إبراهيم عليه السَّلام مع النمرود، وسيدنا موسى عليه السَّلام مع فرعون.

فابحث عن فرعون صغير، والفراعنة كثر، وقد يكون جارك فرعونًا أو زوجتك أو أخوك، فابحث عن شخص متفرعن ومتمرد على الله.. والآن لا يوجد مَن يُحرقك في النار مثل النمرود، ولا يوجد من ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص:4]، فاحمل ولو واحدًا بالمئة ألف إذا كنتَ تفهم سورة الزخرف.

الاقتداء برسول الله ﷺ في الصبر على الدعوة

وانظر إلى حياة النبي ﷺ في سورة الزخرف، فمرة يستهزؤون به، ومرة يضعون على رأسه أقذار الفطائس وهو ساجدٌ، ونغزوا الجمل بابنته حتى سقطت فأجهضت، ثم تآمروا على قتله ليلة الهجرة، وبعدها الحروب وغير ذلك، وكثير من الصحابة هاجروا ثلاث مرات، مرتين إلى أفريقيا والمرة الأخيرة إلى المدينة.

وهذا كله في سبيل الله وفي سبيل أن يجعلوا العرب ملوك الدنيا، ويجعلوهم علماء الدنيا، ويجعلوا مكة والمدينة كعبة العالم.

أُرِيدُ حَياتَهُ وَيُرِيدُ قَتلِي فَأَترُكُ ما أُرِيدُ لِمَا يُرِيدُ

“قتلي”: أو موتي.

ومع كل المعاناة التي عاناها النبي عليه الصلاة والسلام استطاع بحكمته وبعقلانيته الربانية وبأخلاقه الربانية أن يفعل ما لم يفعله الأنبياء كلهم من آدم عليه السَّلام إلى بعثته النبوية، وأصحابه من بعده وبأقلَّ من مئة سنة وحَّدوا نصف العالَم القديم سياسيًّا وجغرافيًّا وقوميًّا وعلميًّا وأخلاقيًّا حتى صاروا ((كَالجَسَدِ الواحِدِ، إذا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَداعَى لَه سائِرُ الجَسدِ بِالسَّهرِ وَالحُمَّى)) 8 .

والأفريقيُّ إذا ذهب إلى الصين لا يُسمَّى غريباً، والصينيُّ إذا أتى إلى دمشق لا يُسمََّى غريباً، أليس كذلك؟ وهل كان يحمل جواز سفر؟ وهل يقال له: غريب؟ وهل يشعر بالغربة؟ كلّ المسلمين وفي أيّ مكان يعاملونه كأنهم إخوانه وأبناء عائلته.

وهذا هو الإسلام الذي يجب إذا قرأنا القرآن أن نعمل كما عملوا، لنثمر كما أثمروا، ولنكون خير خلفٍ لخير سلف.

سورة الدخان إنذار لنا

والآن سورة الدخان إنذارٌ من الله تعالى بأنه ((لا تَقُومُ السَّاعةُ إلَّا عَلى أَشرارِ الخَلْقِ)) 9 ، وهذا حديثٌ نبويٌّ، وحديثٌ آخر: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ حتى لا يَبقَى عَلى وَجهِ الأَرضِ مَن يَقُولُ: الله الله)) 10 ، والمقصود أن يقول: “الله الله”، ليس بلفظه، بل يقول: “الله الله” بقلبه وبعقيدته، ويعرف الله بصفاته وبما يوجب له من قدسيةٍ وطاعة وإيمانٍ يتبعه العمل الصالح، أما إذا قال: الله الله، وهو يُحارب الله، ويهدم شريعة الله، فهل هذا يُقال عنه أنّه يقول: الله الله؟

فنبدأ لكم بالسورة: ﴿حم لم يرد عن النبي ﷺ شيءٌ في تفسيرها، وهذه من المتشابه، والقرآن فيه المحكَم وفيه المتشابه، والمؤمن يؤمن بمتشابهه ويتعلم مُحْكَمَه.

قَسَمُ الله تعالى بالقرآن

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:2]، الواو: واو القسم، واللهُ عزَّ وجلَّ يحلف بالكتاب، يعني بالقرآن، والشيء الذي يُحلَف به هل يكون عظيمًا أم حقيرًا؟ هل كبيرًا أم صغيرًا؟ هل يكون مقدَّسًا محترمًا أم عكس ذلك؟ فإذا صار القرآن موضع حلف الله عزَّ وجلَّ فكيف يجب أن ننظر إلى القرآن؟ أيَّة نظرة؟ وأيَّة نظرة احترام وتقدير! وما الاحترام والتقدير؟ بأن نتفهَّمه ونتعلَّمه ونضعه في الوعاء الذي خُلِق له، وعاؤه في القلب، فالقرآن مقدَّس، ويجب أن تجعل قلبك مقدَّسًا، فتبقى مقيماً على التوبة الصادقة والإنابة الصحيحة وتداوم على ذكر الله عزَّ وجلَّ حتى يحيى قلبك بنور الله، وعند ذلك يَعشق النورُ النورَ، و”كل وُلْفٍ على وُلْفِهِ يَلْفِي”، [هذا مَثَل بالعامية، وهو بمعنى: كلُّ إنسانٍ يميل إلى من يُشابهه ويألفه، ويجتمع بمن هو على شاكلته]، وعند ذلك يسري القرآن ونور الإيمان في كل أعضائك وجوارحك وتفكيرك وصفاتك وأخلاقك، فتصير كأنك أنت القرآن وأنت الدعوة وأنت سورة الدخان.

﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:2]، الذي بَيَّن للإنسان خريطة الحياة التي تُوصله إلى سعادة الدنيا قبل الآخرة، وسعادة الجسد مع سعادة الروح، وإلى حياة الروح مع حياة العقل والفكر.. ومع الأسف فإن الفهم الإسلامي عبر التاريخ جُزِّء، وكما قال الله تعالى: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91]، يعني فرَّقوا بعضه عن بعضٍ.

– فبعضهم أخذوا ما يسمُّونه الأحكام الفقهية، يعني الأحكام الجسدية وكيف يصلي الجسد وكيف يصوم، والأحكام الدنيوية وكيف نبيع ونشتري.

– والصوفيون أخذوا الناحية الروحية.

– وعلماء العقيدة أخذوا العقيدة بالكلام.

ولكن توجد مسؤولية الأمة ومسؤولية العالَم، وهذه المسؤوليةٌ على المسلمين، أليس النبي ﷺ مسؤولاً عن أن يكون رحمةً للعالمين؟ ومَن الذي قام بعده؟ وهل هذه من خصائص النبي ﷺ ونحن لا علاقة لنا وفقط نصلي ونصوم؟ لا، بل قاموا بأرواحهم ودمائهم، وتركوا أوطانهم وأهاليهم وأولادهم، وذهبوا إلى الموت لأجل أن يُحيُوا شعوب العالم.

القرآن مخطًّط الله تعالى لنا

فالكتاب المبين بيَّن كيف تمشي على المخطط الإلهي في حياتك في كل خطوة من خطواتك، وفي كل نظرة من نظراتك، وفي كل جلسة من جلساتك، وفي كل صاحبٍ من أصحابك، وفي كل دقيقةٍ تمرُّ عليك، فيجب أن تكون ضمن المخطَّط والكتاب المبين والخريطة الواضحة، والمقصود: “خَلَقتُ الخَلْقَ” كما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى بعض الأنبياء “لِيَربَحُوا عَلَيَّ لا لِأَربَحَ عَلَيهِم” 11 .

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات:17]، يقول: “أُصلِّي لله تعالى”، يعني من أجلك يا الله، وهو لا يفهم ما معنى النية، بل أصلي لأجل أن أنال رحمة الله ومغفرة الله ورضاء الله وتوفيق الله وعطاء الله عزَّ وجلَّ، فهو يصلي ويَمُنُّ على الله، والحال أن المنة من الله عليه في الصلاة وفي الوضوء وفي الصوم وفي الذكر وفي كل شيء.

نزول القرآن في الليلة المباركة

﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:2]، يا سبحان الله ما أحلى القرآن! ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، الليلة المباركة أي نزل القرآن في رمضان، والليلة المباركة يُقال: إنها ليلة القدر، وفيها نزل القرآن إلى سماء الدنيا دفعة واحدة، وبعدها نزل مفرَّقًا في ثلاثٍ وعشرين سنة، وهذا ليس ذا شأن كبير بالنسبة لهدف القرآن، والمقصود أن تلك الليلة التي نزل فيها القرآن ليلة نزلت فيها بركات السماء على الأرض، وما البركة؟ هي الخير والخيرات نزلت على العرب، واختار الله العرب من بين كل شعوب العالَم ليحملوا الرسالة والنبوة العالَمية إلى مشارق الأرض ومغاربها، وفي الحديث: ((سَيَصِلُ الإسلامُ إلى ما وَصَلَ إلَيهِ اللَّيلُ وَالنَّهارُ)) 12 .

فهذه هي الليلة التي نزل فيها هذا الكنز الرباني السماوي، وهو المدرسة والمصنع الرباني المملوء بالكنوز، وبما يُحيي العقول والقلوب والأرواح والإنسانية والسلوك، ويعطي النجاح والنصر وسعادة الدنيا والآخرة، ومن برامجه أن يكون كلُّ مسلم غنيًّا، فمن الفرائض أن تكون غنيًّا لا فقيرًا، وكيف يَحدُث الغنى؟ هل يكون بالتمني والكسل أم بالجد والعلم والعمل والأخلاق والسلوك؟ وكيف جعل الله الغنى فرضًا؟

دعوة الإسلام إلى الغنى

أليس الحديث يقول: ((بُنِيَ الإسلامُ عَلى خَمسٍ)) 13 ، وأحد الخمس ما هو، والذي هو ركن من أركان الإسلام؟ هو الزكاة، وهذا الركن كالصلاة، وهل تُقام الصلاة بلا وضوء؟ فإذا كانت الصلاة فريضةً، فالوضوء ما حكمه؟ فرضٌ، وإذا كانت الزكاة فرضًا، فهل الزكاة تُقام بالفقر أم بالغنى؟ بالغنى.

إذن ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، يعني صيروا أغنياء لتؤدُّوا الزكاة، والفقير هل يستطيع أن يُقيم هذا الركن؟ لا يستطيع، وهو مثل “المَفْلُوج” [المصاب بالشلل النصفي] لا يستطيع أن يصلي قائمًا، أو مثل فاقد الماء، لا يستطيع أن يصلي حتى يتطهر.. والله يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً [البقرة:201]، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، وآية أخرى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8]، وفي حديث نبوي: ((كادَ الفَقرُ أنْ يَكونَ كُفرًا)) 14 .

وأنتم أيها المشايخ مهما فعل الله بكم تستحقون! وكل دعوتكم إلى الفقر، فهذا يكتب “الفقير”، [وذلك عندما يَذْكُر اسمَه، كأن يكون مؤَلِّفاً لكتاب فيكتب: المؤلف الفقير فلان الفلاني أو في رسالة وما شابه.. وقول سماحة الشيخ: “وأنتم أيها المشايخ مهما فعل الله بكم تستحقون”، قد يبدو قولاً قاسياً، ولكنه في الحقيقة تنبيه قوي وأسلوب تربوي، وبهذا الأسلوب لا ينسى مَن يُخاطَب هذا التوجيه.. ولا ينبغي أن ننسى أن كل المخاطَبين هم تلامذة الشيخ وأحبابه وأبناؤه]، وهذا يكتب الضعيف، وهذا المسكين، والمسكنة ضربها الله عزَّ وجلَّ على اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [البقرة:61]، و((المؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ مِنَ المؤمِنِ الضَّعِيفِ)) 15 ، والذلة هي تَسلُّط العدو الذي هو الاستعمار، والمسلمون اليوم تحت حكم الاستعمار اللامباشِر، وكلهم فقراء، ليس بالمال فقط، بل بالمال وبالعقل وبالأخلاق وبالتقدم وبكل شيء، فيجب علينا أن نرجع للقرآن رجوعًا حيًّا، لا لنُرحَم ونعيش في ظلال رحمة الله، بل لنُرحَم ونَرحَم، ولنكون رحمةً لشعوب العالم.

ذُلُّ المسلمين بسبب بُعدهم عن القرآن

والآن صرنا محتاجين إلى رحمة أعدائنا، فمن أجل فلسطين مثلاً أصبحنا نقبِّل أرجل أمريكا واليهود أن تعالوا وفاوضونا.. كنا نقول فيما مضى أنكم شذَّاذ الآفاق وسنلقيكم في البحر، وأمّا الآن فيا شذاذ الآفاق نقبِّل أرجلكم تعالوا فاوضونا، فهل الإسلام هكذا؟ النبي ﷺ قتل كبار زعمائهم في وسط قلاعهم وحصونهم، يعني كأنه أحضر “بن غوريون” من حصنه، [بن غوريون أحد أبرز المؤسسين لإسرائيل، وأول رئيس وزراء لها]، وهم هكذا يفعلون بالمسلمين، أليس مرة في مصر أخذوا الرادار في زمن عبد الناصر في قلب البلاد المصرية؟ وكذلك في تونس منذ سنة أليس هكذا؟

النبي عليه الصلاة والسلام هكذا كان يفعل بهم، ومَن يُحيي سنة سيدنا محمد ﷺ؟ الحقُّ عليكم أنتم أيها المشايخ، لأنكم لا تعرفون كيف تعلِّمون الناس، أنتم تعلِّمونهم القلقلة وأحكام التجويد وإجادة النطق، فأين إجادة النطق مِن إجادة الفهم؟ وبعد إجادة الفهم يجب أن تهيئ قلبه وإرادته وروحانيته لإجادة العمل، وبعد إجادة العمل ما انتهى، بل يجب أن تعلِّمه تجويد التعليم والدعوة إلى الله وتصنيع المسلم الجديد.

انتخاب مفتي سوريا ليكون رئيس الأديان في العالم

أنا ذكرتُ لكم أنه في المؤتمر الأخير في موسكو طُلِب إليَّ أن أُمثِّل أديان العالَم كلَّها لألقي الكلمة في الكرملين وبحضور غُوربَاتْشُوف، [آخر رئيس للاتحاد السوفيتي]، وبحضور ممثلين لمئة وسبع وعشرين دولة، ولألقي ليس كلمة الإسلام فقط، بل الإسلام وكلّ الأديان، في موضوع التطور والبيئة وبقاء الإنسان، وألقيت الكلمة، وكان أول مِن صفق غُوربَاتْشُوف، والذين تكلموا ثلاثة، أنا وعضو مجلس الشيوخ الأمريكي، والثالث غُوربَاتْشُوف.

وعلى أثرها انتُخِب مفتي سوريا ليكون رئيس قادة أديان العالَم في هذا المؤتمر العالمي، ومدة الرئاسة فيه سنتان، لأنهم سمعوا من الإسلام مدة ربع ساعة، وهذا إسلام القول، فكيف لو رأوا إسلام العمل؟ كيف لو رأوا إسلاماً لا في ربع ساعة، بل فيما يقارب ساعتين! واللهِ لو كان خمسون مثل غُورباتْشُوف لا يهُمّون المسلم الحقيقي، وفوقهم بوش وغيره، [بوش رئيس أمريكا في ذلك الوقت]، فالإسلام أعظم من كل هذا، والمسلم الحقيقي علمًا وعملًا وقلبًا وروحًا وحكمةً لا يرى شيئًا عظيمًا في الدنيا إلا “الله أكبر”، والإسلام من كل شيء أكبر.

الإسلام ليس بالأماني

اعتزوا بإسلامكم، لكن بعد الفهم والعمل، وبعد العقل الحكيم، وبعد تزكية النفس، وليس بالدعاوى والتمني، فالله تعالى قال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ دخول الجنة ﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، أو كما قال الشاعر

إذا تَمنَّيتُ بِتُّ اللَّيلَ مُغتَبِطًا إنَّ المنَى رَأسُ أَموالِ المفالِيسِ

بالتمنيات، وبقول: إننا نحن أمة محمد، وسندخل الجنة، وهذا سيضرب باب الجنة، وإذا لم يفتحوا له يفتحه برِجله، هذا كلام الحشَّاشين والسكارى وكلام الجاهلين، وحتى الجاهلِيِّيْن لم يتكلموا هكذا.. وقد صار المسلم يخاف من كونه مسلماً.

فعلينا أن نرفع إسلامنا في كل مكان، لكن الإسلام الحقيقي، فإذا رفعتَ رأسك تُعَزُّ وتُعِزُّ، وتنتصر وترتفع وتغنى، وكل ما تطلبه من الحياة اطلب الإسلام تجده في الإسلام، وإذا استطعتَ أن تمتلك الإسلام قلبًا وعلمًا وعملًا وسلوكًا فإنّ الإسلام يقدِّمه لك هبةً رخيصةً بلا مقابل.

بركات ليلة نزول القرآن

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، وما بركات تلك الليلة؟ كان العرب يعبدون الأصنام، وكانوا يذبحون بعضهم بسبب فَرَس، بسبب داحس والغبراء ظلُّوا يتحاربون أربعين سنة، [فرس اسمها داحس، وفرس اسمها الغبراء]، وحرب الفِجَار كذلك مدة طويلة، وكان أحدهم لا يأمن أن ينتقل من مكان إلى مكان: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103]، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123]، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8]، ألم يقل لهم النبي ﷺ: ((أَلَم أَجِدْكُم عَالَةً)) فقراء ((فَأَغناكُمُ اللهُ بِي؟)) فالإسلام ينقلك من الفقر إلى الغنى، ((وَضُلَّالًا)) تائهين عن طريق سعادتكم، ((فَهَداكُمُ اللهُ بِي؟ أَلَم أَجِدكُم؟)) قالوا: “الله ورسوله أَمَنُّ”.

ولَمَّا أعطى الغنائم للمؤلَّفة قلوبهم والطلقاء من أهل مكة حزن بعض الصحابة وقالوا: نحن الذين قاتلنا والغنائم لغيرنا! فقال لهم ﷺ: ((إنَّما أُعطِي مَن أُعطِي تَأَلُّفًا لِقَلبِهِ، أَلَا تَرضَونَ أنْ يَرجِعَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَرجِعُونَ أَنتُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟)) فصارت الدموع تنزل من لحاهم، يعني قال لهم: أنا غنيمتكم، ((اللَّهُمَّ ارحَمِ الأَنصارَ، وَأَبناءَ الأَنصارِ، وَأَبناءَ أَبناءِ الأَنصارِ)) 16 .

ما أعظم حكمته! وما أعظم أخلاقه! ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وهل يحتاج النبي ﷺ إلى أن يشاورهم؟ وهل يحتاج إلى عقولهم؟ هو الذي صنع عقولهم، وهو متَّصلٌ بالوحي ومتَّصلٌ بالله عزَّ وجلَّ، ومع ذلك قال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159]، وهذه ديمقراطية.

انبهار المسلمين اليوم بالديمقراطية

أليس عيبًا علينا أن نقول: ديمقراطية؟ هل عرفنا الإسلام حتى نقول: إسلامية ومحمدية؟ هم يتباهون بالديمقراطية ويقولون إن ملك السويد يركب في الحافلات مع عامة الشعب، ويمشي في الشارع وحده.. هذه الديمقراطية بزعمهم.. والنبي عليه الصلاة والسلام مرة أتى إليه أعرابيٌّ ومن هيبة النبي عليه الصلاة والسلام صار يرجف فقال له: ((هَوِّنْ عَلَى نَفسِكَ، فَإنَّما أَنا ابنُ امرَأَةٍ كانَتْ تَأكُلُ القَدِيدَ في مَكَّةَ)) 17 ، أي اللحم المجفف في الشمس، وهو طعام الفقراء، يعني أنا ابن فقير، فلماذا تخاف إلى هذه الدرجة؟ وكان ﷺ يركب الحمار بلا إكافٍ، يعني من غير جِلال وبلا رسن، [الجِلال هو الغطاء الذي يُوضَع على ظهر الدابة]، وأحيانًا يُنزِل رِجليه الاثنتين من جانب واحد، ويَركب البعير ويُركِب وراءه أحد الأولاد، أليست هذه ديمقراطية؟ وكان ﷺ يخصف نعله، يعني يشتغل “كالإسكافي”، فهل ملك السويد يُصلح حذاءه؟ [الإسكافي: مصلح الأحذية].

وسأحكي لكم قصة حلبية، ولكن أخشى أن يكون هنا حلبيون حاضرون، [يضحك الشيخ ويضحك معه الحضور]، وإذا يوجد فـ”منهم وعليهم ومنا وعلينا وهم ما عداهم”، [كلمات شعبية تقال للاعتذار عن أي خطأ يحدث أثناء الكلام، وسماحة الشيخ يقول هذا الكلام ممازحًا وملاطفاً]، اجتمع اثنان من حلب فقال أحدهما: هل أبوك ديمقراطيٌّ أكثر أم أبي؟ فقال الآخر: أبي، فردَّ عليه: بل أبي، فقال له: أعطني الدليل، قال له: أبي لديه عربة خيل، وعندما يركب العربة لا يركب في صدرها، بل يركب بجانب السائق، لأنه ديمقراطي ولا يريد أن يتعالى ويتميَّز على أجيره سائق العربة، فأبي ديمقراطي، وهل أبوك هكذا؟ قال له: أبي “أَدَمَقْرَط” من أبيك بخمسين مرة، فقال له: كيف؟ قال له: أبي يتعلَّق بالعربة من الوراء. [أَدَمَقْرَط: أي أكثر ديموقراطية، وهي كلمة عامية جداً، وتدل على مستوى طفولي وبسيط جداً في اللغة.. وفي نهاية الطرفة يضحك الشيخ والحضور كثيراً].

بُعْد المسلمين عن الشخصية الإسلامية

لقد فقدنا شخصيتنا وثقافتنا العربية، وإذا لم نقل: “إسلام”، أليس النبي ﷺ عربيًّا؟ أليس قوميًّا؟ وهل هناك قومي وعربي أعظم منه؟ اترك الدين والنبوة والإسلام.. [سماحة الشيخ هنا يتكلم باللهجة العامية، ومقصوده مفهوم لمن يتكلم بها، لذلك يجدر التوضيح للقارئ العربي العادي، فقوله: “إذا لم نقل إسلام” وكذلك قوله “اترك الدين والنبوة والإسلام”، الشيخ أولاً يقول هذا الكلام لأنه يخاطب القوميين والذين يرفعون شعار العروبة، ولكنهم في الوقت ذاته يحاربون الدين ويكرهون الإسلام، ولا يفهمون أي شيء فيه، فهو يقول لهم: اتركوا الدين جانباً ولا تخافوا، فلن أحدثكم عن النبي ﷺ من الناحية الدينية التي تحاربونها، بل أحدثكم عنه من خلال توجهكم وانتمائكم وشعاراتكم؛ من ناحية القومية والعروبة].. هل درسوا شخصية النبي ﷺ وسيرته وحياته كإنسان عربي قومي؟ ولكن المسلم اليوم لا يعرف شيئًا، بل يدرس شكسبير ويدرس كلَّ عظماء المستعمِرين، وهذا كله في برنامجٍ لإبعاد المسلم عن دينه، وإذا ذُكِر النبي عليه الصلاة والسلام يذكرونه بالكذب والإفك والبهتان، حتى ينقلب المسلم عدوَّ إسلامِه ونبيه وقرآنه، ولأجل أن يُبقُوا طوقَ الإذلال والاستعمار في رقاب المسلمين وإلى يوم القيامة.

لذلك فإن غلادستون رئيس وزراء بريطانيا أمسك القرآن وقال: “ما دام المسلمون يتمسَّكون بهذا القرآن فلن تستطيعوا عليهم سبيلًا”.. والتمسُّك ليس بورقه، بل التمسُّك بعلومه وتطبيقه، وبالتخلُّق به وبالدعوة إليه بالأقوال والأعمال وبالقلب والروح.

تحوُّل العرب من الجاهلية إلى الإسلام

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، ماذا كان من بركات هذه الليلة؟ كان العرب يعيشون مع الوحوش، وكانت عقولهم أقلَّ من عقول الحيوانات، كان أحدهم يعبد صنمًا في المدينة، وأولاده شباب صغار أسلموا، وكانوا يكلِّمونه وينصحونه فلا يقبل، وفي يوم من الأيام ذهب إلى صنمه ليُصلِّي له، وإذ به يرى ثعلبًا قفز على رأس الصنم ورفع رجله وهو يبول عليه، فلما رأى هذا قال

أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعلبانُ بَرَأسِهِ لا خَيرَ فِيمَنْ بالَتْ عَلَيهِ الثَّعالِبُ

ثم أسلم، ولكن من كان أستاذه؟ الثعلب، وبعضهم كان ينصح أباه في المدينة أن يُسلِم فما أسلم، فكانوا يأخذون صنمه في الليل ويرمونه في بئرٍ مالح يعني في الكنيف، فأصبح من الغد وبحث عن ربه فرآه في الكنيف، فذهب وغسله وطيّبه، وحدث هذا مرتين أو ثلاثًا، ومرة أحضر له سيفًا، وقال له: أنا في كل مرة أخلِّصك، وهذا السيف معك، وإذا لم تدافع عن نفسك فلن أحميك بعد اليوم، فأتى أولاده في الليل وكرروا ما كانوا يفعلونه، ورآهم فقال له

وَاللهِ لَو كُنتَ إِلَهًا لَم تَكُنْ أَنتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئرٍ في قَرَنْ

ربطوه مع كلب ورموه في البئر.

وهكذا كان العرب، فماذا فعلَت هذه الليلة المباركة بالعقل العربي؟ هل تركَته يعبد الأحجار حتى تعلِّمه الثعالب والكُنُف؟ ولقد كانوا يدفنون البنات في قيد الحياة، وكانوا يتقاتلون كما تعلمون، وكانوا أُمِّيِّين فقراء، وكانوا يأكلون “العلْهَز”، يعني الدم المخلوط بالشعر، وكانوا يُجفِّفونه لوقت المجاعات.

الليلة المباركة أوصلت الإسلام إلى كل العالَم

فأيُّ ليلةٍ مباركة تلك التي نزل فيها القرآن! وصلَت لغتهم إلى إندونيسيا وسيبيريا، وأصلها بالصاد صيبيريا، يعني بلاد الصبر، ولقد سألتُ مفتي سيبيريا عن عقيدة سكانها فقال لي: إن ثمانين بالمئة منهم مسلمون، وذلك إلى البحر المتجمد الشمالي وإلى بحر اليابان، وكلهم بلغة القرآن واللغة العربية.

أليست هذه ليلة مباركة؟ من منتصف فرنسا إلى الصين دولة واحدة وقومية واحدة وقانون واحد، والمساواة في الحقوق والمعاملات بين كل الشعوب مع اختلاف الدين، وفي أمور الحياة الدنيا: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”، و”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟” أليست هذه ديمقراطية؟ لكن الذي لا يعرف الإسلام كيف يَعتزُّ به؟ والذي لا يعرف البندقية كيف ستكون لديه شجاعة حتى يلاقي خصمه في المعركة؟ تَعَلَّموا الإسلام بآذانكم وعيونكم وقلوبكم وبالأعمال، وكونوا ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3]، هل معركة اليرموك بركة أم ليست بركة؟ ومن أيِّ ليلة؟ من الليلة المباركة، والقادسية كذلك، ولقد كان الخليج العربي وبغداد بيد الفُرس، والشام ومصر وشمال أفريقيا بيد الرومان، فمن حرَّرها وعرَّبها وثقَّفها؟ وبعد ذلك، مَن جعل ابن سينا والرازي الذين صاروا أساتذة أوروبا؟ وهذه من أي ليلة أتت؟ من الليلة المباركة.. ما الذي جعل تلك الليلة مباركة؟ نزول القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3].

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:1-2]، أقسم بالكتاب المبين، فهل عرفت قَدْر الكتاب المبين الذي نزل في الليلة المباركة؟

﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان:3]، هذا الكتاب فيه إنذار، وما الإنذار؟ إذا كان شخص بجانبه أفعى وقيل له: احذر الأفعى، أليس هذا إنذارًا؟ وإذا أتت غارة وسمعنا صوت البوق فما هذا؟ هذا إنذار، يعني انتبهوا واذهبوا إلى الملاجئ حتى لا يصيبكم شيء من أضرار العدو.

ولقد جاء القرآن والنبي ﷺ ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الإسراء:105]، المبشر يدعوك إلى كل ما يُسعدك وإلى كل ما ينفعك وإلى كل ما يعزُّك وإلى كل ما يرفع شأنك، وإلى العلم والفضائل والأخلاق الكريمة، وينذرك من كل ما يؤذيك أو يضرك أو يشقيك أو يتعسك في جسدك وحياتك الجسدية وفي حياتك الروحية، أليست هذه ليلة مباركة؟ والقرآن كلّه بالشكل العقلاني: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون:117]، لكن إذا كان هناك برهان: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ إذا كان حقيقةً واقعة ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81].. وهذا المنطق هل يُهزَم؟

بُعْدُ الكنيسة عن العقل والمنطق

ولكن الكنيسة تحرِّم تفسير الإنجيل إلا عن طريقها، والإنجيل فيه وحدانية الله واضحة وضوح الشمس، لكن لا يجوز أن تفهم أن هذه وَرْدٌة حتى أقول لك: هذه وردٌة، أما إذا قلتُ لك: هذه “أمّ الإِبَر” [أمّ الإبر: القنفذ، ويُسمى بذلك في اللهجة العامية لما له من أشواك أو إبر] فأنا ككنيسة يجب أن تصدِّقني.. وهكذا المسيحية تفرض على المسيحيِّ أن يعتقد بحسب ما تفسِّر الكنيسة لا بحسب مقتضيات المفهوم اللغوي في منطوق الإنجيل.

أما القرآن فليس هكذا، والإسلام ليس هكذا، لكن نحن نفقد العالِم الحقيقي الذي قال عنه النبي ﷺ: “عالِم”، وليس من تقول عنه المدارس: إنه عالِم، والناس أشدُّ حاجةً إلى العالِم الحقيقي من حاجة الأرض العطشى إلى ماء السماء، وأشدٌّ حاجة إليه من حاجة الجائع إلى الطعام الشهي، والعطشان في الصحراء إلى الماء المثلَّج المبرَّد المحلَّى.

الحكمة من الإسلام

﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا، في هذه الليلة المباركة ماذا يوجد؟ ولماذا صارت مباركة؟ قال: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:3-4]، سنُفَرِّق لكم ونُمَيِّز ونوضح لكم الخير لتتَّجهوا إليه، والشر لتجتنبوه، والعلم لتتعلَّموا، والجهل لتحاربوه، والقوة لتقووا، والضعف لِتُداووا ضعفكم بالقوة، والرذائل لننذركم منها لأنها توصلكم إلى الشقاء، والفضائل لتوصلكم إلى العزة والسعادة.

﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان:3]، لماذا؟ قال: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الدخان:6]، لأجل أن نرحمكم ونسعدكم، والسعادة هل تكون بالجهل أم بالعلم؟ والليلة المباركة هل أتت بالعلم أم بالجهل، بالقوة أم بالضعف، بالغنى أم بالفقر، بالوحدة أم بالتفريق والتمزق، بالصدق أم بالكذب؟ وهل السعادة بالكذب أم بالصدق؟ الذي يكذب هل يصدقه أحد؟ والغشاش هل ينجح؟ والنمام لا بد أن تظهر نميمته في يوم من الأيام ويُحتقَر ويُنظَر إليه بنظرة الاحتقار والازدراء.

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [الدخان:4-5]، هذا الأمر الحكيم، والأمر الحكيم مطابقٌ للحكمة وللواقع وللتعريف بالأسباب ومسبَّباتها، وهذه الحكمة لتُعرِّفك بالأمور وحقائقها، والقرآن هكذا يدعو المسلم ليتعلَّم الحكمة، فلا يُقدِم على شيء حتى يدرسه أسبابًا ومسبَّبات، وحتى يدرسه بكل حقائقه وأبعاده وبمقدماته ونتائجه، وليس الدين فقط صلاة، بل دراسة الأمور، فإذا أردتَ أن تأكل الفجل فعليك أن تأكله بحكمة، هل في جسمك ما يمنع من أكل الفجل؟ وما منافع الفجل؟ وما مضار الفجل؟ وكذلك الشاي وغير ذلك.. ولماذا حرَّم الإسلام الخمر؟ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، المسلمون الأُوَل تقبَّلوا تحريم الخمر إيمانًا، أما الآن فالعلم “قامت قيامتُه” على الخمر وعلى المسكِرات والمخدِّرات وعلى الزنا، [قامت قيامته: بمعنى ضجّ كثيراً وقام بثورة]، وأنا رأيتُ “رِيغِن” بعيني في التلفزيون يقول: مرض الإيدز ليس له دواء إلا العفة من الزنا. [رِيغِن: الرئيس الأربعون للولايات المتحدة الأمريكية (1981-1989)]

وهذا الذي قاله قد قاله القرآن قبل خمسة عشر قرنًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، فالذي يمشي في هذا الطريق فبئس الطريق، لأنه سيوصله إلى أتعس أنواع الحياة، والآن لم يبقَ إيمانٌ، بل أصبحنا في عصر اليقين، لكن لِمن يطلب اليقين ولِمن يطلب الحقائق، أما إذا لم يطلب فكما إذا سألتُكم: هل يوجد في البلد حشَّاشون أم لا يوجد؟ [يجيب بعض الحضور: نعم]، إذن يوجد حشاشون في البلد، [سماحة الشيخ يخاطب بعضهم:] دكتور، هل تعرف أحدًا من الحشَّاشين؟ شيخ رجب هل تعرف؟ [يجيبون: لا]، وأنا أكثر منكم: لا أعرف، مع أنهم موجودون، ولكن الذي يسأل عن الحشَّاش هو مَن له علاقة بالموضوع.

“فالحكمة أن تعرف الأمور بحقائقها وأسبابها ومسبباتها قَدَرًا وخَلْقًا وشرعًا”، فتعرف حكمة الأقدار وحكمة الخلق وحكمة التشريع، وهذا كله نحن بعيدون عنه في مجتمعنا الديني، ومشايخُنا بعيدون عن هذه الحقائق وعن فهم الإسلام، مع أن القرآن يقول: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ يميَّز ويوضَّح ويبيَّن ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، بحكمته وأهدافه وثمراته وبما يعطيك من سعادة وما يحصِّنك من الشقاء.. هذا هو الإسلام وهذا هو دين الله! والله هو الذي خلق المجرَّات والفضاء بلا نهاية، فهل يحتاج إلى صلاتي وصلاتك؟ الكرة الأرضية كلها ذَرَّة، وأنت على هذه الذرة ماذا تكون؟ وصلاتك ماذا تكون؟ يعني إذا صلَّيت هل تعطي الله “كرافة” [ربطة عنق] “وطَقْمًا” جديدًا من أجل العيد؟ [الطَقْم: لباس رسمي أنيق لكامل الجسم].

وجوب الدعوة إلى الإسلام بالحكمة

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، فهل تَعرِض الإسلام الحكيم والصلاة بحكمتها والزكاة بحكمتها والصوم بحكمته والحج بحكمته والقرآن بحكمته وبأهدافه؟ ليست المسألة قضية إيمان فقط، هل هناك مَن إذا عَرف الألماس بحقيقته يزهد فيه؟ وإذا عَرف ملكة الجمال بحقيقتها يزهد فيها؟ ربما يزهد فيها واحد مثلي، [يقول ذلك سماحة الشيخ على سبيل المُبَاسَطَة]، أما أبو بهاء، هل تزهد؟ [أبو بهاء: شابّ من إخوان الشيخ المحبين الملازمين على دروسه، وكان دائم الحضور في الصف الأول، ولذلك خاطبه الشيخ بهذا السؤال ممازحاً له وملاطفاً.. وقد كان من التجار، ويخدم الدعوة كثيراً بما أعطاه الله من مال].

قيل: إن أعمى كان متزوِّجاً، وكانت امرأته تقول له كثيراً: آه لو ترى خدودي التي هي أحلى من “تفاح الزبداني”! [الزبداني منطقة في ريف دمشق، ومنها ينبع نهر بردى، ومشهورة جداً بتفاحها]، وعيوني الخضراء والزرقاء! وبياضي.. فقال لها: كفاك كلامًا، فلو كان فيك خيرٌ لأخذك المبصرون.. ونحن صار بنا مثل هذه القصة.

فلنعد إلى الإسلام، لكن رجوع العلم ورجوع التعلُّم والعمل والأخلاق والحكمة، واللهِ نحن أسياد العالَم ونحن قادة الدنيا، ولا أقول لكم ذلك عن عاطفة، ولكن عن رؤية وممارسة ومشاهدة، ويجب أن نخلع التعصب المذهبي، ويجب أن نعود لكلمة مسلم فقط، لا شيعي ولا سني ولا علوي ولا شافعي ولا صوفي ولا سلفي، [خلع التعصب المذهبي لا يعني خلع المذاهب الفقهية كالشافعي والحنفي، بل هذه لا بد منها للمسلمين].. هذه أُمنية، ولكن تحتاج إلى وسائلها حتى تُقلَب إلى حقيقة.. ونسأل الله أن يُهيِّئ الوسائل والأسباب.

﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [الدخان:5]، الأمر الحكيم إذا كان أمرًا حكيمًا من إنسان حكيمٍ ذي عقل كبير فهذا شيء عظيم، لكن هل هو معصوم من أن يخطئ؟ ليس معصومًا، ولكن هذا الأمر الحكيم من الحكيم العليم؛ مِن خالق الكون وواضع نظامه وقوانينه من الذَّرَّة والمكروب وكرة الدم الحمراء وكرة الدم البيضاء والفيروسات إلى المجرات، ونحن اكتشفنا ملايين المجرات، وما زلنا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، أَمَّا ماذا يوجد بعدها فنحن ما أخذنا من البحر إلا قطرة.

كيفية تعظيم القرآن

إذا كانت هذه الليلة المباركة أُنزِل إليك فيها الكتاب الذي جعله يمينه ويَحلف به فكم هذا الكتاب عظيمٌ؟ وهل تُعظِّم القرآن كما يُعظِّمه مُنزِله؟ وتعظيمه بماذا؟ هل بأن تُقبِّله؟ إنك تُقبِّل جِلْدًا، ومن أي جلد يُصنَع غلاف الكتاب؟ إما من جلد تَيْس أو جلد بغل -والله أعلم- أو من كرتون، وإن تعظيم القرآن ليس أن تُقبِّل جلده، وتقبيلُ الجلد رمزٌ ولا بأس به، ولكن تعظيمه بأن تَعلَمَه وتفهمه وتُحْيِيَه بعملك وبالدعوة إليه وتنشِئ حياتك عليه، فتكون أنت قرآن العمل والقرآن المجسم، حتى يعشقك كل من يراك.

وإنه لا يوجد أجمل من المعاني الجميلة، وهناك جَمال الجسد وجَمال الصوت وجَمال المنظر والجَمال المعقول والجَمال الروحي، والقرآن جمع كل شيء، ولكن نحن مرايا مقعَّرة أو مُحدَّبة، إمَّا لها حفرة من الداخل أو لها تَحدُّبٌ من الخارج، فإذا نظرَتْ فيها ملكة الجَمال كيف يظهر أنفها؟ يظهر أنفها بحجم نصف بغل، فنحن مرايا يظهر فينا الإسلام المشوَّه.. وأسأل الله أن تكونوا إسلامًا حقيقيًّا، وإسلامَ ليلةٍ مباركة، والإسلام الذي يُحلَف به، ويُحلَف بإسلامكم.

الكون قائم على الحكمة

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، لا يوجد شيء بلا حكمة، ولا شيء بلا نتيجة وثمرة وهدف سامٍ وعالٍ، بل كله قائم على أعظم الأهداف التي تُوصِلك إلى أعلى أنواع السعادات، ففي المعركة لك النصر، وفي الجسم لك الصحة، وفي العقل لك الحكمة والصواب والنجاح، وفي الاقتصاد لك الغنى والثروة والرفاه، وفي الجماعة لك الوحدة وكالجسد الواحد.. أليس هذا أمرًا حكيمًا؟ ومن أين؟ ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [الدخان:5]، من عند الذي خلق لك الشمس والقمر والأرض، وجعل بينك وبين الشمس مئة وخمسين مليون كيلومتر، أليست هذه حكمة؟ لو جعلها مئة مليون كليومتر لاحترقنا، ولو جعلها مئتي مليون لأصبحنا كألواح الثلج.. وكلٌّ منها تسير بسرعة أكثر من مئة ألف كم في الساعة، فمَن الذي يربط بينها هذه المسافة المحددة؟ وهل هذا بحكمة أم بفوضى، بقوة أم بضعف، بعلم أم بجهل؟ هم سمُّوه طبيعة، لأنهم لا يريدون أن ينقادوا لأحكام الله عزَّ وجلَّ، بل لعبادتهم لشهواتهم الحيوانية، ورحم الله الصافي النجفي، له بيتان يقول فيهما

هَل في عُيُونِ الْمُلحِدِينَ عَماءُ أَم في عُقُولِ الجاحِدِينَ غَبَاءُ أَيَصِحُّ عَقْلًا أنَّ عَقْلًا مُبدِعًا قَد أَوجَدَتْهُ طَبِيعةٌ بَلهَاءُ

“أَيَصِحُّ عقلًا”: بقانون العقل، “أن عقلًا مبدعًا”: هذا العقل الذي أبدع الطيران والكومبيوتر والتلغراف والتلفزيون، أليس إبداعًا؟ هذا العقل المبدع مَن أبدعه؟

“أَيَصح عقلًا”: نخاطبك بشكل عقلي، فهل يصح أن عقلًا مبدعًا كعقل نيوتن وعقل المخترعين الكبار “قد أوجدته طبيعة عمياء أو بلهاء”؟

وإذا الطَّبِيعةُ أَوجَدَتْ وَتَصَرَّفَتْ قُلْنا: الطَّبِيعةُ وَالإلَهُ سَواءُ

نسأل الله أن يرحمه ويغفر لنا وله.

عظمة القرآن من عظمة مرسله

﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان:5]، أرسلنا رسالة منا إليكم، والآن لو أن رئيسنا بعث رسالةً إلى أحدكم كم يتباهى؟ ولو اتصل به بالهاتف أو أرسل له شرطيًّا وقال له: قل له: إن الرئيس يُسلِّم عليك، ربما ينتفخ ليصبح بحجم هذا الجامع، فكيف إذا أرسل الله لك رسالة، وليس مع شرطيٍّ، بل مع أشرف من وطئت قدماه على هذه الأرض! وكان النبي ﷺ يقول: ((أَنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ))، لكن ((وَلا فَخْر))، أقول لكم حتى تعرفوني، أقول لكم: هذه جوهرة وسعرها مئة ألف حتى لا تبيعوها بخمس ليرات، وليس هذا من باب الفخر، بل حتى تعرفوا كيف تنتفعون مني، ((آدَمُ ومَن دُونَهُ تَحتَ لِوائِي يَومَ القِيامةِ وَلا فَخْرٌ)) 18 ، لأن سيدنا آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام كم اهتدى على أيديهم؟ أما نبينا ﷺ ففي حياته قَلَب الجزيرة العربية كلها بكل ما فيها، وتلامذته من بعده قَلَبوا نصف العالَم بكل ما فيه، ونوح عليه السلام بذاته هل استطاع أن يفعل هذا أو جماعتُه؟

إرسال القرآن رحمة لنا

﴿مُرْسِلِينَ (5) هذه الرسالة ﴿رَحْمَةً [الدخان:5-6]، مفعول لأجله، يعني لأجل أن نرحمكم، ولأجل أن نُسعدكم، ولأجل أن ننقلكم من الظلمات إلى النور ومن الفقر إلى الغنى ومن الذل والاستعمار إلى العز والاستقلال، ومِن أن يقودكم العالَم لتقودوا العالَم لا قيادة استعلاء وسيادة، بل قيادة معلم لمتعلِّم وقيادة طبيب لمريض، “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” 19 .

﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)، هذه الرسالة وهذا الكتاب لأجل ماذا؟ ﴿رَحْمَةً [الدخان:5-6]، يعني لأجل أن نرحمكم ونُسعدكم ونغنيكم ونوحِّدكم وننصركم على أعدائكم، ولنجعلكم أساتذة العالَم.

ولقد أباح الله عزَّ وجلَّ للمسلمين الزواج مثنى وثلاث ورباع، لأن العرب كانوا قِلَّةً، واللهُ تعالى جعلهم أساتذة وهم قلائل، فجعل لهم حقل تكثير، أليس كذلك؟ والآن كل شيء إذا قَلَّ تجعل الحكومات الراقية له حقل تكثير.. فتزوَّجوا حتى ينجبوا حكماء وعلماء وأبطال ومجاهدين.

ونحن ماذا ننتج؟ الرجال الآن يلزمهم خصي وليس زوجة واحدة، [“يلزمهم خصي”: بمعنى: يجب أن يُخْصَوا.. وسماحة الشيخ يقول ذلك بأسلوب فكاهي وهو يضحك، ولا يقصد الكلمة بحرفيتها، بل يقصد الحث على التربية الصالحة والعلم، ولئلا يكون آباء المسلمين جاهلين، وينتجون أولاداً جاهلين]، فما هؤلاء الرجال؟ وهل هؤلاء رجال؟ الرجال هم الذين وصفهم الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:37]، وهذا في بناء روحانيتهم، وأما في نِتاجهم فقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [الأحزاب:23]، لا يخاف الموت، بل ينتظره انتظار العطشان إلى الماء البارد، وهذه مدرسة القرآن، وهذا هو الإسلام.

المسلمون الآن هل يُعطُون هذا الإنتاج؟ والمسجد مصنعٌ فهل يعطي هذا الإنتاج؟ لا يعطي، ومصانعنا خربة لأنه لا يوجد فيها مديرون ولا مختصُّون، وبرامجنا التعليمية التي تُخرِّج المشايخَ برامجُ لا تُنتِج المطلوب، وأرجو من الله عز وجل أن يهيئ الأسباب.

﴿فِيهَا في هذه الليلة المباركة التي نزل فيها القرآن في رمضان، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ، يُبيَّن ويُوضَّح ويُفصَّل كل أمر.. فالذي أنزلناه كله أمر ﴿حَكِيمٍ (4) قائمٌ على الحكمة وعلى العلم والمعرفة والأبعاد والعواقب والنتائج، وهو ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا، من عند خالق الكون، فما أنتم وما أرضكم؟! وإذا كان هذا هديةً منا لكم فهل يكون فيه نقصٌ وخلل؟!

﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان:4-5]، وهذه الأوامر نرسلها لكم مع رسول، ومَن الرسول؟ ((إنَّ اللهَ اختَارَ مِنَ العَربِ قُرَيشًا، ومِن قُرَيشٍ بَنِي هاشِمٍ، واختَارَنِي مِن بَنِي هاشِمٍ، فَأَنا خِيارٌ مِن خِيارٍ مِن خِيارِ)) 20 ، فلقد اختار الله تعالى أفضل إنسان ليجعله رسولًا منه إلينا، ومَن نحن حتى يبعث لنا رسولًا وأشرف رسولٍ وأعظم رسولٍ عليه الصلاة والسلام! وإذا أردتَ أن تُرسل سفيرًا إلى دولة كبيرة فإنك ترسل سفيرًا يكون أعظم السفراء.. نسأل الله أن يجعلنا أهلًا لشكر نعمة الله على الإسلام، لكن متى نعرف الشكر؟ إذا عرفنا ما الإسلام وطبَّقناه ورأينا نتائجه وثماره حينها نعرف عظمته ونعرف أن نقول: “سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك” 21 .

وجوب مراقبة الله تعالى في كل الأعمال

قال: لقد أرسلنا لكم الرسالة والبرنامج والخريطة لنرى ماذا ستفعلون وماذا ستتكلمون؟ ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:6]، أبو سفيان وأبو جهل وقريش في عشرين سنة قاموا بحروب على النبي ﷺ، وأطلقوا دعاياتٍ متعدِّدةَ الأشكال والألوان، وأرادوا أن يقتلوه.. والله تعالى سميع يسمع مؤامراتهم وكيدهم، وأمّا الذين آمنوا وضَحَّوا وبَذَلوا وصَدَقوا وهاجروا، فالله أيضاً سميعٌ لهم ويستجيب لهم، وهو عليمٌ باستجابة هؤلاء وبكفر هؤلاء، فيوجد مخابرات لله، ومخابرات الله على “المخابرات”، فإذا كنتَ رجل مخابرات فيوجد عليك مخابرات يا مسكين، وغدًا سيمسكونك من رقبتك، ويقولون لك: هل عملتَ في المخابرات بحق أم بباطل، بصدق أم بكذب، بما ينفع وطنك وبلدك أم بالعكس؟ [المُخابَرات: رجال الأمن في الدولة، الذين يراقبون الناس ويسجلون أقوالهم وأعمالهم، وعادة ما يكونون في كل مسجد، ويحضرون متخَفِّين كلَّ درس وخطبة ويراقبون كل شيء في المسجد، ثم يكتبون تقريرهم لفروع الأمن التابعين إليها، وكان بعضهم ربما يكذب في تقريره فيؤذي الشيخ والموجودين في المسجد، ولذلك خاطبهم الشيخ بهذه الكلمات.. وأما مخابرات الله فهم الملائكة التي تُسَجِّل الأعمال].

النبي ﷺ كان له مخابرات، والصحابة كانوا مخابرات، لكن مخابرات للحقيقة ولِما ينفع ويرفع ويفيد المجتمع، وأنا مرة كنتُ راجعاً من الزبداني فصرتُ رجل مخابرات، وصلتُ إلى الصحراء -وهذه القصة منذ أكثر من خمس وعشرين سنة- وأنا أقود سيارتي في وسط الصحراء كانت أمامي سيارة، وفجأة توقَّفَتْ ونزل منها أشخاص، وهناك مطارٌ فأخرجوا الكاميرات وصوروه، وركبوا ومشوا، وأنا عندما رأيتُ هذا خفَّفتُ سرعة سيارتي حتى أخذتُ رقم السيارة.. هؤلاء لماذا أخذوا صورة المطار ومن الشارع؟ هل بنيَّة خير أو تسلية أم بنيَّة سوء؟ هؤلاء جواسيس، وعند أول وصولي إلى دمشق اتصلتُ تلفوناً بالجهات الأمنية وقلتُ لهم: سيارة رقم كذا وكذا.. وسبقتُها حتى رأيتُها في المرآة لأرى ما نوعها وما شكلها ولونها.. وفي الساعة كذا وصار كذا وكذا.

وهذا فيه ثواب، وهو مثل العبادة، أما إذا أتيتَ إلى شخص بريء وهو ذاهب إلى عمله أو إلى المستشفى أو إلى مدرسته وكتبتَ في حقه أن هذا جاسوس، فهذا حرامٌ.. كما أن المال يُستعمل في الخير وفي الشر، والسلاح في الخير والشر، والوظيفة كذلك في الخير والشر.. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.. فطوبى لمن أجرى الله مفاتيح الخير على يديه.

الله وحده رب السماوات والأرض ورب كل شيء

﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان:5]، مرسِلين مَن؟ مرسليك يا رسول الله يا حبيب الله يا محمد بن عبد الله، ولماذا أرسلناك؟ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:6]، ومن صفاته أيضًا: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ، وكانوا يعرفون منها ستة آلاف نجم، وهي التي تُرى في العين، والآن بالعلم صار كما هو معروف، ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الدخان:7]، بين الأرض والسماء، والآن اكتشفوا طبقة الأوزون، وهي طبقة غازية، وهي درع الأرض لتقي سكان الأرض من الإشعاعات القاتلة الآتية من النجوم، وسمكها ثلاثة مِليمترات، [ورغم هذا السُّمك القليل، فهي تحجب معظم الأشعة فوق البنفسجية الضارّة وتحمي الحياة على الأرض].

﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الدخان:7]، مَن الذي صنع طبقة الأوزون؟ وهناك طبقات أخرى، وما زالوا يكتشفون، ومهما اكتشفوا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وهذا كله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الدخان6].

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الدخان:7]، إذا كنتم تريدون اليقين والعلم اليقيني والحقيقة فهذا هو اليقين والحقيقة.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الدخان:8]، والمشركون هذا أحضر حجرًا وعبده والثاني أحضر خشبة والآخر أحضر إنسانًا مثله يأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينام ويشعر بالنعاس ويؤلمه بطنه ويؤلمه قلبه ثم يقول: هذا الله!

أنا تكلَّمتُ مع البابا لَمَّا تحاورتُ معه وقلتُ له: الذي خلق الإلحاد وخلق ماركس ولينين أنا وأنت، قال لي: كيف؟ قلت له: لو أننا نقدِّم الدين للناس بشكل إقناعي مبرهَن بدلائله الإقناعية الصحيحة العلمية لَمَا ألحد أحدٌ، لأن الدين كله جَمال وسعادة وكله عقلانيّة.. وكان كرادلته حاضرين لمحاضرتي في الفاتيكان، ودعاني لحضور محاضرته، ومن جملة ما قال للكرادلة: ينبغي أن تعرضوا الدين بعقلية القرن العشرين والواحد وعشرين.. لكن لا يمكنهم ذلك إذا بقوا على ما هم عليه.

ولقد أتى القرآن ليس ناسخًا لِما جاء به المسيح عليه السلام، بل جاء مجدِّدًا وجاء مدافعًا، وليس ناسخًا للتوراة، وأتى مدافعًا عن أنبياء التوراة ومجدِّدًا للتوراة، ولكن نحن لا نعرف أن نترجم، ولا نعرف الإسلام فهمًا فضلًا عن عملًا وسلوكًا وتعليمًا ودعوةً.

توحيد الله تعالى

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الدخان:8].. هذه من الأطباء.. [يشير سماحة الشيخ إلى ورقة صغيرة وصلته من الأطباء في هذه اللحظة ليوقف الدرس خوفًا على صحته].. هل يوجد إله غيره؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، في الكون وفي السماء والأرض إذا كان يوجد إلهان فكل واحد يريد ما يشاء، فيَخرَبُ العمل، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ [الدخان:8]، هل عيسى عليه السَّلام يُحيي ويُميت؟ أحيا شخصين، والملحدون في أوروبا يقولون: أحيا شخصًا كان في الفِراش يدَّعي أنه ميت، لكنه لم يكن ميتًا، والثاني في القبر، وكان هناك مؤامرة، وفي التوراة هناك أنبياء كثيرون أحيوا، وبعد سيدنا عيسى عليه السَّلام هناك أناس أحيوا، وكم شخصًا أحيا المسيح؟ اثنين، وبقية الناس مَن أحياهم؟ لذلك بالتأكيد سيلحدون، ويكونون مثل الذي قال له: “هل تعضُّه أم أعضُّه أنا!!” سيُلحدون رغم أنوفهم، وأيضًا المسلمون سيخرجون من الإسلام، ونحن المشايخ نعرض الدين بغير حقيقته وبغير جَماله وبغير روحانيته وحيويته.

طرفة: هل تعضُّه أم أعضُّه؟

[قول سماحة الشيخ: “هل تعضُّه أم أعضُّه أنا” من طُرفة كان يذكرها سماحته في بعض دروسه، وهي عن قاض في بلد سمع عنه الوالي أنه يَعُضّ بعض الخصوم في محكمته، فاستغرب من ذلك، وأتى إليه ليرى الحقيقة بعينه، ولما وصل إليه وسأله عن هذه القضية، قال له: يا حضرة الوالي، سآخذك في الصباح وتحضر معي في المحكمة وترى بنفسك، وفي الصباح جاءه خصمان، فقال: ما قضيتكما؟ قال أحدهما: لقد أقرضت هذا الرجل مبلغ ألف درهم، على أن يرده لي بعد ستة أشهر، وقد مضت سنة، ولم يعطني شيئاً، فقال القاضي: ما تقول في قول خصمك، فقال الرجل: لقد صدق، وهو أقرضني ألف درهم، وجزاه الله خيراً، فقال القاضي: إذن فالمسألة انتهت، وقد اعترف الرجل، فقال المُقرِض: ولكنه لا يدفع لي، فسأله القاضي: لماذا لا تدفع له، قال: ليس معي المال، فقال القاضي: نجعل المبلغ أقساطاً وتدفعه في ستة أشهر، فقال: لا أستطيع، فقال: إذن تدفع مئة درهم كل شهر، فقال: لا أستطيع، قال: تدفع خمسين كل شهر، فقال: لا أستطيع.. إذن عشرين في كل شهر.. لا أستطيع.. إذن عشرة دراهم.. لا أستطيع.. إذن خمسة دراهم، فقال: لا أستطيع.. وهنا قال الوالي مغضَباً للقاضي: هل تعضُّه أم أعضُّه أنا؟]

﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الدخان:8]، يكفي إلى هنا.

أسأل الله عز وجل أن يُعطينا قلوبًا طاهرةً وذاكرة، ونفوسًا زُكِّيَتْ بما يُحبُّه الله ويرضى من الصفات والأخلاق، لتكون وعاءً فيه كَفاءَة لتحمل نور القرآن وروحانيته، ولنفهمه بحقائقه لنعمل به ونعلِّمه للناس، حتى نكون هادين مهديين، أو كما قال عليه الصلاة والسلام: ((كُنْ عالِمًا، أَو مُتَعَلِّمًا، أو مُستَمِعًا، أو مُحِبًّا، ولا تَكُنِ الخامِسةَ فَتَهلِك)) 22 .

وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.

Amiri Font

الحواشي

  1. البداية والنهاية لابن كثير، (5/94)، حلية الأولياء لأبي نعيم، (9/279)، بلفظ: ((كَادُوا مِنْ صدقهم)) وفي رواية أخرى: ((كَادُوا مِنْ الفقه))، عن سُوَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَزْدِيُّ.
  2. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، رقم: (2722)، وسنن النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، رقم: (5470)، بلفظ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَقَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ وَنَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ»، وفي مسند الشاميين للطبراني، رقم: (2603)، بلفظ: ((اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع ومن علم لا ينفع ومن عمل لا يرفع ومن قلب لا يخشع)).
  3. صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة، رقم: (2901)، سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، رقم: (2183)، بلفظ: ((عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّابَّةَ، وَثَلاَثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ أَوْ تَحْشُرُ النَّاسَ، فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا))، وهذا اللفظ للترمذي، وفي رواية مسلم: ((فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ)).
  4. عون المعبود لآبادي، (9/1384)، التذكرة للقرطبي، ص: (738)، بلفظ: نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَلِيمِيّ: "أَنَّ أَوَّل الْآيَات ظُهُور الدَّجَّال ثُمَّ نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثُمَّ خُرُوج الدَّابَّة وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا".
  5. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، رقم: (2774)، صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، رقم: (675)، بلفظ: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)).
  6. صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم: (3416)، سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الأسير يكره على الكفر، رقم: (2649)، بلفظ: ((عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)).
  7. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (1515)، (3/172)، المستدرك للحاكم، رقم: (5646)، (3/432)، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ آلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، بلفظ: ((صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ))، وفي حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (1/ 140)، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه.
  8. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم: (5665)، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم رقم: (4685)، بلفظ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
  9. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، رقم: (1924)، بلفظ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ".
  10. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان، رقم: (148)، (1/131)، سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة رقم: (2207)، (4/492)، بلفظ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ))، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه.
  11. قوت القلوب للمكي، (1/366)، الرسالة القشيرية (1/265)، بلفظ: ((وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد قل لَهُمْ إني لَمْ أخلقهم لأَرْبَحَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا خَلَقْتُهم لِيَرْبَحُوا عَلَيَّ)).
  12. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (16998)، والمعجم الكبير للطبراني، رقم: (1281)، (2/58)، بلفظ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلًا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ»، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه.
  13. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)، رقم: (8)، صحيح مسلم، رقم: (16)، بلفظ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ))، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
  14. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (6612)، (5/267)، حلية الأولياء لأبي نعيم، (3/53)، بلفظ: «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وكاد الحسد أن يغلب القدر»، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وفي الدعاء للطبراني، رقم: (1048)، (1/319)، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رِجَالٌ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَوْا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَسْبِقَ الْقَدَرَ، قُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ».
  15. صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، رقم: (2664)، (4/2052)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (8777)، بلفظ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
  16. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (11748)، السيرة النبوية لابن هشام، (2/498)، بلفظ: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إِلاَّ امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟ قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَال: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: أَلاَ تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلاَمِكُمْ؟ أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقُوا)).
  17. سنن ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب القديد، رقم: (3312)، بلفظ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: ((هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))، وفي المستدرك للحاكم، رقم: (3733)، بلفظ: «هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء» قال: ثم تلا جرير بن عبد الله البجلي: ﴿وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق:45]، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
  18. مسند أبي يعلى الموصلي، رقم: (2328)، (4/213)، بلفظ: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلا وَلَهُ دَعْوَةٌ يَتَنَجَّزُهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي خَبَّأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرٌ وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضَ وَلا فَخْرٌ بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَآدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي وَلا فَخْرٌ))، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ رضي الله عنه.
  19. فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم، ص: (183)، بلفظ: ((عن أنس إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم قال عذت معاذا قال سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته فجعل يضربني بالسوط ويقول أنا ابن الأكرمين فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه فقدم فقال عمر أين المصري خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر اضرب ابن الأليمين قال أنس فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه ثم قال عمر للمصري ضع على صلعة عمرو فقال يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه فقال عمر لعمرو: "مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!" قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني)).
  20. المعجم الكبير للطبراني، رقم: (13684)، المستدرك للحاكم، رقم: (6996)، بلفظ: ((وَخَلَقَ الْخَلْقَ فَاخْتَارَ مِنَ الْخَلْقِ بني آدَمَ، وَاخْتَارَ مِنْ بني آدَمَ الْعَرَبَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ مُضَرَ، وَاخْتَارَ مِنْ مُضَرَ قُرَيْشًا، وَاخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بني هَاشِمٍ، وَاخْتَارَنِي مِنْ بني هَاشِمٍ، فَأَنَا مِنْ خِيَارٍ إِلَى خِيَارٍ))، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ رضي الله عنه.
  21. صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم: (486)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (25696)، بلفظ: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)).
  22. مسند البزار، رقم: (3065)، (8/470)، المعجم الأوسط للطبراني، رقم: (5171)، (5/231)، وشعب الإيمان للبيهقي، رقم: (1581)، (3/229)، بلفظ: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا، وَلَا تَكُنِ الْخَامِسَةَ فَتَهْلِكَ».
WhatsApp