الدخان من علامات الساعة
فنحن الآن في تفسير بعض آياتٍ من سورة الدخان، وسورة الدخان سُمِّيت بهذا الاسم لأحاديث وردت في موضوع الدخان، ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ وَالقِيامةُ حتَّى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ قَبلَها، طُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها))، حقيقةً، أو مجازًا بأن تطلع شمس العلوم والمعارف والإسلام من الغرب، وقد بدأ الإسلام يظهر وينتشر في العالَم الغربي، ((وَالدُّخانُ)) ، يظهر الدخان قبل قيام الساعة، وكذلك بقية العلامات العشر، وموضوعنا اليوم موضوع الدخان.
والمفسِّرون لهم آراءٌ في موضوع الدخان، منها وهو ما لم يُعتمَد ولم يُرجَّح: أن قريشًا لَمَّا استعصوا وتمرَّدوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورفضوا الإسلام دعا عليهم بأن يُسلِّط الله عليهم سوطًا وعصًا مِن عنده يكون فيها يقظتهم وتأديبهم، فقال: ((اللَّهمَّ اشْدُدْ وَطأَتَكَ عَلى مُضَرٍ)).. وهي كأن تضع قدمك على رقبة شخص وتشدَّ لعله يصحو، حيث تكون قد حاولت معه باللطف فلم يصحُ، كأن تكون قد وضعت له الورد على أنفه فلم يصحُ، وهزَزته من صدره فلم يصح، وشدَتّه من أذنه.. إذن دُسْ بجزمتك على رأسه وشدَّ.. ((اللَّهمَّ اشْدُدْ وَطأَتَكَ عَلى مُضَرٍ))، وقريش مِن مضر، ((وَاجْعَلْها عَلَيهِم سِنِينَ))، أي ابعث عليهم سنواتٍ ((كَسِنِيِ يُوسُفَ)) ، مثل السنوات السبع التي أتت على مصر من القحط حين فسَّر يوسف عليه السلام المنام للمَلِك وتحقَّق تفسير يوسف عليه السَّلام لرؤيا الملِك، وأتت سبع سنين متوالية لا يوجد فيها شيء.. أي ابعث عليهم سبع سنين هكذا.
واستجاب الله عزَّ وجلَّ دعاء نبيه ﷺ حتى أكلوا الجيف والفطائس، وكانوا من شدة الجهد والجوع يرون دخانًا بين الأرض والسماء، وذلك خيالٌ من ضعف البصر.. وهذا أحد التفاسير في موضوع الدخان، وهو غير معتمد.
الدليل على أن الدخان لم يأتِ بعد
لكن الذي دَلَّت عليه الأحاديث، ورجَّحه العلماء بأن الدخان لم يأتِ، وسيأتي قبل يوم القيامة، لأنه ((لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ))، وسورة الدخان يقول الله تعالى فيها للنبي ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي انتظر ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يعني أنها ما أتت، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)﴾، كثير واضح، ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، يعمُّ الناس، وما هذا الدخان؟ هل هو دخان الْمَعامل التي يخرج منها سيارات وأقمشة وصناعات؟ لا، بل دخانٌ ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:10-11]، دخان الانتقام والعقوبة الإلهية عندما تُصَمُّ وتُسَدُّ الآذان عن الإصغاء إلى نداء الله عزَّ وجلَّ، وتتمرَّد على أوامره وطاعته، وتُدير ظهرها عنه، وتُقبِل على شهواتها ومحرَّماتها، فلا تفرِّق بين حلال وحرام.
﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:11]، وهل العذاب للطائع أم للمتمرد، للعدو أم للصديق، للمحبوب أو للمبغوض؟
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:10]، عند ذلك يصيرون مثل فرعون، فهناك أناسٌ لا يُذعنون للحق ولا يعرفونه إلا بعد نزول البطش والعذاب والقصاص الإلهي، كفرعون الذي آمن لَمَّا أدركه الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:90]، عند رؤية مَلَك الموت يؤمن الكافر، لكن يوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:185]، يوم القيامة كل الناس يؤمنون، بل يكونون من أهل اليقين، ويرون الأمور بعيونهم، وعندما يرون العذاب يتذكَّرون ذنوبهم فيعترفون بها، فيطلبون من الله أن يرحمهم ويرفع العذاب عنهم، لأن مصدر العذاب من الله، وهذا العذاب صادر عن ذنوبهم وكفرهم وفسقهم وتمردهم على الله.
عدم انتفاع الكفار بالمعجزات والبراهين
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان:13]، كيف تنفعهم الموعظة! وما نفعتهم مواعظ الأنبياء والرسل ومعجزات الأنبياء ومنطق الأنبياء بالحكمة وبالبراهين وبالأخلاق وبالسلوك وبالعقل الملقَّح والحكمة الإلهية، مع ذلك قال الله تعالى عنهم: ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون ﴿بُكمٌ﴾ لا ينطقون بحقٍّ ولا ينطقون إلا بباطل، ولا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، ولا يدعون إلى الله ويصدُّون عن سبيل الله من آمن، ويضلُّون الناس فلا يهدون ولا يهتدون.
ولقد رأوا معجزات موسى عليه السلام، من العصا والضفادع والدم ويده يضعها في جيبه فتخرج مثل الشمس.. وسيدنا محمد ﷺ انشقَّ له القمر، ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:2]، وقالوا: هذا سحرٌ.. فقال أحدهم: إذا كان ساحرًا فإنه يسحر الموجودين، أمَّا الذين في الخارج فلا يسحرهم، فسألوا القوافل لَمَّا أتت مِن أسفارها، فقالوا: رأينا انشقاق القمر، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:2] أي سحر عالمي.. ولكن لا فائدة منهم “المَنْحُوْس مَنْحُوْس ولو وضعنا بين عينيه ألف فانوس”، [مثل شعبي يعني أن السيئ لا يغير صفاته، وأن الشَّقيّ شقيٌّ]، وخلفه خمس مئة فانوس فلا يوجد فائدة.
والأعمى مهما حدَّثته عن ملكة الجمال وعن عيونها وعن خديها وعن حاجبيها، والأصمُّ وإذا أخذتَه إلى حفلة “أم كلثوم” يتضايق ولا يستطيع الجلوس، [أم كلثوم مغنية مصرية مشهورة في الوطن العربي]، تقول له: اجلس، ألا تراهم يهزون ويصفِّقون؟ يقول: هؤلاء مجانين، وإذا رأى الباطل فـ”الساكت عن الحق شيطان، لكنه شيطان أخرس” ، هذا إذا سَكَت، وإذا شارك فشيطانٌ ناطق.
مجالس المؤمن مجالس الخير
أما المؤمن فلا يستطيع أن يجلس في مجلس باطل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أحكام الله وشرع الله والكذب والغيبة والنميمة والباطل، ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:140].
وإذا كان مجلس خيرٍ وعلمٍ وتقوى فاجلس، أمَّا مجلس الباطل واللغو والغيبة والنميمة والحسد والحقد وكذا فهذا معصيةٌ، وهذه المجالس مثل الذي يشرب الخمر، وشارب الخمر يضرُّ نفسه، لكن هؤلاء يضرون أنفسهم وغيرهم.. هذا فقه القرآن فهل هناك مَن ينتبه له؟ وخاصة في السهرات، ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾، مجتمعات الناس وسهراتهم ونواديهم، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، إذا جلستَ ساعةً في النادي فهذه ساعةٌ من عمرك تصرفها، ماذا أخذتَ مقابلها؟ لعبتَ معهم بالشَّدَّة فماذا استفدت منهم؟ [الشَّدَّة هي لعبة الورق المشهورة]، لا يوجد شيء، ولكن اجلس معهم وتذاكروا في مكافحة الفقر في عائلتك وحيِّك وبلدك وفي اقتصادك وفي زراعتك وفي مجتمعك وفي حكومتك وفي أمتك.
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء:114]، إذا رأيتَ شخصًا تاركًا واجبًا من الواجبات في نفسه أو في أهله أو مع والديه أو جيرانه أو زوجته أو الخادمة أو شريكه أو العامل أو الحاكم أو المحكوم، فيجب أن تأمر بالحق وتأمر بالمعروف وتأمر بالعدل وتأمر بالخير، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114]، إذا اجتمعتم تقولون: سمعنا أن فلانًا وفلانًا متخاصِمَين متقاتِلَين، سواء الأخ وأخوه أو الأب وابنه أو المرأة وزوجها أو الجار وجاره أو العامل وصاحب العمل أو الرئيس ومرؤوسه، وكم أتت كلمة “إصلاح” في القرآن! ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:1]، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71]، أحباب بعض، ومتى رأوا تفسُّخًا في ناحية يركضون جميعًا ليسدُّوا هذه الثغرة.
وجوب إصلاح ذات البين
وأنتم الذين في الجامع لا نريد الذين في الخارج، هل كلُّ واحدٍ منكم لديه هذا الشعور؟ فإذا عرف اثنين متخاصِمَين أو متعادِيَين أو شخصًا سيُطلِّق زوجته أو هي مخاصمة لزوجها، فليس لك خيار ولا منَّة، بل هذه لَبِنَةٌ في بناء إسلامك، ويجب أن تذهب مجبَرًا وليس لك منَّةٌ ولا فضل، وإذا صلَّيتَ هل لك فضلٌ؟ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أليس هذا فرضًا عليكم؟ هو فرض، وكذلك: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:1] هو فرض أيضًا.
ولكن المسلمين اليوم لا يرون أنّه فرض.. ومُحِيَ من ذاكرتنا وتفكُّرنا.. ولو كانت هذه الأخلاق الإسلامية في المجتمع لكان يكفي محكمتان بدلًا من مئة محكمة، بل لا نحتاج إلى محكمة، وفي زمن النبي ﷺ لم يكن هناك محاكم ولا قاضٍ ولا شرطة ولا سجون ولا توقيف ولا “المَزَّة” ولا شيء، [المَزَّة: حي كبير من أحياء دمشق، وفيه سجن معروف بسجن المَزَّة]، لماذا؟ لأنّ التربية والعقيدة والإيمان أفضل من العقوبات، فالإيمان هو الذي يدفعك إلى تنفيذ الأحكام، والإيمان موضعه في القلب، والقلب يحيى بذكر الله بعد أن يعقَّم من كل جراثيم المعاصي الظاهرة والباطنة.
وهذه اسمها التوبة، فيجب أن تتوب بعينك فلا تنظر إلى حرامٍ، وبأذنك فلا تسمع باطلًا، وبلسانك فلا ينطق بجهالة، وبرجلك فلا تمشي إلى حرام، وبيدك فلا تفعل أمرًا يُبغضه الله عزَّ وجلَّ، وبوقتك فلا تصرفه إلا في مرضاة الله تعالى، وفي جُلسائك وأصدقائك فلا تنتقي إلا صحبة المتقين، وما معنى: ((الجَلِيسُ الصَّالِحُ كَحامِلِ المِسكِ، والجَلِيسُ السُّوءِ كَنافِخِ الكِيرِ)) ؟ هل يعني جالِسوا جلساء السوء؟ هل هذا مراد النبي ﷺ؟ والمسلم هل صارت هذه المعاني جزءًا من مشاعره وأحاسيسه وسلوكه وواقعه وحياته؟ عند ذلك يصير مسلمًا.
خلود دين الله بخلود الله تعالى
وأنتم الذين تأتون إلى الجامع لا أريد غيركم إذا أسلمتم الإسلام الصحيح فالبلد كلها تُسلِم، فالسيجارة المشتعلة كم سيجارة تستطيع أن تشعل؟ والذين اشتعلوا منها كم سيجارة يستطيعون أن يُشعلوا؟ فهل السيجارة أفضل منكم؟ وهل تعمل أكثر منكم؟ “عُود كبريت” [عود ثقاب] يحرق بلداً وهو أصغر من الإصبع، ويُشعِل نارًا حجمها بمساحة البلد، وأين إسلامك أنت؟
النبي ﷺ كان شخصًا واحدًا، ووصل إسلامه إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومضى خمسة عشر قرنًا، ولم يستطع كل أعدائه أن يطفئوا نور الإسلام وجذوته مع كلّ ما قاموا به من حرب ودعاية وتأليفٍ وتزوير وتبشير وشيوعية وإلحاد، والإسلام أكثر صمودًا من الجبال، والشيوعية كم استطاعت أن تصمد؟ ولقد كانت تملك نصف قوة العالَم، ولم تصمد أكثر من سبعين سنة، وهل هناك شيء كان يهدِّدها؟ بل انهارت من ذاتها، والعمود إن صُنِع من التبن فهل يحتاج إلى من يُخرِّبه ويدمره؟ بعد يومين أو خمسة أو عشرة أيام إذا أتى حمار أو بغل وشمَّ الرائحة فبنهشة واحدة يقع العمود فوق رأسه.
وأمَّا الدين حتى ولو حُرِّف ولو تغيَّر في كثير من معالمه، لكن لأنه من عند الله الخالد فهو خالدٌ، ومن يربط نفسه واسمه بالدين كذلك سيخلَّد.. عمر رضي الله عنه وأبو بكر رضي الله عنه ونوح عليه السلام هل هم خالدون أم لا؟ نوح عليه السَّلام ما آمن معه سوى سبعين رجلًا وهو خالدٌ.
وكم أتى من أباطرة ونماردة وأكاسرة وإمبراطوريات وملكوا الدنيا، هل بقي لهم وجود أو ذِكر؟ إذا ذُكِروا يُذكَرون باللعنات والتحقير والازدراء.. وما الذي خلَّد صلاح الدين الأيوبي؟ خلَّده مادة الخلود وهو الدين، وكلما كان الدين مصفًّى وحقيقيًّا يكون تخليد صاحبه أبديًّا وسرمديًّا، وذلك في الدنيا وإلى الدار الآخرة وإلى ما لا نهاية.
وجوب التوبة وعدم نكثها وقصة الراعي
فالدخان هو العصا الأخيرة من السياط الإلهية يؤدِّب به جميع خلقه، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى﴾، ليست قريش ولا مضر، بل ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ ما هذا الدخان؟ ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)﴾، وعندما يرونه يقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ [الدخان:10-12]، الناس الآن يقولون: “ربنا”، ولكن بأقوالهم وألسنتهم لا بقلوبهم ومشاعرهم وأعمالهم وسلوكهم، ولا يقولون “ربنا” مع شريعة الله وأوامره ونواهيه، ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:33].
مثل راعي غنم كان يرعى في الخريف، وفي هذا الفصل يكون العشب في الأرض قليلًا، فيصعد الرعاة على الشجر، وخاصة شجر الحور، ويهزون الأغصان فينزل الورق وتأكله الأغنام، فتسلق هذا الراعي شجرة الحور، وصار يهز الورق، وكان الناس من قبل يقولون له: زكِّ مالَك.. فلا يزكي، يقولون له: أخرِج من الأربعين إلى حد المئة وعشرين غنمةً واحدة، وإلى مئتين وواحدة أخرج غنمتين، وإلى الأربع مئة أربعَ غنمات، وبعد الأربع مئة على كل مئة غنمةٍِ أخرج غنمةً واحدة.. فالضريبة في الإسلام ليست تصاعدية، بل كلما أكثرتَ الثروة تُخفَّف عنك الضريبة، وذلك للتشجيع على غنى الأمة والشعب، وهذا الإسلام! وهذا يجب أن يُدرَس، وأنا أقول هنا كقاعدة عامة، وليس بالنسبة لموضوع الزكاة، فموضوع الزكاة نص، ولكن بالنسبة للشيء العام كلُّه خاضعٌ للدراسة وعلى أساس المصلحة العامة.
وهذا الراعي كان على شجرة الحور وأتت عاصفة، وكانوا يقولون له: زكِّ، فإنك إذا لم تزكِ يضربك الله ضربة تذهب بك، ولكنه لا يزكي.. واشتد الهواء وكاد يطير هو والشجرة، فعرف وفهم أن الوقت قد حان، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:10]، هواء عظيم أو بلاء كبير أو مرض خطير أو ظالم لا تأخذه فيك شفقة ولا رحمة ولا إيمان ولا خوف من الله، فالله عنده مئة ألف مليون عصا، وقد يُسلِّطك على نفسك فتقتل نفسك.
قال له أحدهم من الأسفل: ألم أقل لك: زكِّ؟ والآن ستهوي من الأعلى، فقال له: سأزكِّي عن سنة واحدة فقط، واشتدَّت العاصفة، فقال: يا رب عن السنتين الماضيتين أداءً وقضاءً.. ثم اشتدت، فقال: عن أربع سنوات، ثم قال: سأتصدق بنصف الغنم.. وعندما بدأ بالنزول هدأ الهواء قليلاً، فلما اقترب من الأرض قفز سريعاً، ثم رفع رأسه وقال: واللهِ لن أعطيك ولا غنمةً، [يضحك الشيخ والحضور للطرفة].. ولكن هل الله لا يمسك الإنسان إلا على شجرة الحور؟
وهناك شخص في هذا الأسبوع أخذته المخابرات الإلهية من فراشه من غير أن يطرقوا الباب ولا بسيارة ولا قُيود، [المُخابَرات: رجال من أجهزة الأمن، وعادة ما يداهمون البيوت في الليل، ويأخذون من يريدونه، وكل الناس تخاف منهم وترتعب، وهنا يُشبِّه الشيخ قدوم ملك الموت ليلاً وأخذه روح هذا الشخص بالمخابرات المعروفة]، فالمخابرات الإلهية تمشي معك أينما ذهبتَ، وتعرف ماذا تكلمتَ وماذا نظرتَ، ومهما خطر على قلبك من الداخل فالله يعلمه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:16]، ماذا يعني هذا؟ يعني أنت مسؤول عن إراداتك الداخلية، إن كانت شرًّا فستحاسب، وإن كانت خيرًا فستكافأ، فأين تذهب؟ ومن أنت؟ قَبْلَك ملوكٌ وأباطرةٌ ملكوا المشارق والمغارب، أين كانوا؟ وأين أصبحوا؟ صاروا فطائس وتِبنًا وفصَّةً للدُّوْد، [الفصَّة: نبات البرسيم، وهو من أفضل الأغذية للحيوانات، مثل الغنم والبقر، والمعنى بها هنا: علفًا للدود]، وبعد ذلك صاروا ترابًا، لكن أرواحهم مخلَّدة في عالم الخلود وفي العذاب الأبدي.
التوبة الحقيقية
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:10-11]، أي تابوا، فقال الله تعالى: إنهم كاذبون: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:28]، قال
نَظَرتُ في تَوبَتِهِ سائِلًا
وَجَدْتُها تَوبَةَ إِفلاسِ
يقول: “الحمد لله لم نعد نلعب بالقمار”، لأنه لم يعد معه مال.. “الحمد لله ما عاد يزني”.. وهو لم يعد يصلح لشيء، و”لم يعد يأكل الحرام” لأنه بقي في السجن، فهل هذه اسمها توبة؟ عند الموت إذا تاب فقد انتهى الوقت المحدَّد: ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:18]، وقد بين الله تعالى في الآية التي قبلها لمن تكون التوبة: ﴿إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:17]، بعد الذنب يتذكر ويمحوه مباشرةً، لأنه إذا بقي وثبت فهو كالصِّبَاغ والحبر إذا مسحتَه حالًا لا يبقى له أثر، أما إذا مضى عليه أسبوع فمهما غسلتَه بالصابون لا يذهب، فيجب أن تتوب عاجلًا وبسرعة، أما إذا كان الذنب فوق الذنب وفوق الذنب فإن القلب يموت فلا ينتفع بالذكرى ولا يتأثر بالموعظة لا من الله ولا من أنبيائه ولا من أوليائه.
وهؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:40]، لا يوجد فيه عقل وهو في ضلال، وضلالٍ مبين، ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:80]، سمَّاهم أمواتًا، وهم أموات القلوب وأموات الوجدان وأموات الإيمان وأموات العقل الموفق.. فيه عقلٌ لكن عقله خبيث ووسخ وقذر، فيه عقلٌ لكنّه يؤجِّره للشيطان.
وإبليس ليس غبيًّا، بل هو يخدع كل البشر، حتى الأنبياء لم يُفلتوا مِن شره، ألم يُخرِج آدم عليه السَّلام من الجنة؟ وقد حلف له الأيمان.. فلا تُصدَّقوا كل الأيمان، فطاووس الملائكة حلف الأيمان بالكذب، فوضع آدم عليه السَّلام وذريته في ورطة، وقيل
لو كانَ بالعَقلِ مِن دُونِ التُّقَى شَرَفٌ
لَكَانَ أَشرَفَ خَلْقِ اللهِ إِبلِيسُ
فمع العقل يجب أن يكون هناك تقوى، ويجب أن يكون العقل مُهَذَّباً مُرَبًّا في مدرسة القرآن وتربية الإسلام الحقيقي، وعندها تكون عاقلًا وإلا ((لا تَقُولوا: مَجنُونٌ، قُولُوا: مَرِيضٌ، فَالمجنُونُ مَن يَعصِي اللهَ)) .
كشف العذاب عن الناس
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:10-12]، نزلت قُنبُلَتَي هيروشيما وناجازاكي ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ [الدخان:12]، كشفه عنهم، ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، عادوا، ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان:12-14].
الآن وصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها وأوروبا تدرس الإسلام والمستشرقون يدرسون، لكن ماذا يدرسون؟ يبحثون عن نواحي الشُّبَه في الإسلام ليتَّخذوها وسيلةً لإفساد المسلمين، والمسلم الذي يقع بين يديهم وهو ليس مزوَّدًا بالإسلام يخربون له إسلامه وشخصيَّته، ولا يُرجى منه خيرٌ كائنًا من كان، والإسلام الحقيقي قائمٌ على علم الدنيا والآخرة، وعلوم القرآن هي علم الدنيا والآخرة، وكم من آية في القرآن ذَكَر فيها تقييم المال وتثميره والعناية به! قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:67]، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:26-27]، الذي يضيع الصلاة مخالفٌ للإسلام، وكذلك الذي يضيع المال ويضعه في غير موضعه إسرافًا أو مباهاةً أو بطرًا أو أشرًا أو في معصية الله ظلمًا وعدوانًا.. ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:5]، هو قوام الحياة وقوام الدولة وقيام المجتمع، وقد جعله من أركان الإسلام، فالزكاة من أركان الإسلام، وذلك بأن تكون غنيًّا تعطي، لا أن تكون فقيرًا تأخذ.
الإسلام الحي والقرآن الحي
ففي الإسلام والقرآن علوم الدنيا، وقد ذَكر الصناعة وذكر الزراعة وذكر السدود وذكر الوحدة وذكر إعداد القوة وذكر المعادن وذكر الكهرباء والنور والتاريخ والجغرافيا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [العنكبوت:20]، والفلك: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [يونس:101].
ولكن هذا نقرؤه نحن على الأموات، وهم في حياتهم ما فهموه، فهل سيفهمونه بعد موتهم؟ طوال عمره ما ذاق “هَرِيْسَة اللَّوْز”، وبعد موته أخذوا له إلى قبره عشرين صدر “بَقلاوة ونَمُّوْرَة وكنافَة”، [أنواع من الحلويات السورية، وكلمة “صدر” تعني طبقاً كبيراً من معدن توضع فيه الحلوى]، ووضعوها تحت سقف القبر ودفنوه بالبقلاوة، فهل يستفيد شيئًا؟ فالقرآن ليس للأموات، إنما القرآن مدرسة، والقرآن علوم، والقرآن قربٌ روحيٌّ ونضجٌ عقليٌّ وفهمٌ فكريٌّ وتطبيقٌ عمليٌّ، وعند تحقيق ذلك تكون مؤمنًا بالقرآن.
القُنبُلَتَين ذهبتا، والآن يوجد قنابل مدَّخرة ومخزونة عند الدول ما يكفي لتدمير الكوكب الأرضي عشر مرات، يعني لو كان هناك عشر أراضٍ فهناك قنابل تُدمِّر الحياة في عشرة كواكب أرضية، قالوا: وإذا استُعمِلت هذه الأسلحة تمتلئ سماء الكرة الأرضية دخانًا وغبارًا من ستة أشهر إلى ثلاث سنين، ولا يُرَى للشمس ضوء ولا جرم، والبلاد العربية المشهورة بحرارتها التي قد تصل إلى سبعين درجة تنزل درجة الحرارة فيها إلى أربعين تحت الصفر، ولا يبقى شمسٌ، فهل يا ترى هذا هو الدخان؟ لأن النبي ﷺ قال عن الآيات والعلامات إنها قبل قيام الساعة، وكثير من الصحابة قالوا: إن الدخان لم يأتِ بعدُ وسيأتي، والحديث صريحٌ.
عذاب الله حق للمجرمين
وهذا العذاب لِمن؟ هل العذاب للأحباب والمستقيمين؟ وهل الكراهية والبغض للطائعين؟ وهل السجون للمستقيمين؟ والقيود لِمن؟ “والخيزرانات” لِمن؟ [الخَيْزَرانات: تعني في اللهجة العامية عدد الضربات بقصب الخيزران للمجرم أو مَن يُراد تأديبه، فنقول مثلاً: ضربوه ثماني خَيزرانات، أي ثماني ضربات بالخيزران]، والتعذيب لِمن؟ نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل القرآن مدرستنا ونور قلوبنا وعقولنا ومادة أعمالنا وحياتنا وسلوكنا.
أنا أقول: اللهم، وأنتم تقولون: آمين.. وهذا لا يُفيد إلا إذا صدقتم عند الدعاء والتأمين أنكم ستُحقِّقون عمليًّا معنى الدعاء بالاستقامة.. وفكِّر بهذا فإذا استقمتَ مع الله وصدقتَ فلم تكذب، وكنتَ أمينًا فلم تَخُنْ، وعادلًا فلم تظلم، ومحسِنًا لا تُسيء، ومحبًّا للناس تحبُّ الخير لهم ما استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، هل تكون ناجحًا؟ وإذا كنت كاذبًا لا تَصدُق، وخائنًا لا أمينًا، ومُفسِدًا لا مُصلِحًا، ومُتعدِّيًا لا مُحسِنًا، أيهما الذي ينجح؟ هل الاستقامة أم الاعوجاج، الطاعة أم المعصية؟ وإذا صرتَ تقيًّا فليس لك فضلٌ، فأنت لا تعمل لله بل تعمل لنفسك، وتعمل لدنياك وآخرتك: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء:173]، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:44]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ﴾ فعلى نفسه ﴿فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:46].
عقوبة الله للمجرمين من الأمم السابقة
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ وبعض الناس يقول: ضعها في رقبتي.. قد يرسل له من يقطع له رقبته! ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:12-13]، إلى أين أنت ذاهب؟ مع المخابرات تستطيع أن تهرب وتختبئ أو تسافر، لكن مع الله إلى أين ستذهب؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، وهناك عادَين، وهذه عاد إرم، قال فيهم: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾، أي في البلاد العربية، وثمود قبائل ثمود: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِيْنَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي ٱلْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾، تجاوزوا حدود الله من طاعته إلى معصيته، ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾، وبعد ذلك: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب (13)﴾، وهل إذا كانت الضربة من الأرض أقوى أم إذا أتت من الأعلى إلى الأسفل؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:6-14].
وكل من مشى في طريق الفساد يترصَّد له الله في الطريق، وقد يصل للمرصاد بعد ساعة فيأخذه الله، وقد يأخذه بعد يوم أو شهر، أمَّا أن يتركه فـ((إنَّ اللهَ يُمهِلُ الظَّالِمَ وَلا يُهمِلُهُ، إذا أَخَذَهُ لا يُفلِتُهُ)) .
تَعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشِّدَّة
﴿فَارْتَقِبْ﴾ قال له: انتظر.. وهذا خطابٌ لكل واحد منا.. ومعنى هذا أنّ الدخان لم يأت بعد، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:10-12]، قالوها بأقوالهم لا بقلوبهم ولا بعزائمهم ولا بإرادتهم الصادقة الفولاذية الصحيحة، ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان:12-13]، هؤلاء أنَّى لهم أن يعتذروا! وأنَّى لهم أن يتوبوا بصدقٍ!
هم لا يتوبون إلا مثل بائع الصبار، فبائع الصبار متى يقول: “يا الله”؟ عندما يكون لوح الصبار ثقيلاً ويضعه على رأسه، [الصَّبّار: هو تين الصبار الشوكي، وهذا التين يبيعه بعض الباعة في الطرقات في دمشق، وبخاصة في فصل الصيف، ويعرضه على لوح خشبي، وهذا اللوح إذا كانت عليه البضاعة يكون ثقيلاً، ويرفعه ببعض الأعمدة ليكون كالطاولة، ولما يريد حمله يقول: “يا الله” وبصوت عالٍ، وهذا الكلمة المقدسة يقولها المسلمون عادة في سوريا عند رفع أي شيء ثقيل]، لكن إذا فرغ هل يقول: “يا الله”؟ إذا كان فارغًا يضعه على رأسه ولا يقول: يا الله، ولا يعرف الله إلا تحت الحمل.. فنسأل الله أن يُعرِّفنا بالله في نِعَمِهِ، ((مَن تَعَرَّفَ إلى اللهِ في الرَّخاءِ تَعَرَّفَ اللهُ إلَيهِ في الشِّدَّةِ)) ، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:152]، إذا ذكرتَه عند المعصية فتورَّعتَ وارتفعتَ عنها يَذكُرك عند البلاء، فإذا قلتَ: يا الله، يستجيب الله لك.
قصة الثلاثة الذين أُغلِق عليهم الغار
يروي لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ ثلاثةً مِمَّنْ كانُوا قَبلَكُم كانُوا في فَلاةٍ، فَنَزَلَتِ الأمطارُ، وسالَتِ السُّيولُ، فأَوَوا إلى وادٍ، فَوَجَدُوا فِيهِ مَغارةً فَدَخَلُوها، فارتَفَعَ السَّيلُ بِصُخُورٍ فَسَدَّتْ عَلَيهِم فَمَ الغارِ)) حتى لا يَرى أحدهم إصبعه، صخور كبيرة ولا يوجد رافعات ولا هواتف ولا لاسلكي، ((فَأَيقَنُوا بِالهَلَكَةِ، فَقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: لا يُنجِيكُمُ اليَومَ)) لا توجد قوة بشرية، وأنتم لا تستطيعون فعل شيء ولا أحد يعرف عنكم خبراً.. ولكن هناك قوة تكون معك أينما كنتَ، وهي إمّا تكون معك أو عليك، إمّا صديقك أو عدوك، وإمّا تلاحقك لتعاقبك، أو تسارع إليك لتنجدك.
((لا سَبِيلَ لَكُمْ مِنَ النَّجاةِ إلَّا أنْ تَتَوسَّلُوا إلى اللهِ بصالِحِ أَعمالِكُم))، فإذا كان لك رصيدٌ في البنك وأفلستَ فاطلب الشيك من الرصيد، لكن إذا لا يوجد رصيد وأفلستَ فلن تأخذ شيئًا، ((فقالَ أَحدُهُم: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، ولمّا اشتد بها الجوع سلَّمَتْ نَفسَها.. قال: فلمَّا تَمكَّنتُ مِنَ الحَرامِ ذَكَرتُ اللهِ عزَّ وجلَّ))، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:7]، حتى ولو أغلقتَ الباب وأرخيتَ الستائر وعصيت وراء الجدار حيث لا أحد يراك، ولَمَّا حملتَ المال لم يكن هناك أحد، فهل تذكَّرتَ أن الله معك ويراك! وأنّ الملائكة مطاردتك ومسجِّلة عليك الفيلم والفيديو الإلهي! هذا الجاسوس في بغداد الذي أعدموه ألم تروه البارحة وتسمعوا كلامه ونطقه؟ الإنسان هكذا يَحفظ الأعمال، فكيف يحفظ الله أعمالنا؟ وبين يدي الله عزَّ وجلَّ والنبي ﷺ شاهدٌ ويقول له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:14]، ذهب المال والثروة والشباب والجَمال والحُكْم والسلطان والعسكر والجنود والأنصار والمريدون والشيخ، ولم يبقَ إلا العمل.. نسأل الله أن يوفقنا.
قال: ((فَذَكرتُ اللهَ عزَّ وجلَّ فخَشيتُه، واستَحييتُ مِنه، وقلتُ لها: أنا أَخشَى اللهَ، وَخُذِي ما شِئتِ، فَأَعطاها مِئةَ دِينارٍ، وقالَ لَها: انصَرِفِي آمِنةً مُطمَئِنَّةً))، فما وقع في معصية وأعطاها أكثر مما تريد، ((قالَ: اللَّهمَّ إنْ كُنتُ فَعلتُ ذَلِكَ ابتِغاءَ مَرضاتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا))، الله تعالى يحرِّك الأرض ويَحملها، ويحمل القمر، والقمر أليس أرضًا؟ هناك أراضٍ بالمليارات، [أي كواكب كالأرض]، مَن يحملها ومَن يحرِّك محرِّكاتها؟ ومن يحرِّكك أنت؟ إنّ وزنك سبعون أو ثمانون كيلو، فهل تشعر به؟
وأما الثاني فقال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا.. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ))، وفُتِحت الصخرة أربعة أصابع، ولكن لا يخرجون منها.
وقالوا للثالث: هل يوجد لديك ما تتوسَّل به إلى الله؟ قال: نعم، ((قال: اللَّهمَّ إنَّكَ كُنتَ تَعلَمُ أنَّه كانَ لي أَبوانِ شَيخانِ كَبيرانِ، وكُنتُ بِهما بارًّا، وكانِ لي غَنَمٌ، فإذا أَمسيتُ وحَلبتُ الغَنمَ كُنتُ لا أُطعِمُ زَوجَتِي وأَولادِي حتَّى أُقدِّمَ العَشاءَ لأُمِّي وأَبي، فأَتيتُ يَومًا مُتأخِّرًا، فَوَجَدتُ والِدَيَّ نائِمَينِ، فأَتيتُ وأَنا أَحمِلُ وِعاءَ اللَّبَنِ بِيَدِي على رَأسهِما، وأَولادِي يَتضاغُونَ عَلى قَدَمِي يَبكُونَ جُوعًا، ويَطلُبونَ عَشاءً، فَقُلتُ: لا أُقدِّمُ لَكُمْ عَشاءً قَبلَ أنْ أُقدِّمَ العَشاءَ لِأَبَويَّ، حتَّى طَلعَ الفَجرُ، ونامَ أَولادِي عَلى رِجلَيّ))، وهو يحمل فوق رأس أبيه وأمه وعاء الحليب، فاستيقظا ودَعَوَا له بالرضى.. ((قالَ: فشَرِبا، ثُمَّ شَرِبَ أَولادِي، اللَّهمَّ إنْ كُنتُ فَعلتُ ذَلِكَ ابتِغاءَ مَرضاتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ الصَّخرةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ)) ، وأَنجاهُمُ اللهُ بسببٍ إلهيٍّ عند عَجْزِ الأسباب البشرية.
صدق توجه صلاح الدين إلى الله تعالى
صلاح الدين في بعض الحملات التي أتت من أوروبا ولم يكن هناك قوة توازنها لمواجهتها، فبتوجِّهه وصِدقه مع الله عزَّ وجلَّ دعا فأهلك الله تعالى الحملة في طريقها، فغرقوا في البحر، ولم يصل إلى حدود سوريا إلا أربعة آلاف منهم، فأصابهم وباءٌ، وهكذا ما وصل منهم شخصٌ واحد.. إنَّ لله جنودًا! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:31].
قال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان:13]، ومِن الناس مَن يرون العظات بأعينهم وآذانهم ولا يتعظون.. نسأل الله أن يحمينا من عمى البصيرة، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:21]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس:43]، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ [الأعراف:179]، هؤلاء دوابٌّ وتيوس وماعز، والحيوان قد يفهم في حدود ما أعطاه الله عزَّ وجلَّ من فهمٍ.
لكن هناك إنسان أعطاه الله فهمًا بلا حدود ولا يفهم؛ لا بحدود ولا بلا حدود، قال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، هؤلاء أحقر وأسفل من الدواب، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:179]، الجاهلون، ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:46].
قال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، يطلبون لكنهم كاذبون، وإذا فرَّجنا عنهم لا يتوبون، ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:13]، رسالة واضحة بيِّنةٌ عقلًا ومنطقًا ومُشاهَدةً وسماعًا.. لقد قصصت عليكم منذ أسبوعين قصة أحد الصحابة، وقد كان مُوَفّقًا وكان راعياً، وحين يرعى الغنم كانت أمه وخالته توبخانه، وخالاته يشتِمْنَه، هل تتذكرون القصة؟ وبعد ذلك أخذهن إلى النبي ﷺ، قلن: فكنا نراه إذا تكلَّم يخرج النور من فمه.. وهناك من يكون أمامه ولا يراه، أحدهم يرى نورًا والآخر يرى ظلامًا.. نسأل الله أن يحمينا من الشقاء وأن يحمينا من النَّحْس “فالمَنْحُوْس مَنْحُوْس”.
طرفة بين ابن قيم الجوزية وزوجته
ابن قيم الجوزية كان مشهورًا في علمه ووعظه ومريديه وتلامذته، وكان لديه امرأة لا تحبُّه، لماذا؟ الله أعلم، حاول كثيرًا أن يداويها، فتكلَّم مع بعض المريدات ليُحضرنَها إلى الدرس عساها ترى الناس وتعرفه، فأحضرنها وهو أجاد في درسه، فلما عاد إلى المنزل رآها تخلع عباءتها، قال لها: أين كنتِ؟ فهزَّت رأسها وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال لها: خيرًا إن شاء الله، قالت: لا أراك الله الخير، أتت فلانة وفلانة ولعبنَ بعقلي وأخذنَني إليك في الجامع، واليوم عرفتُ وتأكَّدتُ أنك مجنون.. وهذا ابن قيم الجوزية! وقد كان الملوك والخلفاء وعظماء الدولة وعلماء زمانه يُقبِّلون يده.. لكن نسأل الله أن لا يُشقينا.. قال لها: كيف مجنون؟ قالت: كل الناس في بيت الله يجلسون بأدب وسكون ولا أحد يتكلم ولو بكلمة، وأنت من وراء المنبر تتكلم وتصرخ، فما هذا الجنون! اهدأ! اهدأ! كيلا يتكلم أحد عنك.. وأمّا هي فمن الدرس كلّه لم تفهم شيئًا. [يضحك الشيخ والحضور في نهاية الطرفة].
إذا أحضرتَ حمارًا إلى الدرس هل يفهم شيئًا؟ ولو أعطيتَه خمس مئة درس هل يفهم؟ فهل الحقُّ على الشيخ أم على الحمار؟ وإذا أحضرتَ الشيطان هل يفهم؟ أليس الشيطان جالسًا في الدرس؟ إنّه يكاد يُصاب بخمسين جلطة منكم ومن الشيخ، وهل يفهم؟ لقد رأى الأنبياء والرسل، فهل الحقُّ على الأنبياء؟ لا، بل هو استعداده خبيث، كالدَّبُّور مهما أطعمتَه، وحتى لو أطعمته عسلًا، هل يُخرِج العسل؟ والنحلة مهما أكلت ماذا تُخرِج؟ نسأل الله أن يجعلنا من الطيبين الذين لا يَعملون إلا طيِّبًا، ولا يخرج منا إلا الطيب من القول والعمل والخُلُق.
بعض الناس لا تنفعهم الذكرى
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، هناك أناس لا تنفعهم الذكرى، وإذا تابوا فإنهم يتوبون توبة الكاذبين، ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾، هي رسالة الله، وقد بيَّنها الأنبياء أوضح تبيين، لكنهم أعرضوا عنها، ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ [الدخان:13-14]، كان هناك حداد روماني وكان أحياناً يمرُّ على النبي ﷺ ويجلس عنده، فقالوا: كان هذا يُعلِّم محمدًا.. وإذا كان هذا معلِّمه فيجب أن يكون “أشطر” [أنجح وأكثر علماً] من تلميذه!
الكنائس تقول: إن الذي علم النبي ﷺ هو بَحيرى، فإذا كان بَحيرى وهؤلاء تلامذته فإنه يكون أعظم، فليصنع لنا نبيًّا ثانيًا وثالثًا، ولكن ضعف التفكير والتقليد يجعلان العقل والفكر مشلولًا عن العمل والبحث عن الحقيقة.. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾، ليس معلَّماً فقط، بل ﴿مَجْنُوْنٌ﴾ [الدخان:14]، فإذا كان معلَّمًا إذن صار عالِمًا، وبعدها يقولون: مجنون! فهل المجنون يكون متعلِّمًا؟ وهل المتعلِّم يكون مجنونًا؟ انظروا إلى التناقض، إنّ الكذّاب دائمًا كلامه متناقض، وكلّ ساعة يتكلَّم بشكلٍ غير الشكل الذي قبله، فلو أن طفلًا وعنده تفكير يدرك أنه كاذب.
معاناة دول الغرب من المخدِّرات والمسكِرات
﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:15]، هاتان القُنبُلتان انتهتا، فهل اتعظ الناس؟ إنّهم يعودون.. قرأتُ في كتاب عن أمريكا وأوروبا أنه بسبب استعمال المسكِرات والمخدِّرات تتكلَّف أمريكا في السنة مئة وثمانين مليار دولار على ثمن المسكِرات وما ينتج عنها من عُطَل ومن قتلى ومرضى ومن حوادث مرور وغيرها، ووضعَت عشرة مليارات في هذه السنة لمكافحة المخدرات.
والقرآن بآية واحدة، وبعد أن بنى الإيمان في القلوب: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:90]، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، قالوا: انتهينا يا رب، وكلُّ شخص عاد إلى المنزل فكسَّر الجِرَار وانتهى الموضوع، وإلى الآن خمسة عشر قرنًا وأنظف مجتمع في العالَم من المخدرات والمسكرات هو العالَم الإسلامي، وهذا على منتهى ضعف الإسلام فيه.
والبارحة كان عندي سفير كندا قال لي: ما نسبة المسيحيين للمسلمين في سوريا؟ ومعه مرافقه أرمني لكنه كندي ويتكلم العربية، قال لي: يعني عشرين بالمئة؟ قلت: لا، فالمسيحيون في سوريا مئة بالمئة، وسورية كلها مسيحية، فقال: كيف هذا؟ قلتُ له: أنا مسيحي، قال لي: لا، أنت مسلمٌ، قلت له: إن الإسلام لا يقبل إسلامي إذا لم أؤمن برسالة المسيح عليه السَّلام، فهو يَشترِط عليَّ أولًا أن أؤمن بالمسيح عليه السَّلام وبرسالة موسى عليه السَّلام حتى يَقبَل إسلامي، فكل مسلم في كل العالَم ماذا يكون؟ مسيحيًّا وإبراهيميًّا ونوحيًّا وصالحيًّا وهوديًّا.
ضعف المسلمين اليوم وعدم معرفتهم بالعالِم إلا بعد موته
والخلاصة أنَّ الأوروبيين والأمم الراقية هي التي تُقدِّم [وتُقَدِّر] العلم والفكر، ومجتمعنا نحن مع عميق الأسف يعرفون قدر الشخص حين يموت.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ كانوا معرضين، ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ مات ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:34]، ما دام حيًّا لا نعرف قدره، وحين يموت يقولون: واللهِ لقد كان عظيمًا، وهكذا عَمَله وقد كان وكان.. فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾ كما حصل مع يوسف عليه السَّلام والذين كذبوه، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:34].. نسأل الله أن لا يُشقينا، وأن يوقظ عقولنا ويهدينا الصراط المستقيم ويسعدنا.
الأمة العربية اليوم تتسوَّل المساعدات على فلسطين من بوش ومن غُورْبَاتشُوف، [بوش رئيس أمريكا في ذلك الوقت، وغُورْبَاتشُوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي]، ومن هيئة الأمم ومن حقوق الإنسان، وكل هذه “ضحكٌ على لِحَى” الشعوب الضعيفة، [ضَحِكٌ على اللحى: مصطلح في اللهجة العامية بمعنى: خداع وكذب وكيد واستهزاء]، وتخديرٌ من هيئة الأمم وعصبة الأمم، والكلام للقوة؛ قوة العلم وقوة الاقتصاد وقوة الأخلاق.
وإذا رجعنا للإسلام الحقيقي فنحن أقوى الأمم، ونستطيع أن نَسُودَهم لا سيادة الاستعلاء والاضطهاد والاستعمار والعدوان، بل سيادة الإنقاذ والحياة والإخاء والحب والسلام، لكن من سيصنع هذا الإسلام؟ هذا الكرسي الذي أجلس عليه يحتاج إلى نجَّار حتى يصير، وهذا الكتاب يحتاج إلى مطابع ومُجلِّدِين ومُؤلِّفِين، ونحن نريد الإسلام بالكلام والتمني.. “المُجَدَّرَة” [طعام شعبي] يلزمها العدس والبرغل والزيت والبصل، ونحن نقول: “اللهم واللهم” ولا شيء غير ذلك، اللهم ارزقني ملكة الجمال، واجعلني رئيسًا على أمريكا، وهذا بالكلام.. ادعُ.. ماذا سيحدث؟ وأنت جالسٌ على مزبَلَة وتنام فوقها والذباب مجتمع عليك، هل تريد أن تصير رئيس أمريكا وأنت بهذا الشكل؟ نسأل الله أن يعفو عنا، فنحن نغرق في بحر الأماني والجهالات في ديننا ودنيانا، ولا نعرف كيف نستعمل دنيانا ولا نعرف كيف نفقه إسلامنا وقرآننا.
البطشة الكبرى قد تكون بالحرب النووية
﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:16].. فنسأل الله الستر، وتأويل البطشة الكبرى ربما تكون الحرب النووية العظمى، فإذا كانت البطشة الكبرى: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى لا يَبقَى عَلى وَجهِ الأَرضِ مَن يَقُولُ: الله الله)) ، وليس باللسان، فالنطق باللسان لا يكفي، قال الله تعالى على لسان المنافقين: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:1]، هم يقولون: رسول الله، ويقولون: الله، لكن باللسان لا بالقلب، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14].
النَوَّاحة [النّائِحَة] تبكي وتُوَلْوِل، والذي ينظر إليها يضحك ويقول: قاتلها الله! كم هي منافقة! فقبل قليل كانت ترقص، والآن تنوح، وعندها حفلة رقص في هذه الليلة، أما التي يكون الحزن في قلبها، فهي الأم الثكلى التي فَقَدَت ولدها الوحيد، فهذه إذا بكت فإن بكاءها صادق، والأخرى بكاؤها بالأجرة.. إنّ خوف المنافق في عينيه لا في قلبه، وحبه أيضًا في عينيه لا في قلبه.
انتقام الله من المجرمين
﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان:16]، فإذا أتت البطشة الكبرى سواءٌ كما نذكر أو بغير ما نذكر، واللهُ أعلم بحقائق الأمور وبغيبه، وأنت وأنا وكل واحد منا إذا أذنب فالله عزَّ وجلَّ يَعِظه مرة واثنتين وخمساً، ثم “يَفْرُك أُذُنَه” مرةً، وإذا لم يتَّعظ بعدها يَفْرُك أذنه ثانية، ثم “يَضرِبه طَيَّارَة”، [يَفرُك أُذُنَه: كناية عن التنبيه والعقوبة الصغيرة جداً، كما يُؤَدِّب الأب ولده الصغير.. وضرب الطيارة: باللهجة الدمشقية، وهي بمعنى: صفعة خلف الرقبة، وهي عقوبة وتأديب أكبر من مجرد فَرْك الأُذُن]، وكل هذا إيقاظ، فإذا لم يستيقظ ﴿نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:16].
وإذا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يبطش البطشة الكبرى يسحق الكون، وما أنت أمام الكون! هل تعرف الله عزَّ وجلَّ؟ هتلر أين قبره؟ ليس له قبر، وما أقاموا له جنازة ولا صوَّروا جنازته بالفيديو، وهل عُرِف كيف مات؟ حَرَّقوه وصار رمادًا، وقد أخاف العالَم كلَّه، فمن أنت!
وكل واحد له وقت، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف:34]، و﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:38]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:34]، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ﴾ [إبراهيم:42]، وإذا أتى يومك ربما لا يضع الله القيود في يديك، بل يضعها في رقبتك أو في كبدك أو في شريان قلبك، وهذه في الدنيا أمرها سهل، ماعز آثر الإعدام رجمًا على أن يلقى الله فيعذبه بعذاب الآخرة، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:25]، عذاب الله لا يوجد عذابٌ يشبهه في الدنيا، كما أن عطاءه لا يُشبهه عطاءٌ في الدنيا، وهذا هو الإيمان، وهو أن نخاف الله خوفًا لا نخاف شيئاً كما نخافه، وأن نرجو من الله رجاءً لا نرجو غيره كما نرجوه، والرجاء هو الذي يكون مقرونًا بالعمل الذي يوصل إلى الرجاء.
إنك ترجو الحصاد إذا زرعتَ وسقيتَ “وعَشَّبْتَ” [اقتلعتَ الأعشاب] واعتنيتَ ووضعتَ السَّماد، وكلما تعبتَ أكثر تأخذ حصادًا أكثر، لكن الرجاء بلا زراعة ولا بذر ولا سقاية ماذا تحصد؟ لا تحصد إلا الشوك، وهذا هو المتمنِّي، وهناك فرق بين التَّمنِّي والرجاء، فالتَّمنِّي شيء نفسيٌّ مع الكسل وعدم العمل، أما الرجاء فهو إرادةٌ وصدقٌ وعملٌ وأسبابٌ، فتَقطِف ما غرستَ وتحصد ما زرعتَ.
كلام الله موجَّهٌ لنا بعد قريش
وهذا كان تهديدًا لقريش، وبعدهم هو تهديد لكل الأجيال والشعوب وما دامت الحياة، وهذا القرآن ليس لقريش فقط، لكن أول من سمعه قريش، وهذا القرآن إلى قيام الساعة، وبعد أن ذَكَر الله ذلك لقريش وهدَّدهم التهديد العام: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:58].. وبعد هذا التهديد أتى لهم بقصة تاريخية، بيَّن فيها كيف يُمهل الله من يعصيه، لكنه لا يتركه، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
فقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)﴾، رسولٌ له كرامة عند الله عزَّ وجلَّ، لكن ليس له كرامة عند فرعون الذي لاحَقَه ويريد أن يُعدمه هو وقومُه، والذي طلبه موسى عليه السلام منه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال له: اترك لي بني إسرائيل حتى أخلِّصهم من الاستعباد وليذهبوا إلى فلسطين، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ حامل رسالة من الله، وأنا ﴿أَمِينٌ (18)﴾، وليس هذا الشيء من عندي، ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الدخان:17-19]، لا تتعالى على الله.. وكيف يكون التعالي على الله؟ لا أحد يقول: أنا أعلى من الله.. ولكن تمرُّدك على أوامر الله وإصرارك على معصية الله وعدم خضوعك لشريعة الله هو استعلاءٌ على الله عزَّ وجلَّ، وبذلك تقول: أنا أكبر من الله، وحين تقول: “الله أكبر” في الصلاة فأنت تكذب، لأنك تقول: الله أصغر، وأنا أكبر من الله.. لذلك لا أهتمُّ بالله.
وحين تغضب أو تطمع أو تغفل، سواء بلسانك أو بعينك أو بفرجك أو ببطنك أو بيدك أو برِجلك فأنت تستعلي على الله عزَّ وجلَّ، وترى أن الله أصمّ وأعمى لا يسمعك ولا يراك ولا هو حاضرٌ معك، أو “وضعوه في القلعة” أو أخذ إجازة، [وضعوه في القلعة: بمعنى وضعوه في سجن القلعة، حيث كان هناك سجن في قلعة دمشق، وكان من بين الأقسام في القلاع عموماً قسم للحبس والاحتجاز]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4]، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:284].
﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:19]، بالحُجج وبالمنطق وبالمعجزات.. لكن نسأل الله أن يحمينا من الشقاء والخذلان، فلا المعجزات أفادت ولا فصاحة موسى عليه السلام ولا نبوَّته ولا فَلْق البحر ولا أيُّ شيء أفادهم، فالشقي: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:18]، ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾، لو رأوا الملائكة ينزلون من السماء ويشهدون للنبي ﷺ ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ أن هذا رسول الله، ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ كل الأجيال أحضرناها تشهد أن هذا رسول الله ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام:111]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة:6]، هذا اسمه موت القلوب، فلا تنفعه العظة ولا الموعظة ولا الأمثال ولا الحكماء ولا الأنبياء ولا كلام الله.
إذا كان لا يبالي بالله عزَّ وجلَّ ولا بكلام النبي ﷺ فهل يعبأ بكلامي وكلامك؟ هذا الشقاء، ونسأل الله العافية.
معاناة الأنبياء مع قومهم
﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:19]، أحضرتُ لكم كل شيء، وهو من القوة ما يُبيِّن صدقي وصدق دعوتي وأني رسول الله، وإذا كنتم لا تريدون أن تؤمنوا، فالخيار لكم.. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان:20]، أرادوا أن يرجموه فقال: أنا ألتجئ إلى الله أن يحميني، فحماه الله، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان:21]، إذا لم تؤمنوا فاتركوني واذهبوا لشؤونكم، وأنا أذهب لشأني.. ولكن الشيطان ليس هكذا، وشيطان الإنس “أنحس” [أسوأ] من شيطان الجن، فشيطان الجن يوسوس لك، وأمّا الآخر فيُمسكك من يدك ويقول لك: سأزعل منك وأحاربك وأشتمك وأؤذيك إذا لم تمشِ على معصية الله.
ولَمَّا لم يكن فيهم فائدة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾، لما استنفد كل الوسائل قال: يا ربي هؤلاء لم ينفع معهم شراب الليمون ولا الرمان ولا التفاح ولا الإجاص ولا العنب، إذن أعطهم قضيبًا من قضبانك، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان:22]، مع الله عزَّ وجلَّ ومع أنبياء الله ومع أحباب الله ومع عباد الله، وهذه البرقية: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ مِن كم كلمة؟ فما جواب البرقية؟ الجواب أكثر منها، قال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ [الدخان:23]، الإسراء هو السفر بالليل، فقال له: انسحب في الليل أنت والمؤمنون معك من بني إسرائيل، وسيتبعونكم ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:23]، بجيش فرعون، لأنه كان يستعبدهم، وجعلهم عبيداً وأُجَراء أذلاء، وللسُّخرة، وجعلهم يبنون الأهرامات وغير ذلك، وكان ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسِاءَهُمْ﴾ [القصص:4].
معجزة شق البحر لموسى عليه السَّلام
سيتبعونكم، وقال له: وعندما تصل إلى البحر فاضربه، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:62]، الله عزَّ وجلَّ دخل في المعركة، وإذا دخل الله في المعركة وساهم في الجيش فهل ينهزم الجيش؟ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:62-63]، فُتِح اثنا عشر طريقًا على عدد قبائل بني إسرائيل، وتجمعت المياه وصارت مثل الجبال، وجفَّف الله البحر بلحظة، وخرجوا من الجانب الآخر.
ولحقهم فرعون فقال الله تعالى لموسى عليه السَّلام: لا تضرب البحر مرة ثانية حتى لا يعود مثل ما كان: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:24]، اتركه كما هو مفتوحًا حتى يدخل فرعون وجنوده، فلما رأى فرعون البحر هكذا أراد أن يُظهر نفسه قويًّا، فقال لهم: انظروا كم هي عظمتي! لقد فتحتُ لهم البحر حتى يعرفوا عظمتي، ولو فتحتُ لهم البحر لن يهربوا مني، وسأتبعهم إلى منتصف البحر، فلما دخل فرعون وجماعته وكان أول الجيش كاد أن يصل إلى الشاطئ الثاني، وآخره صار داخل البحر أطبق الله عزَّ وجلَّ البحر عليهم.
وهذه تكنولوجيا الله.. لقد جاءت عاصفة منذ أيام على إنكلترا وفرنسا وعلى أمريكا، وهاج البحر.. وبلحظة واحدة يأتي أمر الله! فمن أنت وما أمريكا وما أرضنا وما مجرتنا! وبعد ذلك تريد أن تناطح الله فاطر الكون الذي عَرَفْنا من خلقه ملايين ومليارات المجرات بمليارات السنين الضوئية! وهذا بعض ما أَطلعنا الله عزَّ وجلَّ عليه، أما الباقي فلا يعلمه إلا الله، إلا الذي خلقه.
النعم التي تركها فرعون وجنوده
﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾، ما معنى رهوًا؟ يعني لا تدعه يُطبق بعصاك، ودعه مفتوحًا، فدخلوا، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26)﴾، قصور وسرايا ومزارع وأنهار، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾، والنَّعمة بالفتح: أي التنعُّم، والنِّعمة بالكسر: المال والسلطان والأملاك والأشياء التي يُتنعَّم بها، فالتنعم هو نَعمةٌ، وأَفرادُها نِعمة.
﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)﴾، متلذِّذِين فرِحِين منعَّمِين، ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني سنفعل بكل من فعل فعلهم وإلى قيام الساعة، وليس أن نهلكهم فقط، بل سنورث نِعمَتَهُم قوماً آخرين: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، لا الملائكة بكت عليهم ولا أهل الأرض بكوا عليهم، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:24-29]، نحن أمهلناهم ولم نهملهم أو نتركهم، وحين لم تكن هناك فائدة: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:42].
مَن الذي يُبكى لموته؟
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:29]، وورد في بعض الآثار والأحاديث أن لكل عبد بابَين في السماء: باباً ينزل منه رزقه وباباً يصعد منه عمله، فإذا مات المؤمن بكى عليه باباه؛ باب رزقه وباب عمله، وإذا مات الكافر لا يبكي عليه هذا ولا هذا ، وهناك من إذا مات تبكي عليه السماء والأرض، وبعضهم يقول
إذا ما ماتَ ذُو فَضْلٍ وَتَقوَى
فَقَد ثُلِمتْ مِنَ الإسلامِ ثُلمَةْ
السُّوْر إذا صارت فيه فتحة وفُتِحت، فما اسم هذه الفتحة؟ ثُلمة، فإذا مات الرجل الصالح التقي فجدار الإسلام كأنه فُتِح وثُقِب فيه فتحة، أي صار في ضعف بسبب فقد الفضلاء الأتقياء الصالحين.
ومَوتُ العالِمِ المرضِيِّ نَقْصٌ
فَفِي مَرآهُ للأَشرارِ سَلْمةْ
“العالِم المرضي”: إذا كان عالِمًا وتقيًّا، وأمّا الأول: “إذا ما ماتَ ذُو فَضْلٍ وَتَقوَى” فهو صالح وتقيّ وفاضل، “ومَوتُ العالِمِ المرضِيِّ نَقْصٌ”: موته نقص، ذاك “فَتحَة” [فجوة]، لكن هذا ربما نصف الجدار يذهب، “ففي مرآه للأشرار سَلْمَة”: إذا رآه الأشرار فإنّ رؤية العالِم والنظر في وجهه عبادة، وأي نظرة؟ نظرة الحب عبادة، أما نظرة الحقد فهل هي عبادة؟ [فالأشرار عندما يرون العالِم وينظرون إليه نظرة حب وتقدير يسلمون من شرور أنفسهم وينقلبون من أشرار إلى أبرار].
ومَوتُ العادِلِ الْمَلِكِ الْمُولَّى
بِحُكمِ الحَقِّ مَنقَصةٌ وقَصْمَةْ
“وموت العادل”: الحاكم الذي ولَّاه الله على الأمة وكان عادلًا فيها، “مَنْقَصَةٌ”: للأمة في قواها وفي سعادتها، و”قَصْمَة” قَصمَة ظهر، فموت عمر رضي الله عنه قَصَمَ الظهر، وموت النبي ﷺ كذلك.
ومَوتُ الفارِسِ الضِّرغامِ هَدْمٌ
فَكَم شَهِدَتْ لَه في النَّصرِ عَزْمَةْ
“وموت الفارس الضرغام”: مثل سيدنا خالد وعلي بن أبي طالب وسعد وصلاح الدين رضي الله عنهم، “هدمٌ”: للمجتمع، “فَكَم شهدت له في النصر عزمة”: وأنه من أهل العزائم والإرادات الفولاذية، ولا يَعرف هزيمةً ولا وهنًا ولا ضعفًا.
[يخاطب سماحة الشيخ أحد الحضور بلطف ممازحًا:] إذا كنت نعسانًا دكتور استند على صديقك، فلا بأس.
ومَوتُ فَتًى كَثِيرِ الجُودِ مَحْلٌ
فَإنَّ بَقاءَهُ خَصْبٌ ونِعمةْ
“ومَوتُ فَتًى كَثِيرِ الجُودِ”: الإنسان السخي الذي يده في الخير، ودائمًا يرحم الناس ويساعد الفقراء والمساكين، وينفق على الأعمال الخيرية والمساجد والمدارس، “مَحْلٌ”: المَحْل ليس بعدم نزول المطر فقط، بل بِفَقْد الكرماء الأغنياء السُّمحاء، وهؤلاء يَقِلُّون، أَلا يَقِلُّون؟ سابقًا كانت ثلاثة أرباع الأملاك أوقاف خيرية من أغنياء المجتمع، “فَإنَّ بَقاءَهُ خَصْبٌ ونِعمة”: والآن هل نحن في خصبٍ أم في قحط؟ نرجو الله أن نصير خصبًا.
فَحَسْبُكَ خَمسةٌ تَبكِي عَلَيهِم
ومَوتُ الغَيرِ تَخفِيفٌ وَرَحمةْ
“فَحَسْبُكَ خَمسةٌ تَبكِي عَلَيهِم”: إذا أردتَ أن تبكي فابكِ على هؤلاء الخمسة، “وموت الغير تخفيف ورحمة”: لا فائدة فيهم، فلا تقيٌّ ولا عالم مربٍّ ولا حاكم عادل ولا قائد منتصر ولا مَن يده في الخير وينفع المخلوقات، إذن ماذا؟ عاطلٌ وبخيلٌ.
وأنتم مِن أيِّهم؟ يوجد بينكم: “وموت فتى كثير الجود” وبينكم: “إذا ما مات ذو فضل وتقوى”، وبينكم: “العالم المرضي” والحاكم هذا نادر.. فنسأل الله أن يوفِّق حكَّامنا جميعًا لأن يكونوا مَرْضِيِّين عند الله عزَّ وجلَّ وموفَّقِين في حُكمهم وأعمالهم وسلوكهم.. وكل من يوليه الله عزَّ وجلَّ شأنًا من شؤون الأمة حتى ولو كان عامل بلدية هو مسؤول: ((كُلُّكُم راعٍ وَمُسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ)) ، وغدًا سيُكفِّنوننا كلنا أنا وأنتم والحاكم والملِك والرئيس والوزير ورئيس الوزراء والقاضي والمحامي.. والمحامي عليه أن يتَّقي الله عندما يحامي عن الباطل، والحاكم عليه أن يتَّقي الله فغدًا سيُحاكَم، والقوي عليه أن يتَّقي الله، فغدًا سيكون ضعيفًا ويُحاكَم بين يدي القوي العزيز.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا اللهم هادين مَهْدِيِّين، ولا تجعلنا ضالين ولا مُضِلِّين، ولا تُخزنا لا في هذه الدنيا ولا يوم الدين.