سبب تسمية سورة الحجرات
فنحن الآن في تفسير سورة الحُجرات، والحُجرات جمع ومفردها حُجرة، والحُجرة: هي غرفة السكن، فكان بيت النبي عليه الصلاة والسلام حول مسجده، ولكلِّ زوجةٍ من زوجاته غرفةٌ أو حُجرة، وهذه السورة سورة الحجرات يعني سورة غرف أو بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وسبب تسمية السورة بالحجرات وغُرَف بيت النبي ﷺ أنَّ وفدًا من بني تميم وكانوا من البدو الأعراب، أتوا من الصحراء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أعزَّ الله تعالى الإسلام، وصار دِينًا ودولةً، وصار قوةً وفتحًا، وأقبلت وفود العرب على النبي عليه الصلاة والسلام، كمن يأتي إلى ملكٍ يرجو عطاءه أو التقرُّب إليه رجاء الاستفادة من سلطانه وجاهه.
ولما وصلوا كان الوقت وقت الظهيرة وقت الحرِّ الشديد والقيلولة، وكان النبي ﷺ قائلًا [أي في القيلولة] مستريحًا في إحدى الحُجرات، فأتوا إلى أبواب الحُجرات وصاروا ينادون بأعلى أصواتهم: “يا محمد اخرج إلينا”، والنبي ﷺ متعبٌ من عناء عمله وحرارة الوقت، وفي راحته، فأيقظوه وأزعجوه.
من آداب الزيارة
وكان العرب في البادية لا يعرفون الأدب ولا حقوق الناس بعضهم على بعض، ويعيشون مع الوحوش والأَوَابِد، [الأوابد بمعنى الوحوش]، وهذا التصرف لو كان من إنسان عادي مع إنسانٍ عادي لا يصح، فلا يصح أن يزوره بهذا الشكل ومن غير موعدٍ وفي وقت الراحة أو في وقت الطعام أو في وقت العَشاء حين يكون مع أهله وعائلته، ويأتيه بلا موعد! وقد يكون عنده موعد وشاغل، فيأتي بلا أيِّ ضابطٍ أخلاقيٍّ أو أدبي أو اجتماعي.
فأتى الإسلام فنظَّم كلَّ شؤون الحياة؛ من حياة الفرد إلى حياة الأسرة وحياة المجتمع، والعدو مع عدوه، والجار مع جاره، والغريب في غير بلده، وحق العامل في عمله.
ثم أتى ببرنامج إقامة الدولة الفاضلة التي تخيَّلها فلاسفة اليونان على الورق، لكنَّ الدين ووحي السماء كتبها في الواقع وفي المنظور والمُشاهَد، وأوجد عمليًّا الدولة الفاضلة، ولم يكن لقب رجل الدولة صاحب الجلالة أو الفخامة بل العبد، عبد الله ورسوله، فلم يقل: الملك محمد، أو شاهنشاه، أو صاحب الجلالة، فأيُّ دولةٍ مِثْلُها من عهد آدم عليه السَّلام إلى أن تقوم الساعة، فيها الملِك المطلق الذي مَلَك الأبدان والقوى والقلوب والمهج يختار لقب عبدٍ على كلِّ هذه الألقاب؟
وبنى الإنسان الفاضل والأسرة الفاضلة والجيش الفاضل والمجتمع الفاضل، ثم نصف العالَم الفاضل، وهذا هو الإسلام.
النار: هي ما تُعطِي الضوء والدخان والحرارة والحريق، أما النار في التلفزيون فهل تحرق شيئًا من بيتك؟ في السينما إذا رأيتَ غابة تحترق فهل تشعر بالحَرِّ؟ وإذا كان اسم النار على الورقة هل تُحرق الورقة؟ وهكذا الفرق بين الإسلام في زمن النبوة وهو الإسلام الأول، وما تبقَّى من إسلامٍ في عصرنا الحاضر، والسبب وجود البنَّاء في عهد النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ليس المهندسون البنَّاؤون، بل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:18]، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:163].
حقيقة الإسلام
وكان مسجد النبي ﷺ من اللَّبِن، وأرضه من الرمل والحصى، وسقفه من جريد النخل، وإذا نزل المطر سجدوا بين الماء والطين، وبلا بابٍ، وكانت الكلاب تدخل وتخرج، وهذا المسجد المتواضِع في بنيانه، العظيم في مهندسه وإنتاجه لا يزال يتَّسع ويمتدُّ حتى وصل إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ويقول النبي الكريم ﷺ: ((سَيَأتِي يَومٌ تَفنَى كُلُّ الْمِلَلِ وَالأَديانِ، وَلا يَبقَى إلَّا الإسلامُ)) .
ليس إسلام الاسم، بل إسلام الحقيقة، وسيعود الإسلام بفضل الله.. الشيوعية ملكت نصف الدنيا ونصف العالَم من كل النواحي، فمن ناحية الجغرافية كانت حدودها حتى اليابان وحتى المحيط الأطلسي في غرب أوروبا، وكان فيها التقدُّم العلمي والتكنولوجي والسلاح النووي وعابر القارات، ولكنها لم تعش أكثر من سبعين سنة، أمَّا الإسلام فلم يملك الصواريخ ولا هذه الطاقات، والآن في أمريكا في العشر سنوات الأخيرة دخل في الإسلام ست ملايين أمريكي، وحدَّثني رئيس الجامعة الكاثوليكية قال: “الإسلام أصبح الدين الثاني وهو أسرع الأديان انتشارًا”، مع أنه لا يملك شيئًا.. وما كان مصدره الخلود فمصيره الخلود، وما كان مصدره الإنسان فمصيره الفناء والنسيان.
سورة الحجرات سورة الأخلاق
نعود إلى السورة.. هذه السورة في الحقيقة هي سورة الأخلاق والآداب، أو التربية وتهذيب النفوس من العِوَج الأخلاقي إلى الاستقامة، ومن الأخلاق البهيميَّة والبدوية والصحراوية إلى الأخلاق الإنسانية الملائكية الفاضلة، وبالأخلاق الفاضلة تتفاضل الأمم وترتقي.
وإنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَتْ
فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ذَهَبُوا
ويقول بعض الحكماء: إنَّ الأمم المتوحِّشة تتفاضل ويتفاضل بعضها على بعض بالقوة البدنية، فالذي عضلاته أقوى ويستطيع أن يصرع الآخر يكون الأفضل في نظرهم، فالأسد سمَّوه ملك الوحوش بماذا؟ هل بالعلم والأخلاق؟ لا، بل بالعضلات والأظافر والأنياب.
إنَّ الأمم المتوحِّشة تتفاضل ويتفاضل بعضها على بعض بالقوة البدنية، فإذا ارتقت يتفاضل بعضها على بعضٍ بالعلوم، فالترقِّي بالعلوم أقوى وأعظم شأنًا من امتلاك القوَّة البدنية، وتبلغ الأمم الذروة والقمة في الارتقاء والترقِّي بمكارم الأخلاق، والإسلام جمع الفضائل من كل نواحيها، جمع القوة بكلِّ معاني القوة، وجعل العلم فريضةً، وهو فريضة لكل العلوم النافعة في الدنيا والدين، وجمع الأخلاق فقال: ((إنَّما بُعثتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخلاقِ)) .
وقال علماء التربية: “مَن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في التصوُّف” .. فالتصوُّف: هو التربية الأخلاقية، وهو مقام الإحسان في ظلال الشريعة المطهَّرة والكتاب والسنة، وكلُّ شيء خرج عن القرآن والسنة هو من البِدَع التي يجب نبذها وهجرها والقضاء عليها.
الأدب الأول: عدم التقدُّم بين يدي الله ورسوله
نعود إلى سورة الحجرات، فأولها بسم الله الرحمن الرحيم، ثم نداءُ الله تعالى للمؤمنين “آمَنوا”، وهل هذا الخطاب للرجال فقط، وهل النساء لا يدخلن في النداء؟ لا، بل إن قوله: “يا أيها الذين آمنوا” يدخل فيه “يا أيتها اللاتي آمنَّ” ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ [الكهف:107]، “آمنوا” هذه للرجال، فأين النساء؟ كلمة “آمنوا”: تشمل الذكور والإناث.
وأوَّل أدب قال فيه تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:1]، أن تُقدِّموا رأيكم على رأي النبي ﷺ، أو أن تتقدَّموا عليه بفعلٍ لم يُقدِم عليه، أو في أيِّ عبادةٍ.
في يوم الأضحى نُهِي أن يُضحِّي الإنسان قبل أن يُضحِّي رسول الله ﷺ، وعليه أن يصلِّي مع النبي ﷺ، ثم بعد الصلاة يعود النبي ﷺ فيُضحِّي، ثم يضحي هو وراء النبي عليه الصلاة والسلام.
عدم التقدم في أمور العبادات
وبعض الناس كان يصوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطًا بأنه قد يكون من رمضان، والنبي ﷺ لم يصمه، فكيف تصوم يومًا لا يصومه النبي ﷺ؟ فهذا تقدُّمٌ، وهو تقدُّمٌ غير أدبيٍّ على رسول الله ﷺ.
قال تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:1]، فهل الله يصوم أو يضحي؟ بل المقصود: مَن تقدَّم على رسول الله ﷺ وقدَّم رأيه على رأيه، أو عقله على عقله، أو تدبيره على تدبيره، أو فكره على سُنَّته وهديه، فكأنَّما تقدََّم ليس على رسول الله ﷺ فقط، إنما يكون قد تقدَّم أيضًا على من أرسله، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:80]، ألا تخشون أن يغضب الله لغضب رسوله؟
رضي الله مَنْ رَضيتَ عليه
ومن لم ترضَ عنه فالكون منه براءُ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1]، كان بعض الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي ﷺ يقولون: ليت الله يُنزل في القرآن كذا وكذا من الأحكام، ومن الحلال والحرام والفرائض.. ولكن ما دام الله لم يُنزل فلماذا تُقدِّم رأيك في شيء لم يُنزِل الله عزَّ وجلَّ فيه وحيًا ولا أمرًا ولا نهيًا؟ وبعضهم كان يسأل عن أشياء لا يوجد موجِبٌ للسؤال عنها، فقال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:1].
ومن الناس من يظنُّون أنَّ عقلهم أفضل من عقل النبي ﷺ، ويعترضون على أعمال النبي ﷺ، ومعنى ذلك أنهم يُفضِّلون عقولهم على عقل النبي ﷺ ويُخطِّئون النبي ﷺ في بعض أعماله، وفي بعض الأوقات ينتقصون النبي ﷺ، وفي بعض الأوقات يُؤذون النبي ﷺ بأقوالهم لكي يُنفِّذوا أهواءهم ومصالحهم، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:58].
الأدب مع ورثة رسول الله ﷺ بعده
فأدب المتعلِّم مع المعلم أن لا يُقدِّم رأيه على رأيه، ولا تدبيره على تدبيره، أما النبي ﷺ في مقام المشورة فكان يقول: ((أَشِيروا عَلَيَّ أيُّها النَّاسُ)) ، ويوجد سورة الشورى، فالشورى والمشاورة شيء والتقدُّم شيء آخر، كأن يُقدِّم عقله على عقل النبي ﷺ، ويُقدِّم فهمه على فهم النبي ﷺ، ورأيه على رأي النبي ﷺ، حتى التقدُّم الجسدي بأن تمشي وتتقدَّم أمام النبي ﷺ فهذا من قلة الأدب.
وهذه سورة الآداب والأخلاق والتربية، فلا تمشِ أمام النبي ﷺ، ولا يجوز أن تُعطِي ظهرك لرسول الله ﷺ، وفي مرض النبي ﷺ الأخير قال ﷺ: ((مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)) ، وكانت كلُّ أبواب حجرات النبي ﷺ على المسجد، فلما نوى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أحسَّ النبي ﷺ في نفسه نشاطًا وخِفَّة فقام ليكسب الجماعة، وهم داخلون في الصلاة، فلمَّا أحسُّوا بالنبي ﷺ قد أقبل صاروا يُفرِجون له الصفوف، حتى وصل إلى الصفِّ الأوَّل، ومن الحركة والضوضاء أحسَّ أبو بكر رضي الله عنه بمقدم النبي ﷺ، فصار النبي ﷺ إلى يمينه واقتدى بأبي بكر رضي الله عنه، فالإمام أبو بكر، والمقتدي هو النبي ﷺ، والإمام يكون أمام المقتدي، فلما أحسَّ أبو بكر رضي الله عنه برسول الله ﷺ تقهقر إلى الوراء، حتى صار الإمام وراء ظهر المأموم، فالنبي ﷺ المقتدي صار في الأمام، وأبو بكر رضي الله عنه الإمام صار وراء ظهر النبي ﷺ.
الحب معلم
مَن أين تعلَّم أبو بكر رضي الله عنه هذا؟ هل من المذهب الشافعي أو من المذهب الحنفي أو أن النبي ﷺ قال له؟ بل من الحب، الذي هو رشحةٌ من رشحات الإيمان الحقيقي، والحب هو المعلم.
…………………………….. ومن لم يُفقِّهه الهوى فهو في جهل
“الحبُّ علَّمني الأدب والامتثال”، والذي ليس لديه أدب ليس لديه حب، ومن الحب يصير المحِبُّ كما قال ابن الفارض رحمه الله
قَلبي يُحدِّثُني بِأنَّكَ مُتلِفِي
رُوحِي فِداكَ عَرفتَ أَم لَم تَعرِفِ
سواءٌ عرفتَ أني سوف أُتْلَف بسبب حبك وإعراضك عني أم لم تعرف.
لم أَقْضِ حَقَّ هَواكَ إنْ كُنتُ الذي
لم أَقضِ فِيهِ أَسًى وَمِثلِيَ مَن يَفِي
قال: أنا لا أكون قد أدَّيتُ حقَّ الحب والهوى إذا لم أمت فيك حزنًا وأسًى وشوقًا، وإذا أَعطيتُ عهد الحب، فمثلي من يفي بحقوق الحب والمحبة.
ما لي سِوى رُوحِي، وباذِلُ رُوحِهِ
في حُبِّ مَنْ يَهواهُ لَيسَ بمُسرِفِ
هل يوجد أغلى من الروح؟ فإذا صارت روحه أرخص شيء يُقدِّمه لمحبوبه، فكيف بما وراء ذلك؟
فَلَئنْ رَضيتَ بِها، فَقَد أسْعَفْتَني
يا خَيبَةَ المسعَى إذا لم تُسعِفِ
“فقد أسعفتني”: لك الفضل إن رضيتَ بها.. لقد كان رسول الله ﷺ أحبَّ إليهم من آبائهم وأبنائهم، فمن علَّمهم؟ الإيمان علَّمهم، الإيمان الذي دخل في القلب وامتلأ القلب منه نورًا وعلمًا وحكمةً، وترشَّح أخلاقًا وسلوكًا وأدبًا، فهل قال النبي ﷺ: إذا اقتديتُ بأحدكم يجب أن يتأخَّر ويُقدِّمني؟
………………………………. ومَن لَم يُفقِّهْهُ الهوى فَهو في جَهلِ
أعظم أستاذ يُعلِّم الإنسان هو الحبُّ، فإذا لم تحبَّ علم الطب، وما صار الحب يسوقك إلى علم الطب فلن تصير طبيبًا، وإذا أحببتَ الشيء حبًّا حقيقيًّا كأن أحببتَ الزراعة فإنك تُقدِّم المال لتصل إلى الزراعة، أو أحببتَ السيارة فإنّك تبذل المال لتصل إليها، لأنها صارت محبوبتك.. نسأل الله أن يرزقنا محبة الله.
والحبُّ من أعمال القلب، والقلب لا يُنال إلا بالتوبة الصادقة ودوام ذِكر الله وحضور القلب مع الله، فإذا رُفع الحجاب ينعكس في مرآة قلبك نور الله والحياة بالله والأخلاق الإلهية، ما عدا التواضع والتذلُّل، وكلَّما امتلأ قلبك إيمانًا امتلأ تعظيمًا وتذلُّلًا وتمسكنًا أمام الله تعالى، وأمام رسول الله ﷺ، وأمام من دلَّك وأوصلك إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ ومعرفة رسول الله ﷺ.
فلما انتهت الصلاة قال النبي ﷺ: ((يا أَبا بَكرٍ لِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ؟)) الإمام يكون مُتقدِّمًا، وأنا مقتدٍ، فيجب أن أكون متأخِّرًا، وأنا لم أقل: إذا صلِّيتُ وراءكم يجب أن تتأخَّروا وتُقدِّموني.. الحبُّ علَّمه الجواب أيضًا، فقال له: “ما كان لابن أبي قحافة”، ولم يقل: ما كان لأبي بكر، لأن التكنية بالأب فيها شيءٌ من التكريم، فلم يجعل نفسه أبًا، بل جعل نفسه ابنًا فقال: “ما كان لابن أبي قُحافة أن يتقدَّم بين يدي وأمام رسول الله”، يعني ولو في الصلاة .
هذا من الإيمان: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، فهل هذه فقط خاصة بالنبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه؟
الأدب مع الكبار قَدْرًا وعلمًا
مرة رأى النبي عليه الصلاة والسلام وآله الكرام أبا الدرداء رضي الله عنه يمشي أمام أبي بكر رضي الله عنه ويتقدَّمه، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي الدرداء رضي الله عنه: ((أَتَمشِي أَمامَ مَن هو خَيرٌ مِنكَ في الدُّنيا والآخرةِ؟)) .
إذن: فالتقدُّم المنهي عنه ليس فقط التقدُّم أمام النبي ﷺ، بل كذلك أمام كلّ مَن له فضلٌ عليك، أو مَن هو أفضل منك علمًا أو حكمة أو إيمانًا أو تقوًى، بالإضافة إلى أقوال النبي عليه الصلاة والسلام مثل: ((العُلماءُ وَرَثةُ الأَنبياءِ)) ، هذه السُّنَّة القولية، وأما قوله مع أبي الدرداء وأبي بكر رضي الله عنهما فهذه السُّنَّة العمليَّة التطبيقيَّة.
وسيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه كان من فقهاء الصحابة خاصةً في علم الميراث، وقد قال النبي ﷺ عن زيد: ((أَعلَمُكُم زَيدٌ)) ، أي بعلم الميراث.. ومرة كان هو وابن عباس رضي الله عنهما، فأراد أن يركب زيدٌ رضي الله عنه فرسه، فأمسك ابن عم رسول الله ﷺ برِكابه حتى رَكِب، فخجل سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال له: ما هذا يا ابن عم رسول الله؟ قال: هكذا أُمرنا أن نعظِّم ونُكرِم علماءنا، فقال له زيدٌ رضي الله عنه: ناولني يدك يا ابن عباس، فأعطاه يده فقبََّلها فقال: ما هذا يا زيد؟ قال: هكذا أُمِرنا أن نُكرِّم أهل بيت نبينا ورسولنا ﷺ .
ومرة كان النبي ﷺ في المسجد وحوله الصحابة رضوان الله عليهم وعن يمينه أبو بكر رضي الله عنه، فدخل عليٌّ رضي الله عنه، والمكان مزدحم، ولم يتزحزح أحد ليفرغ لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه مكانًا قريبًا من النبي ﷺ ليجلس فيه، فتزحزح سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وأفرغ له مكانًا إلى جانب النبي ﷺ مباشرةً، وقال له: إلى ها هنا يا أبا الحسن، فظهر السرور في وجه رسول الله ﷺ وقال: ((لا يَعرِفُ قَدرَ أَهلِ الفَضلِ إلَّا أَهلُ الفَضلِ)) .
ولذلك فإن سيدنا عمر رضي الله عنه حين يقسم العطاء من بيت المال على الصحابة كان يُقدِّم السابقين من المهاجرين والأنصار الذين أسلموا أولًا بأول، ويُكثر لهم العطاء على المتأخِّرين في دخول الإسلام، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:10].. وهناك أناسٌ من أهل الجاهلية، وقد يكون يحمل شهادةً عالية في الطيران، وإذا كان يملك أعلى شهادةٍ في الطيران هل يستطيع أن يكون مكان اللحام ويصنع لحمة “الصَّفِيْحَة”؟ أو مكان الفرَّان فيضع الصفيحة في “بيت النار”؟ [الصَّفِيْحَة: قطعة من العجين، مثل الرغيف الصغير، يوضع عليها لحم مهروس، وتُخبَز في الفرن.. وبيت النار: هو الفرن القديم الكبير الذي يخبر به الفَرَّان]، هذا مثقَّفٌ بالطيران، لكنه غير مثقَّف بالطبِّ أو الهندسة.
ما حَوَى العِلمَ جَمِيعًا أحدٌ
………………………….
نجد الجنديَّ أمام الضابط، والضابط الأدنى أمام الضابط الأعلى لا يتقدَّم عليه، والتلميذ النجيب المُربَّى في المدرسة الابتدائية والثانوية والجامعية كذلك يتأدَّب مع أستاذه، والمريض لا يُقدِّم رأيه على رأي طبيبه، لا في الدواء ولا الغذاء ولا الحمية ولا الحركة.. والمسلمون منذ عهد النبي ﷺ وفي حياة النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم بعضهم مع بعض، والتابعين بعضهم مع بعض، كان من أدبهم أنَّ الصغير في المقام والعلم والفضائل لا يتقدَّم على من هو أعظم منه في المكارم والفضائل وفي العلم والدين.
مشاورة النبي ﷺ لأصحابه
قال تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:1]، بماذا؟ بهذا الأمر وهذا النهي الإلهيِّ، فإذا تقدَّمتَ تكون قد خرجتَ من التقوى إلى المعصية، وخرجتَ من التقوى إلى الفسوق، وفي أُحُد لَمَّا شاور النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم أن يُحاصِروا أو يخرجوا لمقاتلة المشركين، وكان في رأي النبي ﷺ ورأي كبار الصحابة أن يُحاصِروهم، وكان يرى أن الأعداء تنتهي أقواتهم وزادهم، ولا يبقى معهم شيء فيجوعوا وينسحبوا، وذلك حتى لا يسفك النبي ﷺ دم مشركٍ ودم عربي، والشباب المتحمسون أصرُّوا على القتال، ولكي يكون الحكم غير انفراديٍّ، ويد الله مع الجماعة، والكثرة كانوا من الشباب وافق النبي ﷺ الشباب.
فغضب ابن أُبي ابن سلول، وقال: أطاع الصِّبْيَة وعصى الشيوخ، وانسحب هو وجماعته، وكانوا ثلاث مئة من أصل ألفٍ من الجيش، ولم يحاربوا في أُحد، هذا هل تقدََّم بين يدي الله أم لم يتقدَّم؟ لقد قدَّم رأيه وتدبيره على رأي النبي ﷺ وتدبيره، لكنَّه كان قد أخذ لقب رأس المنافقين.
قال تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:1]، إنّ الله سميع وعليم بك إذا تقدَّمتَ بكلامك على كلام النبي ﷺ، أو على كلام من هو أفضل منك، أو تقدَّم الجاهل بالكلام.
والآن في المجتمع يكون عالِمًا كبيرًا مشهودًا له عند كل العلماء، وترى بائع فِجْل أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب يقول: إن الشيخ مخطئٌ ويجب أن لا يفعل هكذا، بل يجب أن يفعل كذا وكذا.. فهذا لو قرأ القرآن وتعلَّم علوم القرآن لا يتقدَّم بجهله على علم العلماء وحكمة الحكماء، وإذا لم يفهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43].
حاجة المسلمين إلى المعلم المربي
لكننا أصبحنا مثل الأعراب، ما الفرق بين ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:97] وبين المهاجرين والأنصار؟ الفرق هو دخول مدرسة النبوة وهي المسجد، وارتباطهم بالنبي ﷺ الذي هو إمامٌ، وليس في المسجد فقط، بل إمام في كلِّ شيء؛ في الحكمة والتدبير والعلم والأخلاق والمرتبة والدرجة العليا عند الله عز وجل.
فالذي ينتقد الحكماء ومن هو أعلم وأفضل منه يُدَلِّل على أنه أعرابيٌّ وبدويٌّ، ولو كان متخرِّجًا في جامعة السوربون أو غيرها.. فمثلًا أنا في أمور الدين لدي من العلم، لكن هل أتقدَّم على الطيَّار وأقول له: لماذا فعلتَ كذا، ويجب أن تفعل كذا؟ يقول لي: ما شأنك أنت؟ وهل هذا عملك؟
المسلمون اليوم كلُّهم يريدون أن يصبحوا مشايخ على الشيخ، هذا يقول: ليس له حق، وهذا يقول: لا يجوز، وهذا يقول: يجب أن يفعل الشيخ كذا، ويجب أن يترك كذا.. هؤلاء لم يقرؤوا القرآن، وقد كان التقدم الجسدي من أبي الدرداء على أبي بكر رضي الله عنهما موضع نقد النبي ﷺ وغضبه وعتبه وتأنيب أبي الدرداء رضي الله عنه، وما أدراك من أبو الدرداء! كان من عظماء وفضلاء الصحابة، وقال له ﷺ: ((أَتَتَقَدَّمُ عَلَى مَن هُو خَيرٌ مِنكَ في الدُّنيا والآخرةِ؟)) .
وما معنى كلمة مسلم؟ وما معنى الطبيب؟ هو الذي درس الطبَّ، ومارس الطب، وأطاع أساتذة الطب، وتابعهم في كلِّ أعمال الطب التي فعلوها أمامه، وبمنتهى الطاعة والانقياد، فهذا الذي يستحقُّ الشهادة ويستحق أن يأخذ لقب طبيب، وكذلك كلمة مسلم، فمن معلِّمك ومؤدِّبك؟ ومن هذَّبك وعلَّمك علوم القرآن؟
الآن الناس يقرؤون ختمة من القرآن وختمتين وخمس مئة ختمة لكن هل يعرفون ما معنى هذه الآية؟ وهل تتعلَّم الطب والهندسة وتصير محاميًا في السوق العتيق أو سوق الهال؟ [سوق الهال والسوق العتيق من الأسواق الشعبية لبيع الخضار في دمشق] هناك تتعلَّم البطاطا والفجل والكرُنْب، [الكرُنْب: هو الملفوف، وفي اللهجة الدمشقية يقال له: كرنب، ويقال له: ملفوف]، فهذه علوم سوق الهال.
والمسلمون اليوم يا حسرتي عليهم! وحرامٌ أن نطلق كلمة إسلام على المسلمين.. والأمم التي اسمها غير مسلمة بمجرد أن تسمع أو تَشهَد مظهر الإسلام من شيخٍ أو عالِمٍ أو مربٍّ أو حكيم تخضع له خضوع العاشق لمعشوقه، والتلميذ البار لمعلِّمه وأستاذه، وتلازمه كملازمة الروح للجسد.
قصة موسى والخضر عليهما السلام تعليم لنا
وهل ذكر الله تعالى لنا قصة الخضر وسيدنا موسى عليهما السلام في القرآن للتسلية أم للتعليم؟ إذا كانت للتعليم فما المراد منها؟ سيدنا موسى عليه السَّلام كليم الله ورسول الله وهو مِن أولي العزم، وهل يوجد أكثر من ذلك؟ وعندما كان في درسه سأله سائلٌ: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ قال: لا.
لا تغترَّ بعلمك مهما تعلَّمت، فالله تعالى قال للنَّبيِّ ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، لذلك كان من دعائه ﷺ عندما نزلت عليه العشر الآيات الأُوَل من سورة المؤمنين استقبل القِبلة ودعا فقال: ((اللَّهمَّ زِدنا ولا تَنقصنا، وأَعطِنا ولا تَحرِمنا، وأَكرِمنا ولا تُهِنَّا، وآثِرنا ولا تُؤثِرْ عَلَينا، ورَضِّنا وارْضَ عَنَّا)) .
فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السَّلام أن يذهب إلى مجمع البحرين؛ البحر الأبيض والبحر الأحمر، بين السويس وبور سعيد، وقال له: يوجد عبد من عبادنا هو أعلم منك يا موسى.. وطلب من ربه العلامة لمعرفة المكان، فقال: تكون معك سمكة ميتة وعندما تدبّ بها الحياة هناك يكون الموضع، وكان معه سمكة ميتة في السلة كان قد صادها، وبعد مدة مشى قليلًا فدبَّت الروح بالسمكة وقفزت من السلَّة إلى البحر، ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف:63]، قفزت من السلة وهي ميتة إلى البحر، والله تعالى قال له: في هذا المكان يوجد من هو أفضل منك، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف:65]، ما الرحمة؟ الله تعالى ما ذكر تفصيلها.
الرحمة هي نور القلب وحياة الروح بروح الله وبنور الله، وتنكشف الأمور.. وإذا قال لكم شخص: إن الشيخ في الجامع.. وكان المخبِر صادقًا، فقد أعطاكم العلم، لكن هذا العلم إيمان بالغيب، أما إذا أتيتَ ورأيتَ الشيخ في الجامع فهذا يقينٌ، وعلوم الأنبياء كلها يقينية، فإذا تحدَّثوا عن الجنة فهم قد رأوها، وعن النار فقد رأوها، وعن الحساب فقد رأوه، وعن الله فقد صار لهم من الكشوفات الإلهية ما جعلهم يؤمنون بوجود الله أكثر مما يؤمنون بوجود أنفسهم.
فصحب موسى عليه السَّلام الخضر على أساس أنه إذا رأى شيئًا يُنكره لا يستنكره حتى يُبادِئه الخضر ويفاتحه، وهذا تعليمٌ من القرآن لنا كيف يكون أدب المتعلِّم مع المعلِّم والمربَّى مع المربِّي، فلو رأيتَ شيئًا لم تفهمه فاتَّهم عقلك ولا تتَّهم مُؤدِّبك، وهذا هو الأدب، حتى ولو كان مؤدِّبك مخطئًا فاصبر، أو إذا سألتَ فاسأل سؤال المتأدِّب، وسؤال الذي يريد أن يعرف الحقيقة، وليس سؤال الناقد المعتَرِض.
وعلى شاطئ البحر رأيا سفينةً، ولوَّحا لهم فجاؤوا وأركبوهما مجانًا، أليس جزاهم الله خيرًا؟ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، فجاء سيدنا الخضر إلى لوحٍ خشبيٍّ من ألواح السفينة فخلعه، ويبدو أنه لوح علوي، لكن إذا جاء الموج ربما يدخل الماء، ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)﴾، أمراً عظيماً مُستنكراً، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)﴾؟ ألم أقل لك: بشرط أن لا تنتقد حتى أُحدِّثك؟ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف:71-73]، أقرَّ بخطئه.. ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:74]، رأى أولادًا يلعبون مع بعضهم، فأتى لأحدهم وقتله، فهل يوافق الشرع على هذا؟ لكن الذي يكون مع مَن هو مثل الخضر وموسى.. وهل أنت تغار على الشرع وهم لا يغارون؟ وإذا كنتَ تعرف الدين فهم ألا يعرفون؟
غيرة النبي ﷺ والصحابة
سأل سعد بن عبادة رضي الله عنه النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيتَ إذا دخلتُ إلى بيتي، ورأيتُ رجلًا مع زوجتي، ماذا أفعل؟ أأقتله؟ قال: ((لا، حتَّى تَأتيَ بأربعةِ شُهودٍ)).
وحتى مع الشهود لا تقتله، بل الدولة تقتله، وهذا من أعمال الدولة، أنت عليك أن تُحضِر أربعة شهود، ثم بعد ذلك تقيم الدولة عليه الحدَّ.
قال: يا رسول الله هل أذهب إلى الشارع وأبحث عن أربعة شهود؟ يكون أنهى عمله، والذي بعثك بالحق لأقطعنَّ رأسه ورأسها.. انظر إلى أخلاق النبي ﷺ مع خطأ سعد رضي الله عنه إذ قال: ((أَتَعجَبُونَ مِن غَيرةِ سَعدٍ؟ أنا أَغيَرُ مِنهُ، واللهُ أَغيرُ مِنِّي، ومِن غَيرتِهِ حَرَّمَ اللهُ المحارِمَ عَلى عِبادِهِ)) ، و لو سمح بقتله لكان كل شخص يأتي بعدوه إلى بيته ويضيفه ويقتله ويقول: وجدتُه مع زوجتي أو ابنتي.. وماذا يدخل بذلك من المفاسد؟
قال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:1]، حكم الله أربعة شهود إذن أربعة شهود، وهذه قضية نادرة، والنادر لا حُكم له، والعبرة بالمصلحة العامة لا بالقضايا الفردية الشاذَّة.
العبرة من قصة موسى والخضر عليهما السَّلام
وقال موسى للخضر عليهما السَّلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:74]، ثم ذهبا وأمسى عليهما المساء في قرية والوقت شتاء وبرد، وهما جائعان، فما ضيَّفوهما ولا أطعموهما، والله أعلم أين باتا، وفي الصباح رأى جدارًا مائلًا فأقامه سيدنا الخضر وعمَّره، فقال له: لم يطعمونا ولم يبيِّتونا، فكيف تعمِّر لهم الجدار؟ فقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:78]، هل يكون أكثر من ثلاث؟ والمرأة تحرم على زوجها بثلاث طلقات، وأيضًا المتعلِّم إذا أخطأ ثلاث مرات يُخشى أن يصير الطلاق والفراق.. نسأل الله أن يحمينا من الفراق مع أحباب الله، واللهِ لو أن الروح فارقَتِ الجسدَ وأنت مع أحباب الله تُحشر معهم، وإذا صار الفراق فلو ملكتَ الدنيا شرقها وغربها فأنت غير رابح.
فقال له بعد ذلك: تعال لتعرف من المُخطئ أنا أم أنت؟ قال: أنا اقتلعتُ اللوح من السفينة لأنهم سيمرُّون من ميناء، وإن ملِك تلك البلد إذا رأى سفينة جديدة يُصادِرها، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:79] حتى تنجو من المصادرة، وهل هذا عملٌ حَسَنٌ أم سيئ؟ هل هذا إحسان لأصحاب السفينة أم إساءة؟ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:80]، فلو كبر لكان سببًا لكفرهما، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:81]، وكلمة “أردنا” رغم أنَّ الخضر واحد معناها أنه يتصرَّف بأمر الله عزَّ وجلَّ، ((كُنتُ سَمعَه فَبِي يَسمَعُ، وَبَصَرَهُ فَبِي يُبصِرُ، ونُطقَهُ فَبِي يَنطِقُ)) .
الأمر مع الأنبياء وأحباب الله تعالى، ليس بهذه البساطة.. نسأل الله أن يوفِّقنا.
قيل: فأبدلهم الله تعالى بنتًا خرج من ذريَّتها سبعون نبيًّا، فانظر الفرق بين أن يأتي صبيٌّ فاسق أو بنتٌ صالحة أيُّهما أفضل؟
قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، فإذا وقع الجدار يظهر الكنز وتأخذه الناس واليتيمان يفوتهما الكنز، ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82]، إكرامًا لأبيهما، وكان الأب هو جدَّهما الرابع وليس أباهما المباشر، فتكريمًا من الله لجدِّهما الرابع سخَّر نبيَّين أحدهما يعمل بنقل التراب والثاني ماهر بالطين ومعماري، وذلك لأجل جدِّهما الرابع، وهو ليس نبيًّا.
عطاء الله عزَّ وجلَّ ومنعه بحكمة
وهذا كلُّه تعليم لنا، وهذه القصص لا لتكون مجرد حكايا.. وسورة يوسف سورة الحسد وكيف تكون نهاية الحاسد والمحسود، وكيف يجب أن لا نكون حاسدين، بل أن نكون محسودين وصابرين لا مستعجلين، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:26]، إذا أراد الله تعالى أن يجعل شخصًا رئيس جمهورية فإذا حسدتَه ماذا تستفيد؟ والآخر إن أراد الله أن يجعله من أولياء الله وحسدتَه فأنت بهذا تتأخَّر إلى الوراء، ولكن قُل: يا ربِّ أعطني ما أعطيتَه.. والنبي ﷺ قال: ((المؤمِنُ يَغبِطُ ولا يَحسُدُ)) .
والغِبطة: أن تتمنَّى مثلما له من نعمةٍ، والحسد أن تعمل على إيذائه بالأقوال والأعمال، فأنت صرتَ حسودًا، ولا يكون المؤمن حسودًا ولا حقودًا ولا صخابًا بالأسواق بصوت الفجور والرذالة، وهذه ليست من صفات المؤمن.
قال تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات:1]، سيدنا موسى لَمَّا تقدَّم بين يدي الخضر كان نتيجته الفراق، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: ((رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسَى، لَو صَبَرَ عَلى الخَضِرِ لَرَأَى مِنهُ العَجائِبَ)) .
قصة امتحان المريد بالطعام المالح
وروي عن شخص ممن دخل الخلوات ليصير شيخًا، وبعد مدةٍ نقيبُ الشيخ أي نائبه، قال للشيخ: سيِّدي هذا الذي في الخلوة نضج وله من الأحوال والأنوار والكشوفات والكرامات.. فقال له: ما زال أعجر ولم ينضج بعدُ.
قال: كيف وهو يمشي على الماء ويطير في الهواء؟ فقال له الشيخ: لم ينضج.. جرِّبه، قال له: كيف؟ قال له: اليوم خذ له “الشوربة” [الحساء] وضع له الملح ضعفين أو ثلاثة أضعاف، وأخبرني ماذا يحدث، فعندما أحضر له الشوربة أخذ ملعقةً وشربها، ولَمَّا رآها مالحة ثلاثة أضعاف ومُرَّةً مثل ماء البحر أخذ الصحن وضربه بوجه النقيب وكيل الشيخ، ونزل به بالشتائم، فهل هذا وليٌّ؟ وهذا هل يصير شيخًا؟ إذا غضب لا يبقى عنده كوابح ولا موازين ولا أخلاق ولا حلال ولا حرام.
فرجع النقيب إلى الشيخ وقال له: يا سيدي أنت على حق، هو لم ينضج، وما زال مثل التين الأعجر القاسي إذا أكلتَه يُلهِب الفم ويُمرِضه، فقال له: “أعط خبزك للخباز”، [مثل شعبي يعني كل صاحب مهنة أدرى وأخبر بمهنته] وبعد مدة قال له الشيخ: الآن نضج، قال: ماذا أفعل؟ قال: أضف له الملح عن المرة السابقة ضعفين أو ثلاثة، فوضع نصف الوعاء ملحًا ونصفه شوربة، وأحضر له الطعام، فأكل ولم يقل كلمة واحدة، بل قال: الحمد لله يا رب، فأنا لا أستحقُّ الشوربة والطعام، وأنا أستحق الضرب مئة عصا.
وهذا كما حصل مع إبراهيم بن الأدهم حيث ضربه أحد الجنود على رأسه، وبعد أن ضربه عرفه فصار يعتذر منه، فقال له: الرأس الذي يُعتَذَر إليه تركتُه في بَلخ، أنا أستحقُّ ضربًا أكثر من ذلك خمسين ضعفًا.. “من زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في التصوُّف”.
التصوف هو حُسن الخُلق
ومرةً شكوتُ لشيخنا بعض كلام الناس عليَّ وعليه، فضحك وقال لي: يا ولدي، كان بعض الأولياء إذا سمع من الناس مثل ذلك الكلام يقول: “اللهم اغفر لي ذنبي الذي بسببه تسلَّط الناس عليَّ”، ودائمًا الرجل العاقل أو الإنسان المؤمن الكامل هو الذي يُفتِّش عمَّا عليه لا عن الذي له، يُفتِّش دائمًا وينظر ليحقِّق ما عليه، أما الذي له ولو ذهب فإنه يُسامِح به ولا يرى لأحدٍ عليه حق.
واللهِ إنني حين كنتُ في الطواف حول الكعبة في العمرة قلتُ: يا رب اشهد عليَّ أني سامحتُ أعدائي وسامحتُ أحبابي، لا أريد أن أقف بين يديك وأقول: فلان خاصمني.. وهذا لوجهك الكريم.. نسأل الله أن يرزقنا حُسنَ الخُلُق.
قال النبيُّ ﷺ: ((فازَ حَسَنُ الخُلُقِ بِخَيرِ الدُّنيا والآخرةِ)) ، والقرآن يُقرَأ للعلم ولتُحوِّل القراءة إلى عمل وأخلاق، وهذه الآية وحدها: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات:1]، أي لا تتقدَّم من هو أفضل منك علمًا وتقوًى وعبادةً، أو أكبر منك سِنًّا، فالنبيُّ ﷺ قال: ((لَيس مِنََّا مَن لَم يَرحَمْ صَغِيرَنا))، أصغر منك سِنًّا أو قدرًا أو فقرًا، ((لَيس مِنََّا مَن لَم يَرحَمْ صَغِيرَنا، وَيُوقِّرْ كَبِيرَنا))، أكبر منك بالسِّنِّ أو الفضل أو أيِّ شيء عليك أن توقِّره وتحترمه، ((وَيُعطِ لِعَالِمِنا حَقَّهُ)) .
العالِم نائب النبي ﷺ، وأنت تذهب لزيارة النبي ﷺ فلا ترى سوى شُبَّاك [نافذة] النُّحَاس، وهذا الشُّباك لا ينفع ولا يضرُّ، وإذا تَمَسَّحت به فهذا مكروهٌ في الكتب الفقهية.. وإنك تدفع الكثير للذهاب إليه، فلماذا لا تذهب إلى وارث النبي ﷺ، وتقدِّره كما تُقدِّر شُبَّاك النحاس والحديد؟ بل إنك تصير عدوه وتؤذيه بأقوالك وبأعمالك وبمعاملاتك، ثم تقول: أنا أحب الله والنبي!
وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى
وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكَ
قال: فلو تقدَّمتم على النبيِّ ﷺ بقولٍ أو عمل أو رأي، أو أيِّ شيء مما فيه عدم التوقير وعدم التعظيم وعدم الأدب، فإن الله سميعٌ إذا كان الأمر في أقوالكم، وعليمٌ إذا كان الأمر في أعمالكم ومعاملاتكم.
الأدب الثاني في سورة الحجرات
هذا أول أدب، والأدب الثاني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:2]، لا يجوز أن ترفعوا أصواتكم في مجلس النبي ﷺ.. وكلُّ العلماء منذ عهد النبوة إلى الآن في كتبهم وفي المذاهب والتصوُّف قالوا: لا يجوز تقدُّم الصغار على الكبار وعلى الأفاضل إلا في ثلاثة مواطن.. أي يجوز أن تتقدَّم أمام النبي ﷺ وشيخك في ثلاثة مواضع، من يعرفها منكم فليرفع أصبعه، الأولى: “إذا سار ليلًا”، في البرية، أو في حالة حرب أو في الأماكن المخيفة.
مثل سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في أثناء الهجرة أحيانًا كان يمشي أمام النبي عليه الصلاة والسلام، ومرَّةً يمشي خلفه، فسأله النبي ﷺ: ((لماذا تَفعلُ هذا؟)) فقال: أخشى الرصد، أي أن يكون هناك كمين أمامنا فأمشي أمامك حتى إذا وقع هجوم فأكون أنا فداءً لك، وينشغلون بي، وأنت تنجو بنفسك، وأمشي خلفك أخاف أن يكون أحدٌ ما يُلاحقنا ويضرب سهمًا.. فمَن علَّمه ذلك؟ علَّمه الإيمان الحقيقي والحب.
أدب العظماء والملوك مع شيوخهم
قال: لا يجوز تقدُّم الأصاغر على الأكابر، والأصاغر والأكابر ليس في الدنيا، بل في القرب الإلهي والدرجات عند الله عز وجل بالعلم والعمل والإخلاص، وكان الملوك الذين كان حدود ملكهم إلى الصين وفرنسا لا يتقدَّمون على مشايخهم، فصلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه الذي هزم أوروبا كلَّها ومرََّغ أنفها في الطين عندما أراد أن يشنَّ هجومًا عامًّا أتى إلى شيخه يطلب منه الدعاء، فقال له: يا صلاح الدين أصلح داخليتك، قال: يا شيخي لم يبقَ وقتٌ، فالهجوم بين عشيَّةٍ وضُحاها، ونريد دعاءك، فغضب الشيخ، ولم يغضب لنفسه بل لله، فضربه “بُوْكْسْ”، والبوكس الوكز: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:15]، فهذا معنى البوكس هل ترونه؟ [سماحة الشيخ يجمع أصابع يده ليري الحضور طريقة البُوْكْس]، قال له: قُمْ لا نصرك الله.. وسقط التاج عن رأسه، فرجع ولم يُولِ ظهره لشيخه، ومن هو؟ صلاح الدين قاهر ملوك أوروبا.
والآن ترى بائع فجل يريد أن يعلِّم الشيخ ويُهذِّبه وينتقده ويُصحح علوم الشيخ وهو طفل.. أسأل الله أن يعين الشيخ على هذا الزمان.
وفي اليوم الثاني جاء وقال: يا سيدي ادع لنا.. ما هذا؟! لو كان “بائع ذُرَة” [بائع يبيع الذُّرَة على عربة في طريق المارّة] ربما يسب الشيخ وهو في مجلس الشيخ، وإن لم يكن في وجهه فيخرج ويتكلم أشكالًا وألوانًا، أين: ((لَيس مِنََّا مَن لَم يُوقِّرْ كَبِيرَنا، ويَرحَمْ صَغِيرَنا، وَيُعطِ لِعَالِمِنا حَقَّهُ)) ؟ وأين ((أَتَتَقَدَّمُ يا أبا الدَّرداءِ عَلَى مَن هُو خَيرٌ مِنكَ في الدُّنيا والآخرةِ؟)) ؟ وأين: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1]؟ وأين: ((العُلماءُ وَرثةُ الأَنبياءِ)) ؟ وأين: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]؟
((اللَّهمَّ يا مُقلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قلوبَنا على دِينِك)) ، ((اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بِك مِن الحَورِ بَعدَ الكَورِ)) ، أي من النقصان بعد الزيادة، ومن الفساد بعد الصلاح.
صلاح الداخل سبب للنصر
فقال له: أصلِح داخليتك، فقال: حاضر، قال: يا صلاح الدين إذا كان الفساد والفسق والفجور في داخليتك، ودعوتُ لك أنا وأهل الأرض فالله لا يستجيب دعائي، قال ﷺ: ((لَتَأمُرُنَّ بِالمعروفِ وَلَتَنهَوُنَّ عَنِ المنكَرِ، أَو لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ شِرارَكُم عَلى خِيارِكُم، ثُمَّ يَدعُو صالِحُوكُم)) النبي ﷺ يقول: “الصالحون” بعرف الله وعرف النبي ﷺ، أي الصالحون الحقيقيون ((فلا يُستجابُ لَهم)) .
قال له: أنا حاضر، وقال: الآن حتى ولو لم أدعُ لك فإن الله ينصرك، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:7]، وهذا هو الفقه في الدين، وهذا أدب المتعلِّم مع المعلِّم، وأدب المريد.. وهو ملِكٌ وقاهر أوروبا وهازمها.
الإمام الباخرسي عندما جاء بركة خان ابن عم هولاكو الذي كان أعظم منه ملكًا وجيشًا ودولةً، لم يأذن له الشيخ بالدخول ليلةً، وفي روايةٍ ثلاث ليالٍ حتى يكسر له نفسه، وعندما دخل أكبَّ على قدميه يُقبِّلهما وهو إمبراطور، هكذا كانت الشيوخُ تُعرَف أَقدارُهم.
محمد الفاتح مع شيخه
والشيخ آق شمس الدين، هذا شيخ من؟ شيخ محمد الفاتح الذي فتح واشنطن في ذلك الزمن، القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية التي كان عمرها أكثر من ألف سنة، فلمَّا فتحها ودخل على الشيخ وهو شابٌّ وعمره خمس وعشرون سنة و((الشباب شعبة من الجنون)) ، فلم يأبه له الشيخ ولم يُكرِمه كما كان يُكرِمه قبل الفتح، ولم يخرج السلطان غاضبًا من الشيخ، بل خرج غاضبًا على نفسه قال: لو لم أكن مذنِبًا لم يقابلني الشيخ بهذا الجفاء، فتكلَّم مع سكرتير الشيخ أن يسأل الشيخ: لماذا عاملني هكذا؟ وما ذنبي حتى أستغفر الله منه وأتوب إلى الله وأتركه؟
هكذا كانوا مع شيوخهم، والآن المريد شيخ والشيخ مريد، وإنني إذا لم أدارِ بعضَكم وأكرمهم.. فكما كان أحد كبار الشيوخ رحمه الله يقول لي: إذا لم نقبِّل أيديهم لا يُقبِّلون أيدينا، رضي الله عنه ورحمه وغفر لنا وله.
وكنتُ أسمع من شيخنا عن والده يقول: هذه البلاد لا تعرف قدر الشيوخ، فإذا صار عليكم ضيقٌ فارجعوا إلى بلادكم، فهناك يعرفون قدر الشيخ، وأنا رأيتُ في الاتحاد السوفييتي ما لا يخطر على البال من تعظيم الشيوخ بشكلٍ لا يَدْخُل العقل، ولذلك حفظ الله الإسلام ببركة هؤلاء الشيوخ، وارتباط المسلمين حبًّا وأدبًا بشيوخهم.
قال: “إذا سار ليلًا أو رأى خيلًا”، أي إذا هجمت خيلٌ يتقدَّم الأصاغر على الأكابر، والثالثة: “أو دخل سيلًا”، إذا كانوا يمشون في وادٍ وجاء السيل فمن نُقدِّم؟ هل نقدِّم الشيخ أم المريد؟
هذه ثلاثة أشياء يتقدَّم المريد فيها على شيخه، أو الأدنى يتقدَّم على الأعلى علمًا وفضلًا وقدرًا.. وكم واحدة هذه؟ ثلاثة: “إذا سار ليلًا، أو رأى خيلًا، أو دخل سيلًا”.
هذا معنى ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1]، فهل حفظتم الدرس أم إلى باب المسجد وننسى؟ نسأل الله أن يوفقنا لمحاسن الأخلاق، وقد قال ﷺ: ((فازَ حَسَنُ الخُلُقِ بِخَيرِ الدُّنيا والآخِرَةِ)) .
من الأدب مع العلماء بعد وفاتهم
سمعتُ من شيخنا رحمه الله عن أحد الشيوخ أو عنه هو لا أذكر، أراد أن ينام، فلمَّا أراد مدَّ رِجليه إلى الشرق تذكَّر أن في القابون أو حرستا أو دوما [مناطق في شرق دمشق] يوجد قبر الشيخ الفلاني، قال: فليس من الأدب أن أمدَّ رِجليَّ وفي هذه الجهة يوجد الشيخ الفلاني، فمدَّها إلى الغرب فتذكَّر الشيخ محي الدين مثلًا، فقال: أيضًا ليس من الأدب، واتجه إلى القِبلة، ثم إلى الشمال فتذكَّر أحد الشيوخ، فنام وهو متربِّعٌ ولم يمدَّ رجليه.. هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إلا بالأدب، سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بأي شيء وصل؟ بالحب والأدب والتفاني، والمريدون الذين صاروا شيوخًا بأي شيء وصلوا؟ بالأدب والحب والتفاني.. فنام ذلك الشيخ فرأى في المنام أحد الشيوخ يقول له: أتعبتَ نفسك، ولم تنم مستريحًا.. وأمسَكَ رِجلَيه ومدَّهما له وقال له: مدََّ رِجليك تجاه قبري “البِسَاط أَحْمَدِيّ”، ولا يوجد تكليف بيني وبينك، فاستيقظ فرأى رِجليه ممدودتين تجاه قبر ذلك الشيخ الذي رآه في منامه.
أدب الكبار مع الصغار
الأدب هو الذي يرفع الإنسان إلى أعلى الرُّتب، وقلة الأدب تُخَسِّر الإنسان رأس المال مع الربح.. فنسأل الله أن يرزقنا الأدب مع الله ومع رسول الله ومع أحباب الله، ومع آبائنا وأمَّهاتنا ومع كلِّ من له حقٌّ علينا يقضي الشرع علينا أن نؤدِّيه حقه، سواء كان أبًا أو أخًا، والنبي ﷺ يقول: ((الأخُ الكَبيرُ مع الصَّغيرِ كَالأبِ مَع وَلدِهِ)) ، ويقول: ((الخالةُ أُمٌّ)) ، فيجب أن تبرَّ خالتك كما تبرُّ أمك، وأن تتأدَّب مع أخيك الكبير كما تتأدَّب مع أبيك.
كنتُ أسمع من شيخنا عن أخوين كانا من جيران الجامع توفِّيا منذ زمن رحمهما الله كانا توأمين، أحدهما نزل قبل أخيه بساعة، ومرة من المرات يبدو أن الأخ الكبير قد أثقل الكلام على أخيه الصغير فشتمه أو أخطأ وأساء، فقال الصغير للكبير: والله لولا أنَّك أكبر مني بساعة لكنتُ عرفتُ كيف آخذ حقي، لكن لأنََّك أكبر مني بساعة والنبي ﷺ قال: ((الأخُ الكَبيرُ بمَنزلةِ الأبِ))، فأنا سأتأدَّب معك كما أتأدَّب مع والديَّ، حسبما أمر الله الولد أن يتأدَّب مع والده.
هذا هو الإسلام.. والآن إذا غضب شخص يبدأ بسب الأرض والعرش والرب والنبي والدِّين، [هذا السبّ لِمَا ذكر الشيخ كان موجوداً حقيقة كما قال لا مجازاً، وكانت هذه العادة من الكفر منتشرة في المجتمع كثيراً، حتى كان كثير من الناس لا يرى فيها أي بأس]، ثم يقوم ويصلي فأين صلاته؟ هذا صار كافرًا ومرتدًّا، وحبطت كلُّ أعماله وحجه وصيامه، وفي بعض المذاهب يجب أن يعيد جميع الفرائض، وصارت زوجته طالقًا، وإن أنجبت منه يكون الطفل ابن حرام.. وهو لا يفهم شيئًا ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:5].
عدم رفع الصوت عند النبي ﷺ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:2]، يروى عن ثابت بن قيس بن شمَّاس رضي الله عنه أنه كان سمعه ثقيلًا، والذي رجلاه متعبتان مثلي إذا وقف أمامه شخص يقول له: اجلس.. لأنَّه لا يستطيع الوقوف ويظن أن غيره لا يستطيع الوقوف أيضًا، والأصم أيضًا يظنُّ أنه إذا لم يرفع صوته لا يُسمَع، فكان ثابت رضي الله عنه يرفع صوته في مجلس النبي ﷺ عندما يُحدِّثه.. ونزلت الآية مؤدِّبةً.
فالإسلام ليس صلاةً وصومًا وحجًّا وزكاةً فقط، والصلاة لو أننا نصلِّيها ونتعلمها من المعلم الحقيقي لكانت تنهانا عن الفحشاء والمنكر، ولو صلينا الصلاة الحقيقية لكانت تحمينا من الهلع والجزع والبخل والشُّحِّ واللؤم، الصلاة مدرسة ومعراج المؤمن، و((كم مِن مُصَلّ لَيسَ لَه مِن صَلاتِه إلَّا السَّهر، ومِن صائِمٍ لَيسَ لَه مِن صَومِه إلَّا الجُوع)) ، وهناك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الكافرون:4].
فلما نزلت الآية.. انظروا إلى إيمانهم وأدبهم وذوقهم، وانظروا كيف كان المسلم مع معلِّمه ومرشده، وفي أعلى مقام التعليم وهو مقام النبوة، قال: لما نزلت الآية قال ثابت رضي الله عنه: لم تنزل هذه الآية إلا بحقي، لأني أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ عندما أكلِّمه، فذهب إلى بيته ودخل حظيرة فرسه وقال لزوجته: أغلقي الباب بالمسامير من الخارج، واللهِ لا آكل ولا أشرب حتى أموت أو يرضى عني الله ورسوله.
ما هذا! هل هذا إسلام وإسلامنا إسلام؟! المسلم اليوم لا يسأل عن الله ولا عن النبي ولا عن القرآن ولا عن الحديث ولا عن حق الأب ولا الأم ولا المعلِّم ولا المعروف ولا الإحسان.
أخلاق الإسلام عند غير المسلمين
الأجانب الذين اسمهم شيوعيون أخلاقهم العامة أحسن من أخلاقنا، وفي فرنسا أخلاقهم الاجتماعية مع بعضهم لا أحد يسأل أحدًا عن خصوصياته، ولا يتدخل أين ذهب وكيف أتى وأين سافر، وماذا أكل وشرب، وماذا باع أو اشترى، ولا أحد يتدخَّل في شؤون أحد، وإذا وعد الساعة الثانية لا يتأخر للثانية وخمس دقائق، هذا هو الإسلام، فهناك يوجد إسلام ولا مسلمون، وهنا يوجد مسلمو اللقب ولا إسلام، ولا تغترَّ بصلاتك وقرآنك وتقرأ ختمتين وثلاثًا وعشرًا، وأنك طلبتَ العلم وأخذتَ شهادة.. ولكن الكلام عند التطبيق وعند السلوك والأخلاق والمعاملة.
قال: فتفقَّد النبيُّ ﷺ ثابت بن قيس بن شَمَّاس رضي الله عنه يومين وثلاثة وليس من عادته الغياب، فقال: تفقَّدوه، فأخبرتهم زوجته ماذا فعل بنفسه، وأنه لا ينام.
ومرة رأى سيدنا عمر رضي الله عنه مَن يرفع صوته عند قبر رسول الله ﷺ فغضب وقال: من أين أنتم؟ قالوا: من الطائف، قال: أما علمتم قول الله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات:2]، وهذه الآية نزلت بحق النبي ﷺ والنبي ﷺ حيٌّ، وكرامته ميتًا ككرامته حيًّا، وقال: ولو كنتم من أهل المدينة لعاقبتكم، ولكن لأنكم من أهل الطائف أي من مكان بعيد ولا يوجد من يعلِّمكم فأعذركم لجهلكم.
هذا هو الإسلام والأدب مع من هو أفضل منك علمًا أو نسبًا أو شيخوخة أو أخلاقًا أو تقوى.
((لَيس مِنََّا مَن لَم يَرحَمْ صَغِيرَنا، وَيُوقِّرْ كَبِيرَنا وَيُعطِ لِعالِمِنا حَقَّهُ)) ، مع الضعيف والمسكين والفقير والصغير يجب أن يكون لديك الرحمة والحنان والعطف والمساعدة، وكل إنسان بحسب إمكانه واستطاعته.
قال: فخلعوا الباب والمسامير وأحضروه إلى النَّبيِّ ﷺ، فسأله: ((لماذا فَعَلتَ هَكذا؟)) قال: حين نزلت الآية: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:2].. ولم يكن يوجد نهيٌ قبل هذه الآية، ولو أنَّ رَفْعَ الصوت حدث بعد الآية وحدثت مخالفة فإحباط العمل وارد، لكن الحكم لم ينزل بعد.
وأنت كم تحتاج لتأخذ لقب مسلم؟ ألا يجب أن تؤمن بالقرآن؟ هل آمنتَ بهذه الآية؟ لو آمنتَ بالسمِّ فما علامة إيمانك بالسم؟ هل تشربه أم تتجنَّبه؟ وما معنى إيمانك بزجاجة العطر الفاخرة؟ هل تأخذها أم ترميها وتكسر زجاجها على الصخر؟ وهل علامة الإيمان بالحنش [الثعبان] أن تضعه ربطة عنق أو عِقالًا لرأسك؟
الإيمان والعمل
العمل يدلُّ على الإيمان بالله أو على عدم الإيمان بالله، وفي ذلك قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4]، فلا تستطيع أن تعصيه بالفكر لأنه مُطَّلع على الفكر، ولا بالنَّفْس لأنه ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:119]، ولا بالليل ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:10]، فالإيمان بالقرآن يجعلك لا تعصي الله طرفة عين.
إنك تُخفي نفسك من طفلٍ صغير ولا تُخفي نفسك من الله، والله معك أينما كنتَ، عند الله لا يوجد مَلِك أو إمبراطور أو بوش أو غوربتشوف [بوش رئيس أمريكا في ذلك الوقت، وغوربَتْشُوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي]، بل عند الله ((حُفاةً عُراةً غُرلًا)) ، ولو كنتَ مليارديرًا فمالُك كله تتركه وترميه إلى المزبلة، وجسمك إلى المزبلة، وتبقى روحك وأعمالك.
قال: يا رسول الله حَبِط عملي.. ولم يقل: خشيتُ، بل قال: حبط عملي، فقال له ﷺ: ((لا، سَتَعِيشُ سَعِيدًا، وسَتَمُوتُ شَهِيدًا، وأَنتَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ)) ، ومَن أهل الجنة؟ الذي عندما يسمع الآيات يطبِّقها ويخاف أمام مخالفته لها، فيعمل ما عمله ثابت بن قيس رضي الله عنه، وأين استُشهِد؟ في حرب اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب، ولما انهزم المسلمون قال لهم: بئس الإسلام إسلامكم، ما تعوَّدنا في زمن النبي ﷺ أن ننهزم.. كانوا لا يعرفون الهزيمة، بل يعرفون الشهادة رضي الله عنهم.
قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:2]، فإذا كان النبيُّ ﷺ ساكتًا لا يتكلَّم فلا يجوز أن ترفع صوتك، وإذا كلَّمتَه لا يجوز أن يكون صوتك فوق صوته، وإذا خالفتَ فأنت معرَّضٌ لأن تحبَط أعمالك، فصلاتك التي صلَّيتَها تكون قد بَطَلت، وصومك بَطَلَ، وحجُّك بَطَل، وصدقاتك وكل أعمالك الصالحة مُحِيت بِقِلَّة أدب واحد وهو رفع صوتك.
فكيف إذا فعلتَ ما هو أكبر من ذلك! وماذا يحصل إذا سببتَ الدِّين؟ يقول: لا يوجد فيها شيء.. هل يوجد فيها شيء؟ يقول: لا.. وكيف إذا عققتَ؟ يقول: ليس فيها شيء، أو أكلتَ الحرام أو زنيتَ وفعلتَ كَّل المنكرات؟ يقول: لا يوجد في ذلك شيء.. وبكلمة صغيرة تظنُّ نفسك “الله” وتقول: “إن الله غفور رحيم”، فأنت تغفر وترحم، وأنت تعفو وتُدخِل الجنة، فهل بقي حاجة [داعٍ] لوجود الله؟ أليس هذا حال أكثر المسلمين اليوم؟ وهم يصلُّون ويصومون ويقرؤون القرآن، لكن مثل الذي يكتب على الماء، [فصلاتهم وصيامهم وقراءتهم للقرآن لا أثر لها في حياتهم ولا تَثْبُت أبداً، وهي كالكتابة على الماء تزول فوراً، بل وجودها وعدمها سواء].
ما أفضل ما يتزيَّن به الإنسان؟
سأكمل لكم قصة سيدنا الحسن رضي الله عنه، لما كتب له حاجته قال له: المعروف على قدر المعرفة، وهذه الصُّرَّة أتتني الآن فيها ألف دينار، وأنا سائلك أربع مسائل، وسأعطيك على كل جواب ربع ما في هذه الصرة، وكم الربع؟ مئتان وخمسون دينارًا، فسوف يخرج من عنده إمبراطورًا، ففي ذلك الوقت ألف دينار تشتري له قريتين أو ثلاثًا، قال له: ما أفضل ما يتزيَّن ويتجمَّل به الإنسان؟ هل أجمل شيء أن تكون عيونك خضراء أو خدودك حمراء أو أن تثرثر بكلام مثل “راديو لندن” بكلام اللغو أو كلام الإثم أو كلام الحرام أو الغيبة أو النميمة أو مظاهر الحقد؟ [ذكر سماحة الشيخ “راديو لندن” لأنه في وقت هذا الدرس كان معظم الناس يسمعون لراديو لندن، خاصة في الصباح الباكر حيث يسمعون لنشرة الأخبار.. وكان هذا الراديو الوسيلة الإعلامية الأولى في سوريا].
قال له: ما أفضل ما يُجَمِّل الإنسان؟ قال: “علمٌ معه حِلْم”، يعني: ليس أيُّ شيء يغضبك ويزلزل عقلك وأخلاقك ودينك واتِّزانك، وتصير مثل المجانين، قال: أصبتَ، لك ربع الصرة، قال: فإن أخطأه ذلك؟ ولم يكن عالِمًا ولا حليمًا، ليس العلم فقط أو الحِلم فقط، بل العلم معه الحلم، قال له: فإن أخطأه ذلك؟ قال: “فغنًى معه شكر”.
إذا أنعم الله على الإنسان بنعمةٍ فصار حاكمًا أو قويًّا أو غنيًّا يجب أن يكون شاكرًا بالأقوال وبالأعمال، فالغني يشكر بالزكاة ونافلة الزكاة وعمارة المساجد والمدارس والمشاريع الخيرية وصلة الأرحام.. إلخ، قال: أصبتَ، فهذه نصف الصرة، قال: فإن أخطأه ذلك؟ فلا هو بعالِمٍ مع حِلم، ولا غني مع شكر، قال: “ففقرٌ معه صبر”، إذا افتقرتَ يجب أن تكون عليك السكينة، اعمل واتعب، وإذا لم يفتح الله لك فقل: الحمد لله، ولو صار لك “الخبز الحَاف” فلا بأس، [أي الخبز فقط بدون طعام معه]، وهل تموت إذا أكلتَ الخبز الحاف؟ كان النبي ﷺ يمضي عليه الهلال والهلال والهلال ولا يُوقد في بيت رسول الله نارٌ ، ومرة شكى الصحابة الجوع إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وكشفوا عن بطونهم وكلُّ واحدٍ يربط حجرًا تحت حزامه ليشدَّ بطنه من الجوع، فرفع النبي ﷺ وإذ به يربط حجرين .
قال: “فقرٌ معه صبر”، قال: لك ثلاثة أرباع الصُّرَّة، فإن أخطأه ذلك؟ فلا هذه ولا هذه ولا هذه، ما الذي يجمِّله؟ قال: “فصاعقةٌ من السماء تُحرقه وتريح الناس من وجوده ومن شره ، لماذا وجوده؟ موته أفضل له، فلا علم وحِلم، ولا غنى وشكر، ولا فقر وصبر، أليس الموت أفضل له؟ نسأل الله أن لا يجعل الموت خيرًا لنا من الحياة.. اللهم اجعل حياتنا خيرًا من مماتنا.. ((خَيرُكُم مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) .
واجبنا الذي علينا أن نفعله
أكثروا من ذكر الله، واقرؤوا القرآن قراءة العلم وقراءة العمل حتى تأخذوا لقب مسلم، وتموتوا على الإسلام؛ إسلام العلم والعمل، وليس إسلام الاسم، فإذا سمَّيتَ نفسك وزير الدفاع، ولبستَ بدلة وزير الدفاع وأمسكوا بك عند الأركان ماذا يفعلون بك؟ وزير دفاعٍ مزوَّر أو ضابط مزوَّر أو شرطي مزوَّر ماذا يفعلون به؟ ومسلم مزوَّر، هل تزوِّر على الله؟
فلنتُب كلنا ولنقوِّ إيماننا بذكر الله، ولنقوِّ إيماننا بالهجرة، ولا يوجد هجرة إلى النبي ﷺ الآن، فيجب عليك أن تهاجر إلى وارث النبي ﷺ بجسمك وبقلبك وبحبِّك وبكلِّ مشاعرك، ((لا إيمانَ لِمَنْ لا مَحَبَّةَ له)) ، وإذا لم يُكرمك الله فهذه لحيتي! [هذه لحيتي: تعبير شعبي يُقصَد به إثبات حدوث شيء ما، وهي هنا بمعنى: أعدك وعداً أكيداً أنّ الله سيكرمك].
ولقد جرَّبنا، وكنَّا مع شيخنا رضي الله عنه، وقد جمع الله لي في الشيخ حقَّ الشيخ وحقَّ الوالد، وكنتُ والحمد لله الابن البارَّ البارَّ البارَّ، والمريد الصادق الصادق الصادق، وما ملكتُ شيئًا [ورأيت أنّ هذا لي دونه]، ولا شعرتُ بأي ضيق، لا من فعله ولا غير ذلك، ولم يخطر هذا في بالي، ولم يخطر على بالي أن الشيخ يفعل شيئًا مخالِفًا طوال حياتي، وما وقع النقد في نفسي على عملٍ من أعماله أو تصرُّفٍ من تصرفاته أبدًا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:24].. نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين ومن المحبِّين والمحبوبين، وأن يتوب على المذنبين والخاطئين.. ((يا بَنِي آدمَ كُلُّكُم خطَّاؤُونَ)) .
ولكن يجب الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، إلا إذا رفض الإنسان الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر عند ذلك يكون الإنسان قد أدَّى الحق ويُوكَل أمر ذلك الإنسان إلى الله، وهل تستطيع أن تهدي الناس كلَّهم؟ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:56].
اللهم اجعلنا هادين مَهْدِيِّيْن، ولا تجعلنا ضالِّين ولا مضلِّين، ولا تخزنا لا في الدنيا ولا يوم الدين.