ذِكْر القرآن للأمم السابقة مع أنبيائهم
فنحن لا نزال في تفسير سورة الدخان، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:30-32]، إلى آخر الآيات.
القرآن يذكر الأمم السابقة ومَن أنجاهم الله عزَّ وجلَّ وأعزهم وأكرمهم بإيمانهم وتقواهم واستجابتهم لأنبيائهم، أو مَن ذَكَر هلاكهم ودمارهم وانتقام الله منهم لكفرهم وعتوهم وتمردهم على أنبيائهم، فإذا ذكر أمثال أولئك الأمم وأولئك الأقوام فهذا درسٌ لكل مسلم ولكلِّ جيلٍ من المسلمين، ولكلِّ مَن تَبلُغه رسالة الله عزَّ وجلَّ أنه يجب عليه الاستجابة لنداء الله وامتثال أوامره والوقوف عند حدوده على فهمٍ ونُضجٍ في العلم والمعرفة، وبالحكمة والعقلانية المستمَدَّة من حكمة الله تعالى.
وهذه لو لم تُنسَب إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى الإيمان، ودُرِست عقلًا وفهمًا وإدراكًا فقط لَتبيَّن للعقل نجاحُ صاحبها وفَلَاحُه وعزَّته وانتصاره.
إنّ العقل يؤمن ويُذعِن ويمتثل، ويزيد المؤمنُ على ذلك الإيمان، ويزيد فوق الإيمان رضوانَ الله والجِنان، ومن يُعرِض بعد ذلك عن مخطط الله عزَّ وجلَّ وندائه وشريعته يكنْ كمن سلف من الأمم السابقة الكافرة التي أخبرنا الله عنها والتي كَفرَت بعِلم أنبيائها وحكمتهم، قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:52].. والنبوة قائمة على العلم والحكمة: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79].
الحكمة جزء من الإسلام
والحكمة هي لُباب العقول الكاملة الناضجة العظيمة، والحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها وفي أوقاتها بالكيفية المطلوبة، فتكون النتيجة الصوابَ وتحقيق الهدف، وفي معارك الحرب يكون النصر، وفي الاقتصاد يكون الغنى، وإذا كانت الزراعة قائمة على العلم والحكمة تكون عظيمة الإنتاج.
والنبوات ليست أمورًا طقوسية عبادية وحركات الجسم في الصلاة أو حركات الجسم في الحج أو ترك الطعام والشراب فقط، بل إنّ هذه رموزٌ لتفاعل القلب والروح بمعاني العبادات، فيظهر في خيال الجسد صُوَرُ حقائق العبادات في القلب والروح والنفس، وتنعكس في مرآة القلب المواهب الإلهية والعلوم اللدنية والحكمة السماوية، ولا يكون ذلك الإنسان خريج مدرسة أكسفورد ولا السوربون، بل يكون خريج مدرسة خالق هذا الكون وخالق هذا العالَم بنجومه وشموسه وأقماره وأراضيه ومجراته وذَرَّاته ونظامه البديع، الذي في أحقر ذَرَّة يتحيَّر في تركيبها كلُّ علماء العالَم.. وهذا الإله الرحيم الحكيم أنزل القرآن على العرب ليكونوا رحمةً للعالمين ولكل شعوب العالَم، رحمةً لا عذابًا ونقمةً، رحمةً تمثَّلت في حياة رسول الله ﷺ مع أعدائه، ومع مقاتليه، ومع من رجموه بحجارتهم، ومع مَن قتلوا ابنته رضي الله عنها، ومع من مزَّقوا ومثَّلوا بجسد عمه الحمزة رضي الله عنه، ومع من منعوا عنه وعن المؤمنين الطعام والشراب، فكافأهم بغنائم حنين، وكافأ أبا سفيان فقال: ((مَن دَخَلَ دارَ أَبِي سُفيانَ فَهو آمِنٌ)) ، وأعطاه مئة ناقة ومئة ناقة ومئة ناقة.. وهذه من الحكمة، ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:39]، هذه هي السُّنَّة، يعني طريقة النبي ﷺ في بناء الإنسان الفرد وبناء الأسرة وبناء المجتمع وبناء العالَم.
الهدف من ذكر قصص الأمم السابقة مع أنبيائهم
ولقد ذكر الله تعالى مَثلاً من هذه الأمثلة للنبي ﷺ، فذكر موسى وهارون عليهما السلام، يعني: يا محمد إنّ حالتَك مع قريش في كفرهم وإعراضهم وإيذائهم لك وللمؤمنين من أصحابك كموسى عليه السَّلام مع فرعون، وأنت لم تصل إلى النتيجة والعاقبة بعد، ولكن لأُريك النتيجة والعاقبة في أمثالٍ كثيرة -وأنت واحدٌ منها- والنتيجة هي: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:132].
ولقد مر معكم كيف أغرق الله عزَّ وجلَّ فرعون مع عظمة مُلْكه وجبروته وجيوشه ودولته، ومع ضعف موسى عليه السَّلام الذي لا يملك سوى عصا، ولكن يملك قلبًا يتَّصل بالله عزَّ وجلَّ، فإذا ضرب يضرب بالله، وإذا نطق ينطق بنور الله وعلمه وحكمته، وإذا أحب فبمحبوبيَّة الله، وإذا عادى فبمعاداة الله.. وما فرعون وجيشه وسلاحه وجنوده أمام الله تعالى! والقصة ليست قصة شخص موسى عليه السَّلام، فموسى عليه السَّلام سفير الله ورسول الله بواسطة جبريل عليه السَّلام فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، ولَمَّا أغرق الله تعالى فرعون وجنوده قال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان:29]، يعني لا يستحقُّون أن يَحزن عليهم أحد، لا من أهل السماء ولا من أهل الأرض، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:29]، يعني لن نمهل من يتمرَّد على الله عزَّ وجلَّ، وإنما نُعطيه مهلةً، ولا مانع من ذلك، أما أن نتركه بلا عقوبة فهذا مستحيلٌ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8].. “دَقَّةٌ بدَقَّة ولو زدتَ لزاد السقا”، وهذا القول له قصة.
قصة “دَقَّةٌ بِدَقَّة ولو زدتَ لزاد السقا”
يُقال: إن رجلًا كان يبيع النساء حوائج الزينة، وكانت له زوجة صالحة، وكان يأتي إلى دارها كل يوم سقَّا يأتيهم بالماء، والسقَّا كذلك على غايةٍ من الصلاح والتقوى والورع، وبينما كان زوجها يبيع إحدى النساء بعض الأساور ألبسها السوار بيده، وهذا حرام، ومع الجَسّ والمَسّ أيضًا صار في قلبه شيءٌ مما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ.
وفي ذلك النهار بالذات لَمَّا أتى السَّقَّا بالماء إلى داره دخل بغير إذنٍ ولا استئذان، ورأى المرأة زوجة صاحب الدار الذي باع السِّوار للمرأة وفعل الذي فعل، فأمسك بيد صاحبة الدار وصار يَجسُّها ويلامسها، كما فعل زوجها بزبونته، فدُهِشت الزوجة، لأنها تعلم أن السقَّا رجلٌ صالحٌ لا يَصدُر منه مثل هذا العمل، فلما أتى زوجها في المساء قالت له: اصدقني ماذا فعلتَ هذا اليوم من معاصي الله؟ وماذا صدر منك من تجاوز حدود الله عزَّ وجلَّ؟ فصَمَتَ وصار يتلعثم، فضغطت عليه، فقصَّ لها القصة كما وقعت معه، فقالت له: “دَقَّةٌ بِدَقَّة ولو زِدْتَ لَزَادَ السَّقَّا”، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7]، وإذا عمل مثقال طنٍّ أيضًا سيرى أطنانًا، وهذا في الخير، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8]، الشر بالشر والسيئة بالسيئة.
نجاة بني إسرائيل من استعباد فرعون
فرعون أهلكه الله عزَّ وجلَّ، وموسى عليه السَّلام والمؤمنون معه قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان:30]، كانوا تحت استعباد فرعون، ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:4]، ويُشغِّلهم في السُّخرة وبناء الأهرامات تسخير الجبابرة للعبيد، فكانوا في ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان:30]، وببركة موسى عليه السلام ووحي الله وتعاليمه التي مشوا عليها بتعليم موسى عليه السَّلام نجَّاهم الله تعالى من العذاب المهين.
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ [الدخان:30]، مستعليًا على الله، متمردًا على الله عزَّ وجلَّ، لا يتذكر خالقه.. ولَمَّا كان في النطفة كان دودةً لا تراها العيون، والإبرة إذا وُضِعَتْ في النطفة فرأس الإبرة يعلق به خمسون ألف حيوان منوي، وكل واحد منا كان ذلك الحيوان، وحين يصير لك شاربان ونُحاستان أو ثلاثة، [النحاسَة: لوحة اسمية توضع على الطاولة، أو وسام يوضع على الصدر أو الكتف]، أو تأخذ لقب “د” أي دكتور، أو أن تكون موظَّفًا أو مديرًا أو “مُشيرًا”، [أعلى رتبة في الجيش]، تنسى مَن كنتَ، وكيف صرتَ، ومَن نَقَلَك من طريق البول إلى طريق البول إلى طريق البول، ذهابًا ثم دخولاً ومجيئًا، ثم خروجاً.. مَبالًا في مَبالٍ في مَبال.
وبعد ذلك مَن الذي حوَّلك؟ كنتَ أُمِّيًّا فأصبحتَ دكتورًا، ألا تشكر أساتذتك؟ وكنتَ غريقًا فأنقذك شخص، ألا تشكره؟ وكنتَ في العدم والفناء: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:1]، أنا قبل مئة سنة هل كنتُ مفتيًا؟ إذا صرتُ مفتيًا أو أصبحتُ شيخكم، فمن الذي جعلني؟ ومن الذي وضع فِيَّ العقل والذكاء والميول والفتح؟ هذا المتفضِّل الذي كل شيء منه ومن فضله وكرمه، هل أتعالى على أوامره وأتمرد على شرعه وأجعلها خلفي ظِهْرِيًّا؟ هذا لا يضرُّ الله، وهذا تحدٍّ لله تعالى، والنتيجة تكون هلاك هذا الإنسان المتمرد المتعالي.
خطاب القرآن لنا بعد النبي ﷺ
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:30]، وهذا خِطابٌ لأبي جهل الذي كان فرعونًا مع النبي ﷺ، وكان عاليًا على الله عزَّ وجلَّ وعلى رسول الله ﷺ، وعلى رسالة الإسلام، فقد تعالى عليها ولم ينقَدْ إليها ولم يُطِعْها ولم يَمتثلها، وأنت بِذاتك قد تكون عاليًا على الله عزَّ وجلَّ.
قد تكون فرعونًا ولو لم يكن عندك بنو إسرائيل، فتكون فرعوناً من غير بني إسرائيل، وتتعالى على الله، واللهُ تبارك وتعالى هو العالي وهو المتعالي، ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ [البقرة:255]: عليُّ الشأن وعظيم الْمُلك وعظيم القدرة وعظيم العلم، ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل:19]، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7].
قد لا تخاف من الشرطي لأنك تستطيع أن تتحايل عليه، وقد لا تخاف من القاضي لأنك تستطيع أن تتعامل معه وتنجو من القضية، ولكن الله عزَّ وجلَّ لا يمكن أن يُحتال عليه وينجو الإنسان منه، وغدًا سيُحضر لك فيديو أعمالك كلّها بالمكان والزمان وبنفس النطق، والنبي ﷺ موجودٌ، ويقول له: يا محمد هل بلَّغتَه القرآن؟ فيقول: نعم بلَّغتُه، وأنت أما تبلغتَ؟ اليوم تتبلغ بالراديو.. وفي زمن الصحابة رضي الله عنهم ما كان يوجد مصحف، بل كانوا يكتبون على الأحجار وعلى الألواح والعِظام وعلى أوراق الشجر، ولا يوجد مصحف مجموع، حتى جُمِع لَمَّا خافوا من ضياع القرآن في حرب الردة، وجُمِع وبقي عند أبي بكر ثم عمر ثم نُسِخ في زمن عثمان رضي الله عنهم ثم انتشر، والقرآن اليومَ كلُّه موجود في كل بيت مقروءًا ومسموعًا.
فكيف بك إذا قال لك الله تعالى: لماذا تغتاب؟ ولماذا تكون نمَّامًا تنقل الخبر من فلانٍ إلى فلان؟ سواء بنيَّة الشر أو بالبلاهة والبلادة أو قِلة الدين والغفلة عن أحكام الله، إنك لا تَذْكُر الله حين تنقل الخبر ولا تَذْكُر أن هذا حرام، ولا تذكر لماذا هو حرام.. لأن فيه إيذاءًا وإلقاء الحقد بين أبناء المجتمع؛ بين الأخ وأخيه، وبين الزوج وزوجته، وبين الجار وجاره، و((النَّمَّامُ لا يَجِدُ رائِحةَ الجَنَّةِ)) ، ((وإنَّ رائِحتَها لَتُشَمُّ مِن مَسيرةِ خَمسِ مئةِ عامٍ)) ، فلا تظنَّ أن فرعون فقط هو ذاك الذي كان في زمن موسى عليه السَّلام، بل قد تكون أنت فرعون ولو لم يكن عندك بنو إسرائيل، وبنو إسرائيل يكونون أعضاءك، وأنت تظلمهم، ويكونون نفسَك، وأنت تظلمها: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:118].
الإسلام هو الدنيا الحَسَنَة والآخرة الحَسَنَة
فعليك أن تمتثل لأوامر الله تمامًا، ويوجد أوامر للدنيا؛ لدنياك، وهناك أوامر للآخرة؛ لروحك وأُخراك، ولماذا أتى دين الإسلام خاتم الأديان؟ لأنه وضع المنهاج للدنيا والآخرة، ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: تعني الحياة الحسنة، والزراعة الحسنة، والاقتصاد الحسن، والصحة الحسنة، والعلوم النافعة، والوحدة الحسنة، والأسلحة الحسنة، والبناء الحسن، والسيارة الحسنة، والزوجة الحسنة.. هذا معنى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]، والآخرة لها ثمن، وهو أن تكون صلاتك حسنةً، وصومك حسنًا، وذِكْرُك حسنًا، وخوفك من الله حسنًا، ومحبتك لله حسنةً، وطاعتك لله حسنةً، وبذلك يعطيك الله الحياة الخالدة الباقية التي يعجز العقل عن تصور نعيمها ومَسرَّاتها ولذائذها.
قال: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، إسرائيل هو يعقوب، يعني أبناء يعقوب، ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ وهل هو عذاب فقط؟ بل ﴿الْمُهِينِ﴾ [الدخان:30]، مع الإهانة، لأنه جعلهم عبيدًا.. وهذه النجاة ببركة مَن؟ ببركة معلمهم ومربيهم نبي الله موسى عليه السلام، فقد أطاعوه وامتثلوا أمره فنجَّاهم الله عزَّ وجلَّ، ولو عصوه لكانوا مثل فرعون.
من الاستعلاءِ الاستعلاءُ على أوامر الله تعالى
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:31]، وكيف إذا كنتَ تتَّصف بصفات فرعون، وتستعلي على أمر الله عزَّ وجلَّ؟ الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء:78]، وأنت لا تقيم الصلاة، إذن أنت استعليتَ على الله عزَّ وجلَّ ولا تخاف منه، ولو لم تكن ترى أنّك أقوى منه لا تعصي أمره، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:43]، أيضًا تستعلي على أمره، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:36]، وأنت عاقٌّ للوالدين، وتستعلي على أمره، ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:36]، وأنت تستعلي على أمره هذا، بل ترمي كلامه كله وراء ظهرك، لأنك أنت أعظم منه على حسب عقلك، وقد تكون من دون عقل، يعني فيك عقل الدنيا، لكن لا يوجد فيك عقل الآخرة، وفيك عقل قراءة الطب، لكن لا يوجد فيك عقل فهم القرآن وفهم الإسلام.
والإسلام يكون بعد أن تتعلَّم وتتبلَّغ أوامر الله عزَّ وجلَّ فتنفِّذها وتنقاد إليها، وذلك في أمور الدنيا وأمور الآخرة، وعند ذلك يُقال لك: مسلم.
والحكمة ثلث الإسلام، فإذا أردتَ أن تُقدِم على أيِّ أمرٍ صغير أو كبير عليك أن تُقدِم عليه بحكمة، فإذا أردتَ أن تشرب الماء يجب أن تشربه بحكمة، أو أردتَ أن تأكل فعليك أن تأكل بحكمة، أو أردتَ أن تنام عليك أن تنام بحكمة، أو تبذل المال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:67]، وفي الشرب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:31]، فإذا أسرفتَ في السُّكَّريات يتعطَّل جهاز البنكرياس، فلا يُهضَم السكر، ويَظْهَر السكر في الدم وفي البول، وإذا أسرفتَ في الدُّهنيَّات يحدث معك انسداد الشرايين، وإذا أسرفتَ في الغضب تتقلَّص الشرايين، فتحدث لك سكتة قلبية أو فالِج.. فيأتي القرآن ويقول لك: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:134]، ويأتي القرآن ويقول لك: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:119]، ويأتي القرآن ويقول لك: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:22]، إلى أن يقول: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:23]، وحين تعرف أن هذا الشيء الذي وقع شيء ثابتٌ في علم الله عزَّ وجلَّ ولا يمكن أن يتغيَّر ترضى بقضاء الله تعالى، ولكنك لا تفهم من الإسلام شيئًا لا علمًا ولا عملًا، وبعدها تقول: “اللهم انصرنا”، فهل الله طفلٌ صغير؟
تَعصِي الإلَهَ وأَنتَ تَزعُمُ حُبَّهُ
هَذا لَعَمرِي في القِياسِ شَنِيعُ
تعصي الإلهَ وأنتَ: [هنا يسكتُ سماحة الشيخ ليقول الكلمة التالية مَن يحفظ هذا البيت، فيقول بعض الحضور: “تُظْهِرُ حُبَّه”، كما هو محفوظ، فيقول مُخالفاً لهم:] “وأنت تَزْعُمُ حبَّه”، “هذا لعمري في القياس”: [هنا أيضاً يسكت سماحته منتظراً التتمة من إخوانه، فيقول بعضهم: “في القياسِ بديعُ”، فيخالفهم الشيخ مرة أخرى، ويقول:] “شنيعُ”، ليس بديع، بل شنيع وقبيح. [تجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ رحمه الله كان كثيراً ما يُصحح بعض الكلمات في الشعر، ويُعَدِّلها لتكون أرقى من قول الشاعر نفسه، وهذا البيت مثال على ذلك].
تفضيل الله تعالى بني إسرائيل على أهل زمانهم
قال: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:32]، يعني فضَّلناهم على فرعون وجنوده، ومن هذا التفضيل أنجيناهم وأغرقنا أعداءهم، لأنهم آمنوا بوحدانية الله وبنبوة موسى عليه السَّلام، أما فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ﴾ جزاء ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:25]، لأنه قال مرتين في القرآن: “أنا ربكم”، ولما قال ذلك في المرة الأولى وفي المرة الثانية بعث الله له هذا الحساب، ولم يكن حساباً لكل مرة على حدة، بل لكِلَيْهِما معاً، ولم يكن على دفعتين، بل في دفعة واحدة [في مرَّةٍ واحدة]، ظَنّ أن المرة الأولى مضت، وأن الثانية ستمضي، لكن الله عز وجل أخذه وبَيَّن له أنَّ كلّ شيء محسوب وكله بحساب.
قال: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾، يعني فضَّلناهم وأنجيناهم عن علم، لأنهم آمنوا بالله وبرسول الله واتبعوا وامتثلوا أوامر نبيهم موسى عليه السلام، ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (32)﴾ يعني على فرعون، والمقصود من العالمين هنا فرعون ومَن كفر بالله في زمانهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:32-33]، أي أعطيناهم آياتٍ تدلُّ على أن الله موجودٌ، وأن الله عظيم وحسيب ورقيب ومحاكِم، وأنّه سيحاكمك، فأراهم آياتٍ في فرعون وآياتٍ في موسى عليه السَّلام ونبوته ومعجزاته، وآياتٍ تدلُّ على أن الله عزَّ وجلَّ سينتقم من أعدائه، كما أغرق فرعون، وآياتٍ في نِعم الله تعالى عليهم، فقد نزَّل عليهم المنَّ والسلوى، وأنعم عليهم في صحراء التيه إذ ضرب سيدنا موسى عليه السلام الحجر فأخرج لهم اثنتي عشرة عينًا.. آتيناهم آيات إرهابٍ وآيات ترغيب، ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:90]، عطاءً للمطيعين وجزاءً [وعذاباً] على المتمرِّدين.
وهذه كلها آيات على أن الله موجودٌ، وأنّه يكافئ المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته، لكن الاختلاف بالتوقيت، فقد توجد سرعة في العقاب وقد يكون هناك بطء، ومِن جَهْل الإنسان بربه يظن عند البطء أن الله غير موجود، فيفعل ما يشاء، فلا يرى إلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:14]، وحين يأتي عقرب الساعة على الدقيقة المطلوبة لا يرى إلا: ﴿وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:26].
نتيجة الالتزام بتعاليم الله تعالى
قال: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾ [الدخان:33]، التي تدل على عظمة الله وعلى وجود الله وعلى لزوم طاعة الإنسان لأمر الله، وإذا أطعتَ أمر الله فليس لك منَّةٌ على الله، بل كلُّه من أجلك.
أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة رضي الله عنهم والمسلمون في زمن النبي ﷺ لما امتثلوا أوامر الله، ووقفوا عند حدود الله فلم يتعدَّوها، هل افتقروا أم اغتنوا؟ هل عزُّوا أم ذلُّوا؟ هل توحَّدوا أم تفرقوا وتمزَّقوا؟ هل صاروا أعداءً أم صاروا كتلة واحدة ((في تَوادُدِهِم وتَراحُمِهِم وكَالجَسَدِ الواحِدِ)) ؟
والآن المسلمون بالاسم فقط، وهناك كلمة عن سيدنا عليٍّ عليه السلام وكرم الله وجهه يقول: “يأتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا دراسته ورَسْمه” .. الإسلام اليوم بالاسم، أين إسلام العلم؛ علوم القرآن؟ والعلم حين أعرف أن هذه كأس الشراب أشرب، ولو علمتُ أنها “مازوت” [ديزل] ماذا يقتضي العلم؟ هل أشرب؟ بل أرفض.. ومقتضى العلم لكم ولي أنّه الآن وقت الدرس، فأنتم أتيتم على عِلم، وأنا أتيتُ على عِلم.
اختبار الله تعالى لعباده بالخير والشر
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:33]، البلاء يعني الاختبار والامتحان، يريد أن يمتحنهم.. ها قد نصرتُكم على فرعون، وأغرقتُ لكم أعداءكم، وأنزلتُ عليكم المنَّ والسلوى، وفجَّرتُ لكم من الحَجَر عيونًا وأنهارًا، هذا من طرفي، فما الذي من جانبكم؟ هل شكرتم على النعم قولًا وعملًا وشعورًا ولسانًا وقلبًا؟
[يقول الشاعر معبِّراً عن حال الشاكر للنعمة:]
أَفادَتكُمُ النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثةً
يَدِي ولِسانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبا
أي سأُعطيك مقابل نعمتك عليَّ ثلاثة أشياء: “يَدِي ولِسانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبا”، يعني لساني سينطق بشكرك ومدحك والثناء عليك، ويدي سأستعملها في خدمتك ومكافأتك، وقلبي سيمتلأ من حبك على نعمتك وآلائك.
فالنعمة التي تأتيك من المنعِم يجب أن تقابلها، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، ولو أعطاك شخص “عود كبريت” [عود ثقاب] يجب أن تكافئه، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، وإذا ملأ لك دلو الماء صار له عليك معروف ويجب أن تكافئه بمثله، ((مَن أَسدَى إلَيكُمْ مَعرُوفًا فَكافِئُوهُ، فَإنْ لم تَستَطِيعُوا فَاذكُرُوهُ، فَمَن ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ)) ، وإذا علَّمك شخص علم السعادة وعلم العز والمجد والنجاح في دنياك وفي آخرتك، فكيف يجب أن تكون مُقابَلَتُك له؟ آباؤنا فتحوا الدنيا ووحَّدوا نصف العالَم، والآن نحن عاجزون عن أن نُوحِّد بين قريتين وعائلتين وبين بيتين وأخوين، لأن الإسلام غير موجود، وما نحن عليه هو الإسلام الكاذب.. ولمّا كانوا يعرفون إسلامهم كانوا يقولون: “مَن علَّمني حرفًا كنتُ له عبدًا” .. رحمة الله على زمانهم وعلى أساتذتهم الذين ربَّوهم وأنعشوا قلوبهم وأحيَوها من موتها وأحيَوا عقولهم ونفوسهم.
والآن المسلمون مثل الأرض البور، لا يوجد مُزارِع يُحسِن حراثتها وينقِّي أعشابها وأشواكها، وينتقي لها بذورها، ويفجِّر الماء من بطن أرضها ليحوِّلها من صحراء قاحلة إلى جنة فيحاء خضرةٍ سُنْدُسِيَّة.. ونسأل الله أن يتحقق ذلك، ولكن هذا لا يتحقق بمجرد الرجاء والكلام وبقول: “إن شاء الله” فقط، بل يحتاج إلى عمل وسهر ودأب وبذل الغالي والرخيص والصدق في مرضاة الله تعالى.
أثر الإسلام في حياة الصحابة رضي الله عنهم
عمر بن الخطاب رضي الله عنه هل تعرفونه؟ له أخ كان اسمه زيد بن الخطاب رضي الله عنه، وكانا في معركة اليمامة؛ معركة أهل الردة، لأن العرب كلهم ارتدوا إلا الذين كانوا في مدرسة النبي ﷺ في المدينة.. والبعيدون أسلموا طقوسيًّا وبقوة الإسلام، أما الذين هم في المدينة حول النبي ﷺ فقد أسلموا مشاهدةً وصحبةً ومجالسةً وقدوةً واتِّباعًا، وبهذا دخل النور في قلوبهم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:14].
الإسلام هو عمل الظاهر، كأن يُصلِّي ويصوم بجسده، لكن أين قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:22]، أمّا قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:43]، نقول إنّه قرآن وإسلام، ولكن: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، أليست هذه الآية إيمانًا وإسلامًا؟ إنّ الصلاة والزكاة ندرسها في الشافعي والحنفي، وهذه ألا يجب أن تكون في الشافعي والحنفي والجعفري؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:85]؟ دخول الإيمان في القلب نسمِّيه تصوُّفًا وعِرْفَانًا، ولا ينبغي أن تسميه تصوُّفًا ولا عرفانًا، بل سمِّه إسلامًا وقرآنًا، لأنك إذا قلتَ: تصوُّفاً أو عرفاناً أو طريقاً، يقول لك: أنا لا أريد أن آخذ الطريق، فقل له: إنه قرآن.. ولنرفع اسم العرفان والتصوف والنقشبندي والقادري والشاذلي والرفاعي.. وهذا هو القرآن وهذه هي السنة.. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:22]، كلمة “ويل” تفيد بأن من قسا قلبه فلم يَلِن بذكر الله هو من أهل الكبائر، وذنب الكبائر لا يُغفَر إلا بالتوبة منه والإقلاع عنه والندم على ما مضى في فعله.
فزيدٌ رضي الله عنه لَمَّا صارت المعركة رآه أخوه عمر رضي الله عنه وكان أخاه من أبيه، فقال عمر لأخيه زيد رضي الله عنهما: لا أرى عليك درعًا فخذ درعي، فقال زيد لعمر رضي الله عنهما: لستَ بأشوَقَ مني إلى الجنة، يعني هل آخذ الدرع وأنت تبقى بلا درع حتى تستشهد؟ هذا من شوقك إلى الجنة، وأنا مشتاقٌ للجنة أكثر منك، قال له: لا أريد درعك وخذ أنت الدرع، قال: فتركا الدرع شوقًا إلى الجنة: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:94]، هؤلاء: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:4]، رضي الله عنهم وأرضاهم، وهؤلاء الذين أنقذونا من الكفر إلى الإسلام، ولولاهم لم نكن نعرف النبي ﷺ ولا أهل بيته ولا القرآن ولا الإسلام، فهذه البلاد كانت كلها صلبان، وشرق بلادنا كان كلُّه مجوس يعبدون النيران، فمَن الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم حتى أوصلوا إلينا القرآن والإسلام والإيمان؟ أوصلوها إلينا على طائرات مِن دمائهم ومُهجهم وأرواحهم وتَرْك أزواجهم ونسائهم وأبنائهم وأموالهم.
امتحان الله تعالى لعباده
قال: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾، من الآيات تعني من البراهين والأدلة المنظورة والمسموعة والمشاهدة، سواءٌ فيما نزل على فرعون أو فيما نجَّاهم الله منه وفيما أنعم به عليهم من المنِّ والسلوى، قال: ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:33]، لنفحصهم أيشكرون أم يكفرون؟ أيذكرون أم يغفلون؟ أيعصون الله أم يطيعون؟ ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:35]، إذا أصابك الشرُّ فالله عزَّ وجلَّ يمتحنك، فإذا كنتَ مؤمنًا فالصبر شطر الإيمان، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:22]، المصلي لا يجزع ويصبر أمام المصائب والزلازل كالجبال الراسية.
ولقد ذكرتُ لكم قبل أسبوعين الخنساء ونواحها على أخيها صخر عشرين سنة، وفي القادسية فقدت أبناءها الأربعة فما سقطت لها دمعةٌ ولا عبس لها وجهٌ، بل ضحكت واستبشرت وقالت: “الحمد لله الذي أكرمني بشهادتهم وأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته” ، هذه ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:35]، الله تعالى امتحنها بالشرّ؛ بفَقْدِ أبنائها، فكانت من الصابرات، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:155]، فقد تفقد مالك أو زوجتك أو عيونك أو سمعك أو بصرك.
فالمؤمن يصمد أمام كل هزائم الدنيا ومصائبها وشدائدها، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:21]، هل كانوا مَنُوعِين؟ كان الواحد منهم يُنفق نصف ماله وكلَّ ماله في سبيل الله، وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه شطر ماله أربع مرات، وكل مرة يقسم نصف ثروته ويتصدَّق بالنصف ويستبقي النصف الآخر، وكلُّ هذا ببركة مدرسة النبي ﷺ، فمن كان شيخهم وأستاذهم؟ النبي ﷺ، وهل نحن اليوم أفضل منهم؟ وهل أنا أفضل من النبي ﷺ؟ وهل أنتم أفضل من تلاميذه؟ وهل تلامذتي أفضل من تلاميذ النبي عليه الصلاة والسلام؟ إذن فلنذهب أنا وأنتم ولنرمِ أنفسنا في نهر بردى، [اِرْمِهِ في بردى: عبارة شعبية تُقال في دمشق، وهي بمعنى: ارمه على المزبلة، فلا قيمة له.. ونهر بردى يمرّ في دمشق وضواحيها]، وبردى ليس الآن، فهو وسخ الآن، بل قبل أربعين أو خمسين سنة حين كان نظيفًا، لا أريد أن تتَّسخ ملابسكم بشيء غير طاهر. [يقول ذلك سماحة الشيخ ملاطفاً وممازحاً].
تربية الله لعباده بقصص السابقين
والله عزَّ وجلَّ يقصُّ قصة فرعون وبني إسرائيل، وهذه موعظة للنبي ﷺ، وتعليم للنبي ﷺ وتربية له أنه يجب أن تصبر كما صبر موسى عليه السَّلام، وستنتصر كما انتصر موسى عليه السَّلام، وإنذار لقريش بأنَّ آخرتكم إذا بقيتم مثل فرعون ﴿عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:31]، وبقيتم تستعلون على أوامر الله عزَّ وجلَّ، وتسرفون وتزيدون في الظلم والكفر والإعراض عن الله فإن الله سيعمل فيكم مثل ما عمل بفرعون، وسيُغرقكم مثل ما أغرق جنود فرعون، وهل يستطيع الله أن يفعلها مرة ثانية ومرة ثالثة؟ وحتى لو كانوا خمس مئة مليار فرعون؟ هذا هو الله يا بُنَي! ونحن لا نحسب حساب الله، بل نحسب حساب الشرطي، تقول: اذهب من هذا الشارع حتى لا يراك وأنت مخالِف.. ونخاف من عامل البلدية، ونخاف من طفلٍ يرانا على فعل ناقص، لكن لا نخاف من الله عزَّ وجلَّ الذي يرانا ويعلم السِّرَّ وأخفى، وهذا من ضعف الإيمان والإسلام.
فمَن أستاذك في بناء إسلامك وإيمانك؟ ومَن بنى إيمانك وإسلامك؟ النبي ﷺ هو من بنى إيمانهم وإسلامهم، وهل هناك شيخٌ بعد النبي ﷺ يعرف كيف يبني الإيمان والإسلام كما بنى النبي ﷺ؟ هل يمكن أن يأتي إنتاج من شيخٍ مثل إنتاج النبي عليه الصلاة والسلام؟ يا ترى هل نذكر تاريخ هذا البَنَّاء الذي بعد خمسة عشر قرنًا ورغم كل الأعداء في الشرق والغرب والجيوش والحروب والدعايات والدسائس فإنّ الإسلام صامدٌ والدين خالدٌ.. والشيوعية سقطت بعد سبعين سنة أمام المسيحيَّة، والتي هي كما هو معروف “أب وابنٌ وروح القدس”، ومع ذلك، فلأنها صادرة من الله الحق وإن اختلطت بباطل، فقد صمدت أمام كل ما يَصْدُر من الإنسان الفاني؛ الإنسان الضعيف اللاشيء، فكيف لو كان الإسلام الحقيقي! إنه لا يصمد أمامه شيء في هذا العصر، وذلك من دون حرب ولا سلاح ولا جيوش.
إنكار المشركين للحياة بعد الموت
قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ مَن هؤلاء؟ يعني قريشاً، فقريش صاروا فرعون النبي ﷺ، ﴿لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ [الدخان:34-44]، النبي ﷺ يقول لهم: غدًا ستموتون، وهناك حياةٌ.. إنّ كل مادة مآلها إلى الزوال والفناء والعدم، والجبال ستنعدم، وهذا معروف في علم الطبيعة، والنجوم ستندثر، وهذا معروف في علم الفلك، وكل مادة ستفنى، والذي يبقى هو عالَم الروح، وأنت كروح غدًا سيعيد الله لك جسدًا على غير قواعد الجسد الدنيوي؛ جسدًا خالدًا، وعلى حسب عملك في هذه الدنيا من صلاحٍ وتقوى تكون لك السعادة والمسرات والهناء في الخلود والحياة الأبدية، وإذا كان عملك بالعكس يكون الجزاء أيضًا بالعكس.
ولقد كان النبي ﷺ يقول لهم: إن هناك حياة ثانية وستكون على حسب أعمالكم وعقيدتكم وإيمانكم.. قال: ﴿لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾، لا يوجد سوى موتة واحدة، وهذا كله كلام كذب، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (34)﴾، يعني لن يخرجنا الله من قبورنا وينشرنا مرة ثانية.. ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:34-36]، الذي يموت لا يعود للدنيا مرة ثانية، وهذا قانون الله عزَّ وجلَّ، فهل النبي ﷺ يغيِّر قانون الله تعالى؟! هذا هو الجهل، فَهُم يطلبون من النبي ﷺ شيئًا لا يمكن أن يكون، [الأمر الطبيعي أنّ] اثنين واثنين يساويان أربعة، ولكنه يقول لك: أنا لا أقبل حتى تُخرج لي أبي من قبره ويقول لي: اثنان واثنان تساوي أربعة.. أين عقله إذن؟ لا يوجد عقل، وهكذا كان حال النبي ﷺ معهم.
ومع كل هذا قال له الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35]، وبعد النبي ﷺ فهذه موجَّهة لكل مسلم ومسلمة، وعليه أن يصبر على بناء إسلامه الحقيقي؛ إسلام القلب وإسلام النور وإسلام الذِّكر وجهاد النفس وإسلام الأخلاق وتزكية النفس مِن رذائلها حتى يصير مسلمًا حقًّا، ولو سكتَ لسانُه ولم يَنطق كلامُه تنطق أعمالُه وأخلاقه وسلوكه، فكل من يراه يعشق الإسلام، وهكذا انتشر الإسلام، ولم يكن هناك مُبشِّرين ولا مشايخ ولا “جُبَب” وشهادات، [جُبَب: جمع جُبَّة، وهي ما يلبسه المشايخ في بلاد الشام وتشبه العباءة]، بل كانوا أُمِّيِّين، لكن كانت أعمالهم القرآن وأخلاقهم القرآن ومجتمعهم القرآن وحياتهم القرآن.
عناد المشركين في جدالهم مع النبي ﷺ
﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ [الدخان:36]، هذا عنادٌ مقرونٌ بجهلٍ وحمق وسخف ومجادلة بالباطل، واللهُ تعالى بَيَّن لهم أنَّه في النهاية سنهلككم كما أهلكنا قوم تُبَّع، وتُبَّع هو ملك اليمن، وكل ملك في اليمن يسمونه تُبَّع، وفي الروم هرقل، وفي الفرس كسرى، وفي الحبشة النجاشي.. إلخ.
قال: إن قوم تُبَّع عربٌ مثلكم، عاندوا وكفروا بأنبيائهم ورسلهم كقوم عاد وثمود: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:37]، وإذا كنتم تريدون أن تُصرُّوا على إجرامكم وعنادكم وكفركم فإننا نُهلككم بإجرامكم ونُدمِّركم بذنوبكم ومعاصيكم.. والآن أنتم في وقت الفرصة ووقت تبليغ الإنذارات الإلهية، ولها مدة معينة عند الله عزَّ وجلَّ، وكل واحد له مدة: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس:49]، و﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:38].
﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:37]، وإذا كانوا مجرمين فماذا فعل الله بهم؟ فتح عليهم سدَّ سبأ فأهلكهم أجمعين، كما قصَّ الله عزَّ وجلَّ في سورة سبأ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ [سبأ:16]، كانت لهم جنتان عن يمين وشمال، وهذا: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]، ولما كفروا: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ [سبأ:16]، حدائقهم ومزارعهم عن يمين السَّدِّ وشماله، ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:16]، بدل أشجار التفاح والمشمش والخوخ والعنب والنخل صارت أشجار الشوك والحنظل والشيء الذي لا تصلح الحياة معه، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبأ:17]، كفروا بالله وبأنبياء الله وبرسالات الله وبنعم الله، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:17].
هذا خطاب لنا، فسبأ ذهبت، يعني لا تكونوا كأهل سبأ، وفرعون غرق وذهب، ولا تكونوا مثل فرعون، وقوم تُبَّع كانوا مجرمين وقد أهلكهم، فلا تكونوا كأهل تُبَّع، وهذا كان في وقت قريش لقريش، أما الآن فالكلام هل هو موجَّهٌ إلى قريش؟ لقد ذهبت قريش وكذلك قوم تُبَّع وثمود وقوم صالح، والآن فالخطاب موجَّهٌ لنا والتهديد لنا.
عظمة الله تعالى في خَلقه
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان:38]، ما خَلَقْنا شيئًا في الوجود ولو ذَرَّة إلا لهدفٍ ومقصدٍ عالٍ وحكمة ومنفعة بالغة، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الدخان:38]: ما بين السماء والأرض، وهو سماء من فراغ، وما فيه من كواكب وشموس وأقمار وغازات وسُحُب، وطبقة الأوزون لم تُكتشَف إلا في السنوات العشر الأخيرة، والأوزون يبعد عنّا مسافة ثلاثين كيلومترًا، وهي طبقة غازية وغازات، وقالوا: سماكتها ثلاثة ميليمترات، يعني ثلث سنتيمتر، تُغلِّف الأرض كلها، وهذا الدرع الذي هو أقوى من الفولاذ يمنع وصول الإشعاعات من النجوم، ولو وصلت إلى الأرض لأهلكت الأحياء وأفقَدَت الحياة في الإنسان والحيوان والنبات، وهذه هل خَلَقَها ﴿لَاعِبِينَ﴾ أم بحكمة؟ يعني أيضًا هل خلقناكم عبثًا؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:115]؟ يعني هل تظلم وتقتل وتسرق وتعقّ وتأكل الحرام وتترك الصلاة وتمنع الزكاة وتتعدَّى على الضعفاء والمساكين ثمّ يتركك الله عبثًا؟! إذن فالله ظالم، إنّ الله يعطيك مهلة.. والقاتل في أيامنا حتى يحكموا بإعدامه في المحكمة يبقى عشر سنين، وبعضهم خمس عشرة سنة، وبعضهم ينفّذ الله فيه الحُكْم في ساعته، حيث يبعث اللهُ له في المحكمة الإلهية الفورية، والله يقول: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175].
قال: هل تظنون يا قريش أننا خلقناكم عبثًا؟ وقريش قد ذهبت، والآن أنتم عليكم أن تفكِّروا في السماوات والأرض، وقد اكتَشَفوا اليوم دُودًا في إحدى البلدان، وهم يحاربون المخدرات، وهذه الدودة لماذا خلقها الله تعالى؟! ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:39].
استفادة الغربيين اليوم من مخلوقات الله تعالى
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص:27]، ذلك ظن الذين كفروا: يعني الذين يجهلون حكمة الله عزَّ وجلَّ ولم يبحثوا فيها ولم يفتِّشوا عن علومها، وبذلك صاروا “الذين كفروا”، ونحن بذلك صرنا “الذين كفروا”، فالأجانب يعلمون ونحن نجهل، والإيمان علمٌ والكفر جهل؛ جهلٌ بالله وبقوانين الله وبشرائع الله، ونحن نعرف جزءًا ونترك تسعة وتسعين جزءًا.. فهم رأوا هذه الدودة وخصائصها.. إنّهم قد وضعوا هذه السَّنَة عشرة مليارات لمكافحة المخدرات، وقد اكتشف علماء الحيوان أن هذه الدودة تقتل شجرة الخشخاش الذي يُستخرَج منه الأفيون والمخدِّرات، فأنشؤوا مزارع لتربية وتكثير هذه الدودة، وأخذوا بيوضها وصاروا يمرون بالطائرات الهيلوكوبتر على مزارع الخشخاش ويرمون الدود فوقها، فأصبح الخشخاش مُدَوِّدًا، فهل خلق الله هذه الدودة عبثًا؟ لا يوجد شيء عبثاً.
وقرأت في بعض الكتب أنهم استخرجوا نصف غرام من خمس مئة أفعى لأحد الأمراض المستعصية مثل أمراض السرطان.. فالأفعى بحكمة والدبور بحكمة، ولكن نحن نجهل، يعني إذا اشتريتَ بيتًا وفيه كنزٌ وبقيتَ طوال عمرك فقيرًا، فهل الحقُّ على الكنز أم على جهلك؟
لم يخلق الله تعالى البشر عبثًا
وأنتم أيضًا يا قريش ما خلقناكم عبثًا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:116]، إلى آخر الآيات.
إذن أنت خُلِقتَ وأنت مراقَب، وستُكافَأ على الحسنة بعشرة، وهذا في أقل الدرجات، وإلى مئة وإلى سبع مئة وإلى بغير حساب، وذلك على حسب إخلاصك وصدقك وبَذْلِ كل ما تملك من طاقة وقوة، فعليك أن تهاب الله بكل طاقاتك، وهذا من أجلك أنت، والمردود لك وليس لله.
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه هل نفع الله أم نفع نفسه؟ وسيدنا عليٌّ رضي الله عنه هل نفع الله أم نفع نفسه؟ ونبينا ﷺ لَمَّا قام الليل حتى انتفخت أقدامه وضعفت الدورة الدموية من طول القيام، هل نفع الله أم نفع نفسه؟ صار سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة: ((آدَمُ ومَن دُونَهُ تَحتَ لِوائِي يَومَ القِيامةِ وَلا فَخْرٌ)) .
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:39]، خلقناهما في قوانين وفي حِكَم ومقاصد، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ يعني ادرسوا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101]، حتى تعلموا كلَّ شيء لأي شيء خُلِق، وما فائدته وما حكمة وجوده؟ والأوربيون يقولون: “الطبيعة والبيئة”، ويحافظون على الحيوانات والديدان، ويدرسون الديدان في قاع البحار، ويُخرجون البترول والذهب والفضة من قاع البحار.
والمسلمون مشغولون: فهذا شافعي رفع يديه أو لم يرفع، وهذا مسح على رجليه والآخر غسل رجليه، والآخر سجد على التراب والآخر سجد على السجادة.. وخمسة عشر قرنًا ولم نحلّ المشكلة، والسيدة فاطمة رضي الله عنها أخذت الميراث أم ما أخذت الميراث.. وهذه خمسة عشر قرنًا ولا نعرف كيف نحلّ مشكلة لا تساوي عشرة آلاف ليرة سورية.. وإسرائيل تريد أن تبتلع العالم العربي والإسلامي وتنبش قبر النبي ﷺ، وهذا لا نفكر فيه بحسب ما نملك من طاقات وقوى، وهل توحَّد العرب؟ وهل توحد المسلمون؟ وهل رجعوا إلى القرآن؟
يجب أن نرجع إلى القرآن بلا مذاهب، سيدنا جعفر ما قال: اتَّخِذوا من رأيي مذهبًا، والشافعيُّ لم يقل: اتَّخذِوا رأيي مذهبًا، وأبو حنيفة كذلك، ما قال أحد منهم ذلك، والذين يقولون بذلك هم تلاميذ تلاميذ تلاميذهم تَعصُّبًا منهم.. نقول ذلك مع احترامنا لآراء الفقهاء جميعاً، والحقيقة أن أولئك الأئمة لم يقولوا: تعصبوا لآرائنا، وكان الإمام مالك يقول: “كل رجل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر” .
حقيقة التوكُّل
قال ذلك الإمام مالك لأنه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:3-4]، ومع أنه في الأمور الدنيوية كان يحدث خطأ من النبي ﷺ، فلمَّا وَجَدهم يُؤبِّرون النخل ويُلقِّحون الذكر بالأنثى قال: ((ما أَظُنُّ بِأنَّها تُغنِي مِنَ اللهِ شَيئًا)).
يعني توكَّلوا على الله، ولم يقل لهم: اتركوا، بل قال: “ما أظن”، أي لو أبَّروا وأراد الله عزَّ وجلَّ أن لا يُحمِّلها هل تحمل؟ يعني لا تجعلوا ثقتكم بالتأبير، اعملوا الأسباب، ومع الأسباب وبعد الأسباب توكَّلوا على الله، والأسباب أمر إلهي والتوكل أمر إلهي، وبالأمرين معًا لا يُمكن إلا أن يكون الإنتاج جيدًا وصحيحًا، وهم فَهِموا خطأً فتركوا التأبير فخرج الموسم غير صالحٍ، فأخبروا النبي ﷺ فقال لهم: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)) ، أنا لم أقل لكم: اتركوا التأبير، بل قلتُ لكم: لِتَكُنْ ثقتكم واعتمادكم على الله، وأنا أرشدتُكم إلى تكميل عملكم لِيَلتقي العمل الماديُّ مع العمل الروحي، والعمل البشري مع الإيمان الرباني، حتى تنزل البركات من السماء وتنبع من الأرض، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف:96].
ونحن المسلمون لا أرض ولا سماء، [لا بركات من السماء ولا بركات من الأرض]، لا نعمل لنستخرج بركات الأرض على حسب قوانين الله تعالى، ولا نتأهَّل لِنُزول بركات السماء، والأوربيون عملوا ببركات الأرض وبقوانين الله عزَّ وجلَّ في الأرض، فاستخرَجوا كلَّ ما خلقه الله تعالى للإنسان، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:29]، خَلَقه لهم فاستخرجوه، ونحن ما استخرجناه، وأتوا واستخرجوه من بلادنا، البترول من بلادنا والمعادن من بلادنا وهم يتمتَّعون بالخيرات، ونحن نعيش على فُتات موائدهم.
وهذا لأننا لا نفقه الإسلام، حتى ولو كنا مشايخ ولنا عمائم ولِحى ومكتبات وكتب، فأين كُتبُ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]؟ علم الطيران أليس ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؟ والآن إذا ركبتَ الحمار من هنا إلى الحج، هل هذا ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، أم إذا ركبتَ في الطائرة هو ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؟ أيهما في الدنيا حسنة؟ وإذا ركب الحمار وترك الطائرة وقال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]، وقرأها على السبع قراءات وقرأ كل التفاسير وعمليًّا ما طبَّق، فهل هذا عالِمٌ أم جاهل؟
هذا عالِم القول جاهل العمل، عالِم اللسان جاهل القلب والعقل.. وهذا حال المسلمين وليس العامَّة فقط، بل العامّة وغيرهم، ونسأل الله أن يعفو عنا، ولا أريد أن أتكلم أكثر وأذكر لكم عيوبنا نحن المشايخ.. أعانكم الله علينا، ((صِنفانِ مِنَ النَّاسِ إذا صَلَحَا صَلَحَ النَّاسُ، وَإذا فَسَدَا فَسَدَ النَّاسُ: العُلَماءُ وَالأُمراءُ)) .. نسأل الله أن يُصلحنا ويُصلح بنا، وأن يُصلح أمراءنا وعلماءنا وملوكنا ورؤساءنا وعامَّتنا وخاصَّتنا.
يوم الفصل موعد حساب البشر
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [الدخان:40]، قال: الآن بلَّغناكم أوامرنا، وأعطيناكم الخرائط للسير في طريق السعادة والصراط المستقيم، ولكم مدة معينة وستنتهي، وسيكون هناك اللقاء مع الله في محكمة الله، ولا يوجد هناك تيجانٌ ولا “نجومٌ ولا سَيْفَان”، [النجوم والسَّيْفان دلالة على الرتب العسكرية العالية]، ولا صاحب الجلالة ولا صاحب الفخامة ولا صاحب السعادة ولا رئيس ولا مرؤوس ولا شيخ ولا خادم، ((يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامةِ حُفاةً))، لا يوجد حذاء، وعراةً: من دون لباس، وبلا “بَدْلَة” ولا جُبَّة، [البَدْلَة: لباس أنيق لكامل الجسم يتكون من عدة قطع]، فأنا عارٍ والضباط عارين والوزراء عارين والأغنياء كذلك، ((حُفاةً عُراةً غُرْلًا)) ، أي جِلدة الطُّهور أيضًا تعود، ((فَمَن كَسَا للهِ)) في الدنيا بأن كسا الفقراء ((كَسَاهُ اللهُ يَومَ القِيامةِ)) ، الذي يكسو الفقراء في الدنيا لا يحشره الله عاريًا، والذي يشتري لهم النعال يُلبسه الله نِعالًا من نعال الآخرة، وهي أفضل من نِعال “سوق الحميدية”، وهكذا. [سوق مشهور في دمشق].
يوم الفصل: هو يوم القيامة، وهو يوم لقاء الله تعالى، وفي محكمة الله يفصل الله بين الحق وأهله، وبين الباطل وأهله، فأهل الحق إلى رضاء الله وجنانه، وأهل الباطل إلى غضب الله ونيرانه، ويفصل بين الظالم والمظلوم، وبين القوي المتعدِّي والضعيف المعتدَى عليه، ويَفْصِل: أي يحكم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:113].
عدم الاغترار بالدنيا
والآن لا تغترّ بأنك تركب سيارة “كاديلاك” أو “شفرليه”، ولا أن يضربوا لك التحية، فغدًا ستركب سيارةً من دون وقود، ولا تحتاج إلى بطارية، ومن دون عجلات، ولها عجلات أربع من بني آدم، اثنان من الأمام واثنان من الخلف، ما اسمها ومن أي موديل؟ هذه اسمها وموديلها جنازة، واليوم اسمك ملك أو وزير أو رئيس أو مفتٍ، وغدًا يكون اسمك جنازة، يقولون: أتت الجنازة، حتى لو قالوا: هذه ليست جنازة بل هذا المفتي.. ولكنها جنازة، وبعد ساعتين أو ثلاث أو أربع تنتقل من الإعدادي إلى الثانوي، فماذا يصبح اسمك؟ قبرٌ.. وأيضًا بعد الثانوي إلى الجامعة فيكون اسمك إما شقيٌّ أو سعيد، إما في غضب الله وعذابه ونقمته، وإما في رحمة الله وجنته ورضوانه.. هذا يوم الفصل.
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59]، المجرمون إلى الشِّمال، والمتقون إلى اليمين، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:73]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:71]، فهل صار فصل أم لم يصر؟ وفي الدنيا هناك فصل، فأنتم الآن أين مفصولون؟ إلى جامع أبي النور، وهناك أناس أين مفصولون؟ إلى “البار”، حيث الرقص والخمر والمشاكل التي تعرفوها، [البار: اسم أجنبي لمحل شرب الخمر، ويُستَخدَم بالعامِّيّة السورية بالمعنى نفسه]، وهناك أناس مفصولون إلى المقامِر، وهناك أناس بالخمارات وهناك أناس.. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59] في الدنيا يوجد فصل، وفي الآخرة ألا يوجد فصل؟ نسأل الله أن يجعلنا يوم الفصل مع فصيلة أحبابه ومع فصيلة أتقيائه، ومع فصيلة المؤمنين الصادقين.
حساب الله تعالى لعباده يوم القيامة
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:40]، الكل يحاكَم بساعة واحدة، أم كلثوم حين تغني في الراديو ألا تُسمِع الدنيا كلها بساعة واحدة؟ وفي التلفزيون ألا يرونها كلهم بساعة واحدة؟ [أم كلثوم مغنية مصرية مشهورة في الوطن العربي]، والله تعالى أيضًا يستطيع أن يُحاكِمَنا بساعة واحدة وبلحظة واحدة.
قال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:40]، المولى هو قريبك أو حبيبك أو صديقك أو المناصر لك أو أبوك أو عمك أو خالك، ويوم الفصل لا يفيدك عمك ولا خالك ولا أبوك ولا مالك ولا جاهك ولا رئاستك ولا أوسمتك ولا شهادتك، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:37].
كل شخص مشغولٌ بنفسه، هذه الآيات الثلاثة هل أنت مؤمنٌ بها؟ وعندما يصير لك مطمع حرام هل تتذكَّر هذا اليوم؟ وهل تتذكّر أنّ من أخطاره وتعرُّضك للهلاك فيه أنّك إذا استغثتَ بأمك وأبيك وأخيك وعمك لا يُفيدونك ويهربون منك؟ وإذا ذكرتَ هذا اليوم فإنك تقف عند حدود الله، فلا تكذب ولا تغتاب أحداً ولا تغش ولا تصير نمَّامًا، والنميمة اليوم تمشي بين الناس مثل النار بالعشب، وكذلك الغيبة والكذب والبهتان، وأنت عندما تسمع خبراً تذيعه مباشرةً صدقًا كان أم كذبًا، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، الله يقول لك: الذي لا تعرفه علم اليقين لا تمشِ وراءه وتكون في قفاه “تقفو”، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]، أُذُنك: سيحاسبها الله ماذا سمعَتْ، وهل الذي يسمع الدرس كالذي يسمع الرقص؟ وهل هما عند الله سواء؟ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:21]، إذا كان هكذا حكمهم فبئس الحكم حكمهم، وبئس القضاء قضاؤهم.
﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:23]، ربه هواه ومصالحه ورغباته وأنانيته، وأما المؤمن فاللهُ عنده فوق كل شيء، وحُكمُ الله فوق كل شيء، ولو كان الشيء فيه فائدته وهو حرام فإنه يثق بكلام النبي ﷺ: ((مَن تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنه في دِينِهِ وَدُنياهُ)) .
حصاد الزرع يوم القيامة
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:40]، المحاكمة في يوم الفصل ليس فيها “تمييز واستئناف”، بل هي فصل، “ومحكمة البداية” والتمييز في جلسة واحدة نهائية وبحكم قطعي، [محكمة البداية هي المحكمة الأولى التي تنظر القضية وتحكم فيها لأول مرة، فإذا لم يرضَ أحد بالحكم، طُعِن في الحكم في محكمة الاستئناف، ثم قد يصل إلى التمييز.. والاستئناف: إعادة عرض القضية أمام محكمة أعلى تُسمّى محكمة الاستئناف، وهو محاكمة ثانية تقريبًا.. وأما التمييز فهو الطعن في الحكم أمام أعلى محكمة، وهو مراجعة قانونية للحكم، وليس إعادة محاكمة].
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:41]، إذا حكم الله عليه هل هناك أحدٌ يستطيع أن ينصره من الله ويخلِّصه؟ يجب أن يكون هذا أقوى من الله، ولا يوجد أقوى من الله تعالى، وإذا حكم الله عليه فقد انتهى.
والآن أنت تزرع الشوك وستحصده، وهناك من يزرع الزنبق وسيحصده، فإذا زرعتَ الشوك لماذا تحسد الذي يزرع الزنبق؟ إذا كنتَ تحب الزنبق فاقلع الشوك وأحضر بصل الزنبق.. الحاسد هكذا، يزرع الأشواك ويريد نعمة الآخرين وجهودهم أن تأتيه على طبق من فضة، وقد ورد: ((كما لا يُجنى من الشوك العنب))، إذا زرعتَ الشوك هل تقطف العنب؟ قال: ((كذلك لا ينزل الأشرار والفجار في منازل المتقين والأبرار)) .
كان هناك غنيٌّ من الأغنياء له مزرعة، ولكن ليس عنده إيمان بيوم الفصل ولا بالقرآن، وقد كان يقرؤه لكن دون أن يفهمه، فلم يقرأه ليفهمه، بل يقرأه للقراءة ويسمعه للنغم، والقرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:29]، كل آية يجب أن تفهمها حرفًا حرفًا وتعتبرها موجَّهةً لك.. كان لهذا الغنيِّ عبدٌ أو أجير أو عامل ملتزم بدينه ويفهمه، وكان ينصح سيده، لكنه لم يكن يستفيد من نصحه، وفي وقت الزرع قال له سيده: خذ هذه مئة كيس قمحًا وازرعها في الأرض الفلانية.. فذهب وباعها واشترى بدلًا منها مئة كيس شعيرًا وزَرَعَها، وعند الحصاد أتى سيدُه صاحب المزرعة.. الآن يقولون: لا تقل “سيده”، لأنّه لم يعد هناك “سيد”، وهل أصبحنا في عصرنا مثل بعضنا وتساوينا؟ وفي موسكو هل تساووا في زمن الشيوعية؟ هذا كله كلام، وأما الحقيقة فهي في الإسلام، فسيدنا عمر رضي الله عنه قاهر كسرى وقيصر كان ينام على التراب، هذه هي المساواة، ولَمَّا صار عام الرمادة عام المجاعة بقي سيدنا عمر رضي الله عنه ثمانية أشهر على الزيت، قالوا له: كُلِ اللحم، قال: “واللهِ لا آكل اللحم حتى يأكل الناس كلهم اللحم، وأنا آخرهم أكلًا” .
يقول [المسلمون اليوم]: “ديمقراطية وماركسية”، أما محمديّة وقرآنيّة وإسلاميّة فلا نقول، لأننا لا نفهم الإسلام، ولا نفهم من هو سيدنا محمد ﷺ، ولا نفهم ما هو القرآن، بل نفهمه من لسان أعدائنا، يقولون لنا عن الليرات الذهبية: احذروا فهذه عقارب، وعن قطع الذهب: لا تقتربوا منها فهي متفجرِّات، ويقولون عن العقارب: هذه فلٌّ وزنبق خذها وشمَّها، فأخذ أحدهم عقرباً فلدغته في يده، وأخذ الثاني واحداً فلدغته في أنفه، وأما الثالث فلدغته في رقبته.. وهكذا حال المسلمين الآن.
جمود المسلمين اليوم وتعصبهم
ونحن المشايخ عندنا جمودنا وتعصبنا المذهبي، فهذا سُنِّيٌّ وهذا شيعيٌّ، وهذا سَبَبُ تفرقة المسلمين، وكُتُبُنا تحتاج إلى غربلة كلُّها؛ كتب السنة والشيعة، ويجب أن نعود إلى الإسلام الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام رضي الله عنهم الذين نشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.. ونحن ماذا نستطيع أن نفعل؟ إنَّنا مع كل ادِّعائنا وعمائمنا ما فعلنا شيئًا، ومنذ مئة سنة لم نفعل شيئاً، بل نحن نتراجع إلى الوراء، وفوق كلّ هذا فإنّنا ننتقد الذين فتحوا الدنيا ووحَّدوها ونشروا “لا إله إلا الله” في مشارقها ومغاربها.. وهذا متمسِّك بمذهبه وأنه يرفع يديه وذاك لا يرفع يديه، ويصنعون خمس مئة خصومة وقتال ومعركة من أجل توافه الأمور.
فأتى سيده أو معلمه صاحب المزرعة ورأى شعيرًا، فقال له: ما هذا؟ قال له: كيف تراه؟ قال: شعيراً، قال: إذن هو شعير كما تراه، قال له: وما البذار الذي أعطيتُك؟ قال: قمحًا، قال له: ماذا فعلتَ به؟ قال له: بِعتُه وأخذتُ الفرق، وبنصف الثمن اشتريتُ مئة كيس شعيرًا، وزَرعتُها لك، قال له: لماذا فعلتَ هذا يا خائن؟ قال له: يا سيدي، أنا حين أقول لك: اتَّق الله وتب إلى الله تقول لي: الله كريم وقادر أن يغفر لي ويدخلني الجنة مع ذنوبي، وكذلك أنا فعلتُ، فعندما زرعتُ الشعير قلتُ: إن الله كريم وقادر، وهو قادر أن أزرع الشعير ويخرج القمح، قال له: قاتلك الله! كيف تزرع الشعير وتحصد القمح؟! قال له: يا سيدي قُل لنفسك: كيف تزرع الشوك وتريد أن تحصد الزنبق؟ أنا إذا زرعتُ الشعير وحصدتُ الشعير فهذا شيء بديهي، أما أنت فإنك تزرع الثوم وتريد أن تجني الورد الذي يُستخرَج منه عطر الورد.. فكان العبد أستاذ سيده وكانت توبته على يده.
رحمة الله تعالى يوم القيامة لها ثمنها
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:42]، لا نجاة هناك إلا لِمن يرحمه الله، ومَن الذي يرحمه الله؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) ، ((ارْحَمُوا من في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) ، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:54]، أمّا رحمة من دون شيء كما إذا قلنا: إن الدولة لديها ملايين الدولارات، وتعطي منها، لكن هل تعطي هكذا بلا شروط وبلا استحقاق وبلا كمباليات؟ وهل كل شخص إذا ذهب إلى البنك يقبض مليون؟ يقول أحدهم: إنّ البنك اليوم أعطى شخصاً مليوناً، وأعطى الثاني خمسة ملايين.. فإذا ذهب رجل على هذا الأساس هل يعطونه دولارات؟ إنَّهم يعطونه طيارتين على مطار رقبته، [الطَّيّارَة صفعة خلف الرقبة باللهجة الدمشقية].
هذا جهلٌ بالله وجهلٌ بدين الله وجهلٌ بالشرع، فإذا أردتَ أن تتعلم اللغة الفرنسية من غير أستاذ فهل هذا ممكن؟ وهل تتعلم النِّجَارة من غير نَجَّار؟ وهل يمكن أنْ تتعلم الطب من غير أطباء؟ فكيف تريد أن تتعلم دينك وإسلامك الذي يبدأ من الإنسانِ الفردِ السعيدِ الناجحِ حتى يصل إلى المجتمع والعالَم السعيد الناجح؟ هل هكذا بلا معلم وبلا أستاذ وبلا مربٍّ؟ هذا حال المسلمين اليوم، فالعامَّة ضائعون والرُّعاة الحقيقيون أندر من النادر.. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:42]، إلا الذي طلب الرحمة في حياته من أبواب الرحمة ومن معادن الرحمة، وجنى الرحمة من أشجارها وحصدها من مزارعها.
سَيَحصُدُ عَبدُ اللهِ ما كانَ زارِعًا
فَطُوبَى لِعَبدٍ كانَ للهِ يَزرَعُ
يكفي إلى هذا القدر.. وهذه أيضاً “شهادة من الطبيب” [ورقة صغيرة كتبها الطبيب وأرسلها لسماحة الشيخ]، يقول: يرجى عدم الزيادة، وذلك من أجل قلبي.. وأنا نسيتُ قلبي وصحتي، وكل همي أن أرى أمتي العربية أو الوطن السوري.. دعونا في بلدنا فربما لا نصل إلى مستوى الأمة العربية، [بمعنى: دعونا نتكلم ونرجو أن تتحقق هذه المعاني في بلدنا سوريا على المستوى الأقل]، وأريدهم أن يفهموا الإسلام كما فهمه العرب الأول.
الاعتزاز بالإسلام وتعاليمه
“ديمقراط” فيلسوف يوناني، وهذا نقلِّده ونقرأ ثقافته، وسيدنا محمد ﷺ لا نعرف ثقافته ولا مبادئه، “ديمقراط” ماذا فعل لنا؟ وماذا فعل للعرب؟ أما سيدنا محمد ﷺ فماذا فعل للعرب؟ وكذلك أبو بكر وعمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليٌّ رضي الله عنهم والمجاهدون الذي وصلت جيوش دمشق بهم في زمن الوليد إلى جنوب ألمانيا وإلى شمال سويسرا وإلى أن تجاوزوا حدود الصين؟
ونحن منذ أربعين سنة هل استطعنا أن نأخذ من فلسطين شبرًا؟ فلنجرب الإسلام سنة واحدة، لكن الإسلام الحقيقي بجوهره وحقيقته، ومن عالِم يكون قد عَلِم الإسلام بجوهره وحقيقته، وهذه لحيتي! [هذه لحيتي: تعبير شعبي يُقْصَد به إثبات حدوث شيء ما]، إنَّنا -واللهِ- نفتح العالَم بلا إسالة قطرة دم واحدة.
وأنا رأيتُ كلَّ هذا بعيني، ورأيتُ كلَّ عظماء العالَم، رأيتُ البابا، وقد دعاني لإلقاء محاضرتين على كرادلته.. فرنسا لها كاردينال واحد، وألمانيا لها كاردينال واحد، وأمريكا لها كاردينال واحد، فدعاني لإلقاء محاضرةٍ في الفاتيكان، على ماذا يدلُّ هذا؟ ودعاني لمحاضرةٍ أخرى في جامعة ميلانو، وألقيتُ محاضراتٍ في جامعة برلين وفي جامعات فينا وفي أكبر جامعات أمريكا، ما معنى ذلك؟ أقول هذا وأنا -واللهِ- أضع نفسي بين نعالكم، لكنه من احتراق قلبي، وحتى أجعلكم تصحون ولتعملوا بهمة وتستفيدوا، لعلَّ الله يُفَرِّج عن الأمة العربية، وعن إخواننا في فلسطين، بل عن العالَم، ونحن خُلِقنا رحمةً للعالَم، ولكننا لا نستطيع أن نرحم أنفسنا! اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.