تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور
اليوم درسكم في تفسير سورة ﴿ق﴾، بداية السور مثل: ﴿الم﴾ [البقرة:1]، و﴿كهيعص﴾ [مريم:1]، و ﴿المر﴾ [الرعد:1]، هذه الأحرف في أوائل السور لم يَرِد عن النبي ﷺ تفسير لها، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أقوال صحيحة في تفسيرها، فتفسيرُها بغير سند أصيل اجتهاداتٌ، ولا نعترض على مَن اجتهدوا رحمة الله عليهم، ولكن الحقيقة أنه لم يرد شيءٌ، وهذا مِن الْمُتشابِه الذي نؤمن به على تشابهه، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، نؤمن بالآيات الواضحة، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:107]، والْمُتشابِه نؤمن بمُتشابِهِه، والْمُتشابِه لا يصير مُحكَمًا، والنبي ﷺ لم يفسِّر، فالأدب أن لا تُفسِّر ولا تُؤوِّل.
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، الله عزَّ وجلَّ يحلف بالقرآن، والمحلوف به دائمًا عظيم، وهل يحلف الإنسان بالقط أو الفأر أو الحمار؟ بل يحلف بالأمور العظيمة، يقول: “وحياة أبي”، مع أن الحلف بالآباء منهيٌّ عنه، فلا يجوز أن تحلف بالمخلوق.
واللهُ تعالى إذا حلف لا يوجد أعظم منه، فيحلف ببعض مخلوقاته ليعلِّمنا قدسيَّة وكِيان وعظمة ذلك المحلوف به، ولنعامِل ذلك المحلوف بما يليق به حسب مراد الله عزَّ وجلَّ وحسب شريعته، فالقرآن عندما يصير يمينَ الله فهذا يعني مدى قدسيَّته.
ووَصَفَه بالمجيد، والمجيد هو الذي يعطي المجد والشرف والعزَّ والكِيان الكريم والقوة والصحة والغنى والسعادة.
القراءة الحقيقية للقرآن
الصحابة أخذوا القرآن فأحسنوا استعماله، [يشير سماحة الشيخ إلى ساعة أمامه ويقول:] هذه الساعة استعمالها من أجل ماذا؟ من أجل معرفة الوقت، فإذا كسرناها وتركنا أسفلها لنشرب به الماء، فقد أسأنا الاستعمال، فالماء يقطر من الأسفل، وضاع علينا معرفة الوقت، وهكذا القرآن الآن مع المسلمين، والمسلمون مع القرآن لا يعطيهم المجد كما أن الساعة لا تعطينا معرفة الوقت.
والحق علينا لأننا أسأنا الاستعمال، جعلناه مغنًى “وموَّالًا”، [أي أغنية فردية]، فإذا كان صوت القارئ جميلاً يَطْرَب المستمعون وكلُّهم يقولون: “آه”، وإذا كان صوته غير جميل يقولون: فليسكت، قَبَّحَه الله! صوته مثل كذا.
والقرآن ليس موَّالًا، وهو موَّال وموسيقى للقلوب والعقول والأفكار، وغذاءٌ للأرواح ليَنْزِل في معدة القلب والروح فهمًا وعلمًا وفكرًا، فيُهضَم ويَتَمثَّل خُلقًا وعملًا وسلوكًا، حتى تصير أنت القرآن المجسَّم والمَهضُوم لأعمال القرآن، وأنت هل صرتَ قرآنًا مجيدًا؟ هل صرتَ ممجَّدًا بأعمالك وأخلاقك وسلوكك وروحانيَّتك وبذكرك لله وتقواك وخشوعك وبقوله ﷺ: ((لَيسَ مِنَ المسلمينَ مَنْ لَم يَهتمَّ بِشُؤونِهِم)) ؟
والمسلم يقرأ القرآن لكنّه لا يفهم، كمَن سمع سورة “بِيْرا” وصار فيها حمارًا ودُبًّا كبيرًا، فأعطى القارئ الأجرة عشر غنمات، وهو لم يفهم أنه بهذه القراءة صار دُبًّا، وأيضًا أعطاه مكافأةً أنه جعله دُبًّا بقرآنه، ولم يقبل بقرآن الله تعالى.
[طرفة “بِيْرا” من الطُرَف التي كان يذكرها سماحة الشيخ، وهي عن قبيلة من البدو كان فيها ثلاثة زعماء: إبراهيم وموسى وبيرا، أتى إليهم شيخ ليعلِّمهم، ومكث عندهم، وكان يؤُمُّهم في الصلاة، وكان كثيراً ما يقرأ فيها سورة الأعلى، والتي تُختم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾، فكان الزعيمان إبراهيم وموسى يفتخران حينها ويرفعون رؤوسهما، وأمّا بيرا فكان يتضايق كثيراً من الشيخ، ويقول له: لماذا تذكر اسم إبراهيم وموسى ولا تذكر اسمي؟ فعلَّمه الشيخ أنّ هذه سورة من القرآن وهذه أسماء أنبياء، فقال: أنا لا أعرف ذلك، وأنا أُكرِمك يا شيخ أكثر منهما، ثم تذكر اسمهما ولا تذكر اسمي.. ومضت الأيام وكان لا يزداد إلا غضباً من الشيخ حتى هَدَّدَه بضربه إن لم يذكر اسمه، ومرة دخل الشيخ المسجد لصلاة الجمعة فرأى بيرا مغضباً ومعه عصى كبيرة، فعرف أنه يريد به شَرّاً، فقال في آخر الخطبة في الدعاء: اللهم اغفر لبيرا، فإنه كان حماراً ودُبّاً كبيراً، ويزرع القمح والشعيرا.. فسُرّ بيرا كثيراً، ولما انتهت الخطبة والصلاة، قال له: يا شيخ، كيف تقول لي: لا توجد سورة بيرا في القرآن؟ ولكن لَمّا جاءت العصى صار هناك بيرا، ثم كافأه على ذلك وأعطاه عشر غنمات].
نوعا القرآن المكي والمدني
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، فهل قرآنك جعلك مجيدًا؟ وهل أخذتَ من بِحَارِ مجده وحكمته وأخلاقه وقوانينه وترتيب تنفيذ أحكامه؟
يوجد قرآن مكة الذي نزل على النبي ﷺ في مكة والمسلمون في ضعفٍ، وقرآن المدينة عندما أصبح الإسلام في قوَّةٍ.
في المدينة: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:73]، وفي مكة القرآن يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:6]، ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾، اعتبروا أننا مجرمون، ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:25]، لم يقل: عما تجرمون.. يعني أنتم لستم مجرمين، ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:24]، هل هذه الآيات مكية أم مدنيَّة؟ أما: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:73]، هذه أين نزلت؟ في المدينة، وهذه لو نزلت في مكة هل يقوم الإسلام أم يخرب؟
في الحديبية فرضوا على النبي ﷺ شروطًا مذلَّةً، والصحابة رضي الله عنهم كلُّهم بلا استثناء إلا أبا بكر رضي الله عنه رفضوا الشروط وقالوا: أنرضى بالدنيَّة في ديننا؟ والنبي ﷺ لا يتصرَّف عن هوى، ولا يتصرَّف إلا بإذنٍ إلهيٍّ، فثار الصحابة وغضبوا، لكن هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد رأوه مخطئًا وهم مصيبون، حتى سيدنا عمر رضي الله عنه ثار أعظم ثورةٍ.
فيجب عليك أن ترى خطأ النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من صوابك، خطأ النبي ﷺ في نظرك الخاطئ، فخطؤه صواب، لكن عقلك الأعوج يراه خطأً، لذلك يجب أن لا ترى خطأ الوارث لرسول الله عليه الصلاة والسلام خطأً بنظرك الأحول.
يقال: إن شخصًا تزوَّج امرأةً حولاء، والأحول يرى الشيء اثنين، وفي ليلة العرس أتى لها “بسَبَت” ليلة العرس، [السَّبَت أو السُّبْت بعض الهدايا التي يقدِّمها الرّجل لعروسه ليلة العرس أو قبلها، وهي عادة كانت موجودة في بلاد الشام]، فقالت له: لماذا أتيتَ باثنين؟ والآن يوجد غلاء والحال رقيق وهذا لا يجوز.. ففرح بذلك، وفي اليوم التالي أتى لها بخاتمٍ فقالت له: لماذا أتيت بخاتمين؟ وأتى لها ببطيخة، فقالت له: تكفينا نصف بطيخة لماذا أتيت باثنتين؟ فقال: الحمد لله أنْ أعطاني الله زوجةً ترى الشيء اثنين، وفي يومٍ دخل عليها فقالت له: يا “دال ياء واو ثاء” [يا دَيُّوث]، يا قليل الشرف، ألا تخجل أن تُدخِل معك رجلًا آخر؟ أليس فيك نخوة؟ فقال لها: يا امرأة كل شيء شاهديه اثنين إلا أنا فشاهديني واحدًا.
التسليم للشيخ المربي
فإذا كنتَ مريدًا وتريد أن تصير شيخًا على شيخك فكما إذا كنتَ مريضًا وتريد أن تعلِّم الطبيب الطب، وتقول له: أنت تقول لي أن آخذ مَرَقَة الرُّزّ لكن البَقْلاوَة أطيب، [البقلاوة: حلوى لذيذة مشهورة]، أليس عندك ذوق؟ يقول له: تناول زيت الخروع، فيقول له: لو كنتَ تفهم لقلتَ: تناول العسل أو الدُّبْس أو “النَّمُوْرَة”، [النَّمُوْرَة: حلوى مشهورة في سوريا]، فهل هذا فهمك وعلمك! أما وجدتَ غير زيت الخروع!
ولكن يجب أن ترى أن ما يختاره الطبيب لك أفضل مما تختاره لنفسك، وكذلك الضابط والجندي والأستاذ في المدرسة والطالب، وهكذا المريد مع الشيخ، والصحابة رضي الله عنهم بالرغم من أنهم ثاروا لكن هل استطاعوا أن يتمرَّدوا ويستعصوا ويخالفوا؟ وهل ظهرت الحقيقية في النهاية أم لم تظهر؟ ظهر أن النبي عليه الصلاة والسلام خطؤه هو الصواب وصوابهم هو الخطأ، كقصة موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام.. ولماذا ذكرها الله؟ حتى يعلِّمنا أدب المتعلِّم مع المعلِّم.
فضل الشيخ المربي
وورد في بعض الآثار أن يوم القيامة يتزاحم أربعة أشخاص على باب الجنة كلٌّ يريد أن يدخل قبل الآخر، أحدهم الشهيد، والثاني السخيُّ الكريم، والثالث العالِم العارف بالله المعلم المربي الحكيم، والرابع الحاجُّ الذي حجَّ حجًّا كما قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197]، فكلٌّ يريد أن يدخل قبل الآخر، فيرسل الله سيدنا جبريل عليه السلام فيقول لأحدهم: لماذا تريد أن تدخل قبلهم؟ فيقول: أنا جاهدتُ وبذلتُ روحي ودمي لإعلاء كلمة الله وفي سبيل الله خالصًا لوجه الله، ألا أستحق؟ فيقول له: من الذي عمَّر في قلبك الإيمان بالجهاد وحب الجهاد وحب الاستشهاد حتى جعلك تشتاق للجهاد وتقدِّم روحك في سبيل الله؟ فيقول له: شيخي الشيخ المعلم المؤدب، فيقول له: فمن الأدب أن تتأدب مع معلِّمك ولا تتقدَّم عليه.
ويقول للكريم: من الذي علَّمك السخاء وقال لك: إن الثواب في الإنفاق، ورغَّبك ونَقَلك من البخل إلى الكرم؟ فيقول له: الشيخ، فيقول له: إذن تأدَّب مع شيخك ولا تتقدَّم عليه.
والثالث الحاجُّ أيضًا بنفس الأمر يقول له: تأدَّب مع شيخك ولا تتقدَّم عليه، فالشيخ عندما يرى الأمر هكذا يقول: يا ربي ما داموا آثروني على أنفسهم فأدخلهم الجنة قبلي، واجعلني آخرهم لتقرََّ عيني بدخولهم والاطمئنان عليهم .. إن الذي يتعامل مع الكرماء بمقتضى الكرم والمنَّة هل يربح أم يخسر؟ نسأل الله أن يوفِّقنا.
مجد القرآن يجب أن يظهر في حياة المسلم
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، هل القرآن عندكم مجيدٌ أم غير مجيد؟ هل انتقل مجده إليكم؟ هل أصبحتم أصحاب المجد وأصحاب العزِّ وأصحاب العلا وأصحاب الفتوحات والانتصارات والعلوم؟ هم نبشوا علوم كلِّ أمم الأرض، وإن نهضة أوروبا منذ خمس مئة سنة كلها أُخِذت من علوم المسلمين وجهودهم، أي من القرآن المجيد.
وفي الفتوحات هَزموا الدولتين الأعظم، في اليرموك ستة أيام وفي القادسية أربعة أيام، بعشرة أيام أنهوا أمريكا وروسيا التي كانت في زمنهم، فهل صاروا أمجادًا أم لا؟ ومن أين أتاهم المجد؟ من القرآن المجيد.
ونحن الآن لا نصل إلى المجد، لأنه لا يوجد لدينا قرآن، القرآن موجودٌ في الورق لكن نريد أن يصير القرآن في القلوب الطاهرة الذاكرة، وفي النفوس المطمئنة بذكر الله، والنفوس اللوَّامة التي إذا فعل أحدكم شيئًا يُزري به ولا يليق بالإيمان من سوءٍ أو شرٍّ أو معصيةٍ تلومه نفسه وتشدُّ أذنه، [شدّ الأذن كناية عن اللوم والتأنيب]، ويبكي آناء الليل وأطراف النهار.
صور من إيمان الصحابة رضي الله عنهم
لقد كانت نفوس الصحابة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لوَّامة، فإذا أذنب أحدهم ذنبًا تلومه نفسه، واللهُ عزَّ وجلَّ أقسم بالنفس اللَّوَّامَة فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:2]، كلمة “لا” نفيٌ لتأكيد القسم، كأنه يُقسِم مرتين وثلاثًا وأربعًا، كيف كانت نفوسهم اللوامة؟ كان إذا أذنب ذنبًا يأتي إلى المسجد فيربط نفسه بساريةٍ وعمود من أعمدته ويبكي ليل نهار، ويُقسِم أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينام حتى يموت أو يتوب الله عليه، وهذا أثر النفس اللوامة.
كالثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك وعاقبهم النبي ﷺ، فهل غضبوا أو انزعجوا منه ﷺ؟ هذه العقوبة دواءٌ وعلاجٌ وشفاءٌ، وقد مَنَع الناسَ أن يكلِّموهم وأن يسلِّموا عليهم وأن يُجالِسوهم وهم من فضلاء الصحابة، وهذا مع كلِّ حبهم للنبي ﷺ.
هل يستطيع الصحابي أن يجلس مع عدو النبي ﷺ، أو مع مُبغِض النبي ﷺ، أو مع من ينتقص النبي ﷺ؟ هل كان ممكناً أن تسمح له نفسه بذلك؟ بل لو يستطيع أن يُقَطِّعه لما توانى.
العصماء كانت منافقةً وزوجها أعمى، سمعها ليلةً تَشتُمُ النبي عليه الصلاة والسلام، فتركها لتنام ووضع السيف ببطنها وخرج من ظهرها، وحضر صلاة الفجر مع النبي عليه الصلاة والسلام بالجماعة، وشاع الخبر ولم يُعرَف من فعل هذا العمل، فقال النبي ﷺ: ((أنشدُ اللهَ رَجلًا عندَه عِلمٌ عنِ العَصماءِ إلَّا أَخبَرَنا))، فقام زوجها فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ماذا تعلم؟ فقال: أنا ذبحتُها، فقال: ((لماذا؟)) فقال: شتمَتْكَ وسبَّتْكَ ففعلتُ الذي فعلتُ، فماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: ((لا يَنتَطِحُ فِيها عَنزانِ)) ، أي لا أحد يختلف على قتلها، حتى لو كانتا عنزتَين لا تفهمان، فإنهما تحكمان بذلك.
لكن احذروا أنْ يفعل ذلك أحد منكم، [يقول ذلك سماحة الشيخ مع ضحكة خفيفة]، فزمن النبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ آخر.. النبي ﷺ كان دولة، وكان الإسلام كل شيء، فكل زمان له قواعده، ولا أحد يتحامق ويفعل أمراً مثل هذه القصة ويقول: هكذا سمعتُ من الشيخ، وحينها يضعونه عند مَن؟ عند جَدَّته أو خَالَته، [وضعوه في بيت خالته، أو عند خالته أو جَدَّته: في العامية السورية بمعنى وضعوه في السجن]، لأنه شرعًا لو أن أحدًا قتل ابنك لا يجوز أن تقتله إلا عن طريق الدولة، أما إذا هكذا شرعَت الدولة الممثَّلة بالنبي عليه الصلاة والسلام وبوحي الله في ذاك الوقت، فليس لنا كلام.
العمل بالقرآن المجيد وتعليمه
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، هل قرآنك المجيد الذي تقرؤه سرى إليك مجده؟ هل صرتَ مجيدًا؟ هل صرتَ ماجدًا؟ هل صارت أعمالك أعمال الأمجاد والأماجد؟ بهذا تكون قرأتَ القرآن.
وإذا كانت أعمالك لا تزال أعمال الصبيان أو أعمال العميان أو أعمال الكسالى أو أعمال الجهلاء فإنك تقرأ ما لا تفهم، وتسمع ما لا تعلم، ولا تعمل ولا تعلِّم، والقرآن للعلم والعمل ثم التعليم، وفي التعليم يجب عليك أن تعلِّم ما عَلِمتَه، وبمجرد أن عَلِمتَ شيئًا صار أمانةً في عنقك لتُعلِّمه لِمن لا يَعلَمه.
وإن أعظم أنواع التعليم هو التعليم بالعمل، كالذي يرى من فقدت ابنها، فإنّها ولو لم تبكِ ولو لم تولول، فإنّ النظر إليها يملأ القلب حزنًا وكآبة، وإذا رأى النائحة التي أحضروها لتقول القصائد بالأجرة، يقول: قاتلها الله كم هي منافقة وكاذبة! فقبل قليل كانت في العرس ترقص وتغني، وبعد ساعة عندها حفلة أخرى وسترقص وتغني، وهنا تبكي وتصرخ.. “ليست الثَّكْلَى” والثَّكْلَى التي فقدت ابنها، “ليست الثَّكْلَى كالنَّائِحة” والنائحة التي تنوح بالأجرة.
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، يعني أقسم، ومن الذي يُقسِم ويحلف؟ الله سبحانه وتعالى، إذن القرآن شيءٌ عظيم، وأنتم هل تعظِّمون القرآن كما عظَّمه مُنْزِله؟ وتعظيمه أن تقرأه طاهرًا، لا طهارة اليد، فطهارة اليد من أجل أن تمسك الورق والكرتون، وإذا كانت يدك طاهرة تمسك ورق القرآن، وإذا كان عقلك طاهرًا من الأفكار النجسة والوسخة فإنّه يمسُّ معاني القرآن، وإذا صار قلبك طاهرًا من الغفلات وحاضرًا دائمًا مع الله عزََّ وجلَّ فاطر الأرض والسماوات تسري فيك طاقة القرآن الكهربائية النورانية الإلهية، فتُمدُّك بالطاقة على الأعمال الصالحة، فلا تعود ترى عملًا شاقًّا في سبيل الله مهما كان.
قصة تَعَلُّق قلب مجاهد بالله تعالى
يُذكَر عن أحد الصالحين أنه كان في الجهاد فأصابه سهمٌ من الكفار ووقع عن فرسه، فأتاه رومي فركب على صدره وأخرج السكين ليذبحه، قال: والله ما خطر في قلبي لا سكينه ولا الموت ولا الذبح، وكل ما خطر في بالي أني في حضرة الله ومع الله وفي سبيل الله، قال: فقلتُ في نفسي: يا رب أنت كما تراني، ولا تحتاج أن أقول لك لأُعلِمك فأنت تعلم كل شيء، وأنا معك كما تريد، فإن شئتَ أن أُستشهد فمرحبًا، وإن شئتَ أن أُكمل في بناء الإسلام فكما شئتَ.. قال: وهو يُخرِج سكينه ويريد أن يقتله أتاه سهمٌ بين عينيه فرماه، وقام من تحته وأخذ السكين وذبحه.
وهذا عندما يصير قلبك مع الله ومع كلام الله وعقلك مع معاني القرآن وتقرؤه للعلم والعمل والتعليم، فتصير من أهل المجد، لأن القرآن مجيدٌ ومن يصحب الأمجاد يصير من الأماجد.
عجب الكفار من نبوة رسول الله ﷺ
قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:2]، استنكروا نبوة النبي ﷺ واستنكروا أن القرآن منزَّلٌ من عند الله وأنه مجيدٌ ويعطي المجد والعز والنصر والغنى والوحدة والقوة والتحرير.. قبل القرآن ماذا كان العرب؟ المدن في البلاد العربية حمص وحلب وحماة ودمشق كلها كانت تنطق إما باللغة الرومانية أو اليونانية، والذين كانوا يتكلمون باللغة العربية هم أهل البوادي والصحارى، فمن عرََّب المدن؟
الآن يقولون: القومية العربية.. من صنع القومية العربية؟ ومن جعل العرب عربًا؟ إنّه القرآن، والقرآن جعل إندونيسيا عربًا والاتحاد السوفييتي عربًا ومشارق الأرض ومغاربها عربًا، فهذا القرآن المجيد بحر المجد والفخر والعز، ولكنه يحتاج إلى أستاذه، ليس الذي يعلِّمك حروفه لتقرأها بلسانك، بل الذي يعلِّمك علومه وحكمته، ويجعل فيك روحانيته ويعطيك القوَّة على الأعمال العظيمة.
اللذة الحقيقة مع الله تعالى
ويُذكَر عن مسلمَين من أهل القرآن كانا في معركةٍ، والهجوم قائمٌ فسأل أحدهما الآخر، قال له: كيف حالك بهذا الهجوم والإنسان بين حجري طاحون؟ قال له: والله ما ليلةٌ تزفُّ إليَّ عروسٌ من أجمل النساء بأحبَّ إليَّ وأسعد لي من هذه الساعة.
وهذا ما قاله سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه إذ كان يقول: لَلَيلةٌ شاتية وأنا في المعركة في سبيل الله ونائم بين الماء والطين وليس بيني وبين المطر إلا درعي أحبُّ إليّ من عروس تُزفُّ لي من أجمل ما خلق الله من النساء.
وهناك من كان يهرب من المعركة، هذا مسلم وهذا مسلم، فهل هذا مثل هذا؟! الزّجاج مادة والجوهر مادة والألماس مادة، لكن هل هي مثل بعضها؟
أمَّا الخِيامُ فإنَّها كَخِيامِهِم
وأَرَى نِساءَ الحَيِّ غَيرَ نِسائِها
ولقد أتى القرآن لينقلهم من الحقارة إلى المجد، ومن الذل إلى العزِّ، ومن الخرافات إلى الحقائق، ومن التخلُّف إلى التقدُّم، ومن الفقر إلى الغنى، وكانت عقولهم لا تُدرِك إلا أنانيَّتهم.. أبو سفيان يقول: أنا زعيم ومحمد يريد أن يأخذ الزعامة مني، ولم يرَ في النبي عليه الصلاة والسلام إلا رجلًا يريد أن يسلبه بعض حظوظ نفسه، ولم يره أنه يريد أن يُخرِجه من الظلمات إلى النور، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الحقارة إلى الأمجاد.
اتباع الهوى سبب الضلال
وهم يقولون عنه: يتيم أبي طالب.. ويسمُّونه أيضًا يتيمًا، ولا ينسبونه لأبيه عبد الله، بل ينسبونه إلى أبيه بالرضاعة، فلا يقولون: محمد بن عبد الله، بل يقولون: محمد بن أبي كِبْشَة، ومن أبو كبشة؟ أبوه بالرضاعة.. انظروا إلى حال هؤلاء! وكما يُقال: “المَنْحُوس مَنْحُوْس ولو وضعوا بين عينيه خمس مئة فانوس” [مثل شعبي يعني أن السيئ لا يغير صفاته وأن الشقي شقي]، فإنه لا يرى، لأنه لا يريد أن يرى، ولا يرى إلا نفسه وأنانيته ومصلحته، هذا هو السبب، وهذا هو الهوى: ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، وإذا كان عنده علمٌ لا ينفعه العلم: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:23]، لماذا؟ لأنه يوجد فيه هوى، وما دام هناك هوى فورَاءَها الفَنا.
ولكن يجب أن تتخلَّص من الهوى إلى حقيقة التقوى، كما قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:41]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾، بالجنة والأعمال الصالحة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:5-7]، كلُّ أموره ميسَّرة وجهاده ميسَّر، وأعماله ميسَّرة، وأَزماته: يجعل له من العسر يسرًا، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3].
قال له: أنا لا أبالي أن تكون ليلة عرسي أو أكون في هذه المعركة بين الجيشين، ثم سأل صاحبه: وأنت، كيف حالك؟ قال له: سأريك بعينك من غير أن أقول بلساني، فوضع ترسه على الأرض وسادةً ونام وصار يشخر، بلا خوف ولا فزع، وهو في المعركة والقتال على أشدّه هنا وهناك.. وهل يستطيع أحدٌ النوم في مثل هذا الحال؟
ومولانا خالد [النقشبندي] ذهب من العراق إلى الهند ماشيًا حتى وجد الشيخ الذي يُخرِجه من الظلمات إلى النور مستمَدًَّا من القرآن ومن كتاب الله عزَّ وجلَّ.
ولقد جاءهم النبي عليه الصلاة والسلام بما جاءهم، وكان ما جاءهم به كلّه تغيير لواقعهم وحياتهم وعقيدتهم وعوائدهم، وكما قيل: “تَرْك المألوف أشد إيلامًا من تقطيع السيوف”، أي أن تترك عادتك، فهل تترك السيجارة إذا كنت تدخِّن؟ لا تتركها، لكن إذا كان فيك إيمانٌ وقال لك شيخك: اتركها تتركها، وحتى لو قال لك: اترك حياتك.. فتكون حياتك أرخص ما عندك.
الإسلام والصلاة الحقيقيان
والصحابة عندما هاجروا هاجروا حبًَّا بالله ورسوله ﷺ، والنساء هاجرن، وكانت المرأة تترك زوجها وأولادها وأمها وأباها وعشيرتها، وهذا كلُّه بفعل إيمان القلب، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، والآن لو صلَّينا فصلاتنا صورةٌ وصلاة ميتة، مثل العروس إذا كانت ملكة جمال وقد خرجت منها روحها، فعيناها لا تزال خضراوَين وفمها لا يزال صغيرًا وشعرها لا يزال أشقر، فمن منكم يتزوَّجها، وحتى لو مجانًا؟ ونأتي له بها يوم العرس بالنعش وفي حفلة جنائزية.. فماذا تصير الزغاريد؟ تصير وَلاوِيْل.
وإسلامنا هل يحتاج إلى زغاريد أم ولاويل؟ لماذا؟ لأنه فاقد الروح، ونحن لا نذهب إلى الطبيب الذي يعيد إلينا العافية، وينقلنا من المرض إلى الصحة ومن الموت إلى الحياة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:122]، ليست الحياة الجسدية، بل الحياة الروحية، وأنت عندما تقرأ هذه الآية هل تفهمها؟ هل أنت ميِّت القلب أم حيُّ القلب؟
عندما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:80]، هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى القبور ويدرِّسهم في المقابر مثل مقبرة الدَّحْدَاح؟ [مقبَرة الدَّحْداح: تتوسط دمشق ومن أكبر مقابرها]، لو ذهبتُ وأعطيتُ درسًا في مقابر الدحداح ماذا يقولون عني؟ هذا جنون، ولكن المقصود بـ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي أموات القلوب وأموات الإيمان الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، أما الإيمان باللسان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ باللسان مؤمنٌ، والله تعالى قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:8]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:2]، تمتلئ جلالًا وهيبةً وخشوعًا، وتذرف الدموع وتقشعر الجلود من ذكر الله، ويُفاض عليه من العلوم الإلهية والحكم الربانية والأخلاق النبوية، ويَظهر على شجرة إيمانه ثمارها وأزهارها وظلالها وعطرها ومسكها، أما التي لا يوجد فيها روحٌ فهي حطبٌ لا يصلح إلا “لكانون الأول أو كانون الثاني” أي للمِدْفأة. [كانون الأول: الشهر الأخير في السنة الميلادية، وكانون الثاني: الشهر الأول منها].
مخالفة الحقيقة رغم ظهورها
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:2]، يقولون: ابن أبي كبشة، ويتيم أبي طالب، وينعتونه بالأوصاف التي تحطُّ من قدره، وهذا شأن الخصم.. فشأن الخصم وشأن الجاهل أنْ يصف الأشياء بغير صفاتها، فإذا أعطيتَه ألماسة يقول: هذه زجاجة.. وهذا دليل على ماذا؟ وإذا أراد أن يمسك الأفعى يقولون له: احذر، فهذه سامّة، فيقول: لا، ألا ترون لونها ونقشها وملمسها ولِيْنها وجمالها؟ وهذا على ماذا يدل؟
((اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اِتِّبَاعه، وَأَرِنَا الْبَاطِل بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اِجْتِنَابه، ولا تجعلهما متشابهين علينا))، في بعض الأوقات يلتبس عليك فلا تعرف أن تفرِّق بين الهدى والضلال وبين الحق والباطل، فلا تَتَّبع الحق، بل تتبع الهوى، تتبع هواك ومصلحتك وأنانيتك.. ((ولا تجعلهما متشابهين علينا فنتَّبع الهوى)) .
إنَّ الهَوانَ هو الهَوَى قُلِبَ اسمُهُ
فَإذا هَويتَ فَقد لَقيتَ هَوانا
كل من يطيع نفسه وهواها في آخر الأمر سيندم، فالذي يشرب السجائر تُصيبه الأمراض فيما بعد، والذي يشرب الخمر يُصاب بتشمُّع الكبد، والذي يقع في الزنى يُصاب بالأمراض التناسلية، والذي يلعب القِمار يُفلِس.. لقد أصبح لدى من يرتكب ذلك علمٌ بأن هذه الأمور ضارَّةٌ، لكن أتاه العلم متأخِّرًا، فكان علماً غير نافع، ((اللَّهمَّ إنّي أَعوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لا يَنفَعُ)) ، العلم الذي ينفع يكون قبل أن تَستعمِل الأشياء بأن تعرف ضررها فتجتنبها، وتعرف فائدتها فتستعملها، وهذا العلم النافع.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:2]، يغير عاداتهم وأخلاقهم وعقول آبائهم، ويقول لهم: إن عقول آبائهم كانت خاطئة، وهي عقول السفهاء، وهذه الآلهة من الأصنام لا تنفع ولا تضرُّ.. وهذه ثورة على الرجعية والتخلُّف والجهل والجاهلية، ونقلةٌ من العادات والمألوف إلى عاداتٍ جديدة لتألفها النفوس من جديد، وهي نقلةٌ صعبة، “وإنّها لكبيرةٌ إلا” كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ يعني إنّ الصلاة الحقيقية، هذه “ال” للعهد، أي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، لا صلاة الجسد والركوع والسجود، ﴿لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي يتيقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:46].
فلا يتحرك حركة ولا يفكر فكرةً ولا ينوي نية إلا وهو يرى أن الله مطَّلع على ما في قلبه، ولا يعمل عملًا ولا يفكر فكرةً إلا ويعرف: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:16]، ما معنى نعلم؟ أي سنحاسبك على نواياك وتخطيطاتك التي تفعلها بمحض إرادتك، ولو قبل أن تفعلها، وما معنى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة:284]؟ الحسد مخفيٌّ والحقد مخفيٌّ ونية الغدر مخفية، لكن الله مُطَّلعٌ وسوف يحاسب الغدَّار على نيَّته، وسيُحاسب الماكر على مكره والخائن على خيانته، والحاسد على حسده.. اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وعيوننا من خائنة الأعين وصدورنا مما تخفي الصدور.
﴿عَجِبُوا﴾ [ق:2]، والآن كثير من الناس عندما يسمعون القرآن الحيَّ يستغربون، ومنهم من يواجهه بالأنانية، ومنهم بالجهل، ومنهم بقصر النظر، ومنهم بالعمى.. إذا قيل لأعمى: إن القُبَّعَة بيضاء.. يصدِّق، ويقول له شخص آخر: خضراء.. فيصدِّق، وآخر يقول له: حمراء، وغيره يقول له: مُمَوَّهَة.. فيُصدِّق، أما المُبصِر فإنه يعرفها كما هي، وإذا رآها وهو مُبصِرٌ وأتى أهل الدنيا كلّهم وقالوا له: هذه القبعة سوداء هل يصدق؟ فنسأل الله أن يجعلنا من أهل اليقين: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99]، فُسِّر اليقين بالموت، ويأتيك اليقين: أي علم اليقين، ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:5]، نسأل الله أن يجعلنا من أهل اليقين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أَقلُّ ما أُوتِيَتْ أُمَّتي اليَقينُ)) ، أن تنتقل من الإيمان بالغيب إلى اليقين، فتشاهد الأمور الغيبية كلَّها في تلفزيون قلبك.. نسأل الله أن يجعلنا منهم.
وهذه لها مدرستها ولها دروسها، لكن دروسها ليست قرائية، بل دروسها عملية، ودروسها كفاحية وجهادية للنفس والهوى، وعليك فيها أن تدفن الأنانية في سابع أرضٍ، [دَفَن كذا في سابع أرض: جملة من العامِّيَّة السورية، تُعبِّر عن شدة الترك والبُعد]، فلا “أنا” ولا عجب ولا تزكية نفس ولا حب الاستعلاء ولا حب المجد، إلا “إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي”، ادخل وليس لك طلبٌ في كلِّ حياتك وكلِّ وجودك إلا واحدٌ
أنا الفردُ عندَ الموتِ، والفردُ في البِلَى
وأُحشَرُ فَردًا، فارحَمِ الفردَ يا فردُ
“إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي”، فإذا طلبتَ الله -لا بحمقٍ بل بعلمٍ وحكمةٍ وعلى منهاج القرآن- واللهِ إنك ستحوز على الدنيا مع الآخرة.
نور الدين الشهيد يعطي مثالاً عن الدنيا
كان نور الدين الشهيد يروِّض فرسه.. وكانوا يُمارسون الرياضة ليس بالكرة، والكرة هل تنفع في الحروب؟ كانوا يمارسون رياضة تنفعهم في الحروب كسباق الخيل والرماية والرياضات المثمرة، فكان نور الدين يروِّض فرسه هو ووزيره، وكان وقت شروق الشمس أي عند الصباح، وهما متَّجِهان من الشرق إلى الغرب، وعندما يكون الإنسان راكبًا من الشرق إلى الغرب أين يصبح ظلُّه؟ أمامه، وإذا ركض ألا يركض ظلُّه معه؟ وهل يستطيع أن يسبق ظلّه؟ مهما ضرب فرسه فإن ظلّه أيضًا يُضرَب وكذلك يسبقه، فقال لوزيره: هل لاحظتَ أن الظل لا نستطيع أن نسبقه؟ فقال: نعم، وفي طريق العودة عندما عاد من الغرب إلى الشرق أين أصبح ظلّه؟ خلفه، فقال له: مهما ركض ظلنا هل يستطيع أن يسبقنا أم يبقى وراءنا؟ فقال له: بل يبقى وراءنا.
فقال له: هكذا مَن كان همّه الدنيا وحظ النفس والهوى والأنا مهما ركض فهو كالذي يركض وظلّه أمامه لا يستطيع أن يصل إليه، وإذا جعل حظوظ الدنيا وأهواء النفس وشهواتها خلف ظهره، وطلب شمس الحقيقة ونور الله ونور الإيمان، وركض نحو الله ورضاء الله -والدنيا هي كخَيَال- هل تركض خلفه أم تمشي أمامه؟ وهل يحصِّلها أم تحصِّله؟ هل تفارقه أم يفارقها؟ ((يا دُنيا مَن خَدَمَنِي فَاخدِمِيهِ)) .
شمول الإسلام لكل نواحي الحياة
لكن فيما مضى في القرون الأخيرة صاروا يفهمون الإسلام عبادات فقط، وهذا خطأٌ، فهم يفهمون الإسلام صلاة وصومًا وحجًّا وزكاة، والفقه: البيع والشراء والطلاق والميراث، وهذا جزءٌ من الإسلام، والإسلام يدخل معك في طعامك وفي شربك وفي نومك وفي زواجك وفي قضاء حاجتك وفي غضبك وفي رضاك وفي كل أعمالك، والإسلام يرافقك في كلّ هذه الأمور، وبمقدار ما تفارق الإسلام يُفارِقك الإسلام.
إن المشركين عجبوا.. وهل ينتقلون في نُقلَة واحدة؟ إنّ الإسلام نقلهم في ثلاثٍ وعشرين سنة، ولم يجعل النقلة في يوم واحد، وهناك بعض المنظمات الإسلامية يريدون أن يطبِّقوا الإسلام في يومٍ واحد، ويريدون حكومةً ودولة، وهذا خطأٌ، والدولة من هي؟ الدولة من بلدك، فإذا كنتَ حقيقةً مسلمًا فاذهب إلى رجل الدولة وتعاون معه، وهو يقول: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فضع يدك بيده وتعاون معه، فالدولة تريد نجاح الأُمَّة والشعب، والدِّيْن ماذا يريد؟ الحاكم باختصاصه يساعد، وأنت باختصاصك تساعد، وكفّ واحد هل تصفِّق؟ بل لا بد من الكَفَّين، ومتى نجح العرب؟ عندما اجتمعت القوة والشريعة، أما هؤلاء [الإسلاميون] فمباشرةً ومن أول يوم يريدون أن يُنجِبوا ولدًا يصير رئيس وزارة والثاني رئيس جمهورية، وهذا قد يصير في ليلة واحدة، وذلك إذا تزوَّجت امرأة عمرها تسعين سنة، وأحفادها لهم أولاد، وقد كبرت سنّها وهي تبول بثيابها، ولها ابن رئيس جمهورية وابن آخر رئيس وزارة، ففي ليلة واحدة إذا تزوجتَها يأتيك الأولاد جاهزين، فهل تقبل بهذا الزواج؟ لو كان ابنها وزيرًا يكون لك ابنٌ وزير من أول ليلة، فهل ترضون بهذا؟
الموقف الإيجابي من الحكومات
وهكذا حال من يقولون عن أنفسهم إسلاميين، لأنهم فقدوا فقه الحكمة، والنبي ﷺ كان يستعين بالمشركين في حال ضعف الإسلام، والآن الحكَّام منهم مُصلُّون وصائمون وذاكرون، لكن عند هؤلاء الإسلاميين حظ نفسٍ وهوى، وهذا إذا لم يكن هناك قوى خفية مخرِّبة للإسلام تريد أن تُظهِر الإسلام بالمظهر السلبي لتقضي عليه من داخله.. إنّ الحكومة من المسلمين، ولو كان فيها خمسون ألف مخالفة، والنبي ﷺ عندما طلب جوار المطعم بن عديٍّ ماذا كان المطعم؟ كان وثنيًّا، والنبي ﷺ هل استعان بقوَّته أم لم يستعن؟
والدولة إذا كانت مسلمةً ألا تستعين بقوَّتها؟ وبقوة الدين أنت تعاون الدولة أيضاً، وهذا هل يغيظ العدو والاستعمار أم لا؟ أنت وحدك ولو بألف سنة لا تعمل إلا عملًا شخصيًّا، أما عن طريق رجل الدولة فإنك تفعل في ساعة عملًا لا تستطيع فعله بمئتي سنة.. فنسأل الله أن يوفِّقنا لأن نقود السيارة بالبنزين [الوقود]، لا بماء زمزم.
وأَفضلُ المياهِ ماءٌ قَد نَبَعْ
بَينَ أَصابعِ النَّبيِّ المتَّبَعْ
يليه مَاءُ زَمزَمٍ فَالكَوثرُ
……………………….
الرجل يضع البنزين في السيارة فيقول له آخر: ألم تسمع قول الشاعر إنّ أفضل المائعات ماء زمزم؟ والنبي ﷺ ألم يقل: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) ؟ تشربه على نية أن تمشي السيارة.. نحن نشوِّه الإسلام ونُشوِّه عقولنا ونفعل الكوارث باسم الإسلام، وفي الواقع نحن نهدم الإسلام ونحن أبناؤه وأنصاره، وذلك بسبب الجهل وعدم العلم وفَقْدِ الحكمة ووجود الحمق والأنانية، واللهُ أعلم بما وراء ذلك من أشياء.
حسد المشركين للنبي ﷺ
﴿عَجِبُوا﴾ [ق:2] أن تكون رسول الله وأنت اليتيم الفقير، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:31]، يجب أن يكون النبيُّ إمّا عظيم مكة أو عظيم الطائف وأكبر زعيم.. ولكن أمور السماء ووظائف السماء لا تُبنَى على الغنى والفقر والحسب والنسب، بل هذا ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:54]، ومشيئته قائمةٌ على حكمته، فالذي فيه أهلية يشاء الله أن يرفعه ويعزَّه، ويذلُّ من يشاء، لا بالطيش والفوضى، وهذا أيضًا قائمٌ على الحكمة، ((وإنَّه لا يَذِلُّ مَن والَيتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيتَ)) ، فالمشيئة مقيَّدة بحكمته وقانونه، ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:212].
الأخذ بالأسباب من أوجب واجبات الإسلام
كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: “لا يجلس أحدكم في بيته ويقول: يا رب يا رب، فإن السماء لا تُمطِر ذهبًا ولا فضة” ، وكان النبي ﷺ يأمر بالعمل، ولكن كل مفاهيم الإسلام أصبحت معكوسةً، فانعكست حياتهم، وانعكس عزُّهم إلى ذلٍّ، وقوتهم إلى ضعفٍ، ووحدتهم إلى تمزُّقٍ وتفرُّق، ومحبَّتهم إلى عداوةٍ وأحقاد وبغضاء.
وكان النبي ﷺ يقول لهم: إنّ بعد الموت هناك حياة وآخرة وجنة ونار، فلا يدخل هذا في عقولهم: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)﴾، بعد أن نموت ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ هل سنعود أيضًا؟! ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:2-3]، بعيدٌ عن العقول وبعيد عن التصديق والاقتناع، لأنهم ما درسوا ما قبل ذلك.
والقرآن خاطبهم بالشكل العقلاني وبعقليتهم تمامًا، فقال: هم يقولون: هذا شيء عجيب وغير ممكن، فهل الفاعل هم أم الله؟ الفاعل هو الله، إذن الله الذي خلق السماوات والأرض.. وثبت علميًّا أن الكواكب لها أعمار، والشموس لها آجال، وإذا فنيت تنفجر، ثم بعد ملايين السنين تعود مرة أخرى كواكب وشموسًا وأقمارًا.
[سماحة الشيخ يقول معقِّباً على قيام بعض الخطباء وانصرافهم من الدرس:] الخطباء الذين مساجدهم بعيدة لا يتأخروا عن منابرهم.. فتح الله عليهم.
إنكار المشركين للبعث بعد الموت
قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:3]، يعني يقولون: بعد أن نصير ترابًا هل نرجع للحياة مرة أخرى؟ هذا بعيدٌ عن العقول والتصديق والمنطق ومن الأوهام، فالله تعالى قال لهم: ألا تعرفون من يفعل هذا؟
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:4]، كم يموت من الناس من خمسة مليارات؟ كذا ألف أو كذا مئة ألف، فالله يعلم من يموت في اليابان ومن يموت في سان فرانسيسكو من إنسانٍ وحيوانٍ وبهائم وحشرات وغيرها، فالذي عنده هذا العلم أليس عنده علم وقدرة على إعادتها؟ والذي يكون عنده علم اللَّبِن، إذا خربت اللبنة ألا يستطيع أن يَجْبِلها ويضعها في القالب ويعيدها لَبِنَة أخرى؟ ولو نزل المطر فخربت مرة ثانية وثالثة ورابعة ألا يعرف أن يعيدها؟ والذي اخترع الساعة إذا فُكِّكت ألا يعرف كيف يعيدها؟ انظر إلى هذا المنطق ما أجمله!
حفظ الله تعالى لأعمال عباده
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، عندما تفنى عظامهم ولحومهم كل ذلك نعرفه نحن، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:4]، كتابٌ يحفظ أعمالهم ويسجِّلها.. وكتاب الله ليس ككتابنا بالقلم والدواة أو كمطابعنا، بل كتاب الله تعالى غير كتابنا، فعندما تحفظ القرآن وتكتبه بذاكرتك بماذا كتبتَه؟ القرآن صار مكتوبًا في الذاكرة، وكيف كُتِب؟ كيف وصلتَ إلى خلايا الذاكرة حتى كتبتَ ما تحفظه؟ كذلك كتاب الله غير كتاب ذاكرتنا وغير كتاب أوراقنا وحبره غير حبرنا.
﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:4]، يحفظ أعمالكم وكلَّ ذرةٍ في الوجود ولا تخفى عليه خافية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59]، أي يعلمه الله، وأعمالُنا تُحفَظ وتُسجَّل إلى جلسة المحكمة الإلهية يوم القيامة، وقد تُعجَّل في الدنيا، وقد يأخذ بعض الأقساط في الدنيا وباقي الأقساط في الدار الآخرة، مثل الذَّنْبَين اللذين قال عنهما النبي ﷺ: ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)) ، الظلم والتعدي على البريء وعقوق الوالدين، وفي حديثٍ نبويٍّ: ((وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ)) ، حتى ولو كانا كافرَين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:15]، فأين هذا القرآن؟ هل الابن اليوم يلتزم هذا القرآن مع أمه وأبيه ومع جده ومع أرحامه ومع الفقراء ومع فرائض الله ومع محرَّمات الله؟ [لا]، لأنه لا يوجد مربٍّ، إنّ الجامع وخطبة عشر دقائق لا تُرَبّي، وإذا لم يرتبط قلبك بقلب المربي برباط الحب كرباط الروح بالجسد لا تصير مؤمنًا.
رابطة الحب في الله
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: ((لا إيمانَ لِمَنْ لا مَحَبَّةَ لَه)) ، هل تستطيع أن تحب مربيك الذي يعلِّمك الكتاب والحكمة ويزكي نفسك أكثر من زوجتك وأمك ووالدك ومن مالك وتجارتك ودكانك؟ وهذا يتمنَّاه المرء، لكنه ما دام مغمض العينين فإنّه لا يفهم، فالأعمى لو زوَّجناه ملكة الجَمال هل ينعم بجَمالها؟ وإذا أخذنا أصمَّ إلى حفل أم كلثوم هل يتمتَّع بمَوَّالها؟ [أم كلثوم مغنية مصرية مشهورة في الوطن العربي، والمَوَّال أغنية فردية]
يقال: إن أعمى تزوَّج امرأةً من أبشع ما يكون، كاسدة من عشرين سنة، وكانت دائمًا تقول له: آه لو كنتَ مبصِرًا لِترى عينيَّ الخضراوَين، آه لو كنتَ مبصِرًا لَرأيتَ خدَّيَّ اللّذَين أجمل من تفاح “الزَّبَدَانِيْ”، [الزَّبَداني: منطقة في ريف دمشق، ينبع منها نهر بردى، وهي مشهورة بفاكهتها وخاصة التفاح]، وآه لو كنتَ مبصِرًا لرأيتَ عنقي الذي أشد بياضًا من الرخام الإيطالي والياباني.. فقال لها: كفاك كلامًا، فلو كان فيك خير لَمَا تركك المبصرون.. لو كان فيكِ خيرٌ لم يتركوكِ لرجلٍ مثلي لا يرى.. نسأل الله أن يعفو عنا.
قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق:5]، مع أن بعض اليهود والنصارى كانوا يعرفون صفات النبي ﷺ وعلاماته، وكان في ذاك الوقت لا يوجد تحريف وتبديل [كثير]، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:146]، ولكن عندما يأتي الهوى والأنا والمصلحة الذاتية تصير كما قيل: “حبُّك الشيء يُعمِي ويصم”، فترى الجَمال قباحةً، والكمال نقصًا، والخير شرًّا.. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:8].
اضطراب المشركين في اتهام النبي ﷺ
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:5]، كل مرة يتكلمون في شكلٍ، فمرةً يقولون عنه: شاعرٌ، فيأتي الناس فيقولون: لا، هو ليس بشاعر، فيقولون: ساحر، ولكن الساحر يعمل بالبخور ويقول: الملِك الأحمر والأصفر والأخضر، وهذا لا يوجد، ومرَّةً يقولون عن القرآن: أساطير الأولين، وكان أحدهم قد ذهب ليأتي بقصص ملوك الفرس والروم، ويريد أن يجعل قرآنًا كقرآن السماء .
﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:5]، أي في كلّ ساعةٍ يتكلم بشكل ولا يستقر على رأي، مما يدل على أنه لا يفهم الحقيقة، [يشير سماحة الشيخ إلى باقة صغيرة من الياسمين أمامه ويقول:] فالذي يعرف أن هذا ياسمين هل يقول عنه غير الياسمين؟ ولو عاش مليون سنة! فالياسمين يبقى ياسمينًا، والساعة ولو بقيت ألف سنة هل يستطيع أن يقول عنها: بطيخة أو جوز هند؟
﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:5]، أي كل ساعة يتكلمون كلامًا مختلفًا عن النبي ﷺ.
الرد العقلاني على إنكار المشركين
ثم خاطبهم سبحانه وتعالى عقلانيًّا ليقنعهم بالحياة بعد الموت والحساب على الأعمال بعد الوفاة، وبقدرة الله على إعادة خلقهم كما خلقهم أول مرة، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:6]، هذه الشمس مَن صنعها؟ هل الطبيعة؟ الملحدون في أوروبا يقولون: الطبيعة، ولكن هذا النظام الذي تمشي عليه الشمس والأرض والكواكب والنجوم وتركيب الهواء هل هو صنع الطبيعة؟ هذا الصنع الذي في منتهى الدقة لو اختلَّ واحدًا بالألف لاختلَّت الحياة، وهذا هل يدلُّ على علمٍ أم على جهل؟ هل يدل على قدرةٍ أم على عجز؟ هل يدل على إتقانٍ أم على فوضى؟ هل يدل على قصدٍ أم على صدفة؟ ولذلك رحم الله الشاعر النَّجَفِي إذ كان يقول
هل في عُيونِ الملحِدِينَ عَماءُ
أم في عُقولِ الملحِدِينَ غَباءُ
أَيَصِحُّ عَقلًا أنَّ عَقلًا مُبدِعًا
قد أَوجَدَتْهُ طَبيعةٌ بَلهاءُ
“أَيَصِحُّ عقلًا”: بقانون العقل، “أن عقلًا مبدِعًا”: عقلك المبدع الذي تخرج منه الاختراعات والطائرات والغوَّاصات وغيرها، هل يصحّ أنّ هذا العقل الذي تخرج منه الاختراعات والعظائم والإدارة والسياسة والعلوم “قد أوجدته طبيعةٌ بلهاء”؟: والأَبْلَه هل يعرف أن يصنع شيئًا كهذا؟
وإذا الطَّبيعةُ أَوجَدتْ وتَصرَّفَتْ
قُلنا: الطَّبيعةُ والإلهُ سَواءُ
بدل أن تقول: الطبيعة، قل: الله السميع البصير القادر المختار المريد، [يشير سماحة الشيخ إلى بعض الأشياء أمامه ويقول:] فهل ينبت هذا الورد بلا مزارع؟ وهل تصير هذه الساعة بلا مخترع؟ وهل تصير هذه الطاولة بلا نجار؟ فهل تريد أن تصير مسلمًا حقيقيًّا بلا مربٍّ ولا معلم ولا مزكٍّ ولا حكيم؟ هذا مستحيلٌ.
تَرجو النَّجاةَ ولَم تَسلُكْ مَسالِكَها
إنَّ السَّفينةَ لا تَمشِي عَلى اليَبَسِ
“ترجو النجاة” والفَلَاح.
ونحن نريد الجنة بالأهواء وبالكسل وبالجهل وبسهرات الجهلة، ونحن نصرف عمرنا باللغو والآثام، ثم نريد أن نلقى الله عزَّ وجلَّ بلقب الذين آمنوا وعملوا الصالحات! وهذا لا يصح.
قدرة الله تعالى في خلقه
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:6]، نجومها وشمسها وأقمارها، والآن صار مجرَّاتها، مجرَّتنا التي نرى كواكبها التي لا يُرى منها بالعين المجردة أكثر من ثلاثة آلاف نجم وفي أحد شقَّيها، وبالشِّقَّين نرى ستة آلاف نجم، وهذا بالعين، أما بالتلسكوبات والمناظير الضخمة الفنية فإنهم يعدُّون النجوم بالمليارات في مجموع مجرتنا.
والشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاث مئة ألف مرة، يعني لو أحضرنا مليون وثلاث مئة ألف أرض وجمعناها مع بعضها يكون حجمها بحجم الشمس، وبيننا وبين الشمس مسافة بالقطار ثلاث مئة وستين سنة إذا مشى بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، ولو كانت أقرب لاحترقنا واحترق مَن في الأرض، ولو كانت أبعد لتجمَّدنا وصرنا جليدًا.
والأرض تمشي بسرعة مئة وثمانية آلاف كيلومتر، والشمس بسرعة أكبر، فكيف مع سرعتها لا يختلُّ التوازن والتقارب؟ هل هذا بنظام ومنظِّم أم بفوضى وبلا مدبِّر؟
في ذلك الوقت كانوا لا يفهمون، ولكن الآن صاروا يفهمون ولا يفهمون، يسمعون ولا يعقلون، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:198]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:21]، لأنهم أموات القلوب، لذلك وقبل كل شيء يجب أن تُحيي قلبك.
وكل واحد منكم يجب عليه أن يجلس مع الله كلَّ يوم ساعة واثنتين وثلاثًا حسب فراغه، ويضع قلبه في “مجْلايَة” الله، ويشتغل “كالمُبَيِّض” الذي يضع الصحن تحت رجليه في الرمل، ويدور بقدمه يمينًا ويسارًا حتى يُزيل الوسخ الذي في الصحن أو القِدر. [مجْلايَة: مكان جَلِي الصحون والأواني وتنظيفها، والمُبَيِّض: هو حرفيّ لمهنة تقليدية قديمة تختص بتنظيف الأواني، وإعادة تأهيل الأواني النحاسية، حيث يقوم بتنظيف الأواني النحاسية وإزالة الصدأ عنها، ويطلي الجزء الداخلي بطبقة من القصدير لإعادتها لامعة وآمنة للاستخدام الغذائي].
فيجب أن يُجلى القلب ويصبح مرآة، فإذا صُقِل وصفا وتوجَّه إلى الله عزَّ وجلَّ ينتقش نور الله بقلب العبد علمًا وحكمة وأخلاقًا وقوة وعظمة ونجاحًا وتوفيقًا، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ﴾ إذا أدرتَ ظهرك لله ﴿عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه:124]، تعيش بشقاءٍ وتعاسةٍ وذلٍّ وهوان، فهل عيشة العزِّ أفضل أم الذل، الشرف أم الدناءة، الطمأنينة أم الخوف والفزع والرعب؟ نسأل الله أن يوفَّقنا.
لكن الجرذ مهما قلتَ له: هذه حديقة وهذا ياسمين وزنبق وزهور أين يجلس؟ في المجاري، [المَجاري: أنابيب المياه النجسة]، لأن طبعه طبع الجرذان، وهل رأيت ذُباباً يقف على ورد الزنبق أو الياسمين؟ أين يقف؟ على الفطائس والنجاسات، لأن طبعه ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:26].
وإذا أردت أن تعرف نفسك هل هي خبيثة أم طَيِّبَة، انظر إلى جلسائك وأصحابك وأصدقائك الذين تحبهم من قلبك، أما أصدقاء المصلحة فالمصلحة شيء آخر، ففي بعض الأوقات قد تجلس جلسة في المرحاض هل محبةً وشوقًا؟ لا، بل ضرورةً، لكن إذا قُضِيَتْ حاجتك هل تجلس أكثر من الضرورة؟ إذا جلستَ قرابة نصف ساعة بعد أن قضيتَ حاجتك، وقلت: هذا حق الصحبة والصداقة، [يقول الشيخ ذلك وهو يضحك]، تكون طبيعتك حينئذ طبيعة الجرذان.. نسأل الله أن يحمينا ويجعلنا من الطيبين الذين لا يحبُّون إلا الطيبين والطيبات في الأخلاق والأعمال والجلساء والأصحاب.
الإيمان ينافي الخبائث ولا يجتمعان في شخص واحد
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [ق:6]، ليست نظرة النظر، بل نظرة العبرة ونظرة التفكر، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101]، فالحمار يرى السماء، لكن المقصود نظرة دراسة وعبرة، لتصل بالنظر من الصنعة إلى الصانع، فعندما ترى الطائرة تقول: ما أعظم مخترعها! وترى التلفزيون تقول: ما أعظم مخترعه! فكيف بك عندما ترى هذا الكون! ومجرَّتنا واحدة من مليارات المجرَّات، والشمس يصل ضوؤها إلى أرضنا بسرعة النور بثماني دقائق وثماني عشرة ثانية، وهذه هي المسافة بين أرضنا والشمس بسرعة النور، وكم يقطعها النور؟ يعني عندما تشرق الشمس ويصل الضوء إليك تكون قد طَلعَتْ من قَبل ذلك، ولا يصل الضوء إليك إلا بعد طلوعها بثماني دقائق وثماني عشرة ثانية.
وتوجد كواكب المسافة بيننا وبينها مليون وخمس مئة ألف سنة بسرعة الضوء، وهذا الذي وصل إليه علم الإنسان، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:85]، فهذا الإله الذي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:16]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:14]، الذي صنع المحرِّك ألا يعرف ماذا يوجد بداخله؟ والذي اخترع الساعة ألا يعرف ماذا يوجد بداخلها؟ والذي خلقك وخلق ضميرك ووجدانك وفكرك وعصبك ألا يعرف بماذا تُفكِّر؟ استحِ من الله واخجل من نفسك، فشرطيُّ السير وهو موجود هل تجرؤ على أن تخالف أمامه وهو يراك؟ فكيف واللهُ معك ويراك وقد وضع فوق ذلك ملائكةً؟ فكيف تجرؤ على معصيته؟ ليس باليد والعين واللسان فقط، بل في القلب والنفس والفكر.
الإيمان الحقيقي
نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين حقًا، المؤمن: ((لا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وَهو مُؤمنٌ))، هذا إيمان القلب، ((ولا يَسرِقُ السَّارقُ حِينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ)) ، وهذا إيمان القلب، وإيمان القلب درعٌ يقيك من التلف والمهالك.
وفي حديثٍ آخر سألوا: أيزني المؤمن؟ قال: ((﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:38])) ، هكذا إذن صار تناقضٌ هنا، ولكن هذا المؤمن الذي لم يدخل الإيمان إلى قلبه، أو حُجِب نور الإيمان عن قلبه، فغفل عن الله فوقع في الزنا، أما ما دام قلبه مع الله: ((لا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وَهو مُؤمنٌ))، مؤمن إيمان القلب وإيمان الحِسِّ وإيمان الذوق.
التفكر في خلق السماوات
قال: فلينظروا ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، وكيف قوانينها وأحجامها وسرعتها ونظامها ووقودها.. والشمس في كل ثانية ينقص من وزنها بالاشتعال خمسة ملايين طن، فكم يُصرَف عليها من محروقات؟ ولو أن هذه المحروقات انتهت ماذا يحدث لنا نحن؟ وشمسنا واحدة من النجوم والكواكب التي لا عدَّ لها ولا حصر، قالوا: لو وُضِع رقم واحد على خط الاستواء ووضعنا صفرًا أو صفرين كم تصبح؟ [عشرة أو مئة]، ولو وضعنا أمام الواحد أصفارًا على الكرة الأرضية حتى يصير الصفر الأخير خلف الواحد، ما اسم هذا الرقم؟ هذا الرقم لا يحيط بكواكب السماء التي خلقها الله عزَّ وجلَّ.
وأنت ما نسبتك أمام عظمة الخالق؟ كيف تعصي الله؟ كيف تقرأ كلامه الذي أرسله لك بالبريد الموثَّق على يد أشرف الملائكة وأشرف الرسل ثمّ أنت تدير له ظهرك؟ هو يقول لك: أنا معك، وأنت تعصيه، فهل هذا دليل العلم أم الجهل؟ لو حصلتَ على خمس مئة شهادة وأنت تعصي الله فهذا جهلٌ، لأن الذي يقول: الأفعى سمها كذا وطولها كذا وملمسها كذا ولونها كذا، ثم يضع أصبعه في فمها هو عالِم اللسان جاهل العمل، وإذا كان أحدهم لم يقرأ عن الأفاعي ولا عن الزواحف ولا السموم، لكنه ابتعد، فأيهما العالِم؟ وإذا قرأ وعمل بمقتضى ما قرأ فهذا يصير نورًا على نور، لأنّ منها سام ومنها غير سام، لكن لا نقترب من هذه ولا تلك.
قال: ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، جعلنا لها موازين وحددنا سرعتها فلا يوجد اصطدام، والسيارات رغم كل القوانين والشوارع العريضة تحدث اصطدامات، والكواكب سيارات الله وعددها كعدد ذرات الرمال في الأرض، ولا يوجد فيها اصطدام وكلها تسير بسرعات هائلة، والأرض كم سرعتها في الساعة؟ مئة وثمانية آلاف كيلومتر في الساعة، هذه الطائرة كم راكبًا تحمل؟ هل تحملُهم فقط؟ بل تحمل أثاثهم وعرباتهم وسياراتهم وجبالهم، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:14].. ومن نحن! وقد أرسل لنا كتابًا، ولكن لا نقرؤه، ولو أرسل لك نَوَرِيٌّ [إنسان بسيط جاهل] ورقةً فإنك تقرؤها، يقول لك: أنا سآتي إليك غدًا من أجل الحفلة في الساعة كذا وأريد أجرة كذا، وسواء قبلتَ أم لا.. فهل تطبق المكتوب كما هو أم لا؟ وهو كتاب من نَوَريّ! وإذا أتاك أمرٌ من موظف صغير في البلدية وقال لك: تعال غدًا الساعة كذا، وإلا فعليك الجزاء الفلاني، فهل تتأخر؟ وإذا أتتك ورقة من البنك: إنّ لك حوالة، فتعال غدًا في الساعة الثانية عشرة، فهل تتأخر إلى الساعة الثالثة حيث يكون البنك قد أغلق، خاصة إذا كان اليوم التالي عيداً [عطلة]؟ فكيف نتعامل نحن مع الله عزَّ وجلَّ؟ هذا كلُّه من ضعف الإيمان القلبي.. وإيمان القلب يحتاج إلى أستاذ القلوب، وهل تمشي المقطورة بمفردها؟ هل تمشي شبرًا بالساعة؟ وإذا رُبِطت بالقاطرة بالرباط الفولاذي فإنها تمشي بسرعة القاطرة، والرباط بين الإنسان والإنسان رباط الحب، ((المرءُ على دِينِ خَلِيلِه)) وحبيبه ((فَلْيَنظُرْ أَحدُكُم مَن يُخالِل)) .
التفكُّر بالمخلوقات يُعرِّف بخالقها
﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، لتعرف من ذلك عظمة الله عزَّ وجلَّ، فادرس علم الفلك لتنتقل من علم الفلك إلى علم صانع الفلك، ومن علم النجوم إلى العلم بخالقها وصانعها ومبدعها، ومن عظمتها إلى عظمته، فتصير الإنسان الكامل الفاضل السعيد العزيز المنتصر الغني الحكيم، وهذا هو الإسلام بمعناه الحق، وهذا هو القرآن بقراءته الحية، أما القراءة الميتة فلو جاؤوا لك بمئة عروس وكلُّهنَّ ميتات، هل تستفيد منهن شيئاً؟ وكيف إذا جاؤوا بهن إلى البيت! صرن لك بلاءً، وإذا تركتهن في البيت فإن أهل الحي يشتمونك وتصدر من بيتك رائحتهن، وإذا نقلتهن ستتحمل من النفقات ما الله به أعلم، وكذلك خمس مليارات مسلم أموات ما الفائدة منهم؟ فالمسألة ليست بالعدد، الإنسان ليس بعدده بل بمدده، وقيل: “قليل إذا عُدُّوا، كثيرٌ إذا شَدُّوا”، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:249].
أدلة على وجود الله تعالى
قال: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:6]، السماء ملتصقٌ بعضها ببعض، ولا يوجد خللٌ أو شقٌّ أو ثغرةٌ أو أيّ شيء.. وقال العلماء: هذا ينطبق على عالَم الأثير، وعالَم الأثير الذي يملأ الكون، وهو عالَمٌ لا يُرى ولا يُشم ولا يُلمس ولا يُسمع، وكلُّ الناس آمنت به، والآن يقول لك: أرنا الله، قل له: أنت إذَنْ أرنا الأثير -بالثاء- ودعنا نلمسه ونجتمع به.. إنّه يؤمن به، قل له: هل رأيتَ الهواء؟ الهواء هل له لونٌ أو حجمٌ أو جسم؟ بل تعرفه بآثاره، فهو يحرك الشجر وهو في النَّفَس الذي تتنفَّسه.. والروح هل رأيتَها؟ عندما يموت ماذا نقول؟ خرجَت الروح، فهل رأيتَها؟ نقول: خرجت الروح لأن الجسم فَقَدَ الحياة، وفَقَدَ الحياة لأنّ الروح قد فارقته.. وهناك مئة ألف شيءٍ تؤمن به ولم تره ولم تلمسه ولم تسمعه، ولكنك تؤمن به لوجود آثاره، والعلم الذي صار علمًا فيك، أين وضعتَه؟ أرنا علمك.. إنّ علمك يظهر بنطقك وعملك وسلوكك، لكن هل العلم يُرى؟
آيات الله تعالى في خلقه
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:6]، كل ما فوق رأسك هو سماء.. وكذلك الأوزون ليس فيه أيّ خلل، وقالوا: لو كان في عالَم الفضاء في الأثير أيّ خلل، فإنّ أقلّ خلل فيه يمنع وصول أنوار الكواكب والشموس إلى أرضنا، وحينها لا يصل إلينا النور ولا نرى الشمس وهي مضيئة، ولا الكواكب وهي منيرة.
ومن السماء أيضًا الأوزون، وهو يرتفع عن الأرض مقدار ثلاثين أو أربعين كيلومترًا وسماكته خمسة أو ستة سنتيمترات، [هذه السماكة كان العلماء يقولونها زمن هذا الدرس، وهو عام 1991م، أما في زماننا في عام 2026م فصاروا يقولون: إن متوسط سماكته ثلاثة مليمترات]، وهو كدرع محيط بالكرة الأرضية، وأشعة الشمس تحمل أشعة اسمها الأشعة فوق البنفسجية، وهذه لو وصلت بكاملها إلى الأرض لقتلت الحياة والأحياء، وعندما تصل الأشعة إلى طبقة الأوزون فإن الأوزون يصفِّي هذه الأشعة ولا يمرِّر منها إلا مقدار ما تصلح به الحياة في الأرض، والباقي يردُّه ولا يمكِّنه من النفوذ إلى الأرض، والآن صار هناك خرق في الأوزون، وهو باعتباره فوقنا فهو سماء، والخرق في القطب المتجمد الجنوبي، وفي القطب المتجمد الشمالي كما في بعض الكُتب، والعلماء “قامت قيامتهم” [خافوا من ذلك كثيراً واهتموا به]، وقالوا: ستحصل أمراض كثيرة وغير ذلك، وهذا قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:1]، وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:11]، الكشط أكثر من الشقِّ وأكثر من الثقب، فالمسألة خطيرة.
فمن خلق طبقة الأوزون؟ ومن خلق الأثير؟ والذي خلق هذا الخَلْق العظيم والنجوم والشموس ألا يستطيع أن يعيدك كما كنتَ مرة أخرى؟ دود الربيع الذي له وَبَر ألا يموت؟ وفي الربيع التالي عندما ينزل المطر ويخرج الربيع ألا يُبعَث ويقوم مرة أخرى؟ والأرض تكون ميتة، وعندما ينزل عليها المطر ألا تحيى وتنتعش وتعود للحياة مرة أخرى؟ والليل يذهب فهل يعود أم لا يعود؟ وشبابك ألم يذهب؟ وسواد شعرك ألا يذهب؟
وفي الحياة الأخرى تأتيك حياةٌ أعظم من هذه الحياة وبما لا يتناسب مع حياتنا، ((لا عَينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ)) ، وهذه للذي يسلك الطريق إلى هذه الحياة، أما الذي يسلك الطريق إلى حياة الشقاء: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:29]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:37].
فلو كنتَ مدعوًّا إلى وليمة ويوجد فَرِيْكَة” ويوجد رز، هل تأكل جبرًا أم اختيارًا؟ [فَرِيْكَة: قمح مُقَطَّع مُحَمَّص، يُطبَخ ويُؤكَل مثل الرُّز، ويُعدّ من طعام الأغنياء]، وإذا كان يوجد جَزَر ويوجد “كنافة بالجُبْن” أيهما تأكل؟ [كنافَة بالجُبْن: حلوى سورية]، منهم من يُؤْثِر الجزر لأنّه يناسب صحته، وهل هذا باختيارك أم جبراً؟ أيضًا أعمالك باختيارك: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:29].
صُوَر من الإعجاز الرباني
قال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [ق:7]، وسَّعناها وجعلناها صالحةً للحياة بالرغم من أنها كروية، لكنها منبسطة بالنسبة لصغر أحجامنا، كالنملة عندما تصعد إلى القبة الكبيرة هل تراها كروية؟ لا تراها كروية، وعندما تصعد الجبل الكبير العالي إذا كان منبسطًا، فهل ترى الصعود كثيرًا؟ وإذا كان الطريق مُذَلَّلًا لا تشعر بالصعود إلا بالتدرج، فكيف عظمة حجم الأرض؟
قال: ﴿مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق:7]، تحت القشرة الأرضية يوجد طبقة تموُّجية لزجة، ولولا الجبال لكانت الطبقة الترابية والصخرية تتموج ولا يستقر البناء ولا تستقر الحياة، فجعل الله عزَّ وجلَّ الجبال تنزل إلى الطبقة التي تحت القشرة الأرضية؛ إلى الأعماق، وجعل جذورها في الأسفل أكثر من بروزها من فوق، بنسبة كم؟ لقد ذهبت النسبة من ذهني.. فهل أحدٌ يتذكرها؟ [يُجِيب الشيخَ أحدُ الحضور، فيقول بناءً على جوابه:] أساس الجبال في باطن الأرض ثلاثة أضعاف ارتفاعها في الهواء، لأجل أن لا تميد ولا تضطرب بكم.
الله تعالى صنع هذه المراسي، وجعل الجبال للأرض مثل المراسي للمراكب، وهل كانت الأرض لتصلح لولا هذه المراسي؟ وهذا الذي عمل ذلك ألا يستطيع أن يخلقك يا صعلوك يا جرذ يا حردون أنت الذي تنكر الله والآخرة والجنة والنار؟ إنّ الحكومة إذا أهملَتِ المجرم ولم تعاقبه، ولم تعط الموظفَ المعاشَ آخر الشهر، ماذا يقولون عنها؟ وإذا تركت السارق يسرق، والقاتل يقتل، والمجرم يجرم، والمحسن لا يُؤجَر ولا يُثاب، ماذا يقولون عنها؟
والله تعالى إذا لم يحسن للمحسن، ولم يعاقب المسيء، هل يكون هذا عدلاً؟ ولقد جعل مكافأة السيئة بسيئة، والحسنة أقلها بعشرة، وإلى مئة وإلى آلاف وإلى “بغير حساب”، وذلك على حسب إخلاصك وصدقك مع الله عزَّ وجلَّ.
تنوع نعم الله تعالى
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:7]، أخرجنا لكم من النبات والثمار الكثير من الأنواع والألوان، ومن كلِّ نوع شيئًا جميلًا وجيدًا، فأنواع التفاح تختلف لونًا ورائحة وشكلًا وهندسة، وكذلك المُشْمُش.. واللهِ “كثيرٌ علينا المشمش الكلابي”، [المُشْمُش الكلابي: نوع عادي من المشمش، وليس النوع الغالي، وقوله: “كثير علينا المشمش الكلابي” عبارة في اللهجة العامية بمعنى: نحن لا نستحق حتى هذا النوع، فكيف وقد أعطانا أنواعاً كثيرة منه!]، ولكنّه خلق خمسين نوعًا، ويكفينا التفاح الحامض الكلابي، ولكنّه خلق خمسين نوعًا، والعنب: واللهِ نحن لا نستحق الحُصْرُم، ولكنّه خلق خمس مئة نوع، وهذه النِّعم يا بُنيّ لا تُعدّ ولا تحصى، وتركيب الهواء بالغازات، فالأوكسجين والهيدروجين والآزوت كل منها بنسبة محددة، وهل حصل هذا كلّه بنفسه؟ هذا فكرًا، لكن يجب أن ننتقل من الفكر إلى الذكر، ومن الذكر مع التقوى حتى نصل إلى اليقين، فعندئذ [نصير مؤمنين ولا نقع في المعاصي]، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وَهو مُؤمنٌ)) .
قال: لماذا نقصُّ عليكم هذ الكلام؟ قال: ﴿تَبْصِرَةً﴾ [ق:8] حتى تُبصروا وتَرَوا الحقيقة، وتعرفوا الله حق معرفته، فتتقبلوا شرعه، وتنفِّذوا قوانينه لتسعدوا وتنعموا وتنجحوا وتُنصَروا وتكونوا سعداء.. ولو أصبحنا كالأنبياء في العبادة فالله عزَّ وجلَّ لا ينتفع منها، ولو كنا كإبليس هل نضرُّ الله تعالى؟ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:7].
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لو أنَّ أهلَ الأرضِ كانوا على أَتقَى قَلبِ رَجلٍ واحدٍ منكم ما زادَ في مُلكِ اللهِ شيئًا، ولو أنَّ أَهلَ الأرضَ جِنَّهُم وإنسَهُم كانوا على أفجَر قَلبِ رَجلٍ واحدٍ ما ضَرَّ ولا نَقصَ مِن مُلكِ اللهِ شيئًا)) والله تعالى يقول: ((إنَّما هي أَعمالُكم أُحصِيها عَلَيكُم، ثُمَّ أُوفيكُم إيَّاها)) ، إن تزرع قمحًا لا تحصد الشعير، وإن تزرع زنبقًا لا ينبت بصلًا للطبخ.. نسأل الله أن يوفِّقنا.
والله تعالى يُعرِّفنا بكلّ هذه الآيات على عظيم قدرته، وأنّ هذا الذي له هذه القدرة العظيمة ألا يستطيع بعد موتك أن يُرجِعك مرة ثانية؟ والقرآن كله دلائل عقلانية وإقناعية وبرهانية، ليس “أغمِض عينيك وآمِن”، بل آمِِن وأنت فاتح عينيك.
طرفة السارق مع القرد
مثل قصة القرد، قيل: في اليمن عندهم قرود كثيرة، ويقولون: إنهم يُدرِّبون القرود لتحرس الدكاكين، فأتى سارقٌ وكان صاحب الدكان قد ذهب، فأراد اللص أن يدخل، ولكن القرد لا يدعه، فماذا فعل؟ صار يُمَثِّل بجسده أنّه نعسان، وأغمض عينيه، والقرد يراقبه، وصارت بينهما رابطة.. وبالرابطة مع التوجه تسري إليك أخلاق مَن ترتبط به، فحين تمشي مع الذي يدخن تدخن، ومع الحشاش تُحَشِّش، ومع الذاكر تذكر، ومع المحب تحب، ومع المبغِض تبغض، وهذا لا جدال فيه.
كان القرد في الدكان يحرسها، وكان اللّص في الخارج يتناوَم، حتى نام القرد، فدخل إلى الدكان وأخذ “الغَلَّة”، [الغَلَّة: المال الذي في الصندوق].. ولمّا أتى صاحب الدكان وجد الغَلَّة مسروقة، فأخذ العصى وضرب القرد ضربًا لا يُنسى.. وبعد خمسة أشهر قال اللص في نفسه: لا بد أنّ القرد قد نسيني.. فأتى إليه وصار يتظاهر بالنوم أمامه ويغمض عينيه، لكنّ القرد صار يفتح عينيه بأصابعه، [الشيخ يضحك ويضحك معه الحضور]، وكأنّه يقول له: ولو أنّ عينيَّ ستنامان، فإنني أفتحهما بيدَيّ، وأبقى مُحَدِّقاً.. يجب أن نفتح أعيننا ونحدِّق.. فإذا كان القرد فَهِم بعقوبة واحدة فكيف بنا نحن! نسأل الله أن لا يجعل فهمنا أقلَّ من فهم القرد، وأن يجعل فهمنا فهم الموفَّقين، ويجعل قَبولنا سريعًا كقبول البنزين للاشتعال.
يكيفكم إلى هنا.
كلمات بعد وفاة عبد الرحمن الطباع رحمه الله تعالى
وبالمناسبة زارني أخو عبد الرحمن الطباع رحمه الله وغفر الله له.. كان الصديق الوفي والصديق الحبيب الكريم، وذكر لي أخوه وابنه الدكتور، [سماحة الشيخ يسأل أخاه:] هل الدكتور معك؟ لم يأتِ، رضي الله عنه وعنهم كلهم.. وهو في الاحتضار كان يقول لهم: كونوا طوال حياتكم أوفياء مع الشيخ.. وقد خدمتُه مرة خدمة ليس لها قيمة وتافهة كل التفاهة، ولكن ما شاء الله! إنّ محبّة كل واحد من أولاده لا تقل عن محبة أحبِّ واحد منكم من أبناء الجامع، مع عظيم شأنهم ورفعة مقامهم في الوظائف أو في أمور الحياة.
وذكر لي أخوه أبو إياد أنه عندما كان وزيرًا كانت تُقام مائدة عند رئيس الجمهورية، وكان فخري الحسني ابن الشيخ بدر الدين يعمل مديراً تابعاً للوزير، وفي البروتوكول كان يتفاجأ فخري أنهم يضعونه فوق الوزير، أي أقرب للرئيس من الوزير ومن معاون الوزير، فكان فخري الحسني ينزعج كثيراً ويشعر بالإحراج، ولكن هكذا مكتوب ولا يمكن له أن يُخالِف، وفي السنة الثانية والثالثة حدث الأمر نفسه، ثم لم يحتمل، فذهب وسأل في “القصر” [قصر الرئاسة]: لماذا تفعلون هذا؟ تضعون الوزير ومعاون الوزير تحت وأنا فوق، وأنا موظف عنده؟ فقالوا له: كان عبد الرحمن الطباع يأتي قبل حضور المشايخ والعلماء والمدعوين ويقول لهم: ضعوا ابن الشيخ بدر الدين أعلى مني، واجعلوا كرسيه أقرب إلى كرسي السيد الرئيس.
فقلت: سبحان الله! تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فالمعدن الجوهر يبقى جوهرًا ولا يتغيَّر ولو مضى عليه ألف سنة، وإذا كان تَنَكًا مَطْلِيًّا، [التَّنَك: مادة مُصنَّعة غالبًا من الحديد ومطلية بالقصدير أو الزنك وأحياناً باللون الذهبي]، ففي الأيام الأولى يبقى لونه كما هو، فيقولون عنه: ذهب، وبعد أسبوعين أو ثلاثة، وبعد قليل من المطر والغبار تجده بهت لونه ثم صار منقَّطًا وأصابه الصدأ، وبعدها يُثقَب.
فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا مكارم الأخلاق، وأن يعيذنا من مساوئها، ويرزقنا الوفاء، ولا يجعلنا من أهل الجفاء، ويجعلنا من الشاكرين، ولا يجعلنا من الجاحدين الكافرين للمحسن.
تعرفون قصة الإمام الشافعي مع ابن الأعرابي الذي قام له في درسه فسألوه، قال: لأنه علمني مسألةً، وهي: متى يبلغ الكلب.. أين تربيتهم وأين تربيتنا؟! أين علومهم وأين علومنا؟! وكيف كان الله يعاملهم وكيف يعاملنا الله؟ هل تزرع الشوك وتحصد العنب وتزرع العنب وتحصد الشوك؟ نسأل الله أن يوفِّقنا أن نحسن البذار حتى نحسن الحصاد.. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا والمسلمين أجمعين.