مدرسة سورة ﴿ق﴾
نحن الآن في تفسير سورة ﴿ق﴾، وهذه السورة كلُّها في القيامة، ولعلَّهَا بُدِئت بـ﴿ق﴾ إشارةً لمحتواها ومضمونها، لذلك إذا ذَكَرْتَ ﴿ق﴾ تتذكَّر الحياة الخالدة، وتتذكَّر أن الناس هناك ليسوا مئة شعب أو مئتين أو ثلاث مئة شعب، بل هناك الناسُ فريقان ونوعان وصنفان، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:7]، إما سعادةُ الأبد وخلودٌ بلا نهاية، وإما شِقوة الأبد وشقاءٌ دون نهاية.
هذه المدرسة -مدرسة ﴿ق﴾ والقيامة- ماذا خرَّجت من الأبطال؟ الأبطال العالميين، لا أبطال كرة السلة أو كرة القدم والانتصارات بالكرات، بل أنجبت وأنتجت مَن قضى على الاستعمار العالمي الشرقي في أربعة أيام، وعلى الاستعمار الصليبي الغربي في اليرموك في معركة ستة أيام، لأنهم تخرََّجوا في مدرسة ﴿ق﴾، وحملوا شهادة سورة ﴿ق﴾ لا بألسنتهم، ولا بأنغام تلاوتهم، ولكن بـ﴿ق﴾ التي عُجِنت ومُزِجت بأفكارهم وعقولهم وقلوبهم وحياتهم وأعمالهم وسلوكهم.
أثر القرآن في الصحابة رضي الله عنهم
سورة ﴿ق﴾ وحدها تكفي، بل أقلُّ من ذلك، فلما أتى أعرابيٌّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: عِظني وأوجز، أي لا تُطِلْ عليَّ، أريد شيئًا مختصرًا مفيدًا.. انظروا إلى حِلم النبي ﷺ وسعة صدره ومُمَاشَاتِه للبدويِّ على عقله، فاستجاب له كما طلب، وتلا عليه: ((﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8])) ، في الماضي قالوا: إن الذرة لا تُقسَّم ولا تجزََّأ، أما القرآن فقد أثبت فَلْق الذرة، وقال: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ أي لو عملتَ خيرًا لا بقدر الذرة، بل بقدر واحدٍ من سبعين من الذرة سترى ثوابه وثماره والمكافأة عليه، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8]، إذا فكَّرتَ بالشرِّ أو نويتَ بقلبك الشرّ، أو نطقتَ بلسانك بالشرِّ، أو سمعتَ بأذنك الشرّ، أو مشيتَ بقدمك إلى الشرِّ، فكلّ ذلك عمل.
هذه السورة هي التي خرَّجت أبا بكرٍ رضي الله عنه، ولما بويع بالخلافة ذهب إلى دكانه ليبيع ويشتري فهو صاحب دكان، لا يحمل شهادة أكسفورد ولا الجامعة الأمريكية ولا السوربون.. فقالوا له: ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال لهم: مِن أين سأُطعم عائلتي إذا عملتُ لكم؟ فقالوا له: نكفيك عيالك، فحدَّدوا له راتبًا أربعة دراهم كل يوم، يعني بمقدار القوت الضروري، يعني أجرة “فَاعِل”. [الفاعِل: باللهجة السورية هو العامل العادي الذي يعمل أجيراً بنقل الأتربة والرمل وما شابه].
وسيدنا عمر رضي الله عنه لَمَّا حضره الموت قال: انظروا ما أخذتُ من رواتب من بيت المال فاقطعوه من تركتي -من ماله الخاص- وردُّوه إلى بيت المال، فإن نقص فخذوه من عشيرة بني عدي.
أخبروني: أيُّ رئيس جمهورية من اليابان إلى أمريكا إلى السويد والنرويج وجامعاتهم كرَّست ملوكًا أو رؤساء بهذا العطف على شعوبهم وأقوامهم؟
هم ما أرادوا رئاسةً، فسيدنا خالد رضي الله عنه لَمَّا عُزِل لم يهتم لذلك، وسواء عنده أكان قائداً عامًّا أم جنديًّا عاديًّا، مِن أين هذه الثقافة العملية والأخلاقية والسلوكية لا الثقافة القرائية والتلاوية، ولا الأنغام والموسيقى والتجويد، بل الفهم بالقلب الطاهر الذاكر الخاشع المنيب المملوء من خشية الله؟
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:8]، ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:79]، يدك حين تكون على غير وضوء لا يكون فيها نجس ولا وسخ، ولكن مع ذلك يجب أن تكون على وضوء، فكيف إذا كان قلبك وروحك ومشاعرك مليئة بفطائس الدنيا! كيف يسري روح القرآن ومعانيه إلى قلبك وكلّه نجاسات؟!
أهمية الشيخ المربي لفهم القرآن
حين أتى شيخنا رضي الله عنه إلى شيخ التربية وتزكية النفس بعد أَخْذ العهد والطريق سأله عن أعماله، فقال له: عندي طلبة علم وأنا حافظ للقرآن وكل يوم أقرأ خمسة أو ستة أجزاء، فقال له: اترك كل شيء واشتغل بذكر الله ليل نهار، قال لي: كنَّا نضع الملح على أعيننا في الليل حتى لا ننام عن ذكر الله، وفي أربعين يومًا أخذ درجة: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:8]، وفاز بمقام العبودية بأعماله الظاهرة والباطنة وبأخلاقه، قال لي: ثم رجعتُ إلى القرآن.. بعد أنْ صار له قلبٌ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:37]، وهذه تحتاج إلى قيامة وقلب، فالقيامة وحدها إيمان بالغيب، أما بالقلب فيصير الإيمان يقيناً.
فعندما تحصل على ﴿ق﴾ القلب و﴿ق﴾ القيامة يصير القرآن غذاءًا ينمِّي فيك معاني القرآن، فتتحوَّل من ألفاظٍ إلى قوة وإرادة، وعندئذ يتحوّل فيك القرآن من ألفاظ إلى أعمال، سواء أعمال الجسد، أو أعمال الفكر بالحكمة، أو أعمال القلب بخوف الله وخشية الله ومحبة الله والإنابة إلى الله، وعند ذلك تصبح إنسان القرآن، وعند ذلك تصير رحمةً للعالمين نيابةً عن رسول الله ﷺ، وعند ذلك تستطيع أن تقوم بمعركة تقضي على استعمار الشرق والغرب.
دروس من جهاد النبي ﷺ
وهذا العصر ما عاد يحتاج إلى القتال، والصحابة رضي الله عنهم ما قاتلوا ليتعدَّوا على شعوب العالَم وأوطانهم وليمتصُّوا خيراتها وينهبوا أموالها.. “في سبيل الله” يعني في سبيل نشر العلمِ؛ علومِ القرآن، ونشر الحكمة، ولينقلوا الناس من الخرافات إلى الحقائق والواقع، ونشر التزكية ليحوِّلوهم من الإنسان الحيوان الذي لا يعرف إلا بطنه وشهواته، ومن الإنسان الوحش وإنسان العدوان والبغي، ومن الإنسان الشيطان الذي لا يعرف إلا الفساد والتخريب إلى الإنسان الملَك، إلى الإنسان الإنسان، وإلى الإنسان الحكيم.
النبي ﷺ فتح مكة وهدم الشرك بكلمتين، ولقد أخذ الجيشَ، ولكنه ما استعمل السلاح، وعندما أقام المعاهدة وقالوا له: امحُ “رسول الله” نحن لا نؤمن بك.. وكان قد كتب: هذا ما عاهد عليه رسول الله.. فقال لهم: ((امحوها)).. وهذه هي الحكمة، وقالوا: “بسم الله الرحمن الرحيم” لا نعرفها، اكتب “باسمك اللهم” فقال لهم: ((امحوها)) .
أهمية القلب للتعامل مع القرآن واهتمام التصوف به
علينا أن نقرأ سيرة النبي ﷺ، ونفهم روحها، ونقرأ القرآن، وإذا لم يكن لك القلب فلو قرأتَ القرآن مليار مرة لا تستفيد منه شيئًا، فإذا كان الإنسان ميتًا وأطعمتموه أطيب اللحوم وألذََّ الحلويات، وأطعمتموه عشرين سنة من الفم والطعام يخرج بالآلات من المَخرَج، هل يفيده الغذاء؟ ولو جئتم له بأجمل ملكات الجمال وزوَّجتموه أربع حرائر وما شئتم من ملك اليمين هل يأتيه ولدٌ؟! لماذا؟ لأنه ميِّت، وكذلك القلب الميت مهما قرأ القرآن لا يفقهه: ((وَلَفَقِيهٌ واحِدٌ أَشَدُّ على الشَّيطانِ مِن أَلفِ عابِدٍ)) ، قد يعبد بجسده أما بقلبه فهو مَيِّت أو قاسٍ، وعقله وفهمه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:82]، عقله ليس مع القرآن ولا مع الله ولا مع كلام الله ولا يفهم شيئًا، فهو يقرؤه ويعيد ولا يزال على ما هو عليه.
لذلك قال شيخ التربية لشيخنا: قف ولا تشتغل إلا بتنفيذ أمر القرآن حين قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل:8]، ما اسم ربكم؟ “الله”، كم مرة ورد في القرآن: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟ [وردت مرتين، مرة في المزمل، الآية: 8، ومرة في الإنسان، الآية: 25]، وفي آيات أخرى قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، [قوله تعالى: ﴿واذكر ربَّك﴾ ورد ثلاث مرات، في آل عمران، الآية: 41، وفي الأعراف، الآية: 205، وفي الكهف، الآية: 24]، إذن يجب عليك أن تذكر الاسم مع حضور القلب مع المسمَّى، وأين مكان [أو محلّ] الذكر عندما تذكر الاسم؟ قال: أول شيء في الذكر: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف:205]، والنفس هي القلب وهي العقل وهي الفكر وهي الإحساس، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:22]، الذي لا يلين لذكر الله.
وهذا يسمُّونه طريقاً، لا تسمِّه طريقًا، بل سمِّه قرآناً، لأن الناس يرون بعض الجهلة المنتسبين للطرق يسمون البدع والجهالات طريقًا [فيكرهون الطريق من جهالاتهم]، أما المؤمن فهو من الذين يستمعون القرآن فيتبعون أحسنه.. ارفعوا اسم طريق ونقشبندي وقادري وارجعوا إلى القرآن، أين التزكية [اليوم عند المسلمين]؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:9]، ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:2]، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28].
أين القلوب؟ وما القلب؟ قد يكون أخذ الدكتوراه ولا يعرف ما القلب؟ يعرف قلب الثور الذي يضخُّ الدم إلى الجسد وقلب الكلب، أما قلبُ المؤمن والقلبُ القرآني فلا يعرفه، بل يعرف القلب الحيواني، إنّ القلب القرآني هو موضع الإيمان اليقيني، ولكن المسلم اليوم يقرأ ولا يفهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78].
هذه مقدمات وسيفوتكم الدرس.
لمحة عن عالَم البرزخ
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، أُقسِم بالقرآن المجيد أنّ القيامة حقٌّ، وستعودون بعد الموت إلى حياةٍ خالدة.. وبعد الموت ينتقل الإنسان إلى عالَم الروح وهو ما يسمى بعالَم البرزخ، ولَمَّا تنتقل من جسدك الذي هو قفصٌ للروح تطير الروح إلى عالَم الأرواح، وهو حياةٌ برزخٌ بين حياة الجسد وحياة الدار الآخرة، وأنت عندما تكون في عالَم البرزخ -الذي هو الفاصل بين الحياتين- ترى حياتك الدنيا كأنها منامٌ، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)﴾ صارت منامًا، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:112-113]، وحين يصير الحشر يوم القيامة ترى حياتك في البرزخ منامًا.
القيامة والحساب حق
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:1]، قسمٌ.. فما جواب القسم؟ إذا قال لك شخص: واللهِ، تقول له: تكلم ماذا تريد؟ وهنا المعنى: أُقسم بالقرآن المجيد بأنكم ستعودون إلى الحياة مرة أخرى، وسيُعيد الله لكم أجسادكم، لكن بغير هذه النشأة الترابية، وهذه النشأة من التراب والطين والقمح والرُّزّ والحليب وغيره، أما هناك فإما من نارٍ وإما من نور ونشأةٌ لا نعلمها، والمرأة من أهل الجنة لو لبست سبعين ثوبًا لا يحجب نخاع ساق رجلها عن الرؤية، وهذا بعد سبعين حلة وثوبًا.. اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.
أقسم بالقرآن المجيد بأن القيامة حقٌّ وأن الجنة حقٌّ وأن محكمة الله حقٌّ، وهناك لا يوجد أوسمة ولا لواء ولا جنرال ولا “مارِشال” ولا مَلِك ولا “بوش” ولا غير ذلك، [مارِشال: مأخوذة من اللغة الفرنسية، وهي رتبة عسكرية عالية جداً، وتقابل المشير في البلاد العربية.. وبوش: رئيس أمريكا في زمن هذا الدرس]، هناك: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)﴾، يَهوي في جهنم على أُمّ رأسه، فيكون رأسه إلى تحت ورجلاه إلى فوق، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:6-11]، هذا كلام الله وليس كلام جرائد، ولا كلام لغو وسهرات، بل كلام خالق الكون!
عَجَبُ المشركين من نبوة النبي ﷺ
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:2]، لقد أنذرهم النبي ﷺ بيوم القيامة، وأنذرهم أيضاً بعذاب الله في الدنيا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ في الدنيا ﴿دُونَ﴾ وقبل ﴿الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:21]، وإذا لم يرجعوا ينزل العذاب الأكبر.
﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)﴾، ما الذي يتعجَّبون منه؟ قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق:2-3] هل نعود للحياة؟ الله عزَّ وجلَّ يحلف لهم فلا يصدقون الله، وقد خلقهم من دودة وبويضة لا تراها العيون، فمن حوَّلك من بويضة إلى علقة وإلى مضغة وإلى عظام؟ وكل مرحلة منها قيامة، وكل مرحلةٍ تَغيُّرٌ من خَلقٍ إلى خَلق جديد، وانتقلتَ مِن خَلقٍ انتهى إلى خَلقٍ آخر: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:14]، “السَّفَرْجَلَة” [الواحدة من ثمر السَّفَرْجَل] كم قيامة تقوم؟ حين تكون زهرة تقوم قيامتها فتفنى وتتحول إلى حبة صغيرة، ثم تقوم قيامتها فيصير وزنها نصف كيلو، وتكون حامضة فتقوم قيامتها فتصبح حلوةً، والأرض إذا لم يكن فيها مطر فهي صحراء ميتة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ كانت ميِّتة، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:5]، وأنت إذا صارت أرض حياتك ترابًا وانقطع ماء الحياة عنها، أليس الله عزَّ وجلَّ بقادر على أن ينزل عليها ماء الحياة فيعيد إليك حياتك لنشأة أخرى؟
الدليل على إعادة الخلق بعد الموت
الله تعالى أجابهم فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:4]، الله عليمٌ بما يقول، وهذا ليس كلام جهل، بل كلام مَن: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، كل شيء غائب عنا هو يعلمه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾، كم يوجد من الذُّرة والقمح والشعير والرُّزّ؟ كم حبة؟ ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59]، يعني إلا في عِلْمنا وتحت نظرنا ومعرفتنا، وأنت ماذا تمثِّل؟ ومن رحمة الله تعالى أنّه ينقلك من مرحلة إلى أخرى.
لقد صعدوا إلى القمر فماذا استفادوا؟ لا هواء هناك ودرجة الحرارة في النهار مئة مثل النار ومن غير أوكسجين، والآن يريدون أن يصعدوا إلى المريخ، ويحتاجون إلى تسعة أشهر حتى يصلوا وتسعة أشهر للعودة، ولا نعلم إن كانوا يرجعون أم لا.
والله تعالى يقول لك: أنت بهذا الجسم لا تستطيع أن تصعد في عالَم السماوات، وأنا أجرِّدك من الجسم وأجعلك روحًا، وإذا كان النور يمشي بسرعة ثلاث مئة ألف كيلو متر في الثانية، فإنّ سرعة الروح بسرعة الفكر، فحين تفكر بنيويورك أو بالسماء أو العرش بمجرد الفكر تصل الروح وتصير الفاعلية بقوة الفكر، والذي تفكر به في الحال يكون موجودًا ومشاهدًا.
يا مجنون! آمِن وامشِ على الطريق الصحيح، [يخاطب سماحةُ الشيخ متعجباً الإنسانَ الغافل عن المراحل التي يخلقه الله بها وعن مستقبله الأبدي بقوله: يا مجنون].. وقبل كل شيء، لَمَّا آمن الصحابة بالآخرة وبالقيامة هل خسروا أم ربحوا؟ هل عُزُّوا أم ذُلُّوا؟ هل انتصروا أم انهزموا؟ هل صاروا خمس مئة عرب أم عربًا واحدًا؟ مع العجم صاروا أمة واحدة، مع الألمان أمة واحدة، ومع الهند أمة وحدة، ومع شمال أفريقيا أمة واحدة، فذهبت أسماء القبائل والألوان والقوميات.. والشيوعية، ما الشيوعية؟ نصف العالَم آمنوا بها، وبعد سبعين سنة ظهرت أنها فارغة وليس فيها إلا الجوع والقمل.
أما الاسلام فلَمَّا أتى بمبدأ السماءِ وخالقِ الكون هل فشل المسلمون بعد سبعين سنة؟ لقد وحَّدوا نصف العالَم القديم بنصف قرن، وهذه كلمة نابليون، والآن نحن بكل الألفاظ القومية والوطنية والشعبية وغير ذلك ما فعلنا شيئًا، وبعد استقلال العرب والعالَم الإسلامي ما فعلنا شيئًا لماذا؟ لأننا جعلنا القرآن مهجورًا، هجرنا علومه وهجرنا فهمه وهجرنا العمل به وفقدنا معلِّمه، لأن القرآن يُهضَم بالقلب النوراني الروحاني، ونحن ليس لنا قلب، وقلب الدم الذي عندنا مثل قلب الكلاب وقلب الجرذان، أما القلب القرآني فهو الذي يهضم معاني القرآن فيحوِّلها إلى نورٍ وإلى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:22]، تُبصِر بها عالَم الغيب وعالَم الملائكة والآخرة وعالَم الجنة وعالَم النار وعالَم الأرواح، فتصير تعبد الله على يقينٍ.
برنامج القرآن في صناعة الإنسان
والقرآن برنامجه أن نوحِّد العالَم في أمة واحدة ودولة واحدة، ليس فيها سجون ولا شرطة ولا قضاة ولا ظالم ولا مظلوم، والحروب تكون بين ظالمٍ ومظلوم وقويٍّ طامعٍ في ضعيف، فلا طامع مهما كان قويًّا ولا مطموع فيه.
سيدنا عمر رضي الله عنه مع قوَّته هل استطاع أن يظلم عبدًا؟ وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه تبرَّع بكلّ حقه الشرعي من ميراثه، والذي كان أربعة دراهم، [حيث فرض المسلمون له راتباً عند خلافته أربعة دراهم، وعندما حضرته الوفاة أمر بردّ كل ما أخذه إلى بيت المال]، ولما توفي قال له سيدنا عمر رضي الله عنه حين صار خليفةً: يا أبا بكر لقد أتعبتَ من بَعدك.. إذا أردنا أن نمشي على طريقتك فإنّها طريقة صعبة.. ولكنّ عمر رضي الله عنه مشى عليها وما توهَّم وما صعبت عليه طريقة أبي بكر رضي الله عنه، لأنّ نفسَه كانت عظيمة، والنفوس العظيمة تستصغر عظائم الأمور، والنفوس الصغيرة الحقيرة الدنيئة تميل للدناءة والحقارة وتستعظم صغائر الأمور.. من السَّهل أنْ تسهر وتشتغل باللغو والغيبة والنميمة وما لا يعنيك، أما أن تتكلم بالعلم والدعوة إلى الله وبمساعدة الفقراء وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا، لأن نفسك حقيرة وهذه أمور كبيرة، ولا يتناسب الحقير مع العظيم.
حِفْظ الله تعالى لأعمال العباد
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، من يموت ومن يحيا، وهناك أجسامٌ تفنى، وحين تفنى ينقص شيء ويزيد شيء، وهذا كلُّه بعلمه وقدرته وفعله، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:4]، هذا تعبير، وكتاب الله عزَّ وجلَّ ليس مثل كتبنا بمطبعة وورق وحبر، “كتاب الله تعالى” يعني أنَّنا نحفظ كل شيء بأبلغ ممَّا يَحفَظ الكتابُ المكتوبَ فيه، والله عزَّ وجلَّ يخاطبنا على حسب لغتنا وعلى حسب عقولنا.. يعني: إنّ كلّ ما تعملونه محفوظٌ عندنا مشاهَدٌ لنا وستحاسبون عليه.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾، بالحقيقة، فهو ليس وهمًا ولا خرافة، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:5]، كل مرة يتكلمون عن المنذِر بشيء مختلف عن المرة السابقة، ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ [ق:2]، مرة يقولون: شاعر، ومرة يقولون: كاهن، ومرة يقولون: كذاب، ومرة يقولون: مجنون، وهذا معناه أنهم لم يفهموا الحقيقة، فالذي يفهم الحقيقة يقول عن الشاي: شاي، هل يقول أول يوم: عرقسوس، وفي اليوم الثاني: بنزين، وفي اليوم الثالث: زيت معدني؟ متى ما عرف الحقيقة فالحقيقة لا تتغيَّر.
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:5]، أي إنّ الأمور مختلطة عليهم ويشتغلون بالأوهام والجهل، والافتراء من الجهل.. ومع الهوى وحظوظ النفس رأوا أنهم إن دخلوا بالإيمان سيتَّبعون النبي ﷺ، وهو رئيس، وأنّى له أن يتنازل عن الرئاسة! لذلك فإنّ الإيمان يجعل المؤمن من غير هوى ولا أنا ولا حبّ للرئاسة ولا أيّ حظٍّ من حظوظ النفس أو حظوظ الدنيا، فلا يكون في قلبه إلا “إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي”.
وجوب الإخلاص لله في كل الأعمال
دعا سيدنا عيسى المسيح عليه السلام حوارييه وقال لهم: “ائتوني بطست وإبريق وماء ساخن”، فأحضروها، ثم قال لهم: “مُدُّوا أرجلكم لأغسلها لكم” -ما رأيكم إذا قلتُ لكم: تعالوا لأغسل أرجلكم؟ هل تقبلون؟- قالوا له: معاذ الله يا روح الله، قال لهم: “الذي لا يمد رجليه لأغسلها أنا بريء منه، وستعلمون السرَّ بعد ذلك”، فلما رأوا أنّه سيتبرأ منهم مَدُّوا أرجلهم، ولكن وهم ليسوا راضين من داخلهم، فغسل أرجلهم وأصابع أرجلهم وجففها، قالوا له: احكِ لنا ما السِّرّ؟ قال لهم: هكذا تواضعوا لبعضكم .
أما أن تقول: “أنا” و”هو”، فهذا غير مقبول، بل عليك أن تقول: “نحن”، وليس “نحن”، بل تقول: “الله” ورضاء الله.. فحتى لو وضعوك في أسفل الكنيف مع رضاء الله أفضل من أن يضعوك على عرش أكبر مَمْلَكة وأنت فاقدٌ لرضاه.
التواضع من صفات المؤمن
إنّ التواضع من الإيمان، والتواضع لا أن ترى نفسك عظيمًا وتتنازل، بل أن ترى نفسك بالأصل ليس لك قيمة، والنبي ﷺ يقول في هذا الباب: ((لو يُؤاخِذُني اللهُ وَعيسى ابنَ مريمَ بِما جَنَتْهُ هاتانِ لَعَذَّبَنا، ثُمَّ لم يَظلِمْنا شَيئًا)) ، مع أن الله عزَّ وجلَّ قال له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:2]، هذا هو التواضع! ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:88].
وحتى لغير المؤمنين، فمرة أتاه عدي بن حاتم وهو نصرانيٌّ فخلع ثوبه وأجلسه عليه، والنبي ﷺ جلس على التراب ، وكان إذا مشى يجعل أصحابه أمامه وهو يمشي خلفهم، وكان لا يحب أن يتميز بمكان خاصٍّ به، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، لكن لو جلس بالعتبة وأنتم جالسون فأين تكون ظهوركم؟
إذا لم يَكنْ صَدرُ المجالِسِ سَيِّدًا
فلا خَيرَ فِيمَن كَبَّرتْه المجالِسُ
النَّوَري [أيْ شخص ليس له قيمة] إذا وضعتَه في صدر المجلس هل يصير الصدر الأعظم؟ بل يبقى نَوَرِيًّا.
اهتمام الإسلام بالدليل العقلي
وبعد أن ذكر الله القيامة خاطبهم ليجعل إيمانهم عقلانيًّا، ليس فرضًا وبالوحي الإلهي فقط، بل مع الوحي ومعجزات النبي ﷺ قال: هاتوا عقولكم حتى تؤمنوا وحيًا وإيمانًا، وتؤمنوا عقلًا وقناعةً وفكرًا.. أنتم تستكثرون أنكم إذا صرتم ترابًا أن يعيد الله خلقكم، فانظروا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:6]، السماء: كل ما فوق رأسك سماء.
إنّ أعمالنا تدل على أننا غير مؤمنين، فالمؤمن لو عاش مليون سنة لا يستطيع أن يخالف الله لحظةً لا في أعضائه ولا في تفكيره ولا في قلبه، أرأيت لو أنّ شخصاً أعطاك مئة ألف ليرة كل يوم ألا تحبه؟ فكيف إذا كانت مئة ألف دولار، أو مئة ألف ليرة ذهبية؟ عيونك: لو لم يكن لك عيون بكم تشتريها؟ وإن لم يكن لك آذانٌ أو لسانٌ أو رِجلان بكم تشتريها؟
قبل أن تُصلِّي عليك أن تتوضأ، وإذا صلَّيتَ بلا وضوء فهل صليتَ؟ وهل تنفعك صلاتك؟ [سماحة الشيخ يقول لأحد الضيوف: “تَفَضَّل أستاذ”، إكراماً له ليكون في الصف الأول، ثم يتابع كلامه.. ولقد كان الصف الأول القريب من مجلس الشيخ مكاناً للضيوف ولأهل العلم]، كذلك القرآن، فقبل أن تقرأه عليك أن تطهِّر نفسك وروحك وقلبك من كل شيء في هذا الوجود حتى لا يكون لك تعلُّقٌ بقلبك لا حبًّا ولا خشيةً إلا بالله تعالى، وهذا معنى “لا إله إلا الله”، وهذا روح “لا إله إلا الله”، أما أن تقولها بلسانك فالله تعالى قال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:1]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وماذا قال الله؟ قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:8]، إنّ الإيمان الحقيقي الْمُنْجِي الْمُسْعِد في الدنيا والآخرة قبل كل شيء هو إيمان القلب.
الإسلام يبدأ بصناعة القلب
لذلك فإن النبي ﷺ حين نزلت عليه النبوة والرسالة أين؟ لقد بدأ بالقلب، وكان في غار حراء، وترك الخلق وهجر كل ما سوى الله تعالى، وتوجَّه بكلِّ طاقاته الروحية والفكرية إلى الله عزّ وجلّ حتى صفت مرآته، وهي عظيمة، فانعكس فيها علمُ الله وحكمتُه وروحُ قُدسِه، وتزكَّت روحه وصارت له قوة التزكية، وبقوة روحانيته كان إذا رآه شخص رؤيةً تَتَّصِل روح النبي ﷺ بروحه فيشتعل اشتعالاً وفي جلسة واحدة.
سيدنا عمر رضي الله عنه لَمَّا هزَّه النبي ﷺ هزَّة واحدة، وكان قد جاء ليقتل النبي ﷺ فقال له: ((أَمَا آنَ لَكَ أنْ تُسلِمَ يا ابنَ الخَطَّابِ)) ، قال: فأحسستُ كأني عصفور بين مخالب صقر.
وفي عشرة أيام هَزموا الاستعمارين العالميين؛ الروماني باليرموك في ستة أيام والفارسي في القادسية في أربعة أيام، بماذا؟ بالإيمان قبل القرآن، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون للتابعين: “نحن أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان” ، فكيف كان الصحابة يقرؤون القرآن؟ ألا تريد أن تقرأ وفق السُّنَّة؟ قال: كنا نقرأ القرآن عشر آيات عشر آيات، لا نقرأ العشر الثانية حتى نفهم العشر الأولى علمًا وعملًا وتطبيقًا وسلوكًا ثم دعوةً وتبليغًا، ثم يقرؤون العشر الأخرى .
هذه هي القراءة الصحيحة، أما القراءة غير الصحيحة فهي: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:21]، ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ هل قال: زادتْهُ طربًا بالصوت الجميل؟ بل قال: ﴿إِيمَانًا﴾ [التوبة:124]، فإذا لم تكن لك معدة ولا جهاز هضميٌّ وأكلتَ هل تستفيد شيئًا؟ وإذا لم يكن لك قلبٌ وقرأتَ القرآن الذي هو غذاء الروح، ومَعِدَتُه القلب والروح.. فلم يكن لك روح ولا قلب مطهَّران ومعقَّمان فكأنك ما قرأتَ.
من آيات الله تعالى في السماء
وبعد أن ذكر الله تعالى القيامة كوحيٍ سماوي، ما اكتفى بذلك، بل قال لهم: هاتوا عقولكم واعرضوا القرآن عليها ليكون إيمانكم ليس غيبيًّا، بل ليكون إيمانًا عقلانيًّا، فقال: انظروا إلى السماء، سواءٌ مطرها أو سحابها أو الأوزون أو نجومها أو مجرَّاتها.. وكانوا في القديم لا يعرفون المجرات والسُّدُم والكواكب وأحجامها وأبعادها وسرعة سيرها.
﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، كيف وضعنا مخطَّطها ونفَّذناه، فالأرض تمشي بسرعة مئة وثمانية آلاف كيلومتر، والمسافة بسرعة النور بينها وبين الشمس ثماني دقائق وثماني عشرة ثانية، وهناك كواكب لا يصل نورها إلى الأرض إلا بمليون ومليوني سنة بسرعة الضوء، وهناك كواكب نراها وتكون قد انفجرت وقامت قيامتها، ولكن الذي نراه هو النور الذي انفصل منها وهو باتجاه معين، ونظنه نجمًا أو كوكبًا، ويكون الكوكب قد اندثر وانفجر، والذي نراه هو النور الذي انفصل منه قبل انفجاره.. والمجرَّات صارت تُعَدُّ بآلاف الملايين، والمجرَّة فيها مليارات الكواكب والنجوم والشموس والأقمار، وكلها بنظام، فهل هذه صارت وحدها؟
وفي كُلِّ شَيءٍ لَه آيةٌ
تَدُلُّ عَلى أنَّه واحِدُ
دعوة القرآن للتفكُّر في خلق الله
﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، ادرسوا السماء.. هذه الآية نحن نقرؤها، والأجانب يطبِّقونها، فهم يدرسون السماء والكواكب، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:17]، ويدرسون الحيوان؛ حيوان البَرّ وحيوان البحر والجراثيم والفيروسات والمخلوقات، وهذا هو القرآن، والعلم هو جسرٌ وسُلَّم إلى معرفة الله، والسُّلَّم وسيلةٌ لقطف العنب، فهم يأخذون السُّلَّم ولكن لا يقطفون العنب، هم يَصِلُون إلى العلم لكن لا يأخذون ثمرته العالية، وهي معرفة هذا الخَلْق الذي ما عرفوا منه إلا أقل من رذاذ واحد من البحر المحيط.
لقد قال الله تعالى للناس: لا تقبلوا الوحي إيمانًا فقط، بل أدرِكوا بعقولكم، وانظروا إلى السماء، ولكن نظر بحث وتفكير ونظراً عقلانياً.. إنّ الله تعالى خلق هذا الكون العظيم بنظامه.. ومن نحن أمام هذا الخلق؟! عقلُنا لا يحمل ولا نستطيع أن نعدَّ النجوم.
وإذا لم يكن لكم قلبٌ فلن تستفيدوا من القرآن ولو قرأتموه على القراءات الأربعة عشر، لأنكم تقرؤونه على القراءة الخامسة عشرة، وهي: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:5].
هناك مَن يقرأ على القراءات الأربعة عشر أو العشرة أو على السبعة وأنتم على الخامسة عشر، فانتبهوا واحذروا، وإذا أردتم أن تقرؤوا القرآن بإحدى القراءات فإنكم تحتاجون إلى قلبٍ، والقلب يحتاج إلى خلوة مع الله.
نصرة الإسلام اليوم تنتظر الوارث المحمدي
ألم يَخْتَلِ النبي ﷺ؟ وخلوته ماذا كانت ثمارها؟ فلماذا لا يضعون هذا في المدارس الشرعية؟ ولذلك فإن جامعاتنا الدينية كلّها عقيمة ليس لها إنتاج، وإلا واللهِ لو يأتي العالِم الوارث المحمدي -وسجِّلوا كلامي- من هنا إلى عشر سنوات سيخلق الله شيئًا في العالَم، وسيعم الإسلامُ العالَم، وقلت لكم في سنة الثمانين: انتظروا عشر سنين وستنتهي الشيوعية.. من منكم يذكر ذلك فليرفع إصبعه؟ والحديث مسجَّلٌ، وهذا بإلهام من الله عزَّ وجلَّ، وأيضًا انتظروا عشر سنين وستجدون الإسلام تطلع شمسه من مغربها .. ولا مانع من أن نحمل الحديث على الحقيقة وعلى المجاز، وليس هذا المراد.. فجدُّوا.
علوم القرآن الأساسية
أنتم قرأتم وكتبتم وعندكم شهادات ولا يوجد إنتاج، والصحابة رضي الله عنهم ما قرؤوا ولا كتبوا وليس عندهم شهادات، ولكن ماذا كانت دراستهم؟ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، وفي الكليات هل يوجد: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾؟ وفي الدكتوراه هل يوجد: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:17-18]؟ هل يوجد: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:191]؟ لا يوجد، وهل يوجد: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:8]؟ لا يوجد، هل يوجد: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:2]؟ لا يوجد، وهل يوجد: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:3]؟ لا يوجد، وهل يوجد: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:8]؟
الكنيسة تُعلِّم نظريًّا وعمليًّا، وكل العلوم نظرية [وعمليَّة] إلا الإسلام في الوقت الحالي فهو كلام بكلام، وهذا كما ورد: ((اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بِك مِن عِلمٍ لا يَنفَعُ)) ، ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:23]، العلم يَضعُف أمام الهوى، ترى طبيبًا وهو مختصٌّ ويشرب السيجارة ويعرف ضررها، هل هذا نفعه العلم؟ هذا علم لا ينفع، ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، وإذا كان الشخص أُمِّيًَّا وقالوا له: هذا يضرُّ، وترك السيجارة، فمن الذي استفاد من العلم؟ ومَن العالِم؟ الذي عَمِل بعلمه.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:6]، ادرس النجوم وادرس الأوزون وادرس الأثير، والأثير هو مادة تملأ الكون، والكون كلُّه مركَّبٌ منها، وليس هناك ذرة في الوجود إلا وفيها أثير.
قالوا: لو وُجِد تخلُّف في طبقات الأثير بين الأرض والسماء لَمَا وصل نور السماء إلى الأرض، لأنه يَصِل بواسطة وجود الأثير، وكل الناس آمنت به، فهل رأيتم الأثير؟ هل يُرى بالعين؟ لا، هل يُلمَس باليد؟ لا، هل يُسمع بالصوت؟ لا، كيف تؤمن بالغيب؟ إذن فلتؤمن بالله، وهل الهواء يُرى؟ لكن يُعرَف بآثاره؛ يُعرَف عندما يحرِّك الشجر وعندما تستنشق، وهل كلُّ شيء يُعرَف بالنظر؟ وهل كل شيء يستطيع نظرُك أن يُبصِره؟ وعينك هل ترى الميكروبات أم تحتاج إلى أجهزة؟ إذا أردتَ أن تعرف الله معرفة اليقين فامحُ من قلبك كل ما سوى الله، حتى لا يبقى في قلبك أيُّ إله، “لا إلهَ” [نَفَتْ كل آلهة في القلب، و”إلا الله” أثبت الألوهية لله وحده]، وامحُ هوى النفس، أليس هذا إلهًا؟ وهو أبغض إلهٍ عُبِد في الأرض .. وهذه تحتاج إلى الشيخ المزكي، وبعض العارفين بالله يقول
أنا صَيرَفُ الأولياءِ
أَحُكُّ الأَولياءَ عَلى مِحَكِّي
فمِهنم بَهرجٌ لا خَيرَ فِيهِ
ومِنهم مَن أُزكِّيهِ ومِثلِي مَن يُزَكِّي
“فمنهم بهرج”: منظره ذهبٌ، لكنه “تَنَك”، وبقليل من المطر يصيبه الصدأ. [التَّنَك: مادة مُصنَّعة غالبًا من الحديد ومطلِيَّة بالقصدير أو الزنك وأحياناً باللون الذهبي، لذلك يبدو في أيامه الأولى ذهباً لامعاً].
وحتى يعود الإسلام إلى شبابه وجِدَّته نحتاج إلى المعلم؛ معلم القرآن الحكيم المزكِّي: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وعمليًّا يزكيهم: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:129]، فإذا كان هو ليس مزكًّى، لا لسانه مزكى ولا نظره ولا فكره ولا قلبه، فكيف سيكون العالِمَ الذي ذكره الله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28]؟
آيات الله في جمال السماء
قال: انظروا ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق:6]، بالنجوم، يعني هل الله يحب الفنّ؟ وهل في القرآن فَنّ؟ وهل الله يحب الذوق ويحب الجمال؟ ((إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ)) ، لو أنه خَلَقَها بلا نجوم، وفقط بالشمس والقمر لكفى.. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:8].
﴿وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:6]، لا في الأثير يوجد تشقق، ولا في الأوزون يوجد تشقق.. والآن بواسطة ثاني أكسيد الكربون يقولون: إنه صار تشقق في طبقة الأوزون.. وهذا سماء، وتنفذ منه الأشعة التي اسمها فوق البنفسجية، [سماحة الشيخ يسأل أحد الحضور:] أليس كذلك دكتور؟ وهي تولِّد أمراضاً وأنواعاً من السرطان، وهذه الأشعة ترفع من حرارة الأرض، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:1]، هل الأوزون سماءٌ أم ليس سماءً؟ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1].
﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:6]، ولا شقوق، فالله تعالى خَلَقها لك كاملةً وأنت تشقُّها، وأنت تُفسدها: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ظهر تلوث في بيئة البحر بأوساخ الإنسان وفضلات البترول، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فإذا صارت الأمراض ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:41]، عن أخطائهم وجاهليتهم وجهلهم العملي.
آيات الله في الأرض
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [ق:7]، هي مكوَّرة لكن بالنسبة لصغر حجمنا لا نراها مكوَّرة، بينما نرى الكرة أو القبة من صِغرها مكورة، وهل تستطيع أن ترى الأرض من أولها لآخرها؟ أما إذا صعدتَ إلى القمر فإنك تراها مكوَّرة، وبالنسبة للصغر هل ترى النملة القبَّة مكوَّرة؟ لا، بل تراها مبسوطةً.
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق:7]، القشرة الأرضية كم سماكتها؟ فلو أن الله تعالى ما غرس في الأرض الجبال التي ثلثها في الهواء وثلثيها في القشرة الأرضية لاضطربت الأرض كما يضطرب القارب على سطح البحر، وسابقًا لم يكن أحدٌ يعلم والآن العلم يبيِّن ذلك، فالآيات: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ هذا خطاب للعقل، وبعد ذلك: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق:7]، هذا اكتُشِف في العلم الحديث، فالقرآن خاطب بلغة العقل وبلغة العلم الحديث، وهذا لم يحدث في عصر من العصور، فهذا عصر الإسلام، لكنه يحتاج إلى رجاله، ونحن لا نعرف كيف نصنع الرجال.
إنّ بقية العالَم الإسلامي فُتِح كلّه بأرباب القلوب، منهم من كان عالِمًا بالفقه والنحو ومنهم لم يكن عالِمًا إلا بالْمَسْبَحة.. والألمان رأيتموهم، كان فيهم مدراء مشافي وأطبَّاء وجراحو أعصاب وعلماء اقتصاد سياسي، وفيهم كل أنواع الدراسة، وهم في ألمانيا الغربية، وشيخهم ليس عنده ثانوية شرعية ولا ليسانس شرعي ولا ماجستير ولا دكتوراه، ولا يوجد عنده إلا الْمَسْبَحة، وهو مهندس كهرباء تركي، قلت له: كم عددكم في ألمانيا؟ قال لي: أكثر من عشرة آلاف، وهو نقشبنديٌّ، ورأيتم كيف ألبسهم التِّيجان والعمائم “والعَزَبات والشَّراوِيْل” ولحاهم طويلةٌ، وهذا بالْمَسْبَحة وبذكر الله. [العَزَبات: واحدها عَزَبَة، وهي القماشة التي تتدلى من العمامة من الخلف، والشَّراويل: مفردها شُرْوَال: وهو البنطال أو السروال العريض، وهو من اللباس العربي القديم].
أهمية الذكر مع العلوم الشرعية
فلماذا لا نجعل الْمَسْبَحة وذكر الله مع العلوم الشرعية حتى نجعل من الأمة خير أمة؟
وهذا الشيخ لا يعرف الأصول ولا المنطق ولا البلاغة ولا البديع ولا البيان ولا الفرائض، وقد قال لهم: عندما تمرون على الشام مرُّوا على المفتي، لأني رأيتُ رسول الله ﷺ وسألته: أين أنت يا رسول الله؟ فأجابه: أنا في الشام مع.. [يسكت الشيخ هُنَيْهَة من دون أن يُكمل جملته متوقفاً عن كلام فيه رفع لقدره ومكانته عند الله ورسوله، ثم يقول:] لا أحب أن أتكلَّم، ولكن أقول لكم حتى تشتغلوا بالْمَسْبَحة، وربما ليس هناك إلى الآن شخص قرأ أكثر مني، وربما يوجد مثلي، ولكنّه نادرٌ، [كل من صاحب الشيخ ولو قليلاً يقول: ما رأينا في حياتنا أحدًا يقرأ مثل سماحة الشيخ.. لقد كان يستفيد من الدقيقة ومن الثانية، وكان بيته مليئاً بالكتب، وقد قرأها كلها، وكثير منها قرأه عدة مرات، ويظهر ذلك في الكتابة التي كان يكتبها على هامش الكتب، ومن صفاته رحمه الله أنه ما سمع بكتاب إلا حصل عليه وقرأه، حتى أنه كان يسمع ببعض الكتب الأجنبية المهمة، فيأتي بها ويترجمها له أحد إخوانه، ثم يقرأها]، وكل هذه القراءة أبيعها بِفرَنْك، [الفرَنْك نَقْد سوري قديم يساوي عشرين قرشًا، يعرفه الحاضرون في الدرس، حيث كان آخر استخدام له في الثمانينات من القرن العشرين ولم تعد له قيمة.. وهذه العبارة: “أبيع كذا بفرنك” تُستخدَم كثيراً باللهجة العامّيّة، بمعنى أنّ هذا الشيء لا قيمة له عندي]، وإذا لا يوجد معها مَسْبَحةٌ ولا يوجد ذكر الله فهذه خطرٌ عليكم في الدنيا والآخرة، وبعد الذكر يأتي الفكر ومع الذكر والفكر يأتي علم القرآن، وعلم القرآن يبدأ من خلق الإنسان الفاضل السعيد إلى العائلة السعيدة إلى المجتمع السعيد وإلى الوطن السعيد وإلى العالَم الموحَّد السعيد الذي هو كالجسد الواحد، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10].
تذكير الله تعالى لنا بنعمه
﴿وَأَنْبَتْنَا﴾ [ق:7]، ليس فقط مددناها وجعلناها صالحة للحياة، وليس فقط ألقينا فيها رواسي حتى لا تَحدُث زلازل ويَتَهَدَّم البناء كلّه، قال: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:7]، أنبتنا فيها من أنواع الثمر، من كل زوج وكل صنف.. فالمشمش من عشرين إلى خمسين صنفًا، والتفاح والإجاص والبطيخ والورود.. وهذا من أجل من؟
السماء فوقكم بنيناها وزيَّنَّاها، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:7]، قال: ﴿تَبْصِرَةً﴾ [ق:8]، حتى تبصروا ببصر العقل والفكر والتفكير، وتنتقلوا من الخلق العظيم الهائل البديع إلى معرفة الصانع الخالق المبدع.
إذن: خذوا الإيمان من طريق العلم والفكر لا من طريق التقليد والطقوس الجسدية مع موت القلوب وموت العقول، فيجب أن يكون إيمانك قلبيًّا وعقليًّا وبالقدوة، ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:124]، ما معنى “إمامًا”؟ أي قدوة، فيجب عليك أن تعلمهم بالقدوة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ يعني قدوة، ﴿يهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ على مخالفة النفس والهوى وترك المعاصي، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ليس يؤمنون، بل: ﴿يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:24].
ولا تصير قدوةً وعالِمًا حتى تنتقل من إيمان الغيب إلى علم اليقين: ((كيفَ أَصبحَ إيمانُكَ يا حارثةُ؟)) قال: مؤمنًا حقًّا، قال: ((كيف؟)) قال: “أصبحتُ كأني أنظر إلى الله في عرشه”، قال: “كأنِّي”، وهذا في مرآة القلب، “وكأني أنظر إلى أهل الجنة في نعيمهم، وإلى أهل النار” .
وبفضل الله تعالى فيكم في هذا المجلس الكثيرون من الذين صارت لهم هذه الحالات اليقينية، ونسأل الله أن يزيدنا، واحذروا أن تقعوا بالعجب، “والمخلصون على خطر عظيم” ، ومتى ما وقعتَ في العجب، أو قلتَ: “أنا” أو صار لك حظّ نفسيّ ولو نقطة من بحر يُخشى أن يَحبِط العمل، فدائمًا قولوا: “بفضل الله”، وتواضعوا ولا تستعلوا، واحذروا الأنانية ورؤية النفس، واحذروا أن تعملوا ليسمع بكم الناس أو لينظر إليكم الناس، وهذا كله مُحبٍطٌ للعمل وهو من الشرك الخفي.
آيات الله في الماء
والسماء فيها شيء آخر: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ هنا السماء أي الغمام، وهناك السماء بمعنى الفضاء، ﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق:9]، والبركة كثرة الخير، هذا الماء ماذا يُعطينا من الخير؟ الزروع والفواكه والحبوب والحياة والأقوات والورود والزهور، وكان يكفينا القمح، ولكنه أعطانا الذُّرَة والرّزّ والحِمِّص والفول.
والعنب: لو أعطانا عنب الثعلب الذي يخرج بين الحشائش والذي لا يؤكل لكان “كثيراً علينا”، هل نستحق؟ [عبارة: “كثير علينا” بمعنى: إنّ هذا العطاء العظيم لا نستحقه، ولا جُزءًا منه، لأنّنا عصاة آبقون]، لكنه أعطانا خمسين نوعًا، بل مئة نوع، والله تعالى يَذكُرك [ويعطيك النعم]، وقد أعطاك العنب البَلَديّ والحُلْوانِي وغير ذلك، ولماذا أنت لا تذكر الله عند أوامره فتؤدِّيها على حسب ما يطلب؟ وتؤَدِّيها لا لأجله بل لأجلك؟ أبو بكر رضي الله عنه هل صار أبا بكر لينفع الله أو ليُساعده؟ بل هو من انتفع بإيمانه: ((لو وُزِنَ إيمانُ أبي بَكرٍ بإيمانِ النَّاسِ لَرَجَحَ)) ، وفي الدنيا ماذا صار؟ صار أفضل رجل بعد النبيين، وفي السياسة أعظم سياسيٍّ ناجح في السياسة وفي الحرب، وعمر رضي الله عنه أعظم سياسي في الحرب والإدارة والسياسة، وخالد رضي الله عنه أعظم رجل في القيادة، من أين هذا كلُّه؟ من القرآن.
ضرورة الحصول على القلب مع العلوم الشرعية
لكن القرآن: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق:37]، “ألقى السمع”: هذا الإيمان الغيبي، أما القلب فهو إيمان علم اليقين، فيجب أن لا يُعطوه الدكتوراه حتى ينتقل من الإيمان الغيبي إلى علم اليقين، ثم يصل إلى عين اليقين في الدار الآخرة: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:6]، يعني في مرآة القلب، كما كان النبي ﷺ مرةً على المنبر، فتقهقر ثم مَدَّ يده كأنه يريد أن يقطف، فسألوه فقال: ((عُرِضَت لي الجَنَّةُ فَرَأيتُ ثِمارَها)) وأراد أن يقطفها ((والنَّارُ)) ، وهذا علم اليقين، لكن حين تذهب إلى الآخرة يصبح هذا عين اليقين.
فيجب أن تكون الماجستير الإيمان بالغيب، والدكتوراه علم اليقين، وعند ذلك تكون أنت القرآن العملي، ويُقرأ القرآن لا من ورق بل يُقرأ من أعمالك، وهل قرآن العمل أبلغ في التأثير بالمشاهدين أم قرآن الكتابة والتلاوة؟ سُئِلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُقِ رسول الله ﷺ فقالت: “كان خُلُقه القرآن” ، وعمله القرآن وغضبه القرآن، ويغضب لله لا يغضب لنفسه أبدًا.
﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق:9]، أي فيه كل الخير، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:30]، من حيوان وإنسان ونبات، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [ق:9]، مَن المُنزِل؟ ومَن المُنبِت؟ ومَن الذي يخلق الجذر؟ إنّك حين تضع الحبة ينزل الجذر إلى الأسفل والقسم الآخر يصعد إلى الأعلى، والحبة متى تصير شجرة؟ حين تعمل خلوة وتقعد في الظلمات وتُداس بالنعال، فإذا وَضعتَ حبَّة الجوز على وجه الأرض هل تصير شجرةً؟ وكذلك بذرة البطيخ إذا وَضعتَها على وجه الأرض هل تَنْبُت؟ بل يجب أن تضعها في ظلمات الأرض وتحت النعال، فإن رَضِيَت: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:95]، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:96]، وفالق القلوب أيضًا بنور الله وبمعرفة الله، فيصير قلبك سماءً: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [ق:9]، فتظهر معك الحكمة الإلهية: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79]، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:16]، أليس هذا من علوم القرآن؟ لماذا لا يضعون في الجامعات: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾؟ لماذا لا يضعون من علوم القرآن: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:142]؟ أليس هذا من علوم القرآن؟ لماذا لا يضعون في علوم القرآن: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:17]، عندما حُجِبت عنهم.. لماذا لا يضعون في علوم السُّنَّة سنين النبي ﷺ في غار حراء؟ حيث كان يخلو هناك في كلّ مرة شهرين أو أكثر وأقل، وبعد النبوة كان يعتكف العشر الأخير من رمضان.
فإذا لم يكن في المدرسة الدينية مع العلمِ النظري العلمُ العملي والمعلِّمُ العملي بأقواله وأعماله وأخلاقه وقلبه وروحانيته، فكله ضياع وجهد بلا نتاج، مثل رصاصة البندقية إذا كان باطنها فارغًا من البارود، تكون كَبسولة صغيرة، وتخرج عند إطلاقها لكن بصوت خفيف ومن دون أي تأثير، وعند إطلاقها هل تخرق؟
نور الله تعالى في قلب المؤمن
وكذلك عِلْمنا الظاهر إذا لم يكن لصاحبه قلب فمهما تكلَّم فهو مثل “التَّنَكَة” الفارغة، [التَّنَكَة: علبة لحفظ السوائل والأطعمة مصنوعة من التَّنَك، ولمّا يُطرَق عليها وهي فارغة تُصدِر صوت قرقعة عالٍ]، قرقعةٌ لكن ليس فيها سمنٌ، وهذه لا تقلي بيضتين، ولو كانت خمسة آلاف تنكة لا تقلي بيضتين، أمّا وعاء صغير إن كان فيه سمنٌ يقلي البيض.. أسأل الله أن يجعل قلوبكم مليئة بنور الله.. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني في قلب المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، المشكاة مثل الوعاء الزجاجي ومثل فانوس السيارة الذي يجعل اتجاه النور في جهة واحدة، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، الزجاجة هي النفس، وبعد تزكيتها تصير كأنها من صفائها ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:35]، ونور الله مغروس، وبطاريته موجودة، لكن المصباح متسخ وعليه الأوساخ والأقذار والزوائد، فكيف سيشعُّ النور إلى ما وراءه؟
يجب أن ترفع هذه الأمور [الحُجُب] وترفع الهوى، وهذه تحتاج إلى مربٍّ، لذلك كانت الهجرة فرضًا، والتَّعَرُّب والبقاء في البادية في بعض الروايات ورد أنه من الكبائر، ((التَّعَرُّب بعد الهجرة)) ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:72].
وهل الهجرة إلى جدران المدينة ونخيلها؟ الهجرة إلى الله ورسوله ﷺ، الآن يقول بعض الناس: إنه مهاجر إلى المدينة.. وماذا يوجد في المدينة؟ اذهب وابحث عن عارفٍ بالله ووارث لرسول الله ﷺ وهاجر إليه مثلما هاجر مولانا خالد وهو رئيس علماء العراق إلى الهند لَمَّا التقى بالشيخ المربي العارف بالله.
قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ ما الجنات؟ جنات الدنيا يعني البساتين ومن كثرة أشجارها صارت تستر من يدخلها، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)﴾، القمح والشعير والعدس والحب الذي يُحصَد، ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ طويلات ومثقلات بالحمل والرُّطَب، ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)﴾، الطلع أي البلح قبل أن ينضج ويكون له حبوب في الداخل، ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾.. هذا ماء السماء المبارك، وفوق ذلك ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ الصحراء تكون ميتة ومليئة بالغبار، وحين ينزل المطر ترى الزهور والورود، وترى فيها الفِراش من السندس.. كانت ميتة فأحييناها، قال: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:9-11]، خروجك من قبرك من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية مثل هذا المثال.. وهذا إيمان عقلاني، أمّا الكنيسة فتقول: آمِن وأنت مغمض العينين، والله يقول لك: افتح ثم آمِن.
جزاء المكذِّبين من الأمم السابقة
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ [ق:12] ما الرَّس؟ البئر، وكان بئرًا في عَدَن، وأرسل الله إلى أصحاب الرسِّ نبيًّا اسمه حنظلة بن صفوان عليه السلام، فكذَّبوه ورفضوا دعوته وعادوه وقتلوه ورموه في بئر الرسِّ، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:14]، أنزل الله بهم بأسه فأهلكهم، كما أهلك قوم نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق:12]، لماذا أهلكهم؟ لأنهم استمرُّوا في ضلالهم، جاءهم نوح عليه السلام بمعجزات وآيات وعقل، والأنبياء كلّهم عقل والقرآن كلّه عقل، والنبوات كلّها عقل ومعها خوارق العادات. [الأنبياء كلُّهم عَقْل: جملة من اللهجة العامّيّة، بمعنى: كلام جميع الأنبياء عقلاني، وليس فيه شيء مخالف للعقل والمنطق.. وكذلك القرآن والنبوّات].
﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق:12]، قوم صالح أهلكهم الله بصيحة، ﴿وَعَادٌ﴾ [ق:12]، أهلكهم: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:7]، قتلهم بالريح الباردة، ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ [ق:12] أغرقه وأهلكه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:90]، ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق:13] مع أنهم كلهم كفرة وفسقة سمَّاهم إخوانه، فهل يجوز أن تقول عن غير المسلم كاليهودي أو النصراني: هذا أخوك؟ أخوك في الإنسانية وأخوك في السلاح وأخوك في الوطنية، والله تعالى قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق:13]، فهل كانوا مؤمنين؟ مع ذلك الله سمَّاهم إخوانه، وسمى الأنبياء إخوان الكفرة فقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:65].
وأنا لما كنتُ أقول: “إخواننا المسيحيون”، كان بعض الجامدين “يُقيمُون القيامة”، ويستغلون جهل العوام، [كانوا يقيمون القيامة: مصطلح في اللهجة العاميّة بمعنى: يغضبون كثيراً ويثورون ثورة كبيرة.. وقد استغل نُقّاد الشيخ والحاقدون عليه قوله “إخواننا المسيحيون” ليكفروه به ويجعلوه مرتداً عن الإسلام]، ولكن ها هو القرآن، وقد أصدرتُ بيانًا خطِّيًّا وتحدَّيتُهم أن يردُّوا فما استطاعوا أن يردوا، لأنهم بهذا يفضحون إما جهلهم وإما فسقهم.
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ أرسل الله لهم شعيبًا، والأيكة غَيْضَة، [وهي الشجر الكثيف]، وأرضهم كانت ذات رياض وأحراش، أيضًا كذَّبوا شعيبًا، ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ تُبَّع كان مَلِكًا مؤمنًا أو نبيًّا مَلِكًا وكذَّبوه أيضًا، ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:14]، لَمَّا استمرُّوا في التكذيب مع تهديد الله عزَّ وجلَّ وما رجعوا نفَّذ الله تعالى فيهم تهديده في الدنيا، فأهلكهم في الدنيا، ومِن الدنيا إلى عذاب البرزخ، ثم إلى عذاب جهنم.
وجوب أخذ العبرة من عقوبة الأمم السابقة
﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق:14]، والآن المسلمون في العالم الإسلامي أليسوا ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؟ منهم مَن إسلامه بالقول ومنهم مَن إسلامه بالجسد، لا إسلام القلب ولا إسلام السلوك ولا إسلام العمل، ولا إسلام فقه القرآن.. ولماذا حصر العلماء الفقه في العبادات والمعاملات؟ لماذا لم يجعلوا الفقه كل ما بين الدَّفَّتَين؟ إنّ كل ما بين الدَّفَّتَين للفقه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:65]، وهل “لعلهم يفقهون” فقط للعبادات والمعاملات؟ بل في القرآن الإيمان العقلاني والروحي والخُلقي والسلوكي والفرائض وغيرها، وبمجموع القرآن تنال لقب مسلم علمًا وعملًا، وليس هذا فقط، بل وتعليمًا، فكلّ ما تعلمتَه عليك أن تعلِّمه بأقوالك وأعمالك وقلبك، وإلا فإنّ الله سيُعذِّبنا.. ألا نشعر بكلّ هذه العقوبات!
إنّ العالم العربي والإسلامي كلّه يقول: إنّ اليهود لا يقبلون أن يفاوضونا، وكلُّ العالم الغربي ضدنا مع إسرائيل، والعرب كم عربًا صاروا؟ كل واحد صار عربًا، وكل واحد صار أمَّةً، وهذا ليس إسلامًا.
لَمَّا قال أبو ذر لبلال رضي الله عنهما: يا ابن السوداء.. وبلغ ذلك النبي ﷺ قال له: ((إنَّكَ امرؤٌ فِيكَ جاهليَّةٌ)) ، وهو حقيقة ابن سوداء، وما كذب عليه، فلمَّا عرف أن فيه جرثومًا جاهليًّا عَقَّمه، وكيف يعقِّمه؟ أحضر أبو ذرٍّ بلالًا رضي الله عنهما ووضع خده اليمين على التراب، وأقسم على بلال أن يطأ بنعله على خدَّه الآخر كفَّارةً لكلمته التي شتمه بها.. فالمغفرة لها علامات والحج المقبول له علامات.
نسأل الله أن يوفِّقنا ويهيِّئ لنا وللمسلمين بل للعالَم الرحمة العامة، وهذه لا تكون إلا من طريق الإسلام، والإسلام يعني المسلمين.. نسأل الله أن يجعل من كل واحد منكم هاديًا مَهْدِيًّا، وذاكرًا ومذكِّرًا، ومتعلِّمًا ومعلِّمًا، وآمرًا نفسه وغيره، وناهيًا نفسه وغيره، وبذلك يبدأ الإسلام بالظهور، أما بالتمني والدعاء: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:38].
عقوبة بغض المسلمين لعلمائهم
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [ق:14]، ما الأيكة؟ الغَيْضَة، ومن نبيهم؟ شعيب عليه السَّلام، وما الرّس؟ البئر، ومن نبيُّهم؟ حنظلة، وماذا فعل الله بهم؟ أهلكهم، أصحاب الرس لماذا أهلكهم؟ لأنهم قتلوا نبيهم.. ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:21]، والآن المسلمون إذا رأوا عالِمًا منتِجًا كلهم يوجِّهون الصواريخ والسهام والكلام كأنهم عِطاش وسيموتون، ولا يحيون إلا بأن يُبْغِضوا علماءهم، كما قال النبي ﷺ: ((إذا أَبغَضَ المسلمونَ عُلماءَهُم))، والنبي ﷺ عندما يقول: “العلماء” فالعلماء على حسب مفهوم النبي ﷺ وليس على حسب مفهوم البرامج المدرسية والشهادات، فقد يأخذ شهادة وهو تارك للصلاة، فهل هذا عالِم؟ هذا أجهل الجاهلين، ((إذا أَبغَضَ المسلمونَ عُلماءَهُم، وأَظهَرُوا عِمارةَ أَسواقِهِم، وتَألَّبوا))، ليلًا ونهارًا أين عقولهم؟ ((على جَمْعِ الدَّراهمِ، ابتلاهُمُ اللهُ بِخِصالٍ)) مِنها: ((القَحطُ مِنَ الزَّمانِ))، سوريا كانت تصدِّر كل المواد الغذائية إلى الخارج قبل أربعين أو خمسين سنة، والمطر كان يبقى أسبوعًا كاملًا متواصلًا بلا انقطاع، والثلج يبقى في الشوارع شهرًا كاملًا، والآن في الجبال لم يعد هناك ثلج.
((القَحطُ مِنَ الزَّمانِ، والصَّولةُ مِنَ العَدوِّ)) ، والآن إسرائيل طائراتها في لبنان تدخل وتخرج، وقد ضربت المفاعل النووي في العراق، أليست هذه صولة؟ يقولون: إن عندها مئة قنبلة نووية، أليست هذه صولة؟ أين نحن؟ خطابات ومشايخ وشهادات وجوامع ومآذن إنَّما هذه كتلٌ من الإسمنت، وجامع النبي ﷺ كان من اللَّبِن وبلا باب وكانت تمر به الكلاب وأرضه التراب وسقفه من جريد النخل، ومع ذلك امتدَّ الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها ولا يزال، فهذا هو الجامع، وهو الذي يجمع القلوب والعقول والخَلق على الله عز وجل، والجامع في مصطلحنا هو الذي تُصلَّى فيه الجمعة، وهذا لا يكفي.
تنزيه الله عن التعب والإعياء
انظروا الآن إلى الدليل العقلاني والبرهان القاطع لمن يُكَذِّب بالقيامة ويُكَذِّب بالحساب ويكذّب بالعودة إلى الحياة في العالَم الخالد، قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق:15]، لَمّا خَلَقنا السماوات والأرض هل تعبنا وما استطعنا أن نكمل لأنه ينقصنا علمٌ وقدرة؟ هل صنعنا نجمتين وثلاثًا ووقفنا؟ هل وقفنا أم أكملنا؟
إلى الآن هل استطعنا بكل ما أوتينا من تلسكوبات وعلوم وإلكترونيات أن نحصي عدد المجرات؟ هل وصلنا إلى عدد؟ إنّ العدد يزيد يوماً بعد يوم، وهذه المجرة تحوي مليارات النجوم والشموس، ونحن لا نعرف الحياة إلا في أرضنا.
بعض علماء الفلك يقول: إنّ مَن يظن أنّه لا حياة إلا في كوكب الأرض مَثَلُه في جهله بالحقيقة كمَثَل رجل يقول: لا تلد من قطط الدنيا إلا قطتنا.. وبقية القطط ألا تلد؟ وهذه الكواكب هل خَلَقها الله عبثًا؟ القرآن يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، أي علاماتٌ على وجوده وقدرته وعلمه، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى:29]، فالكواكب فيها من يدبُّ على أرضها، وفي آية أخرى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل:49]، في السجود ذَكَر الدوابَّ والملائكة، والملائكة غير الدابة، إذن فالله عزَّ وجلَّ يُثبت وجود من يدبُّ على هذه الكواكب من مخلوقات الله، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:29]، مشيئة الله مقيَّدة بحكمته ومقيَّدة بالأسباب والمسبَّبات، يعزُّ من يشاء: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران:26]، والمشيئة مقيَّدة بالحكمة، وما الحكمة؟ ((وإنَّه لا يَذلُّ مَن والَيتَ، ولا يَعزُّ مَن عادَيتَ)) ، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:8]، وهل العزة صدفة؟ لا، بل بالحكمة.. وقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:27]، وهل يُضلُّه الله ويجبره هكذا بلا سبب؟ بل يعاشر الضالين ويُعرِض عن المهتدين، [فيتركه الله لما أراد فيَضِلّ مع الضالين].
قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق:15] حتى تعتقدوا أننا لا نستطيع أن نخلقكم مرة ثانية؟ بل أكملنا الخلق الأول، والذي أكمل الخلق الأول في هذا الكون العظيم الذي بلا نهاية، ألا يستطيع أن يُعيدك أيها الجرذ أيها الملحد؟ إنّ الجرذ يفهم أكثر منك، لأنه قائم بالمهمة التي أوكله الله بها، وأما أنت فخَلَقَك لتعبده ولتعرفه ولتسعد به روحيًّا.
الفراغ الروحي عند الأوربيين
لماذا يتعاطون الحشيش والمخدرات في أوروبا؟ لأن كلَّ السعادات المادية لا تُشبِع نَهَمَ النفس والروح، والروح لا تَسعَد إلا بالغذاء الروحي، وهم يتعاطون الحشيش حتى يغيبوا عن متاعبهم، أما النبي ﷺ فكان يقول: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ)) ، قرة عين العريس متى؟ [العَريس: في العامية السورية هو العروس الذكر]، في ليلة العرس، ولكن منتهى السرور ومنتهى السعادة تكون في الصلاة، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:14]، لماذا لم يجعل الفقهاء هذه من شرائط الصلاة؟ ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:45]، لماذا ما جعلوها من فرائض الصلاة؟ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:22]، لماذا لم يجعلوها من فرائض الصلاة؟ لماذا لم يجمعوا الشرائط الجسدية مع الشرائط الروحية حتى تكون الصلاة صحيحةً؟ إذا قسمنا العَروس إلى نصفين وأتينا لك بنصفها هل ترضى؟ الزغاريد تنقلب إلى ولاويل، والحفلة تنقلب إلى مأتم، والإسلام اليوم صار مأتمًا.
طَلَعَ الدِّينُ مُستَغِيثًا إلى الله
وقالَ العِبادُ قَد ظَلَمُونِي
يَتَسَمَّونَ بي وَحَقِّكَ لا
أَعرِفُ مِنهُمُ أَحدًا ولا يَعرِفُونِي
“يتسمون بي”: هذا عالِم وهذا دكتور وهذا كذا.. كما أن الصوفيين رحمة الله عليهم صارت عندهم صوفية رهبانية، وفي الإسلام رهبانٌ في الليل لكن أُسُودٌ وأبطال في النهار، فصاروا رهبانًا في الليل والنهار، وهذا من تحريف القرآن عن مواضعه، وكذلك الفقهاء أخذوا الطقوس وهم أيضًا يحرِّفون.
أما الصحابة رضي الله عنهم فكانوا بالتربية النبوية والمصنع الأول الذي هو مسجد النبي ﷺ [رهباناً في الليل وأسوداً في النهار]، وهذا هو المسجد.. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:108]، والمعهد والكُلِّيَّة إذا لم تكن مؤسَّسة على التقوى فكلّها إلى الرَّمي [في القمامة]، الطالب يأخذ الشهادة ليلصقها بالجدار، فهل الجدار يشعر بالبرد حتى ندفئه؟ أم إنه مثقوبٌ حتى نرقِّعه؟ الطالب اليوم يبحث عن “مَعاش” [راتب شهري أو أجرة] ليأكل الخبز، فهل هذا داعٍ إلى الله؟ الثَّكْلَى هل تبكي بالأجرة أو بالمعاش؟ حتى لو لم تبكِ فإن الذي ينظر إليها يبكي، والنائحة مهما أتت بقصائد الرثاء ومهما ناحت يقولون: قاتلها الله كم هي منافقة! نسأل الله أن لا يجعلنا من العلماء المنافقين، وأن يجعلنا من العلماء العاملين المخلِصين، وأن يحمينا من العُجب ويحمينا من الخطر العظيم.
الرد على من ادعى أن الله تعب من الخلق
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق:15]، ما معنى “عَيينا”؟ من الإعياء، والإعياء هو التعب، يعني هل أعيانا التعب ولم نستطع أن نكمل؟ بل أكملنا ولا نزال، والله تعالى قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:47]، الكون في علم الفلك يتمدد وتُخلَق مجرات جديدة وتتوسَّع الأبعاد فيما بينها، وهل هذا دليلٌ على التعب؟ في التوراة يقولون: إن الله لما خَلَق الأرض في ستة أيام استراح يوم السبت، فرد الله عليهم فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:38]، ما اللغوب؟ اللغوب هو التعب.
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:15]، إنّ الإيمان بأنّ الله يخلقهم مرة ثانية خلقاً جديداً مُلتبس عليهم، فهم لا يفهمون ولا يسلِّمون به لا من طريق العقل ولا من طريق معجزات الأنبياء.. ولكن الصحابة بعد ذلك وباستمرار مدرسة القرآن صاروا أبا بكر وعمر وخالدًا سيف الله وحمزة أسد الله، رضي الله عنهم، ونحن نقرأ القرآن، ولكن لا نصير أسد الله ولا ضبع الله ولا هِرّ الله ولا نصير شيئًا.
سيف الله كان جاهليًّا وثنيًّا، ولكنه صار بالقرآن وبالنبي ﷺ.. ووارث النبي يقوم مقام النبي بحكم الوراثة، فإذا سافر الطبيب ألا يضع طبيبًا مثله يقوم مقامه؟ ووكيله يجب أن يكون طبيبًا مثله، فالوارث المحمدي العالِم الحقيقي عليه أن يقوم مقام النبوة في التبليغ وهداية الخَلق والخُلُق.
تسجيل أعمال الإنسان عن طريق الملَكين
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:16]، وساوس نفسك وغدرك ومكرك وغشك وحقدك وحسدك يعلمها الله كلّها، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:14]، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:16]، حبل الوريد كناية عن روحه وحياته، فنحن أقرب إليك من روحك، ومع عِلْمِنا بك وضعنا عليك أيضاً “مُخابَرات” من قِبَلِنا، [المُخابَرات: رجال الأمن الذين يعملون في جهاز الأمن في الدولة لمراقبة الناس ونقل أخبارهم.. ولا يخفى أن كلمة “مخابرات” في استخدام الشيخ هنا تعني الملائكة المراقبين، ولكنه يستخدمها للتقريب للأذهان]: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:17]، هناك مَلَكٌ على اليمين ومَلَكٌ على اليسار يتلقَّيان بالتسجيل كل أعمالك ونظراتك وكلامك، ومن كرم الله أن الذي على اليمين يكتب الحسنات وقد جعله الله أميرًا على كاتب السيئات، فإذا عمل العبد من السيئات وأراد أن يكتبها فأميره يقول له: أَنظِره سبع ساعات لعله يتوب ولعله يستغفر.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ مَلَكٌ يراقبك، ﴿عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، حاضر لا يفارقك بالليل ولا بالنهار، وهناك صنفان من مخابرات الله: ملائكة الليل وملائكة النهار، يجتمعون في صلاة العصر، فتنزل ملائكة الليل وتعرج ملائكة النهار، وفي صلاة الفجر تنزل ملائكة النهار، وتصعد إلى السماء ملائكة الليل، فيكتبون أعمالك في كتابك: ﴿كِتَابٌ مَرقُومٌ﴾ [المطففين:9]، وأنت هل تفكِّر أن أعمالك التي تعملها يوميًّا من الخير والشَّرّ عليها رقيب عتيد؟ هل آمنتَ بالقرآن؟ هل آمنتَ بهذه الآية؟ إذا آمنتَ هل تستطيع أن تكذب؟ هل تستطيع أن تغتاب؟ هل تستطيع تُثَرْثِر؟ هل تستطيع أن تتكلَّم باللغو؟ الله تعالى وصف المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:3]، اللغو كل ما لا ينفع ولا يضر، مثل: فلان باع وفلان ذهب وسافر وأكل وشرب وتزوَّج ولبِس.. فهذا كلّه كلام لغو، والمؤمن لا يتكلم باللغو، قال
عُمدةُ الدِّينِ في الوَرَى كَلِماتٌ
أَربَعٌ مِن كَلامِ خَيرِ البَريَّةْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ واقنعْ وَدَعْ ما
لَيسَ يَعنِيكَ واعمَلَنَّ بِنِيًّة
الآن سأمتحنكم جميعًا بحفظ هذين البيتين، والضيوف أيضًا: دكتور حضِّر نفسك. [يقول سماحة الشيخ ذلك وهو يضحك ملاطفاً].
“في الورى”: يعني في الحياة وفي الخَلق، مَن “خير البرية”؟ سيدنا رسول الله ﷺ، “اتق الشبهات”: كل شيء إذا اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام.. فالكأس هذه ربما فيها سمٌّ والأخرى معقَّمة فأيهما تأخذ؟ التي ليس فيها خلاف، “واقنع”: بالحلال؛ بزوجتك وبحلالك، واقنع برزقك سواء كان قليلًا أو كثيرًا.. “ودع ما ليس يعنيك”: الذي ليس من خصائصك بأن تتدخل في خصائص الآخرين: فلانٌ باع أو اشترى، وأين ذهب؟ وأين سَهِر؟ ومن أين أتى؟ ما شأنك أنت؟ ليس لك شأن بذلك، وهذا تَدَخُّل فيما لا يعنيك، والنبي ﷺ قال: ((مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُهُ ما لا يَعنِيه)) ، افحص خصائصك وليس خصائص الآخرين، إلا إذا رأيتَ منكرًا فتنكره حسب قواعد القرآن.
“واعملنَّ بنية”: فإذا أكلتَ فكل بنيَّة صالحة، وقل: يا رب اجعله عونًا على طاعتك، أو أردتَ أن تسافر فقل: اللهم ارزقنا في سفرنا البر والتقوى، وارزقنا من العمل ما تحبه وترضى، وإذا تزوَّجتَ فقل: يا رب ارزقني الولد الصالح، وإذا حكمتَ فقل: يا رب ارزقني العدل والاستقامة، ولا تفتنِّي.. إلخ.