تاريخ الدرس: 1990/12/14

في رحاب التفسير والتربية القرآنية

مدة الدرس: 01:17:34

سورة محمد، الآيات: 10-14 / الدرس 5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، وأفضل الصَّلاة وأتم التسلم على سيِّدنا مُحمَّد خاتم النبيين والمرسلين، وعلى أبيه سيِّدنا إبراهيم، وأخويه سيِّدنا موسى وعيسى، وجميع الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍّ وصحب كلٍّ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

وجوب اتباع ما جاء به النَّبيُّ ﷺ

نحن الآن في تفسير بعض آيات من سورة مُحمَّد، صلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وآل مُحمَّد، فبعدما ذكر الله عزَّ وجلَّ أن النَّاس صنفان: مؤمن وكافر، مهتدٍ وضالٌّ، موفَّق ومخذول، قال: سبب التوفيق والنجاح: ذلك بأنهم اتَّبعوا ما أنزل الله، واتَّبعوا رسول الله ﷺ، واستقاموا على شريعة الله عزَّ وجلَّ، ونصروا دين الله، وثَبَتوا قبل النصر حتَّى نَصَرَهم، وبعد النصر حتَّى أدام نصرهم.

قبل النصر نصروا دين الله فنصرهم، وبعد النصر ثبتوا على رضوان الله فأدام الله عزَّ وجلَّ انتصارهم، ولَمَّا زاغ المسلمون سلَّط الله عزَّ وجلَّ عليهم الصليبيِّين قرابة قرنين، أو مئة وتسعين سنة، وبعد الصليبيين سُلِّط عليهم التتر، وبعد ذلك سُلِّط عليهم الاستعمار، فيجب على المسلمين أن يرجعوا إلى دينهم رجوع العلم والحكمة والتزكية، وأن يرجعوا إلى مدرسة القرآن علمًا وعملًا ودعوةً وتعليمًا وسلوكًا، وفي بلادهم وخارج بلادهم، بما تتحقَّق به نصرتنا لدين الله حتَّى يوجب الله عزَّ وجلَّ نصرته لنا وإلا فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

تسليط الله عذابه على المقصِّر

واليهود لما أفسدوا مرتين في الأرض، وتابوا وكان الله عزَّ وجلَّ يتوب عليهم، فقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8] يعني سلَّط عليكم العدو مرتين فأجلَوهم عن فلسطين، وشتَّتوهم وكذا وكذا، فقال: إذا استقمتم ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ يعني إلى الفساد ﴿عُدْنَا [الإسراء:8] يعني إلى الانتقام وإلى العقوبة والقصاص.

هذا كتاريخ إلهي وقرآني هو درسٌ للأجيال التي أتت بعد نزول القرآن، وللعالَم كله، وللمسلمين بالدرجة الأولى، فبنو إسرائيل ذَكَرهم الله عزَّ وجلَّ في القرآن بقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16]، وكلهم كانوا من آل البيت، إسرائيل هو يعقوب عليه السَّلام، وبنو إسرائيل يعني أبناء يعقوب عليه السَّلام، فكلهم من آل البيت.

فالنسب الجسدي إذا لم يرافقه النسب الروحي والرباني ونسب التقوى يصير زيادة بلاء وعقوبة من الله عزَّ وجلَّ على صاحبه، قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:30].

كما أنه بالعكس: إذا كان من أهل البيت واستقام يحصل له الأجر مرتين: أجرٌ على عمله، وأجرٌ لقدوة النَّاس به، وكذلك له العقوبة مرتين: عقوبةٌ على الذنب، وعقوبةٌ لأنه يصير قدوة للناس فهو من أهل البيت ويفعل كذا وكذا، لذلك يضاعِف الله عزَّ وجلَّ له العذاب، وأما الصالح فيضاعِف الله عزَّ وجلَّ له المثوبة والثواب.

الاعتبار من قصص السابقين

وبعد أن ذكر الله تعالى مصير هؤلاء ومصير هؤلاء حضَّنا على دراسة تاريخ الأنبياء والأمم، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني سير الدراسة، وسير العبر والاعتبار، فقد كانوا يمرُّون على ديار قوم لوط عليه السَّلام، وعلى ديار قوم صالح، ومدائن صالح عليه السَّلام، ﴿فَيَنْظُرُوا يعني بنظر الاعتبار لا بنظر الأحجار ونظر الأبصار، بل بنظر العقل والفكر والعظة ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الذين عصَوا الله عزَّ وجلَّ وخرجوا عن صراطه، وكيف كانت عاقبتهم؟ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هؤلاء هم الماضون، وهل هذا فقط للماضين؟

قال: وعليكم أنتم أن تأخذوها درسًا لكم ولكل الأجيال إلى يوم القيامة ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10]، إذا فعلتم كما فعلوا يعاقبكم الله عزَّ وجلَّ كما عاقبهم، وإن تنصروا الله عزَّ وجلَّ كما نصره المؤمنون في عهد كل الأنبياء، وعهد النبي عليه الصَّلاة والسَّلام وأصحابه الكرام رضي الله عنهم ينصركم.

قال: ﴿ذَلِكَ أي نصْرُ مَن نَصَرَ دين الله عزَّ وجلَّ، وتدميرُ من حارب دين الله، قال: هذا قانون الله عزَّ وجلَّ، ﴿ذَلِكَ هذه العواقب وهذه النتائج وهذا المصير لكل فريق ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:11]، ناصِرهم ومسعِفهم ومنجِدهم ومعطيهم ومعِزُّهم.

الإيمان بالعمل وليس بالقول فقط

كلمة: ﴿آمَنُوا [محمد:11] يفهمها النَّاس على أنها إيمان بالقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة:8].. والإيمان على قسمين: إيمان بالغيب، كما إذا قال لك الطبيب: هذا الدواء سامٌّ، وأنت لم تجرِّبه، لكنه هو بالتجارب والدراسات وغيرها صار عنده علم اليقين، فإذا أخذتَ كلامه بالقَبول تنجو من السم.

وإذا قال لك “الجُوْهَرْجي” [الصائغ]: إن هذه جوهرة، وأنت لا تعرف بحقائق الجواهر، فصدَّقتَه تصديقًا غيبيًّا ثقةً بعلمه تسعد بالجوهرة، وإذا درستَ الجوهر دراسة نظرية حتَّى صار عندك مثل اليقين فهذا علم اليقين، وإذا أصبحتَ تحلِّل الجوهر وتعرف ذراته وتميز بينه وبين غيره فهذا يصير عين اليقين، فأقل درجات الإيمان أن نؤمن بالغيب، الملائكة غيب، والجنة غيب، والآخرة غيب، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] هذا غيب.

ويوجد ناس من أهل اليقين يحدث لهم كما قال ذلك الصَّحابي لما سُئِل: ((كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟)) قال: “مؤمنًا حقًّا”، قال: ((كَيفَ إِيمَانُكَ؟)) قال: “أَصْبَحْتُ كَأَنِّي بعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا” 1 ، يعني: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) 2 .

الإيمان اليقين والإيمان بالغيب وإيمان القول

فالمرتبة الأولى مرتبة اليقين، والثانية مرتبة الإيمان بالغيب، وليس بعدهما إيمان إلا إيمان القول، وهذا هو النفاق بأن تقول: “آمنا”، ولكن لا يظهر هذا الإيمان في أعمالك وأخلاقك وسلوكك وسمعك وبصرك، وفي رضاك وغضبك، وفي حبك وعداوتك.. في كل هذا يجب أن تكون مقيَّدًا بالقرآن الذي تؤمن به.

وما الإيمان بالقرآن؟ إذا آمنتَ بالسُّمّ فما نتيجة هذا الإيمان؟ هل تشربه؟ وإذا آمنتَ بزمزم فما الإيمان؟ أن تشربه، وإذا لم يعطِ الإيمانُ النتيجةَ العملية فهو إيمان الكلام وإيمان اللفظ الذي رفضه الله عزَّ وجلَّ وقال: إنه غير مقبول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8].

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ ما في نفسك ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، وأنت هل تؤمن بالقرآن أم لا تؤمن؟ هل تؤمن بهذه الآية؟ فإذا سمعتَ قول زور أو قول غيبة أو قول نميمة أو قولًا لا يرضى به الله عزَّ وجلَّ فأنت مسؤول عن هذا السماع، ولا يصح أن تسمع ما حرَّم الله عزَّ وجلَّ قوله وسماعه، ﴿وَالْبَصَرَ: أيضًا النظر إلى ما حرم الله عزَّ وجلَّ أنت مسؤول عنه، ﴿وَالْفُؤَادَ: مثل أن تسيء الظن بأخيك أو قريبك أو أحد من النَّاس بلا بينة وبلا يقين، حتَّى لو عرفتَ اليقين والبينة فالمطلوب منك أن تستر على أخيك المؤمن لا أن تذكُره، وإذا ذكَرتَه ولو كنتَ صادقًا فقد اغتبتَه، وإذا كنتَ غير صادق فقد بهتَّه.

النهي عن إيذاء الآخرين

ورد حديث يقول فيه النَّبِيُّ ﷺ: ((الإنسانُ لا يَخلو مِن ثَلاثٍ: مِنَ الْحَسَدِ، وَمِنَ التَّشاؤمِ)) التَّطيُّر ((وَمِنْ سُوءِ الظَّنِّ))، فقالوا بما معناه: يا رسول الله، إنّ هذه الأشياء موجودة، فما الدواء منها؟

قال: ((إذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ))، إذا حسدتَ أخاك أو جارك أو شريكك أو قريبك أو زميلك.. وأكثر ما يكون التحاسد في التماثل في “الصَّنْعَة” [المهنة] أو العمل أو الحرفة أو القرابة، فإذا وقع في قلبك وضاقت نفسك من نعمة الله عزَّ وجلَّ عليه فلا تؤذِه ولا تتنقصه ولا تذكره بسوء.

((وَإِذَا تَطَيَّرْتَ)) تشاءمتَ بيوم الأربعاء أو بالأجير الفلاني أو بالأرض الفلانية ((فَامْضِ)) لا تدع التشاؤم يسيطر عليك لأن هذا لا حقيقة له، والمؤمن لا يستند إلى الباطل دون الحقائق.

((وَإِذَا ظَنَنْتَ)) ظن السوء ((فَلَا تُحَقِّقْ)) فإذا رأيتَ مع شخص زجاجة، ولو كان خارجًا من خمارة، فهل نتبعه لنرى أيشرب الخمر أم لا؟ هل نقول له: افتح هذه الزجاجة.. ما يدريك لعله دخل لضرورة أو لأمر ما.. وكذلك إذا رأيتَه يمشي مع امرأة تظن أن هذه المرأة لا يجوز له أن يمشي معها، هذا ظن السوء، فهل تلحقه وتسأل: من هذه؟ هل رأيتم من أين خرجَت وأين ذهبَت؟ ((وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ)) 3 ، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

التعامل المالي حسب الشرع حتى مع أعظم الناس علماً وثقة

قال النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ المسلِمِ عِرضَه)) “عِرضه” يعني أن تنال من كرامته، أو تنقصه ولا تعطيه حقه، أو تذمه في غَيْبته، أو تستغيبه أو تتنقصه أو تشهِّر به، ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِن المسلِمِ عِرضَه وَدَمَهُ ومَالَهُ، وأنْ يُساءَ بِه الظَّنُّ)) 4 ، إلا في المعاملات كالبيع والشراء فالتزم بالشرع ولو كان مع شيخك، فإذا عاملني أحدكم -وهل تثقون بأحد تعرفونه أكثر من شيخكم؟- فلا تتعاملوا معي إلا على الشرع، ودائمًا اجعلوا ميزانكم في كل شؤونكم الشرع؛ القرآن والسنة، لكن بفهم صحيح.

وأحيانًا يظن الإنسان نفسه أنه على الشرع، لكنه يكون واهمًا وخارجًا عن الشرع دون أن يشعر، لذلك: “اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلهما متشابهين علينا فنتبع الهوى” 5 .

جزاء من يقصِّر في نصرة الله عزَّ وجلَّ

﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11]، يعني لا ناصر لهم، وهذا في زمان النبي ﷺ كان واقعًا عمليًّا، فالصحابة رضي الله عنهم تولَّوا ربهم فتولاهم ربهم، ونصروا دِينه فنصرهم الله عزَّ وجلَّ، فلما زاغ الذين من بعدهم تخلَّى الله عزَّ وجلَّ عنهم.

ونحن الآن نقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7]، ونعتبر أنفسنا مؤمنين وسينصرنا الله، ولكنّ الله عزَّ وجلَّ لا ينصرنا، فهل نحن الصادقون أم كلام الله عزَّ وجلَّ هو الصادق؟ وهل نفهم هذا؟ علينا أن نتوب إلى الله عزَّ وجلَّ.

صلاة الاستسقاء أليست مطلوبة؟ لكن لها شروط، والآن يُصلُّون صلاة الاستسقاء ولا ينزل المطر، كالذي يُصلِّي بلا وضوء فهل صلاته مقبولة؟ أنا أذكر مِن محفوظاتي في طلب العلم في متن “الزُّبَد” عن صلاة الاستسقاء يقول

صَلِّ كَعِيدٍ بَعدَ أَمْرِ الحاكمِ بِتَوبةٍ وَالرَّدِّ لِلمَظالِمِ

“كعيد” يعني ركعتين، “الحاكم” حاكمنا الآن مثلاً رئيسنا، لكنه يُنيب في هذه القضية مثلًا وزير الأوقاف أو المفتي العام، وأنا أسمح للكل، ووزير الأوقاف بالطبع يسمح، ورئيسنا يسمح.. وهذه الصَّلاة مقرونة كما قال: “بتوبةٍ”، فعلينا أن نتوب كلنا إلى الله عزَّ وجلَّ من ذنوبنا ما ظهر منها من أعمال بدنية أو كلامية أو نظرية أو سمعية أو نفسية أو معاملاتية، كما إذا كان بينك وبين النَّاس معاملات وحقوق وديون، كأن سببتَ أحدًا أو شتمتَه أو آذيتَه أو تعديتَ عليه، فعليك أن تستسمح منه.

ولَمَّا تكلَّمَت السيِّدة عائشة رضي الله عنها عن ضَرَّتها صفية رضي الله عنها للنبي ﷺ وقالت: “إنها قصيرة”، غضب النبي ﷺ، وهي قصيرة حقًّا، قالت: “يا رسول الله، ما قلتُ إلا ما فيها”، قال: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ أُلقِيَتْ في بَحْرٍ لَأَنتَنَتْه، ولَو قُلتِ غَيرَ ما فِيها لَبَهَّتِّها)) 6 .

وكم الغيبة منتشرة بين الناس؟ وهي ذِكْر النَّاس إذا كان حقيقة، فإذا كان يشرب الخمر في داره لا يجوز أن تغتابه وتقول عنه: إنه شارب الخمر، لأنه مُستتِرٌ، أمَّا إذا جاهر بفسقه فلا غيبة لمجاهر بفسقه.

معنى الإيمان الحقيقي والتصوف الحقيقي

فالإيمان الحقيقي هو الذي يوجب العمل، فإذا آمنتَ بهذه الآية: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ [الإسراء:36] أصبحتَ رقيبًا على سمعك وعلى بصرك وعلى خواطر نفسك.

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات:11]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا يعني لا تعيبوا على بعضكم، فإذا رأيتَ في أخيك عيبًا فانصحه وساعده على خلاصه من عيبه، أمَّا أن تَذكُره بين النَّاس فهذا حرام لا يجوز، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ تقول: هذا فاسق وهذا خبيث وهذا كذا.

يقولون: “الصوفي هو الذي يرى نفسه تِبنًا والنَّاس قمحًا”، فهو يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بإخوانه، ويتحمَّل إيذاءهم.

ويقولون: لا بد للصوفي -يعني ابن الطريق المرشِد- من أربع خصال، ويسمونها بالمصطلح الصوفي “أربع موتات”، لا بد له من أربع ميتات، الأولى: الموت الأبيض، وهو أن لا يملأ بطنه بحيث لا يستطيع التنفس 7 ، فإذا أراد أن يذكر الله عزَّ وجلَّ لا يستطيع، ولا يبقى عنده نشاط ولا يقظة في قيام الليل، فيُطمَس على قلبه، ((أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)) 8 ، فخفِّف الطعام يقوى فكرك ويقوى نشاطك على الذكر.

مخالفة الهوى

قال: “والموت الأحمر هو مخالفة الهوى”، فعندما تغضب تقول لك نفسك: افعل كذا.. هنا اذكر الله عزَّ وجلَّ، وانظر هل ما هَوَتْهُ نفسك يرضى به الله عزَّ وجلَّ؟ تقول لك: سُبَّه، اشتمه، تَنقَّصْه، اذكر عيوبه بحق أو بغير حق، ولكن الله عَزَّ وَجَلَّ لا يرضى بذلك.

هذا هو الذكر، فالذكر في الخلوة شيء، وأعظم منه الذكر عند الأهواء، يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((اذْكُرْنِي عِنْدَ غَضَبِكَ أَذْكُرْكَ عِنْدَ غَضَبِي، فَلا أُهلِكُكَ فِيمَنْ أُهلِكُ)) 9 .

فالإيمان بالقرآن: ﴿خُذِ الْعَفْوَ بدل الانتقام، ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ بدل المنكر ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، فإذا أوصلوا إليك نبأً يعكِّر قلبك على أخيك فهذه نميمة، وهذا الشخص نمام إذا كان صادقًا فيما نقل.. ولقد كان السلف الصالح إذا نُقِل إليهم خبر قالوا له: إن كنتَ صادقًا فيما نقلتَ فغفر الله عزَّ وجلَّ لي، وإن كان كاذبًا فأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يغفر له.. فالطريق والدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ أخلاق وسلوك، وعلينا أن نعلِّم النَّاس لا بأقوالنا فقط، بل بأقوالنا وأعمالنا وسلوكنا.

ضرورة الاستغفار

كما أنه لا يوجد أحد لا يخطئ: ((كُلُّكُمْ خطَّاؤُونَ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) 10 ، وإذا كان النبي ﷺ يقول: ((وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيهِ فِي الْيَوْمِ أَكثَرَ مِن مِئَةِ مَرَّةٍ)) 11 ، فنحن كم ينبغي أن نستغفر الله عزَّ وجلَّ ونتوب إليه؟ أكثر من مئة مليون مرة.. فأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتوب عليكم كلكم.. ولا يُزكِّ أحد منكم نفسه، وأنا أيضًا، لأن الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم:32]، إياكم أن تزكُّوا أنفسكم، والمهم أن آخِرَ نَفَس عندما تخرج من الدنيا أن يختم لك الله عزَّ وجلَّ بالقَبول ويختم لك بالاستقامة.

كان الإمام أحمد في سكرات الموت وهم يقولون له: “قل: لا إله إلا الله”، فيقول: “لا بعد”، فصحا مرة وقال له ابنه: نقول لك: قل: لا إله إلا الله.. وأنت تقول: لا بعد، ألا تريد أن تقول: لا إله إلا الله؟ قال: ليس كذلك يا بنيَّ، وإنما عرض لي الشيطان -أي ظهر له الشيطان- عاضًّا على إصبعه ويقول لي: فُتَّني يا أحمد.. أي نفذتَ مني وتكاد تخرج من الدنيا، فكنتُ أقول له: لا بعد.. فما دام هناك نَفَسٌ في الجسم فعليك خطر، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: ((اللَّهمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ)) النبي ﷺ يقول هذا ((ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) 12 .

واللهُ عزَّ وجلَّ قال للنبي ﷺ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ [الإسراء:74-75] نعذِّبك عذابًا مضاعَفًا، لأنه رسول الله، وهو عليه الصَّلاة والسَّلام معصوم، ومع ذلك قال له هذا، ولكن هذه الآية لتعليمنا نحن.

معاملة الشيخ أحمد كفتارو مع إخوانه وحبه لهم

ولَمَّا ذكر الله عزَّ وجلَّ قصة موسى والخضر عليهما السَّلام ذكرها تعليمًا لنا، تعليمًا لأدب المتعلِّم مع المعلِّم، وأدب المربَّى مع المربِّي، قال: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:70]، أي لا تستعجل بالسؤال حتَّى أخبرك أنا.. وأنا لم أقل لكم يومًا من الأيام: لا تسألوني، فإذا أردتم فاسألوني حتى عن قميصي الذي على بدني، مع أن هذا ليس من أدب المريد مع الشَّيخ، “لكني لا أُعاملكم معاملة الشَّيخ مع المريدين، بل معاملة الأخ مع أخيه”، وهذه الكلمة كان يقولها شيخنا، والآن أعاملكم معاملة كأنكم المشايخ وأنا المريد، ولكن هذا ليس لكل الإخوان، فيوجد بعض الإخوان -رضي الله عنهم وعنكم كلكم- مريدون صادقون صادقون صادقون.

بلغني مرة عن الشَّيخ رجب رضي الله عنه أنه بقي ثمانٍ وأربعين ساعة دون أكل ولا شرب ولا نوم.. فأرسلتُ إليه أسأله: خيرًا إن شاء الله؟ قال لي: لَمَّا دخلتُ إلى “الصالون” رأيتُ وجهَك غير منبسط، [الصالون: قاعة في مسجد أبي النور كان يجلس فيه سماحة الشيخ مع بعض العلماء والضيوف لحضور خطبة الجمعة بعد الدرس]، فخفتُ أن تكون منزعجاً مني، فلم أعد أستطيع أن آكل أو أشرب أو أنام.. هل هذا صحيح شيخ رجب؟

والحمد لله يوجد من إخوانكم أيضًا كثيرون وكثيرون وكثيرون، ولكن ليس معنى ذلك أنه يوجد عصمة، فقد يخطئ الشَّيخ رجب، وأنا قد أُخطئ، لكن المريد لا يُفهِّم النَّاس أن الشَّيخ يُخطئ، المريد الصادق يُفهِّم النَّاس كمالات الشَّيخ.

وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يخطئ، وأنا أُسامح كل من يخطئ في حقي في الدنيا والآخرة، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحفظكم جميعًا، وأن أكون طبيبكم جميعًا لا قاضيًا عليكم، فأنا صبرتُ على أعدى أعدائي، فكيف أكون مع أحبابي، ومع أبنائي وإخواني؟ واللهِ إنني أُحب أن أفديكم بروحي وبحياتي حرصًا على إيمانكم، وحرصًا على مسيرة الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، ولعل الله عزَّ وجلَّ إذا نظر إلى صِدْقنا وإخلاصنا وتفانينا في رضاء الله يُجري على أيديكم الخير لأمتكم ولدولتكم وللعالَم، فمسؤوليتكم كبيرة، وكن مظلومًا ولا تكن ظالِمًا، كان من كلام شيخنا قدس الله روحه: “المظلوم حصته الله عزَّ وجلَّ”، ألا تعلمون أني ظُلِمتُ كثيرًا من ناس كثيرين؟ وهل رأيتم مني أني كنتُ أُقاصص أو أقابل أو كذا؟ ثم كيف كانت العواقب؟ عواقب الظالمين وعواقب المظلوم، ولا تخفْ فالله عزَّ وجلَّ موجود، وإذا كنتَ مظلومًا فافرح، فإمَّا مغفرة لذنوبك، أو أن الله عزَّ وجلَّ يدَّخرها لك في البنك الإلهي رصيدًا ومع الفائدة، وهل يجوز أخذ الفائدة من الله عزَّ وجلَّ؟ وكم حَدّها؟ بلا حدود، بل على حسب إخلاصك وصدقك.

ثواب المؤمنين الإيمان الحقيقي

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [محمد:12]، هذا الإيمان الحقيقي، أما أصحاب الإيمان الكذَّابي فلا يَعملون الصالحات ولا يُدخلهم الجنة، والإيمان الحقيقي هو الذي يثمر الأعمال الصالحة في أعمال المؤمن البدنية والأخلاقية والفكرية، فلا ترى فكره إلا صالحًا، وأخلاقه صالحة، وأعماله صالحة، ومجلسه صالحًا، ولسانه صالحًا، وكلامه صالحًا، وسمعه صالحًا، ومشيه صالحًا، وسهرته صالحة، ومجتمعه صالحًا.. هذا هو الصلاح، وقلبه وهذا أهم شيء: ((إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) 13 .

قال: ﴿جَنَّاتٍ [محمد:12] ليست جنة واحدة، الجنة في الدنيا هي البستان الذي لا يُكشَف من يدخله مِن تكاثف أشجاره، والأنظار لا تقع عليه لستر الأشجار له عن الرؤية، أما إذا كان الشجر متفرِّقًا بعضه عن بعض، والذي يدخل فيها لا يُستَر بأوراقها وأغصانها فلا تسمى جنة، فالغابات تسمى جنة، وقد يسمى البستان جنة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف:39]، لكن جنة الآخرة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “لَيْسَ شيءٌ في الآخرةِ ممَّا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا الْأَسْمَاءُ” 14 .

فإذا قال الله عزَّ وجلَّ عن جنة الآخرة: جنة، وعن بستان الدنيا: جنة، فاللفظ واحد لكن المعنى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17].. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا منهم.

المؤمن الحق تصغر عنده الدنيا

﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:12]، ما حال الذين كفروا في الدنيا؟ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11]، وفي الآخرة حالة المؤمنين في الجنان، التي: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17]، ((مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)) 15 .

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا ما حالتهم؟ قال: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ يتمتع بالدنيا، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء:77]، مهما تمتَّعتَ، لو كنتَ أغنى النَّاس وملكتَ الممالك والدول وغير ذلك فكم ستتمتع؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة؟ وهذا عمرك، لكن حكمك قد يكون عشرًا أو عشرين أو ثلاثين، وماذا بعد ذلك؟ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء:77]، والله تعالى يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207].

قال: متاع الكفار في الدنيا متاع زائل وفانٍ ومؤقَّت وغير ثابت، وهذا حال الكافر، أما المؤمن فمهما أوتي في الدنيا من مال وحكم وسلطان فلِوُجُودِ الإيمان الحقيقي إيمان القلب تصغر الدنيا في عينه؛ بمالها وجمالها ونسائها.

إنفاق عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما يحبه من الدنيا

كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا أحبَّ شيئًا تصدَّق به حالًا، إيمانًا بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] 16 ، هذا هو الإيمان، فإذا اشترى فرسًا فأعجبَتْه ورآها أحسنَ فرسٍ يتصدَّق بها 17 ، وإذا أعجبه طعام كالبَقْلاوة [حلوى لذيذة فاخرة] مَثَلًا لا يأكله بل يتصدَّق به 18 ، ومرة اشترى جارية في منتهى الجمال فأعجبته فأعتقها 19 ، هذا هو الإيمان.

أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل قراءتكم للقرآن بالإيمان الحقيقي، فالإيمان هو المعدة التي تهضم وتقوم بعملية التمثيل، بأن نهضم القرآن ويتمثَّل أعمالًا وأخلاقًا في ظاهرنا وفي باطننا.. وَلْنبكِ على أنفسنا كثيرًا، ولا نغترَّ.

من أحوال بعض مشايخ الشيخ أحمد مع الدنيا

كنتُ أسمع من عمي الشَّيخ صالح قدَّس الله روحه وكان من أكابر أكابر العارفين، وله كرامات وأحوال، فكان يقول: يقولون عنا: مشايخ ونحن لسنا مشايخ، ولكن “من قلة الخيل شدوا على الكلاب السُّرُوج”، فهو يعتبر نفسه كلبًا، لأن السروج للخيول، أما إذا وضعوها على الكلاب فمن قلة الخيول، هكذا كانوا ينظرون لأنفسهم.

دخل شيخنا على شيخه الشَّيخ عيسى الكردي مرة فرآه يبكي، فسأله: خيرًا يا سيِّدي؟ قال له: يا بنيَّ أبكي مِن ضعف إيماني، قال له: يا سيِّدي نحن علماء وحفظة قرآن ودروس وطلبة علم.. إلخ، كنا مغرورين بأنفسنا، فلما أتينا إليك رأينا أنفسنا مفلسين، والآن عرفنا الإيمان بك، وأنت تقول عن نفسك: ضعيف الإيمان، قال له: يا بنيَّ أنا أعرف نفسي، قال له: فكيف ضعيف الإيمان؟ قال له: أتاني فقير وطلب معونة فأعطيتُه الميسور؛ دينارًا أو غير ذلك، فما مضَت نصف ساعة إلا ودخل عليّ شخص آخر وأعطاني عشرة أضعاف ما أعطيتُ.. ثم عاد يبكي، فقال له شيخنا: ما فهمتُ لماذا تبكي إذن؟ قال له: هذا ضعف الإيمان، قال: أين؟ قال له: لو علم الله عزَّ وجلَّ قوة إيماني لَمَا عَجَّل لي المثوبة في الدنيا، ولو علم قوة إيماني لأخَّر لي المثوبة إلى الدار الآخرة.

هذا الذي أخرج الله له عشرين أو ثلاثين خليفة، وكل خليفة منهم كان بحرًا في العلم والحكمة والنور والكرامات.. هكذا كانوا ينظرون إلى أنفسهم.

ومرة دخلتُ على شيخنا وكنتُ شابًّا -وخاصة إذا اجتمع شباب العلم مع شباب السن- يعني كنتُ حزينًا وغضبان، فقلتُ له: فلان يتكلَّم عني كذا وكذا، فضحك وقال لي: يا ولدي، كان بعض الأولياء إذا سمع في حقه مثل هذا الكلام يقول: اللهم اغفر لي ذنبي الذي بسببه تكلَّم النَّاس علي.. فإذا أحرقتَ البخور ماذا يصدر منه؟ هل هناك أشدُّ من الحرق؟ أنت تحرقه وهو يبخِّرك.. وورقة “العِطْرة” مهما فركتَها حتى لو سحقتَها ماذا يخرج منها؟ [العِطْرَة: نبات ورقه له رائحة طيبة].. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا عطرة وبخورًا، ((اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَأنتَ مَوْلَاهَا)) 20 .

فهل تحبون أن تكون الدنيا لكم متاعًا؟ حتى لو تزوجتَ ملكة جمال، هل هناك أكثر من هذا؟ تقضي عشرين أو ثلاثين سنة في الشباب ثم تصبحان عجوزين أنت وهي، إذن هو متاع زائل، والدنيا متاع زائل.

حظ الكافر من الدنيا الخُسران

قال: الكافر ما حظه من الحياة؟ ﴿يَتَمَتَّعُونَ بالأشياء الزائلة وبالعمر القصير، ولا ينظرون في عواقب أمورهم، مثل الدابة حين تذهب إلى المرعى ترعى وتأكل وتسرح، ولكن هل تعرف أن مصيرها الذبح والسلخ والتقطيع وتكسير العظام؟ ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ [محمد:12]، الأنعام هي البقر والغنم والماعز والجِمال.. الحمير ليست من الأنعام، بل من الدواب.

قال: فهم يأكلون كما تأكل الأنعام ولا يدرون ما مصيرهم، وهم مغرورون بالمتاع القليل، أما المؤمن ففي ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [محمد:12]، خالدين فيها أبدًا، شباب لا يهرم، وحياة بلا موت، وصحة بلا مرض، و﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعة:25-26].

وهل خسروا في الدنيا؟ صاروا ملوكًا بعد أن كانوا صعاليك، ماذا كانوا قبل النبي ﷺ؟ كانوا جوعى وعراة وفي الصحارى، وبعد النبي ﷺ صاروا ملوك الأرض، وصارت ملوك الأرض خدمًا لهم، وكذلك كل مَن يَصدُق مع أهل الله عزَّ وجلَّ.

وعليه أن يَصدُق في الرضى والغضب، وفي العسر واليسر، وليس على هواه، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ [الأحزاب:24]، وما رَأَينا صادقًا صدق إلا وأعطاه الله عزَّ وجلَّ خير الدنيا وخير الآخرة، وقولوا: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبَنا عَلَى دِينِكَ)) 21 .

﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم [محمد:12]، النَّار مثوى لهم بعد الأكل والشرب، الخروف والعجل والثور مهما أكل وشرب فمصيره السلخ، أما المؤمنون فليس أمامهم سلخ، بل ينقلهم الله عزَّ وجلَّ من الحياة الدنيا إلى الحياة العظمى، من الدنيا بما فيها من منغِّصات ومن هرم ومن هموم إلى ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

إخراج النَّبيِّ ﷺ من مكة

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ [محمد:13] هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في أثناء هجرته، فهي مكية وجعلها الله عزَّ وجلَّ في السورة المدنية، فقد خرج النبي ﷺ مكسور الخاطر، ليس مكسور الخاطر بالمعنى الذي فينا، بل مكسور الخاطر على قومه، على قريش، وخاطب مكة قائلًا: ((أَمَا إنَّكِ لَأَحَبُّ بِلادِ اللهِ إلى اللهِ))، لأنها موطن إبراهيم عليه السَّلام، وفيها بناء الكعبة التي هي مسجد إبراهيم عليه السَّلام، ومهبط القرآن، فلولا أن الله عزَّ وجلَّ أحبها أكثر من كل البلدان لَمَا أنزل القرآن فيها، ولَمَا جعل سيِّدنا مُحمَّدًا ﷺ فيها، فهي إذن أحب بلاد الله إلى الله عزَّ وجلَّ، ((وَأَحَبُّ بِلادِ اللهِ إليَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ)) 22 .

ولعل النبي ﷺ يكون حزينًا على قومه، وقد يتأثَّر فهو بشر، لكنه لا يمكن أن يخرج عن مخالفة الشرع، وإذا قال له الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فما ذنب النبي ﷺ؟ ليس هو المعصية أو فعل الحرام والمكروه، بل ذنبه عليه الصَّلاة والسَّلام أن يترك الأحسن ويفعل الحسن، وأن يترك الأَولى إلى ما يجوز، فدائمًا: “حَسَنَاتُ الأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ” 23 ، الأبرار أدنى والمقرَّبون أعلى، فحسنات المقرَّبين أعلى من حسنات الأبرار، وإذا فعل المقرَّب حسنةَ الأبرار تعتبر في حقه سيئة.

كما إذا قيل: إن ثياب “الزَّبّال” [عامل النظافة] اتَّسخت فما معنى ذلك؟ معناه أنه قد أمضى ستة أشهر خلف طنبر القمامة [الطُنْبُر: عربة تجرها الدواب]، أما إذا قال أمير أو وزير أو غني كبير: إن قميصه اتَّسخ.. فقد يكون لَبِسه يومًا واحدًا فتعرَّق، فهل وسخ هذا مثل وسخ ذاك؟ وهل ذنوب الأنبياء مثل ذنوبنا؟ لا يصح أن تقِيس الصائغين على الحطَّابين. [الصائغين: جمع صائغ، وهو بائع الذهب والفضة والجواهر، والحطّابين: جمع حطّاب، وهو بائع الحطب].

تعزية الله تعالى لقلب النَّبيِّ ﷺ

فقال له: لا تحزن، فهناك قبل مكة وقبل قريش والكفار أمم كثيرة ومدن كثيرة، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ قرى كثيرة ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13]، النبي ﷺ يريد أن يجعلهم ملوكًا وهم يريدون أن يقتلوه، هو يريد أن يُعِزَّهم وهم يريدون أن يُذِلُّوه، يريد لهم السعادة وهم يريدون له الشقاء، لكن الله عزَّ وجلَّ لا يمشي على هواهم، وإذا غلطتَ لا يمشي الله على هواك، فدعُونا على هوى الله عزَّ وجلَّ.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا على مرضاته وشريعته، في ظاهرنا وباطننا وحضورنا وغيابنا.

﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فإذا كنا قد أهلكنا الأشد والأقوى أفلا نستطيع أن نهلك هؤلاء وهم أفقر وأضعف؟ ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

أنواع الموت الأربعة

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [محمد:14] المؤمن في زمن النبي ﷺ كان على بَيِّنَة؛ نورٌ يملأ قلبه ويسري في كل وجوده، ويملأ قلبَه حكمةً ونفسَه علمًا وأخلاقًا وصبرًا وتحمُّلًا بكل أنواع الموت: “الأبيض وهو الجوع”، وهل جاعوا أم لم يجوعوا؟ ربطوا الأحجار على بطونهم، والنبي ﷺ ربط حجرين 24 ، “والموت الأحمر وهو مخالفة الهوى”، كانوا كلهم مخالفين لأهوائهم، سيِّدنا عمر رضي الله يغضب في بعض الأوقات فيُذكَّر بكتاب الله عزَّ وجلَّ فيقول: “أصابت امرأة وأخطأ عمر” 25 ، هذا هو الموت الأحمر.

قال: “والموت الأسود هو تحمُّل الأذى من النَّاس بصبر وحِلم”، وهذا من شروط المريدين، فإذا آذاك أحد فعليك أن تتحمَّل الأذى بالصبر والحِلم والعفو والمسامحة، حتَّى تصير مريدًا.

“والموت الأخضر: أن لا تُبالي بما لبستَ” 26 ، مرقَّعًا أو عتيقًا، طويلًا أو قصيرًا.

مرة كنت مع شيخنا خارجين من البيت، وبعد أن قطعنا مسافة مئة متر تقريبًا انتبهتُ أنه يلبس العباءة بالمقلوب، وهي مكفوفة من كل طرف بمقدار أربع أصابع، فقلتُ له: يا سيِّدي، العباءة بالمقلوب، فلم يردَّ عليَّ، فكرَّرتُ عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فقال لي: يا بنيَّ، السيف ليس بقِرابه، بل بنصله.. ولم يعدِّل لبسها، وذهبنا وعدنا ونحن نمشي بين النَّاس.. هذا هو الموت الأخضر.

ذِكر الله بطاعته وتركِ معصيته

فمن كان على بينة من الله ونور من الله وحضور مع الله ومعرفة بالله عزَّ وجلَّ وصار من أهل اليقين لا يفكر ولا يهتم بالثوب ولا بكلام النَّاس ولا برضاهم ولا بسخطهم، ولا بالفقر ولا بالغنى، بل يفكر بالله، ويذكر الله فيذكره الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَاذْكُرُونِي في طاعتي فأدُّوها، وفي معصيتي فاجتنبوها ﴿أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] عند عسركم وعند شدائدكم، ولا أَكِلُكم إلى أنفسكم طرفة عين.

قال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14] كان أبو سفيان يرى عمله السيئ أنه عمل حسن، وقريش كانت أعمالها السيئة من كفر وضلال وإيذاءِ أفضلِ نبيٍّ أتى على وجه الأرض ﷺ، وترى إيذاءه وقتله حسنًا، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ يعني ليسجنوك سجنًا مؤبدًا، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، فماذا كانت النتيجة؟ كن مع الله عزَّ وجلَّ ولا تخف، ولو اجتمع عليك أهل الدنيا، لكن كن مع الله شرعًا وحكمةً وعقلًا، وليس مع الله عزَّ وجلَّ فقط بالْمَسبَحة، [فقط في جلسة الذكر وأنت تستخدم المَسبحَة أو السُّبْحَة]، بينما بعد المَسْبَحَة تعمل “أشكالًا وألوانًا”، [أشكالاً وألواناً: من اللهجة العامية، وتعني هنا حسب السياق: تعمل ذنوباً كثيرة وفي ميادين مختلفة]، عندما نقرأ الكتاب نستجيب وخارج الكتب لا نستجيب، عليك أن تكون أنت بأعمالك كتابًا لا بأقوالك، فالقول هَيِّن.

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحسِّن أقوالنا وأعمالنا وقلوبنا، الحاضر منا والغائب عنا وكل العالَم لا المسلمين فقط.. أنا أتمنى الخير لكل العالَم، أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلهم من المتقين ومن المؤمنين ومن السعداء والمسعِدين، فكيف بكم أنتم؟ أصغر شخص فيكم أحبه أن يصير في أرفع الدرجات في دينه وفي دنياه، وسعادتي أن أراكم سعداء، وبلا استثناء.

الحذر من تزيين الشيطان للعمل

قال: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14]، انتبهوا إلى أنفسكم، عندما يصدر عنك عمل أو قول أو نظر فتنظر إلى غيرك نظرة احتقار، أو تسمع كلامًا باطلًا يُزيَّن لك على أنه كلام حسن، أو تظن الصديق حسنًا وهو مزيَّن لك، وهو في الواقع صديق غير صالح، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد:14]، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8] انتبهوا! فالسارق ماذا يرى سرقته؟ هل يراها عملًا حسنًا أو غير حسن؟ وكذلك الكاذب والظالم ومانع الزكاة وتارك الصَّلاة والباغي والمتعدي.. الأمر مخيف يا بنيَّ.

كان لأحدهم جَيْبان في ثوبه، فإذا عمل حسنة وضع حصاة في جيبه الأيمن، وإذا عمل سيئة وضع حصاة في جيبه الأيسر، وفي المساء يقوم بعملية جمع وطرح ويصحح أعماله على ضوء الطرح والجمع، هكذا كانوا رقباء على أنفسهم وأنفاسهم وأعمالهم وأخلاقهم وليلهم ونهارهم.

تذكُّر الوقوف بين يدي الله عزَّ وجلَّ

وقوفنا بين يدي الله عزَّ وجلَّ، وحسابه لنا في كتابٍ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا تساوي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ 27 ، لا جاهها ولا مالها ولا عزها، المهم أن نكسب رضاء الله عزَّ وجلَّ، ولو كنا في أسفل البئر، وإذا وضعوك في أعلى المنابر ولم تكسب رضاء الله عزَّ وجلَّ فأنت خاسر، فإذا كنتَ في أسفل سافلين وكسبتَ رضاء الله عزَّ وجلَّ فأنت الرابح.. فأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلكم في أعلى عليين وأن تكونوا رابحين، لكن الأساس أن تحرصوا على رضاء الله عزَّ وجلَّ.

﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14]، وما الأهواء؟ ميل النفس، مثلًا عندما تحب إنسانًا تميل نفسك إليه، فإذا عزف على الطَّنْبُوْرَة [آلة موسيقية] تسايره، فهذا هوى، وأن تشهد له شهادة زور لتنتفع، فهذا هوى النفس، وإذا غضبتَ تسب الدين أو تطلِّق زوجتك فهذا هوى، و”إنَّ الهوى زُمَّ بالتقوى” 28 ، [فالتقوى تُمْسِك بزمام الهوى كما يُمسَك زمام الدابة، فتمنعه من الانفلات، وتوجّهه إلى الحق]، فإذا غضبتَ أو فرحتَ، أو أحببتَ أو عاديتَ، أو اغتنيتَ أو افتقرتَ، أو صار بين يديك المال الحرام، ككوم مِن الذهب ألا تهواه نفسك؟ هنا: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40]، فإذا خلوتَ بامرأة حرام، أو امرأةٌ تَهَيَّأَ لها الحرام، أليس هذا هوى؟ هنا: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

قصة مبارزة سيدنا عليّ رضي الله عنه لأحد المشركين

سيِّدنا عليٌّ رضي الله عنه في بعض المعارك صارع أحد كبار شجعان المشركين، وبعد صراع طويل ومعركة طويلة تمكَّن منه ووضع السيف على عنقه ليذبحه، فرأى المشرك أنه لم يبقَ في يده شيء، ومِن عداوته ونار غيظه بصق في وجه سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه، يعني حاربه وحاول أن يُدافع عن نفسه ولو بالبصاق، فما كان من سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه إلا أن تركه وكفَّ عن قتله.

فقالوا له: “يا أمير المؤمنين”.. هذا إذا كان في خلافته، لكن سيدنا عليّ رضي الله عنه في خلافته لم يقاتل المشركين، ولعل هذه القصة كانت في زمن النبيّ ﷺ، قالوا له: يا ابن عم رسول الله، لقد تمكنتَ منه ومع ذلك بصق في وجهك فكيف تركتَه؟ فقال: لَمَّا كنتُ أريد أن أذبحه كان ذلك جهادًا في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فلمَّا بصق في وجهي ثارت عليَّ نفسي ودفعتْني لأن أقتله غضبًا لنفسي، هذا ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، قال: فرفعتُ السيف عنه حتَّى لا أكون عبد هواي وعبد نفسي 29 .. فهنا ذَكْر اللهَ عزَّ وجلَّ.

أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلكم من الذاكرين في كل أحوالكم، في خلواتكم وجلواتكم وأسواقكم، وصحتكم ومرضكم، وغناكم وفقركم.

بِرّ الشيخ أبي الخير الميداني بشيخه الشيخ عيسى

نرجع إلى أخينا الشَّيخ لطفي رحمه الله، هذا كان رفيقي في الدراسة عند الشَّيخ أبي الخير الميداني رضي الله عنه وقدس الله روحه، وكان الشَّيخ أبو الخير من خلفاء الشَّيخ عيسى وكان صهره، ومع عظيم مقامه رضي الله عنه لم يكن مُجازًا بالرابطة، والشَّيخ إبراهيم الغلاييني عليه رحمة الله وقدس الله روحه كان من الأولياء، ولم يكن مجازًا بالرابطة، وشيخنا كان مجازًا، والشَّيخ أمين الزملكاني على أُمِّيَّته كان مجازًا، وعمي الشَّيخ صالح كان مجازًا، أما الشَّيخ أبو الخير فلم يكن مجازًا وهذا ليس حَطًّا من قدره، فالولاية درجات والإيمان درجات، لكنه كان على درجة عظيمة من الإيمان والولاية والأخلاق.

وكان متزوِّجًا من بنت شيخه، فكان يدير لها نعلها إلى أن تُوُفِّيت، ولم تنجب له أولادًا، وكان إخوانه من حبهم له يريدون أن يتزوَّج غيرها لتنجب له أولادًا، فقال لهم: أنا عندي بنت شيخي وأؤذيها؟! أنا إذا قام أحد بإيذاء كلب أسود من كلاب الأكراد -ليس كلب الشَّيخ، وقد كان شيخه كرديًّا- فكأنما آذاني، قالوا له: يا سيِّدنا من أجل الأولاد، فقال لهم: وما حاجتي للأولاد؟ كلكم أولادي، كم سيأتيني من الأولاد واحد أو اثنان أو ثلاثة؟ فأنتم بالعشرات والمئات.. رضي الله عنه وأرضاه.

يروي لي عنه الشَّيخ لطفي -رضي الله عن الشَّيخ لطفي، وعن الشَّيخ محمود الرنكوسي، وعن كل المؤمنين- كان الشَّيخ أبو الخير يحدِّث إخوانه ويقول لهم: لو شعرتُ أن قلبي مال إلى غير شيخي ولو لحظةً واحدةً لانتزعتُ قلبي من صدري وألقيتُه إلى الكلاب لتأكله.. هذه أنا سمعتُها من فم الشَّيخ لطفي.

نظرة الشيخ أمين كفتارو إلى شيخه الشيخ عيسى

وسمعتُ من شيخنا رضي الله عنه أيضًا حول هذا الموضوع، يقول لي: إن الشَّيخ عيسى قال لشيخنا مرة: إنّ شيخاً آتٍ من بلاد كذا، وهو قطب كبير، وقطب الأقطاب وكذا، فقال له: يا سيِّدي لو أتى أقطاب الدنيا بعدد ذرات التراب، فأنت قطبي وأنت شيخي، وأنا لا حاجة لي بكل أقطاب الدنيا بعد أن عرفتُك، ماذا سأستفيد منهم؟ ولذلك [كان انتفاعه من شيخه عظيماً]، وكان غيره من المشايخ لهم مشايخ متعدِّدون إضافة إلى صحبتهم للشَّيخ عيسى.. وشيخ التربية يجب أن يكون واحدًا، أما شيوخ العلم فلا مانع من تعدُّدهم، وإذا اجتمع شيخ التربية مع شيخ العلم فماذا تريد أكثر من ذلك؟

كانتْ لِقَلبيَ أَهواءٌ مُفرَّقةٌ فَاستَجمَعَتْ إذ رأتْكَ العَينُ أَهوائي تَركتُ لِلنَّاسِ دُنياهم ومَذهَبَهم حُبًّا بِذِكْرِكَ يا دِينِي ودُنيائِي

هنا الخطاب مع حضرة الله عزَّ وجلَّ وليس مع الإنسان.

الأولياء درجات

أمَّا بالنسبة للمربي فمرة رأى النبي ﷺ بيد سيِّدنا عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة، فقال له: ((ما هَذا؟)) قال: يا رسول الله، ورقة من التوراة، فغضب النبي ﷺ حتَّى تمعَّر وجهه، وقال له: ((لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي)) 30 ، ((أَنتُم حَظِّي مِنَ الأُمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ الأنبياءِ)) 31 .

لقد كان الشَّيخ عيسى رضي الله عنه بحرًا في العلم، وكان يقال له: “الشافعي الصغير”، وكان في الولاية قد ترك عشرين أو ثلاثين خليفة كلهم أقطاب رضوان الله عليهم، لكنهم مع ذلك كانوا درجات.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يثبِّتنا بقوله الثابت، ويحمينا من الأخطاء، ويثبِّتنا على صراطه المستقيم، وإذا أخطأنا أن نوفَّق لنكون كما ذكر الله عزَّ وجلَّ في قصة آدم عليه السَّلام وإبليس، وهذه ليست قصة للتسلية بل للدرس والتربية، فكلاهما أخطأ، أحدهما قضى خمسين ألف سنة في العبادة وآدم عليه السَّلام ابن يوم، قال له: اسجد له، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12]، وآدم عليه السَّلام أيضًا أخطأ حين أكل من شجرة الجنة، فاعترف آدم عليه السَّلام وتاب فتاب الله عزَّ وجلَّ عليه، وذلك أصرَّ واستكبر فكان الذي كان.

لم أعيِّن خليفةً ولن أعين

لذلك وصيتي لكم يا بنيَّ إذا وقعتم في الخطأ فسارعوا في التوبة إلى الله عزَّ وجلَّ خوفًا من سموم الخطأ أن تتوسَّع وتتوسَّع أكثر فأكثر، وليس منا أحد معصوم، العصمة لله عزَّ وجلَّ، لكن علينا أن نكون يقظين جدًّا، ونسأل الله عزَّ وجلَّ الاستقامة كثيراً.

قالوا للنبي ﷺ: شِبتَ ولم تبلغ أوان الشيب، فقال: ((شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها)) 32 ، ما الذي شيَّبه من هود؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] 33 .

اللهم إنا نسألك الاستقامة، لنا ولإخواننا ولأحبابنا الحاضرين والغائبين، وكلكم أولادي وأبنائي، وأنا إلى الآن لم أعيِّن خليفة، ولن أعين خليفة وربما أُعطي إجازة وإذنًا لعدد من الإخوان الذين صاروا أهلًا للدعوة قلبًا وسلوكًا وعلمًا، وأيضًا لا أفعل ذلك إلا بعد أن أذاكر رئيسنا وبموافقته، فإذا كانت صلاة الاستسقاء يلزمها إذن من الحاكم، [فكيف بمثل هذا الأمر!].

[كان سماحة الشيخ رحمه الله يحثّ طلابه وإخوانه الدعاة أن يكونوا واضحين مع الحاكم ومع المسؤولين في الدولة، لا أن يكونوا منعزلين ومنطوين، فتخاف منهم الحكومة، وربما يؤدي ذلك إلى معاداتهم وإيقاف عملهم وإنهاء مسيرة الدعوة، إذ الإنسان عدو ما يجهل، وكان من كلماته خاصة للمشايخ المتخرجين حديثاً: قم بالدعوة إلى الله في المسجد وخارجه، ولا تكن منعزلاً في المسجد، حتى ينظروا إليك كأنك ضبعٌ في مغارة.. لأن الشيخ أو الداعي ليس عنده ما يخفيه، وهو دائماً يسعى لخير بلده ووطنه وشعبه، ولا يضمر الشرّ لأحد من الخلق، وحين يعرف القائمون على الحكم ذلك لا يخافون من المشايخ ولا يناصبونهم العداء.. وهذا في الوضع الطبيعي العام.. ويبدو لي أن الشيخ يقول إنه يريد أن يذاكر الرئيس بذلك حفاظاً منه على مسيرة الدعوة في مجمعه أبي النور الإسلامي بعد وفاته رحمه الله تعالى].

وبالأمس سمعتُ له كلمة في التلفزيون أو في الإذاعة فيها دعوة إلى الإسلام، فهو أحد الدعاة، لكن على مستوى رئيس جمهورية. [هذه الكلام نموذج من القول اللين الحكيم الذي كان يقوم به سماحة الشيخ مع رئيس الدولة، وهو عملاً بأمر الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44]..].

صلاة الاستسقاء

وصلاة الاستسقاء

صلِّ كَعيدٍ بعدَ أمرِ الحاكمِ بتوبةٍ والرَّدِّ لِلمَظالِمِ والبِرِّ والإعتاقِ والصِّيامِ ثَلاثةً، ورابعَ الأيَّامِ فَلْيَخرجوا ببِذلةِ التَّواضُعِ مَعْ رُضَّعٍ ورُكَّعٍ ورُتَّعِ واخطُبْ كما في العَيدِ بِاستدبارِ وأَبدِلِ التَّكبيرَ باستغفارِ

“والبِرِّ”: أي على النَّاس أن يتصدَّقوا ويفعلوا الخير قبل صلاة الاستسقاء، “والإعتاق”: وإذا كان عندهم عبيد أن يعتقوهم، “والصيام ثلاثة”: وعليهم أن يصوموا ثلاثة أيام، “ورابعَ الأيامِ فليخرجوا ببِذْلةِ التواضعِ”: ثم يخرجون بالثياب المرقَّعة البالية المهلهلة تذلُّلًا إلى الله عزَّ وجلَّ، “مَعْ رُضَّعٍ ورُكَّعٍ ورُتَّعِ”: ويُخرِجون معهم النساء الحبالى، والأطفال الصغار، والدواب، والغنم، ويفرِّقون بين الأمهات والخراف الصغار ليصرخوا جميعًا بالدعاء إلى الله عزَّ وجلَّ، “وأبدلِ التكبيرَ باستغفارِ”: في صلاة العيد أَلَا نكبِّر سبعًا وخمسًا؟ فهنا في الاستسقاء يكون الاستغفار بدلًا من التكبير، سبع استغفارات وخمس استغفارات.

حقيقة التوبة

على كل حال نستسقي الله عزَّ وجلَّ الآن بالدعاء، ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود:3]، لكن علينا أن لا نطلب المغفرة بالكلام فقط، بل نتوب إلى الله عزَّ وجلَّ، والتوبة هي استغفار بالعمل، فإذا كنتَ واقعًا في خطيئة الكذب فتب إلى الله عزَّ وجلَّ، أو في خطيئة الغيبة فتب إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا هو استغفار العمل، وكذلك إذا كنت قد أكلتَ حقوق النَّاس فأعد إليهم حقوقهم، وهذا استغفار بالعمل، وإذا كنتَ متعدِّيًا على زوجتك أو أنتِ متعدِّية على زوجك فالاستغفار أن نُرجِع إلى كل ذي حق حقه.

واستغفار العمل يجب أن يكون معه استغفار القلب بالانكسار والتذلل والتواضع إلى الله عزَّ وجلَّ وسوء الظن بنفسك، فعليك أن تُسيء الظن بنفسك وتُحسن الظن بإخوانك، إلا في المعاملات، فالمعاملات -كما قلنا لكم- لها خصوصية، وإذا عاملتموني فعاملوني بالشرع.. وقد قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ [نوح:10-12].

فهل تعاهدونني كلكم على أن تتوبوا إلى الله عزَّ وجلَّ توبة نصوحًا وأن تتوب ألسنتكم؟ هل تعاهدونني؟ وأن تتوب أعينكم وآذانكم، وأن تتوب أفواهكم وبطونكم فلا تُدخلوا حرامًا، وتتوب قلوبكم وما في صدوركم فلا يكون فيها غل ولا حقد ولا حسد ولا سوء ظن، ولا إعجاب بالنفس كأن تُعجَب بنفسك أو بصلاتك أو صومك أو علمك أو درسك.. أنا كنتُ أدرِّس في الجامع الأموي، ويكون الجامع ممتلئًا، فكنتُ كلَّما جلستُ على الكرسي لأبدأ الدرس، وكلما نزلتُ عن الكرسي في آخر الدرس أشعر بأنني أحترق، وأستغفر الله عزَّ وجلَّ وأقول: واللهِ أنا لستُ أهلًا لهذا الدرس، يا رب اغفر لي جرأتي على ما لستُ له أهلًا.. وأنا أقول لكم هذا ليس تصنُّعًا، بل من كل أعماق قلبي، وإلى الآن.

قصة: انزل عن المنبر يا كذاب

رويتُ لكم مرة قصة أنّ أحد الشُّيوخ أجاز أحد المريدين بالدعوة، فصعد المريد المنبر ليخطب خطبة الجمعة، وكان الوقت شتاءً، وهو على المنبر دخل سائلٌ، وقال: أنا أشعر بالبرد، تصدَّقوا عليَّ بما يُدفئني، فخلع الخطيب “فَرْوَتَه” أو عباءته ورماها إليه وهو يخطب، [الفَرْوَة: تشبه العباءة في شكلها، إلا أنها مصنوعة من جلد الغنم وصوفها، وهي خاصة لفصل الشتاء]، فماذا كانت نتيجة عمله؟ قال له شيخه: انزل عن المنبر يا كذَّاب.. فكيف إذا فعلتُ هذا مع أحدكم؟ شيخ رجب هل تتحمَّلها؟ الشيخ رجب أَنْعِم به! رضي الله عنه، وأَنْعِم بكم جميعًا الحاضرين والغائبين! فكلكم أبناءٌ بررةٌ إن شاء الله.. ولو رأيتم أحد الإخوان حصل منه خطأ فهذا ابن الشَّيخ، ولا أرضى أن يَذكر شخص أقلَّ شخص من أبناء الشَّيخ القلبيين ولا بمثقال ذرَّة، ولا يبلِّغ الإخوان بعضهم مع بعض إلا أطيب الكلام وما يقرِّب القلوب، واحذروا النمامين، فهناك نمامون فسقة، وهم مثل المنافقين في زمن النبي ﷺ، كانوا يختلطون بالصحابة رضي الله عنهم، ومن النمامين من هم سخفاء قليلو العقول، ومنهم ضعاف الإيمان، ولا نريد أن نكون مطايا ودواب للنمامين ليركبونا، هل نركبهم أم يركبوننا؟ ليس معنى الركوب على البدن، بل المقصود أن تعلو آدابنا وتفوق على أخلاقهم.

فقال له شيخه: انزل عن المنبر يا كذَّاب، فنزل، وصعد خطيب غيره فخطب.. لو كان هذا مريدًا أَعْجَر فربما يكفر، [الأعجر هو الفاكهة القاسية قبل نضجها، والشيخ يُشَبِّه المريد في بداية طريقه بهذه الفاكهة قبل أن تنضج]، والشَّيخ أيضًا لماذا لم ينتظره حتَّى ينتهي ويكلمه بينه وبينه؟ لأنّ هذا من جملة التربية وإخراج حظ النفس، ولكن لنكمل القصة: بعد انتهاء الخطبة قبَّل يد شيخه وقال له: يا سيِّدي، أنا ممتثِل، لكنني لم أعرف من أي ناحية كنت كذّاباً حتَّى أتوب إلى الله عزَّ وجلَّ وأنظف نفسي من كذبي، قال له: لأنك أناني طمَّاع تحب نفسك.. هل هذا أناني أم مؤثِر وقد أعطاه فروته وعباءته؟ قال له: واللهِ يا سيِّدي لم أفهم بعد.. وكلام الشُّيوخ كلام دقيق لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، قال له: كان عليك أن لا تستعجل، وتصبر حتَّى يتصدَّق عليه المستمعون ليكسبوا الثواب في الدار الآخرة، فأنت باستعجالك وإعطائه فروتك وعباءتك آثرتَ نفسك عليهم لتأخذ ثواب الآخرة، ولم تترك لهم طريقًا لينالوا هم الثواب، فأنت أناني في الثواب والآخرة.. أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلكم أنانيين مثله.

ما فعله الإمام السبكي عند قبر شيخه الإمام النووي

الإمام السبكي كان شيخ الإسلام وشيخ الأزهر في مصر، ودرس في الشام عند الإمام النووي، وفي يوم من الأيام أتى لزيارة قبر شيخه في نوى، ثم أتى إلى مدرسة دار الحديث التي كانت موضع التدريس ودراسته عند شيخه، فأخذ يكنس عتبات المدرسة بلحيته.. وهل هذا فرض أو سنة أو شرع؟ هذا اسمه حب، والحب ليس له حد، والنبي ﷺ كان يقول: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ)) 34 ، وكان الصَّحابي يضع صدره أمام صدر النبي ﷺ 35 ، فهل هذا فرض؟ هذا اسمه حب، وورد في الأثر: ((لا إِيمانَ لِمَنْ لا مَحَبَّةَ لَهُ)) 36 .

في الحب لا ترى لنفسك وجودًا إلا وجود حبيبك، ولا سرورًا إلا سروره، ولا رضاء إلا رضاه، هذا هو الحب، حتَّى لا ترى لنفسك وجودًا.. فكان يكنس العتبات بلحيته وينشد قائلًا

وفي دارِ الحَديثِ لَطيفُ مَعنى أُطوِّفُ في جَوانِبِهِ وآوي لَعَلِّي أنْ أنالَ بِحُرِّ وَجهِي مَكانًا مَسَّهُ قَدَمُ النَّواوي

ربما يأتي خدي أو لحيتي على مكانٍ داسه شيخي بقدمه، فتتبارك لحيتي بموطئ نعله، هذا ما اسمه؟ اسمه الحب.

ماذا فعل عبد الله بن الزبير بدم النبي ﷺ من الحجامة؟

احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ مرة وأعطى دمه لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما، وقال له: ((ادفنهُ في مكانٍ لا يَراه فيه أَحَدٌ))، فأخذ الدم وشربه.. وهل الدم طاهر أو نجس؟ نجسٌ كحكم شرعي، وإنْ كانوا يقولون: إن فضلات النبي ﷺ طاهرة، فسأله: ((أَينَ دَفنْتَ الدَّمَ؟)) فقال له: “في مكان لا يراه فيه أحد”، فقال له: ((لَعَلَّكَ ازْدَرَأْتَهُ؟)) أي شَرِبْتَهُ، قَالَ: “نَعَمْ يا رسول الله”، قال: ((إذنْ لا تَمسُّ النَّارُ بَطنَكَ)) 37 .

شرب الدم تعبير عن الحب، فإذا أحب شخصٌ الشيخَ ضِمْن الشرع فهل يُلام؟ كان ابن الفارض سلطان العارفين يقول

لو أنَّ رُوحي في يَدي وَوَهَبْتُها لِمُبشِّري بِقُدُومِكم لم أُنصِفِ ما لي سِوى رُوحي، وباذلُ رُوحِهِ في حُبِّ مَن يَهواهُ ليسَ بمُسرِفِ فَلَئِنْ قَبِلتَ بها فقد أَسعَفتَني يا خَيبةَ الْمَسعَى إذا لم تُسعِفِ

كيف كافأ الشيخ أمين كفتارو شيخه

سمعتُ من شيخنا أنه لَمَّا عرَّفه الله عزَّ وجلَّ بشيخه قال: فكَّرتُ بماذا أقابل الشَّيخ؟ فوجدتُني عاجزًا ولو قدمتُ حياتي وروحي.. وبحسب الذوق يصير الحب، قال: فلما وجدتُ نفسي عاجزًا قلتُ: فلْأُكافئ من دلَّني على شيخي، وكان الفقر سائدًا حينها، ففتشتُ عن أحسن شيء كنتُ أملكه، فما كان عندي أفضل من عباءة جديدة من الوَبَر، فقدَّمتُها لخادم الشَّيخ الذي دَلَّني على شيخي، ومع ذلك أتيتُ إلى شيخي فسألتُه: يا سيِّدي، بمَ ينال المريد أداء حق شيخه عليه؟

الشيخ هو الذي يربي قلبك وعقلك وإيمانك ودينك، وإذا جعلك الله عزَّ وجلَّ أكثر من هذا فجعلك داعيًا إلى الله عزَّ وجلَّ بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا فهذا بنسبك إلى الشَّيخ.. النسب الجسدي لا يفيد، فابن النبي هل يفيده النسب الجسدي إذا لم يكن له النسب الروحي مع المربي؟ قال الله عزَّ وجلَّ عن أولاد الأنبياء: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:26]، والآن يوجد أولاد مشايخ كثيرون، العائلة قد تضم مئة شخص أو مئتين أو ثلاث مئة، ولكن ما تهيَّأ لهم كما تهيَّأ لآبائهم، فإذا تهيَّأ لأحدهم أبٌ ومربٍّ روحي ورفعه الله عزَّ وجلَّ فهذا ليس بالنسب الجسدي، بل رفعه الله عزَّ وجلَّ بالنسب القلبي وبالأبوة الروحية.

أمانة الأخ الدكتور عبد الفتاح السمان

أحد إخوانكم شاب، ولعله موجود معكم، هل عبد الفتاح السَّمان هنا؟ قف لأراك.. واجلس.. كان في حوادث الكويت الأخيرة يشتغل عاملًا في محل في الكويت، وقد هرب “مُعَلِّمه” إلى الأردن، [المُعَلِّم: باللهجة السورية العامية تطلق أيضاً على صاحب العمل]، والوضع في الكويت كما تسمعون، والمحل يحتوي بضائع بالملايين، فأُلهِم أن يبيع كل موجودات المحل، وأثمانها تُقدَّر بعشرات الملايين، فذهب إلى معلمه الذي كان في الأردن، فسأله معلمه: متى أتيت من الكويت؟ وماذا جرى في المحل؟ فقال له: بِعتُه لك، سأله: بكم بعته؟ قال له: بعشرة أو عشرين أو ثلاثين مليونًا.. يعني مبالغ كبيرة.. سأله: وأين المال؟ قال له: تفضل، المال كاملًا غير منقوص.. فكاد الرجل يصعق ويغشى عليه، شيء لا يُصدَّق بأن يكون هناك شاب بهذه الأمانة والاستقامة ومع هذه الملايين.. فقال له: لله درُّ ظهر أبيك الذي وَلَد وَلَدًا مثلك! فقال له: بل لله دَرّ شيخي الذي رباني.. هل هكذا قلتَ له عبد الفتاح؟ احك لنا كيف كان الحديث، واحكِ القصة للإخوان.. [الأخ عبد الفتاح السمان يحكي كلمات من قصته للحضور، فيقول: “قال لي: أنت شامي عتيق، فقلت له: لا، بل أنا كَفْتَرْجِي، من مسجد أبي النور”، ويتابع سماحة الشيخ مع ابتسامة واضحة قائلاً:] هذا القول أصح، قال له معلمه: “أنت شامي عتيق”، وأهل الشام العتيقون مشهورون بالأخلاق والاستقامة، فقال له: بل أنا كِفْتَرْجِيْ، يعني ابن الشيخ، والذي أظهر فِيَّ هذا العمل ليس لأني ابن الشام، فالشام فيها ملايين، وأسأل الله أن يعفو عنا.. ولولا تربية الشَّيخ هل هكذا يكون؟

[الأخ الدكتور: عبد الفتاح السمان كان في وقت هذا الدرس عام 1990م في طليعة شبابه ومن تلامذة الشيخ المحبين وطلبة العلم المجدين، ثم تابع في أعماله ونشاطاته الدعوية ودراساته حتى حصل على الدكتوراه، وكان مثالاً للداعي إلى الله في ميادين الدعوة المعاصرة، حتى صار إعلامياً بارزاً في القنوات الفضائية التلفزيونية العربية، وقد تأثر بأفكار الشيخ عامّة، وخاصّة فيما يتعلق بغنى المسلم، فألَّف كتاباً جديداً في طرحه وفكره، جمع فيه ثروة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد تُرجِم الكتاب إلى عدة لغات، وكان له إقبال عالمي، وجاء الكتاب بعنوان: “أموال النبي ﷺ، كان ﷺ ثرياً منفقاً لا فقيراً زاهداً”].

فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا شكر النعم، وأن يغفر لنا ذنوبنا جميعًا.. وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وآله وصحبه.. نقرأ تهليلة على روح شيخنا والشَّيخ محمود والشَّيخ لطفي، ثم نصلي عليه صلاة الغائب، ولمن تُوفِّي من إخواننا.

وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.

Amiri Font

الحواشي

  1. مسند البزار، رقم: (6948)، شعب الإيمان للبيهقي، باب في الزهد وقصر الأمل، رقم: (10591)، بلفظ: ((عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: " كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ " قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: "انْظُرْ مَا تَقُولُ إِنَّ لِكُلُّ حَقٍّ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ " قَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، قَالَ: "يَا حَارِثَةُ، عَرَفْتَ فَالْزَمْ " قَالَهَا ثَلَاثًا))، وفي رواية أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أضاف: ((عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ)).
  2. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عليه السَّلام، رقم: (50)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، (9)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، بلفظ: ((قَالَ مَا الْإِحْسَان قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، وفي رواية لمسلم عَنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي مُصنف ابن أبي شيبة، رقم: (36847)، بلفظ: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فإن كنت لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، واحسب نفسك في الموتى، واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة)).
  3. المعجم الكبير للطبراني، رقم: (3227)، عَنْ حَارِثَةَ بن النُّعْمَانِ رضي الله عنه، بلفظ: ((ثَلَاثٌ لَازِمَاتٌ لِأُمَّتِي: الطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ، وَسُوءُ الظَّنِّ "، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يُذْهِبُهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّنْ هُوَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفَرِ اللهَ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ))، وفي التمهيد لابن عبد البر (6/125)، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بلفظ: ((ثَلَاثٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ قِيلَ فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ)).
  4. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (6706)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: بلفظ: ((لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللهِ مِنْكِ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنْكِ وَاحِدَةً وَحَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثًا: دَمَهُ، وَمَالَهُ، وَأَنَ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ))، وفي سنن ابن ماجه، باب حرمة دم المؤمن وماله، رقم: (3932)، بلفظ: عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا».
  5. تفسير روح البيان لإسماعيل حقي، (6/294)، وفي تفسير ابن كثير، (2/281)، قال: " وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور " اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اِتِّبَاعه وَأَرِنَا الْبَاطِل بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اِجْتِنَابه وَلَا تَجْعَلهُ مُتَلَبِّسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"، وفي شرح منتهى الإرادات للبهوتي، (3/497)، عزاه لسيدنا عمر رضي الله عنه، فقال: ((وَكَانَ مَنْ دُعَاءِ عُمَرَ اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَوَفِّقْنِي لِاتِّبَاعِهِ وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَوَفِّقْنِي لِاجْتِنَابِهِ)).
  6. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، رقم: (4875)، سنن الترمذي، باب ما جاء في صفة أواني الحوض، رقم: (2502)، بلفظ: «عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا».
  7. البحر المديد لابن عجيبة، رقم: (1/91)، بلفظ: وقال بعض العارفين: "لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر، أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى، وأما الموت الأبيض فهو الجوع -أي: المتوسط- وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات، وطرح الرقاع بعضها على بعض".
  8. المعجم الأوسط للطبراني، رقم: (4952)، شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (6044)، الضعفاء الكبير للعقيلي، رقم: (198)، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه، بلفظ: «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَا قُلُوبُكُمْ».
  9. الآداب الشرعية لابن مفلح (1/205)، بلفظ: وَقَدْ قِيلَ: "أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اُذْكُرْنِي عِنْدَ غَضَبِكَ أَذْكُرْك عِنْدَ غَضَبِي فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلِمْتَ فَارْضَ بِنُصْرَتِي لَك فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِك"، وفي تفسير الثعالبي (6/164)، وروضة العقلاء لابن حبان ص: (138)، بلفظ: عن وُهَيْبَ بْنَ وَرْدٍ، قال: مكتوب في الإنجيل: "ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حين تغضب أَذْكُرُكَ حين أغضب، فَلا أُمْحِقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلِمْتَ فلا تنتصر، فَإِنَّ نصرتي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ".
  10. سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب /، رقم: (2499)، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم: (4251)، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، بلفظ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
  11. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم: (2702)، عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ، بلفظ: ((إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ))، وفي سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب الاستغفار، رقم: (3815)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
  12. سنن الترمذي، كتاب القدر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن، رقم: (2140)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (12128)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بلفظ: قال ((كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فقلت يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كيف يشاء)).
  13. متفق عليه، صحيح البخاريِّ، في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم: (52)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشُّبهات، رقم: (1599)، عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنه، بلفظ: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).
  14. الأحاديث المختارة للضياء المقدسي، رقم: (6)، (10/16)، صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني، رقم: (124)، (1/147)، بلفظ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا الْأَسْمَاءُ".
  15. صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم: (2825)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (22877)، بلفظ: ((عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
  16. حلية الأولياء للأصبهاني (1/294)، بلفظ: عن نافع، قال: "كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه عز وجل".
  17. حلية الأولياء للأصبهاني (1/295)، عن نافع، قال: بينا هو يسير على ناقته -يعني ابن عم - إذ أعجبته، فقال: إخ، إخ، فأناخها ثم قال: يا نافع حط عنها الرحل، فكنت أرى أنه لشيء يريده -أو لشيء رابه منها- فحططت الرحل، فقال لي: انظر هل ترى عليها مثل رأسها؟ فقلت: أنشدك إنك إن شئت بعتها واشتريت بثمنها، قال: فحللها وقلدها، وجعلها في بدنه، وما أعجبه من ماله شيء قط إلا قدمه.
  18. تفسير ابن جزي (1/159)، بلفظ: وكان ابن عمر يتصدّق بالسكر ويقول: إني لأحبه، وفي تفسير ابن المنذر، رقم: (694)، (1/288)، بلفظ: عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَرِي السَّكَّرَ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوِ اشْتَرَيْتَ لَهُمْ بِثَمَنِهِ طَعَامًا كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُ: إِنِّي أَعْرِفُ الَّذِي تَقُولُونَ: وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللهَ، يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ يُحِبُّ السُّكَّرَ".
  19. حلية الأولياء للأصبهاني (1/295)، تفسير ابن كثير (1/468)، بلفظ: عَنْ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ: قَالَ عَبْد اللَّه حَضَرَتْنِي هَذِهِ الْآيَة: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فَذَكَرْت مَا أَعْطَانِي اللَّه فَلَمْ أَجِد شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَة لِي رُومِيَّة فَقُلْت: "هِيَ حُرَّة لِوَجْهِ اللَّه فَلَوْ أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جَعَلْته لِلَّهِ لَنَكَحْتهَا يَعْنِي تَزَوَّجْتهَا"، وفي تفسير ابن المنذر، رقم: (695)، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: "قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ يُصَلَّي، فَأَتَى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَالَ: فَأَعْتَقَ جَارِيَةً لَهُ، وَهُوَ يُصَلَّي أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهَا".
  20. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، رقم: (2722)، سنن النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من العجز، رقم: (7895)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه، قَالَ: ((لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)).
  21. سنن الترمذي، كتاب القدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن، رقم: (2140)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (12128)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بلفظ: قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فقلت يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كيف يشاء)).
  22. المعجم الكبير للطبراني، رقم: (13381)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، بلفظ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّةُ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ))، سنن التِّرمذيِّ، كتاب المناقب، باب في فضل مكَّة، رقم: (3926)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، بلفظ: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ: مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ)).
  23. المدخل لابن الحاج (1/190)، بلفظ: قال الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله ((حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ))، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر (5/137)، قال: أبي سعيد الخراز: "ذنوبُ الْمُقَرَّبِينَ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ".
  24. سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: (2371)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنهما، بلفظ: ((شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الجُوعَ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْ حَجَرَيْنِ)).
  25. مسند الفاروق لابن كثير، (2/ 573)، سنن الكبرى للبيهقي، رقم: (14114)، بلفظ: ((عن مسروق قال ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفن وما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت له يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على اربعمائة درهم قال نعم فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن قال وأي ذلك فقالت أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ قال فقال اللهم غفرانك كل الناس أفقه من عمر قال ثم رجع فركب المنبر فقال أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على اربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب)) وفي رواية أخرى، حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القُصة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيتُ الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس ما ذاك لك قال ولِمَ قالت لأن الله تعالى قال ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال عمر رضي الله عنه: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".
  26. البحر المديد لابن عجيبة، رقم: (1/91)، بلفظ: وقال بعض العارفين: "لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر، أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى، وأما الموت الأبيض فهو الجوع -أي: المتوسط- وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات، وطرح الرقاع بعضها على بعض".
  27. سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل، رقم: (2320)، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، رقم: (4110)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنهما، بلفظ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ».
  28. تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي، ص: (489)، المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي، (2/355)، بلفظ: بَيْنَمَا عمر بن الْخطاب يطوف ذَات لَيْلَة فِي سِكَك الْمَدِينَة إِذْ سمع امْرَأَة وَهِي تهتف من خدرها وَتقول: (هَل من سَبِيل إِلَى خمر فأشربها ... أم هَل سَبِيل إِلَى نصر بن حجاج)، (إِلَى فَتى ماجد الأعراق مقتبل ... سهل الْمحيا كريم غير ملجاج)، (تنميه أعراق صدق حِين تنسبه ... أَخُو قداح عَن المكرب فراج)، فَقَالَ عمر لَا أرى معي بِالْمَدِينَةِ رجلا تهتف بِهِ الْعَوَاتِق فِي خُدُورهنَّ، على بنصر بن حجاج فَلَمَّا أصبح أُتِي بنصر بن حجاج فَإِذا هُوَ أحسن النَّاس وَجها وَأَحْسَنهمْ شعرًا فَقَالَ عمر عَزِيمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ لتأخذن من شعرك فَأخذ من شعره فَخرج لَهُ وجنتان كَأَنَّهُمَا شقتا قمر قَالَ اعتم فاعتم فَافْتتنَ النَّاس بعمته فَقَالَ لَهُ عمر وَالله لَا تساكنني ببلدة أَنا فِيهَا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذَنبي قَالَ هُوَ مَا أقوله لَك وسيره إِلَى الْبَصْرَة وخشيت الْمَرْأَة الَّتِي سمع مِنْهَا عمر مَا سمع أَن يبدر عَن عمر إِلَيْهَا شَيْء فدست إِلَيْهِ أبياتاً، (قل للْإِمَام الَّذِي تخشى بوادره ... مَالِي وللخمر أَو نصر بن حجاج)، (إِنِّي منيت أَبَا حَفْص بِغَيْرِهِمَا ... شرب الحليب وطرف فاتر ساجي)، (مَا منية لم أصب مِنْهَا بضائرة ... وَالنَّاس من هَالك مِنْهَا وَمن نَاجِي)، (لَا تجْعَل الظَّن حَقًا تبينه ... إِن السَّبِيل سَبِيل الْخَائِف الراجي)، (إنَّ الْهَوَى زُمَّ بِالتَّقْوَى فَحَبَّسَهُ... حَتَّى أقرّ بإلجام وإسراج)، قَالَ فَبَكَى عُمَرُ رضي الله عنه، وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَمَّ الْهَوَى بِالتَّقْوَى"، عن أبي خيثمة السلمي.
  29. الفخري في الآداب السلطانية لابن الطقطقي، ص: (49)، بلفظ: قيل إن عليًا، عليه السلام، صرع في بعض حروبه رجلًا ثم قعد على صدره ليحتز رأسه، فبصق ذلك الرجل في وجهه فقام علي، عليه السلام، وتركه، فلما سئل عن سبب قيامه وتركه قتل الرجل بعد التمكن منه قال: إنه لما بصق في وجهي اغتظت منه فخفت إن قتلته أن يكون للغضب والغيظ نصيب في قتله، وما كنت أحب أن أقتله إلا خالصًا لوجه الله تعالى.
  30. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (176)، بلفظ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنَ الْيَهُودِ تُعْجِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: ((أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي)).
  31. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (15903)، بلفظ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِأَخٍ لِي مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَتَبَ لِي جَوَامِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَلاَ أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقُلْتُ لَهُ: أَلاَ تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، قَالَ: فَسُرِّيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ، وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ)).
  32. الشمائل للترمذي، رقم: (42)، (47)، المعجم الكبير للطبراني، رقم: (18169)، مسند البزار، رقم: (67)، مسند أبي يعلى، رقم: (880)، بلفظ: ((عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شِبْتَ، قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها)).
  33. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (2439)، بلفظ: ((عن أَبَي عَلِيٍّ السَّرِيَّ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: ((شَيَّبَتْنِي هُودٌ)) قَالَ: ((نَعَمْ))، فَقُلْتُ: "مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهُ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ؟" قَالَ: ((لَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112])).
  34. سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب، رقم: (3491)، مُصنف ابن أبي شيبة، رقم: (30208)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ، بلفظ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ)).
  35. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (13771)، والأدب المفرد للبخاري، باب قول الرجل نفسي لك الفداء، رقم: (802)، بلفظ: ((عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ، قَالَ: وَكَانَ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْحَرْبِ، ثُمَّ يَنْثُرُ كِنَانَتَهُ، وَيَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الْوِقَاءُ وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ)).
  36. حاشية الصاوي على تفسير الجلالين (1/379)، مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات، محمد المهدي بن أحمد بن علي، (75)، فتح الكريم الخالق في حل ألفاظ الدر الفائق في الصلاة على أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم، علي المكي بن محمد بن أحمد بن حسن مكي، (219)، وفي صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، رقم: (15)، بلفظ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده)).
  37. السنن الكبرى للبيهقي، رقم: (13407)، الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، رقم: (578)، تاريخ دمشق لابن عساكر، (28/163)، بلفظ: ((عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اذْهَبْ بهذا الدم فاهريقه حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ، فَلَمَّا بَرَزَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَدَ إِلَى الدَّمِ فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ. مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: جَعَلْتُهُ فِي أَخْفَى مَكَانٍ عَلِمْتُ أَنُّهُ يَخْفَى عَنِ النَّاسِ، قَالَ: ((لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَلِمَ شَرِبْتَ الدَّمَ، وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ))، وفي سنن الدارقطني، باب بيان الموضع الذي يجوز فيه الصلاة وما يجوز فيه من الثياب، رقم: (3)، بلفظ: عن أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ تَقُولُ لِلْحَجَّاجِ إِنَّ النَّبِي احْتَجَمَ فَدَفَعَ دَمَهُ إِلَى ابْنِى فَشَرِبَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ((مَا صَنَعْتَ)) قَالَ: "كَرِهْتُ أَنْ أَصُبَّ دَمَكَ"، فَقَالَ النَّبِي: ((لاَ تَمَسَّكَ النَّارُ))، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: ((وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ)).
WhatsApp