سبب صلح الحديبية
فنحن الآن في تفسير سورة الفتح، ولقد ذكرتُ لكم سبب نزول هذه السورة في الدرس الماضي، وخلاصة ما ذكرتُ أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان في حرب مع كفار قريش عبدة الأصنام، وقد مضى على هذه الحادثة معركة بدر ومعركة أحد ومعركة الأحزاب.
ولقد كانت أُحد كارثة على المسلمين لمخالفتهم التكتيك الحربي الذي خطَّطه النبي عليه الصَّلاة والسَّلام، وكانت الهزيمة، وفي الأحزاب تحزَّب كل الْمُعادِين للإسلام لاستئصال النبي ﷺ ومن معه في المدينة، بجيش من أكثف الجيوش التي حاربها النبي ﷺ، ونهاية الحربين تعرفونها.
وبعدها في السنة السادسة من هجرة النبي ﷺ ذهب النبي ﷺ بالرؤيا التي رآها ليعتمر، وذلك مع وجود الحرب بينه وبين قريش، لكن على حسب تقاليد العرب فإن المعتمر والمحرِم بحج أو عمرة أو في الأشهر الحرم لو رأى قاتل أبيه أو ابنه لا يمسه بسوء، ورغم هذه التقاليد فقد منعوا النبي ﷺ، وجرى الصلح.
اعتراض الصحابة على بنود الصلح
وقد ثار كل الصحابة رضي الله عنهم على تلك الشروط، لأنها كانت في ظاهرها مُذِلَّة للمسلمين وللنبي ﷺ، لأنهم لم يوافقوا على أن يكون إمضاؤه على المعاهدة بـ”مُحمَّد رسول الله” بل قالوا له: احذف رسول الله، ولم يرضوا أن يكتبوا “بسم الله الرحمن الرحيم” وقالوا: نحن لا نعرف “الرحمن الرحيم” فامحُ “الرحمن الرحيم” .
وقد كان مع النبي ﷺ جيش بايعه على الموت وعلى أن لا يفر، ولو أراد النبي ﷺ القتال لكان كل واحد منهم -وهم ألف وأربع مئة أو ألف وخمس مئة- يُعَدُّ بمئة، ولكن مع ذلك فقد كان الجيش كله معارِض للسلم وللصلح إلا النبي ﷺ وإلا أبا بكر رضي الله عنه، وحدثت ثورة وغضب وشغب وما شابه، لكن في النهاية قال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: ((يا عُمرُ، أَأَرضَى وتَأبَى؟)) أنا أوافق فهل أنت لا توافق؟ ألا تعلم أني رسول الله؟ لأن الامتناع كأن فيه شكًّا في النبوة.
قال له: أعلم أنك رسول الله، ولكن أنرضى بالدنية وبالشروط الدنيئة التي تحطُّ من كرامتنا وشرفنا وعزتنا؟ “أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النَّار؟” هل هناك أكثر من الموت؟ دعنا إذن نذهب إلى الجنة ولا نرضى بالذل.
حرص النَّبيِّ ﷺ على حقن الدماء
لكن انظروا إلى الإسلام الذي تمثَّل بحقيقته في حياة النبي ﷺ وحياة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فلقد رضي النبي ﷺ بالشروط المذِلَّة ظاهرًا، ومحا كلمة “رسول الله” من كتابة المعاهدة، ومحا كلمة “الرحمن الرحيم”، ووافق على اصطلاح الجاهلية، وكل ذلك حرصًا على السَّلام، وحقنًا للدماء، وبعدًا عن سفكها، وحرصًا على سلامة المهج والأرواح.
لقد كانت الشروط كلها في ظاهرها خسارةً للمسلمين، وجَرحًا لكرامتهم وكبريائهم، ولم يكن النبي ﷺ يفعل شيئًا إلا بأمرٍ وتوجيهٍ وإلهامٍ من الله عزَّ وجلَّ، وهل يرضى الله عزَّ وجلَّ بالذل لِمن ينتسب إليه ويكون من جنده وفي معسكره؟ هذا مستحيل، ربما أنت لم تفهم، وليس شرطًا أن تفهم دائمًا، ولكن النبي ﷺ ألم يفهم؟ ألا تكتفي بفهم النبي ﷺ؟ وإذا فَهِم النبي ﷺ عن الله عزَّ وجلَّ فليس شرطًا أن تفهم أنت.
ليس المطلوب فهم كل شيء
عندما يأمر القائدُ الجنديَّ بشيء فهل يُشترَط أن يُفهِمه الهدف؟ وإذا قال له: افعل كذا، فهل يسأله لماذا؟ لا يسأله، وكذلك المريض مع طبيبه إذا أراد أن يُجري له عملية جراحية، أو يعطيه دواء حلوًا أو مرًّا أو إبرة، أو يقلع له عينه فهل يسأله لمَ؟ لا يسأله، وكذلك الموظف في دائرته مع رئيسه عليه أن يسمع ويطيع.
لقد ذكر القرآن هذا الموضوع في قصة موسى والخضر عليهما السَّلام، لَمَّا سأل سيِّدَنا موسى عليه السَّلام سائلٌ في درسه: هل يوجد من هو أعلم منك؟ فقال: لا.. فعاتبه الله عزَّ وجلَّ: كيف تقول: لا؟ قال له: أنا كليمك فهل يوجد من هو أعلم مني؟ قال: نعم يوجد، قال: أين؟ قال له: في مجمع البحرين البحر الأبيض والبحر الأحمر، يعني عند قناة السويس الآن، فلما اجتمعا ببعضهما وقد قال: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:60] ، الحُقْبة ثمانون سنة، وهذا لأزيد إلى علمي علمًا، والعلم الذي كان يطلبه الأنبياء ليس علم الورق، بل العلم الذي أوراقه صفحات قلوب الأنبياء، وكان حبره الأسود هو النور الإلهي الذي يُكتَب في صفحات الأرواح، فينقلب فيهم إلى علم لَدُنِّيٍّ من لدن الله عزَّ وجلَّ، وأخلاقٍ إلهية، وحِكَم ربانية، وعقل يستجمع خير الجسد والروح وخير الدنيا والآخرة.
من آدب المتعلم
قال له: لكن إذا أردتَ أن تتعلَّم مني فبأدب المتعلِّم: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف:70]، إذا لم تفهمه فلا تعترض حتَّى أُجيبك أنا، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا﴾ [الكهف:70-71]، وصلا إلى شاطئ بحر، وطلبا من أصحاب سفينة أن يُركبوهما معهم في السفينة وليس معهما نقود وأجرة، فأركبوهما مجانًا وإحسانًا ورحمةً، وبعد أن أركبوهما قام سيِّدنا الخضر عليه السَّلام بقلع لوح من ألواح السفينة الخشبية، فقال له: كيف تقلع لوح الخشب وهم قد أحسنوا إلينا وأركبونا مجانًا؟ كيف نسيء إليهم؟ قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:72]؟ ألم أشترط عليك إذا مشيتَ معي أن لا تسألني ولا تعترض؟ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف:73] فسلَّم، ولم يعترض اعتراضًا ثانيًا، ولم يقل: إن هذا ضرر وأذى وغير ذلك، بل قال له: أنا أخطأتُ.. ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، شاهَد أولادًا يلعبون مع بعضهم، فأخذ أحدهم وقطع رقبته، قال له: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ بريئة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بغير جرم، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:74]، قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:75]؟ قال له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف:76]، تحمَّلتَ الأولى والثانية، فإذا كررتُها فلك الحق أن تطردني، ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾، طلبا منهم أن يضيِّفوهما ويعشُّوهما، والوقت شتاء، ﴿فَأَبَوْا﴾ طردوهما ولم يعشُّوهما ولم يُنِيمُوهما، وفي الصباح رأى جدارًا مائلًا فأصلحه لهم وجدَّد عمارته: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:77]، فهم لم يعشُّونا ولم يبيِّتونا، فكيف تعمِّر لهم جدارهم الخرب؟ قال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:78].
من آدب السؤال
لماذا ذكر الله عزَّ وجلَّ هذه القصة في القرآن؟ أولًا ذَكَرها للمسلمين في زمن النبي ﷺ، أي إذا كنتم مع النبي ﷺ فهل النبي ﷺ أعلم أم أنتم؟ فإذا كنتَ مع الأعلم ولم تفهم فلا تستعجل ولا تعترض، وإذا كنتَ تريد أن تسأل فاسأل سؤال استفهام وأدب، أما استفهام نقد أو ذم أو تخريب أو تشهير فهذا ليس من أدب المتعلم، ولا أدب المريد، ولا أدب الصحابي، ولا أدب المسلم مع أستاذه أو معلِّمه، فالصحابة رضي الله عنهم تربَّوا بهذه الآداب.
ولو كانت هذه للنبي ﷺ والصَّحابة رضي الله عنهم فقط لَكان يجب حَذْفها من القرآن، لكن الله عزَّ وجلَّ تركها لنقرأها ونتعلم أدب المتعلم مع المعلم، خصوصًا إذا كان المعلمُ معلمَ الشريعة ومعلم الحقيقة، معلم اللسان ومعلم القلب، مربي العقل ومربي الروح، الذي جمع بين عِلمَي القلب والشرع، فكيف ينبغي أن يكون أدبنا؟
كان من أدب المريدين مع الشُّيوخ كما كنتُ أسمع من شيخنا الوالد قدَّس الله سره أن شيخه أعطاه رُمانة، وإذا أعطاه الشَّيخ رمانة أفلا يأكلها ليتبارك بها؟ فكيف كان تبرُّك شيخنا برمانة شيخه؟ لَمَّا أخذها أكلها بقشرها، وهل القشر لذيذ؟ المحب المريد الصادق لا يحس بمرارة قشر الرمان، ولا يستطيع أن يرى عيبًا على محبوبه، ولا نقدًا لمعشوقه، قال
ولو بيدِ الحَبِيبِ سُقِيتُ سُمًّا
لكان السُّمُّ مِنْ يَدِهِ يَطِيبُ
أدب الشيخ أمين كفتارو مع زميله الشيخ أمين الزملكاني
روى لي الشَّيخ توفيق الجبَّان رحمه الله أن الشَّيخ أمين الزملكاني مع أنه لم يكن شيخَ شيخِنا بل زميله، لكن الشيخ الزَّمْلَكاني كان أعلى منه في المقام، مع أن الشيخ الزملكاني كان أُمِّيًّا وشيخنا كان مجازًا بالرابطة وعالِمًا، إلا أنه في الطريق كان أعلى من شيخنا حسب مفهومهم، فأرسل الشيخ الزملكاني مريده الشَّيخ توفيق إلى شيخنا يريد أن يقترض منه شيئًا، فلم يرسل شيخنا إلى الشَّيخ أمين الزملكاني المبلغ الذي يريده، بل أرسل إليه كل ما يملك، وقال له: هذا كل ما أملك، فليأخذ الشَّيخ الزملكاني ما شاء ويترك ما شاء.. والاثنان من الخلفاء وشيخهما واحد، وهكذا كان أدبهم، وهذا أدب الطريقة، وهذا أدب المتعلم، وهذا أدب التلميذ مع المعلم، وأما أدب المريد مع الشَّيخ [فهو أعلى من ذلك].. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الأدب، لأنه ما انتفع من انتفع إلا بالحب وبالأدب.
قصة: البساط أحمدي
سمعتُ من شيخنا عن والده أو غيره أنه لَمَّا كان ضريح “أبي النور” في جامع أبي النور، [أبو النور: هو لقب الأمير زين الدين أبي سعيد قراجا الناصري، وهو أحد القادة المجاهدين الذين شاركوا في تحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين، وبه سُمِّي جامع أبي النور، ولما بنى الشيخ أحمد كفتارو المسجد ومجمعه جعل الضريح في بناء خاص شمال المسجد، أي معاكساً لجهة القبلة]، وأراد أن ينام وجَّه رجليه جهة الغرب، تَذكَّر أن قبر الشَّيخ محيي الدين في جهة الغرب، فقال: ليس من الأدب أن أوجِّه رجلي جهة قبر الشَّيخ محيي الدين، فمدَّهما جهة الشرق فتَذكَّر قبر الولي الفلاني، فقال: أيضًا ليس من الأدب.. وهذه جهة القبلة، وفي الشمال تذكَّر بعض الأولياء، وهذا بعد وفاتهم! فالأدب مع الشُّيوخ حتى بعد وفاتهم، فلم يستطع أن يمدَّ رجليه إلى أي جهة، فنام مُتَرَبِّعًا، فرآى في منامه أحد الشُّيوخ الأربعة يقول له: مد رجليك جهة قبري “البِسَاط أَحمدي”.. فاستيقظ فوجد رجليه ممدودتين نحو قبر ذلك الشَّيخ.. فالإنسان لا يصل إلى أعلى الرتب، إلا بعظيم وعميق التربية والأدب.
حكمة النبي ﷺ في إظهار القوة
لقد كان الصحابة رضي الله عنهم معذورين، لأنهم انتقلوا من الجاهلية إلى الإسلام، فلا قرؤوا ولا كتبوا، ولم يكن يوجد عندهم قبل ذلك مشايخ ولا أنبياء، بل مباشرة من الأصنام إلى النبي ﷺ، ورأوا بقلوبهم وببصائرهم العزة بالله، واليقين بوعد الله عزَّ وجلَّ، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:8]، فكيف يَقبلون بشروط مُذِلَّة؟ وفي نهاية الأمر وافق النبي ﷺ فوافقوا، وقد رويتُ لكم القصة كاملة.
ورجع النبي ﷺ، وكان من الشروط أن يسمحوا له بالعمرة في العام التالي، فرجع في العام التالي واعتمر، وأشاعت قريش عن الصحابة رضي الله عنهم -وكانت الملاريا منتشرة في زمانهم- فقالوا: “إن أصحاب مُحمَّد ضِعاف، أصابتهم حمى يثرب”، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فأمر أصحابه أن يكشف الرجل أثناء الطواف كتفه الأيمن ويرمي رداءه على كتفه الأيسر، وأن يطوف ثلاثة أشواط هرولة ، ولذلك فهذا مِن السُّنَّة في أثناء الطواف في الحج أو العمرة.
ولقد فعل النبي ﷺ ذلك ليري قوَّته لقريش التي كانت تراقب الصحابة رضي الله عنهم وهم يطوفون، وهذا من الحرب النفسية، وأن الأمر ليس كما تظنون بأن المسلمين ضِعاف، فها نحن أقوياء وكل منا يقفز كالغزال.
إلا بين الحجر الأسود والركن اليماني حيث كان كفار قريش لا يرونهم، فقال لهم: لا تهرولوا هنا لأنهم لا يرونكم، حتى في أثناء العبادة كان التكتيك الحربي والعبادة والصَّلاة في آن واحد.
الإسلام دين حياة
فالإسلام ليس دين عبادة وروحانية ورهبانية فقط، وليس دين أحكام فقهية وحلال وحرام، الإسلام دين الحياة، دين الدولة العالمية، دين الأمة العالمية الموحَّدة مع اختلاف ألوانها ولغاتها وعقائدها، ومع اختلاف الأديان، فالعدل للجميع، وحقوق الحياة للجميع، والحرية للجميع: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:256]، والتعليم ونشر الثقافة والحضارة للجميع.
ولذلك كان الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ ليس كما يفهمه النَّاس، فسبيلُ الله الذي الجهادُ من أجله كان تحريرَ الشعوب من استعمار المستعمِرين، ومن إبقاء الشعوب متخلِّفةً غارقةً في خرافاتها وجهلها وجاهليتها وفي تألُّه الحكام على شعوبهم، فأتى الإسلام فأوجب التعليم الإجباري على كل الشعوب، ولم يكن التعليم اختياريًّا، وحارب كل الخرافات، وأتى بالدين العقلاني الإقناعي للضمير وللوجدان وللعقل وللواقع وللحقيقة، وبلا إكراه، فالحرية للكل، ولما رأت الشعوب ذلك دخلت في الإسلام، وخرج من كل شعوب الإسلام أعظم علماء الدنيا، ليس من العرب فقط، فإنهم ما احتكروا العلم لأنفسهم، بينما احتكر الاستعمار العلم لنفسه، ولم يعلِّم الشعوب المستعمَرة كما يعلم أبناءه، فابن سينا والفارابي والرازي والفيروزآبادي وغيرهم كلهم أعاجم، ((لَا فَضْلَ لِعَرَبِيّ عَلَى أعَجَمِيّ إِلَّا بِالتَّقْوَى)) .
وصول الدعوة إلى باقي أهل مكة بسبب الصلح
وبعد ذلك بسنتين فتح النبي ﷺ مكة، وبالصلح الذي حصل في الحديبية، وقد صار الأمان وصار المسلمون يَذهبون إلى مكة آمنين، وبعد أن كانوا أينما التقوا لا لقاء بينهم إلا بالرماح والسيوف، فلما حصل الأمان صار الصحابي يذهب إلى مكة، وقد أصبح قلبه شمسًا من نور الله عزَّ وجلَّ، وقمرًا من تجلِّيات الله عزَّ وجلَّ، وسرى في قلبه هذا النور في نطقه بالحكمة، وفي أخلاقه، وفي أعماله، فأعماله هي القرآن، وأخلاقه القرآن وعقله القرآن وحياته القرآن.
ولقد كانت الدعوة لا تصل إليهم، ولا يسمعون عنها إلا ما يذيعه أعداء الدعوة من تشويه وافتراء ودس، فلما صار الصلح والأمان، وصار الصحابي يزور أهله ويقول لهم: كيف تعبدون الأصنام؟ ولم يكن يجرؤ قبل ذلك على الذهاب إلى مكة والاعتراض عليهم، لأنهم كانوا يقطعون رأسه.
فانقلبت مكة بفتح الحديبية إلى مدرسة إسلامية، وصاروا كلهم أساتذة وأهل مكة تلامذة، وبين صلح الحديبية وفتح مكة في هاتين السنتين دخل في الإسلام أكثر ممن دخله منذ بدء الدعوة حتَّى صلح الحديبية، فدخل في سنتين أكثر مما دخل في تسع عشرة سنة، فدخل خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي كان قائد الحرب في الحديبية، فأصبح قائد الجيش لفتح مكة، هذا الذي لم يفهمه عمر رضي الله عنه.
اعتراض عمر رضي الله عنه غيرةً على الإسلام
ولَمَّا فُتِحت مكة نادى النبي ﷺ عمر رضي الله عنه وقال له: ((كَيفَ رَأيتَ يا عُمرُ؟ أَمَا دَخلتَ أنتَ وَالصَّحابةُ مَكَّةَ مُحلِّقِينَ رُؤوسَكُم ومُقصِّرِينَ؟ هل وَجَدتُم ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟)).
ولم يكن اعتراض سيِّدنا عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ مخطئ، بل من غيرته على الإسلام، ومن غيرته على كرامة النبي ﷺ، وأن هذا ذلٌّ، لكنه في النهاية سَلَّم.
ولقد عارض النبيَّ ﷺ في وجهه، لا من خلفه بحيث يعيب عليه أو ينتقص منه أو يخطِّئه، فهذا ليس استفهامًا أو استعلامًا، بل هو غِيبة وتنقيص وتشهير وجنون وانعدام للعقل.
وكان عمر رضي الله عنه يقول بعد ذلك: “فما زلتُ بعد اعتراضي في الحديبية أصلِّي” في الليل والنهار صلاة النفل “وأتصدَّق وأصوم وأعتق الرقاب، رجاء أن يغفر الله لي معارضتي لرسول الله ﷺ” .
هكذا كانوا يفهمون إذا وقعوا في الخطأ كيف ينظِّفون نفوسهم وصفحاتهم من أن يَلقوا الله عزَّ وجلَّ بصفحات فيها أخطاء لم يتوبوا منها ولم يتراجعوا عنها.
مشورة أم سلمة رضي الله عنها
فلما رجع النبي ﷺ من الحديبية كانوا مكسوري الخاطر، وتبيَّنَتْ فيها كما ذكرتُ لكم فضيلة المرأة، فلما أمرهم النبي ﷺ بأن يفكوا إحرامهم بالذبح والحلق لم يمتثل أحد منهم لأمر رسول الله ﷺ، فدخل النبي ﷺ وهو غضبان، وكان أكثر ما يصحب في أسفاره أم سلمة رضي الله عنها، فقد كانت مستشارته الحربية والسياسية، قالت له: “ما لك يا رسول الله؟” قال لها: ((هَلَكَ الْمُسْلِمُونَ))، قالت له: خيرًا؟ قال لها: ((أَمَرْتُهمْ فلم يَمتَثِلُوا)) ، لم يمتثل إلا أبو بكر رضي الله عنه، لأن قلب أبي بكر رضي الله عنه وقلب النبي ﷺ كانا شيئًا واحدًا، وقد ورد في الأثر: ((ما صُبَّ في صَدرِي شَيءٌ إلا وَصَبَبْتُه في صَدرِ أبي بَكرٍ)) .
وأول شيء فعلَتْه أن هدَّأتِ النبي ﷺ وأرضته وسكَّنت غضبه وقالت له: “هم جاؤوا متأمِّلين أن يعتمروا ويطوفوا وكذا وكذا، ثم أصابهم ما أصابهم، فاعذرهم!” قال لها: ((أَمَرْتُهمْ)) فقالت له: “أنا أخبرك كيف يطيعونك، تخرج من خيمتك وتأخذ هديك وجِمالك التي معك فتذبحها صدقة للفقراء بيدك، وتأمر الحلاق فيحلق رأسك، ولا تقل لهم أن يذبحوا هديهم أو يحلقوا شعرهم أو يفكوا إحرامهم” .
مكانة المرأة في الإسلام
يقولون: إن المرأة بنصف عقل؟ وتوجد نساء كل منهن بمئة ألف رجل، والنبي ﷺ قال: ((نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ)) ، وهذا لعله بالنسبة لفئة معيَّنة من النساء وفي مجلس معيَّن، أما القرآن فلم يقل: ناقصات عقل ودين، بل قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:34]، فأنت قوَّام في بيتك، يعني أنك مسؤول عن القيام بشؤون البيت، عن طعامه وشرابه ولبسه ودوائه وغير ذلك، والمرأة مسؤولة عن الحمل والولادة والرضاعة، ولكن المسألة: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ولم يقل: بما فضل الرجال على النساء، قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:34]، هذا خاص بالرجال، والتفضيل لأنه هو الذي ينفق، أما العقل؟
فلو كانَ النِّساءُ بمِثلِ هَذِي
لَفُضِّلَتِ النِّساءُ عَلى الرِّجالِ
فما التَّأنِيثُ لاسمِ الشَّمسِ عارٌ
ولا التَّذكِيرُ فَخرٌ للهِلالِ
تقول: هذه الشَّمس بالاسم المؤنَّث، والهلال مذكَّر، وهل لأنه مذكَّر يكون أفضل من الشَّمس المؤنثة؟
فلما ذَبح النبيُّ ﷺ وحلق شعره، تراكض الصحابة رضي الله عنهم، كل واحد منهم يريد أن يأخذ شعرة أو شعرتين أو ثلاثًا ، وأم عمارة الصحابية رضي الله عنها أخذت حزمة من الشعر، فكانت تحتفظ بها، فإذا مرض مريض كانت تنقع له بعض هذا الشعر وتسقيه من مائه فيُشفى ببركة رسول الله ﷺ .
نزول سورة الفتح في طريق الرجوع من الحديبية
وفي طريق عودته ﷺ وقبل وصوله إلى المدينة نزلت عليه سورة الفتح، فقال الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:1]، السورة كلها من أولها إلى آخرها نزلت في طريق رجوعه من الحديبية إلى المدينة، وقرأها عليهم، والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا كلُّهم متماثلين، فالذي لم يصدر منه اعتراض من الألف وأربع مئة أو الألف وخمس مئة هو أبو بكر رضي الله عنه فقط، لكن الذين اعترضوا لم يكن لديهم حظ نفس أو هوى أو مصلحة، بل غيرة على كرامة النبي ﷺ وكرامة الإسلام، وعلى كرامة “الرحمن الرحيم”، وعلى كرامة “رسول الله”، أما لو كان بسبب الحظِّ و”الأنا” والأنانية فهذا له اسم آخر.
فلما قرأ السورة، وهم لم يكونوا متماثلين، أَمَا كان فيهم من اختبأ بين رِجلَي الناقة؟ وقد قال النبي ﷺ: ((أَهلُ بَيعةِ الرِّضوانِ كُلُّهم يَدخلونَ الجَنَّةَ إلَّا صاحِبَ النَّاقةِ)) .
لكني أقول: إن هذا صاحب شرف، لماذا؟ لأنه لا يريد أن يُعاهِد على القتال حتَّى الموت ثم ينقض العهد ويهرب، وهذا كان معدوداً من المنافقين، والآن يوجد من هو مسلم ويصلي وينقض خمسين عهدًا ولا يرى ذلك عيبًا، المنافق لم يرضَ لنفسه أن يعاهد وينقض العهد، ما اسم ذلك المنافق؟ الجَدُّ بن قيس، يا ليتنا نصبح مثل ذلك المنافق إذا عاهدنا أنْ نعرف ما قيمة العهد، وإذا بايعنا أنْ نعرف ما قيمة البيعة، لذلك كان النبي ﷺ يقول: ((كُلُّ أَصحابِ بَيعةِ الشَّجرةِ والرِّضوانِ يَدخلونَ الجَنَّةَ إلَّا صاحِبَ النَّاقةِ))، وحديث آخر: ((لا يَدْخُلُ أَحدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ نارَ جَهنَّمَ)) ، لكن ضاع هذا الفضلُ من ذلك المعتَّر [البائس] الجَدِّ بن قيس.
أثر الحب في نفس المريد
فلما قرأ النبي ﷺ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح:1]، ظهر أيضًا رجل يشبه الجد بن قيس، وهو معدود من المبايعين، لكن عقله قصير وقليل، قال: “ما هذا بفتح”، أين الفتح؟ وهذا يدلِّل على نفسه أن إيمانه ما زال أَعْجَر [لم ينضج بعد]، فإنه لو نضج هل يستطيع أن يقول: ما هذا بفتح والله عزَّ وجلَّ يقول فتحًا والنبي ﷺ يقول: هذا فتح؟ النبي ﷺ رضي، وقال لعمر رضي الله عنه: ((أَأَرضَى وَتَأبَى يا عُمرُ؟)) هذا هو الحب، ونحن ما زلنا لا نفهم معنى كلمة “حب”.
الشَّيخ أبو الخير الميداني تزوج بنت شيخه، ولم يُرزَق منها بأولاد حتَّى توفِّي، فعرض عليه مريدوه الزواج لعله يُرزَق بولد، فقال لهم: أنا عندي بنت شيخي فكيف أتزوج عليها؟ كيف أؤذيها؟ قالوا: من أجل أن يأتيك أولاد، فقال لهم: كلكم أولادي، فكرَّروا عليه، فقال لهم: إن كلاب الأكراد السوداء مقدَّسة عندي، لأن شيخي كردي، وهذه كلاب الأكراد.
هذا هو الحب، وهذا هو الذي سينفع الله عزَّ وجلَّ به النَّاس.
وكيف يكون الحب؟ لماذا تحب الذهب ولا تحب “الزِّبْل” [روث الحيوانات]؟ لماذا تحب الذهب أكثر من الفضة؟ لماذا تحب ورقة الخمس مئة ليرة أكثر من ورقة الليرة الواحدة؟ على حسب ما تنتفع منها، فلو لم ينتفع من الشَّيخ ذلك النفع العظيم لَمَا ظهر منه ذلك الأدب العظيم.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن لا يضرَّنا في أنفسنا، وإذا أخطأنا أن يعرِّفنا بخطئنا، وأن يرزقنا أن نتوب من ذنوبنا وأن لا يتراكم الذنب على الذنب حتَّى يحصل الران، وعند ذلك لا تنفع الذكرى ولا تنفع الموعظة، ويحصل موت القلب: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس:10]، وهذا موت القلب، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:14].. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحمينا، وإياكم أن تزكُّوا أنفسكم، ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:32]، ودائمًا اتَّهموا أنفسكم، ولا تأمنوا مكر الله.
صلح الحديبية من أعظم الفتح
فقال أحدهم: ما هذا بفتح، لقد صدُّونا عن العمرة وصدوا هَدْيَنا -أي الجِمال التي أخذوها ليذبحوها للفقراء- فلمَّا بلغ النبيَّ ﷺ كلامُه قال: ((بِئْسَ الْكَلَامُ!)) هل الذي يكون صحابيًّا كاملًا يقول عن القرآن: ما هذا بفتح.. وحين يقول النبي ﷺ: هو فتح، يقول: ما هذا بفتح؟
هل هذا بئس المسلم أم نِعْمَ المسلم؟ هذا ما زال في مقام “بئس” ولم يصل إلى مقام “نِعْم”، ثم قال النبي ﷺ: ((بَل هُوَ أَعْظَمُ الْفَتْحِ)) .
فإذا كان النبي ﷺ يقول: ((هُوَ أَعْظَمُ الْفَتْحِ))، وذاك يقول: ليس بفتح فمَن الفَاهم؟ هل سيِّدنا موسى أم الخضر عليهما السَّلام؟ هل عمر أم أبو بكر رضي الله عنهما؟ نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يفهِّمنا، مع أن النبي ﷺ قال عن عمر رضي الله عنه: ((لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَر)) ، ولكن: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114].
الإسلام دين التقدمية
((لا بُورِكَ لِي في يَومٍ لَم أَزدَدْ فِيه عِلمًا وقُربًا مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ)) ، ((مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ))، والمغبون هو الذي اشترى شيئًا وهو مغلوب فيه، ((ومَن لَم يَكُنْ يَومُهُ خَيرًا مِن أَمسِهِ)) هذه هي التقدمية، ما التقدمية؟ أن تتقدَّم دائمًا إلى الأفضل والأرقى والأصلح والأنفع، وإذا بقيتَ على الصالح ولم تتقدَّم إلى الأصلح فأنت مغبون، ((مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، ومَن لَم يَكُنْ يَومُهُ خَيرًا مِن أَمسِهِ فهو مَحرومٌ، وَمن لم يَكُنْ في زِيَادَةٍ فَهُوَ في نُقصانٍ)) .
هل هذا دِين؟ هذا قمة التقدمية، ويجب عليك أن تكون في زيادة في صحتك، وفي مزرعتك، وفي اقتصادك وفي تجارتك، وفي عِلمك، وفي التكنولوجيا، وفي الأخلاق والإيمان والعقلانية، وعليك أن تكون متقدِّمًا في كل شيء، ولماذا تخلَّف المسلمون؟ لأنه بقي من الإسلام بقية طَبخَةِ الرُّز بالحليب المحترِقة الملتَصِقَة في أسفل الطنجرة، [الرُّز بالحليب: حلوى شعبية مشهورة في سوريا وغيرها، ويكون طبخُها بوعاء الطبخ المعدني، وهو “الطَّنْجَرَة” في اللهجة الشعبية، ولما تُفَرَّغ الطنجرة يلتصق في أسفلها شيء من الرّز بالحليب ويكون مُحْتَرِقاً]، بقي بين فقيه يقول: حلال وحرام، وصوفي يذكر الله عزَّ وجلَّ، ويُنتِج له هذا الذكر نورًا في القلب وأخلاقًا وتربية ومخافة الله وخشية الله ومحبة الله عزَّ وجلَّ.. ولكن أين إسلام: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]؟ أين الإسلام الذي عمَّره النبي ﷺ، والذي وحَّد به الأمة في عشر سنين، وأقام الدولة من أمة متفرِّقة كلٌّ فيها يرى نفسه أُمَّة؟ وأما نحن في هذا الوقت فنرجو أن نستطيع أن نعلِّم النَّاس “لا إله إلا الله مُحمَّد رسول الله”، والسياسة بارك الله لهم فيها، [أي ليأخذوها ولن ننازعهم فيها]، اتركونا على إسلام الذكر والعبادة، وتكون هذه أكبر نعمة من فضل الله عزَّ وجلَّ علينا، [بمعنى: لا إمكان لنا أن نفعل أكثر من ذلك حسب واقعنا وظروفنا، ولو فعلنا هذا المستوى لكان عملاً كبيراً وفضلاً إلهياً علينا.. وقوله: “اتركونا على إسلام الذكر والعبادة” كأنه خطاب للحكومة، بأن يتركونا نأتي إلى المساجد بحرية ونذكر الله، ولا يمنعوننا من ذلك]، وأما الواجب [فهو الإسلام الكامل الذي علمنا إياه رسول الله ﷺ].. وما السُّوْق الذي يَرُوْج فيه الإسلام؟ ليس في بلادنا، الإسلام يلزمه بلاد راقية، بلاد أوروبا وأمريكا واليابان.
استجابة الناس في الغرب للدعوة وقول الشيخ لو كنت أتقن الإنجليزية لما رجعت
أنا ذهبتُ إلى أمريكا ثلاث مرات، وحاضرتُ في عشرات الجامعات، والتقيتُ بمعظم الرجال، في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفييتي واليابان ومع البابا، ومع رؤساء الجمهوريات، ومع رؤساء الأساقفة، ورؤساء الجامعات، وبقيتُ ضيفًا عندهم شهرين وأنا أحاضر في أربع عشرة جامعة، وهم يساهرونني إلى الساعة الواحدة ليلًا كالمريد الفاني في الشَّيخ مع شيخه، ففي جلسة واحدة يفهم الإسلام، وهنا تجلس مع المريد أربعين سنة، وبعد الأربعين سنة قد تتفاجأ بعقله، ولا تعرف عقلَه هل من الشرق أم من الغرب! ما هذا؟ هناك أنا أتكلم وهم يبكون، وهذا من جلسة واحدة! وواللهِ لو كنتُ أُتقن اللغة الإنجليزية لَمَا رجعت من هناك حين سافرتُ أول مرة سنة ألف وتسع مئة وست وستين بدعوة رسمية من أربع عشرة جامعة في ثلاث ولايات.
وهناك بعد جلسة واحدةٍ أعظمُ إنسان وهو رئيس أساقفة أمريكا الكاثوليكي وأتباعه حوالي خمسين مليونًا قبَّل يد الشَّيخ ثلاث مرات، وعلى مشهد من النَّاس، وهنا تربِّي الشخص سنة وسنتين وعشرًا وعشرين، وبعد ذلك إذا نزلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:1] على مذهب صاحبنا، قد يقول: ما هذا بفتح.
من سياسة النبي ﷺ
فقال له النبي ﷺ: ((بل هو أَعظَمُ الفَتحِ))، ثم بيَّن له فقال: ((لَقَد رَضِيَ المشرِكُونَ أنْ يَدفَعُوكُم بالبَراحِ عن بِلادِهِم)) ما دفعوكم بالسيوف، بل بالمصالحة، وقَبل ذلك في أُحُد هل رجعوا بالمصالحة أم بعد أن هزموكم وكسروكم؟ ((أَتَذكُرُونَ في أُحُدٍ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾))، هم يهربون والنبي ﷺ يناديهم: أين أنتم يا مسلمون؟ ((﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران:153]، أَنَسِيتُم هَزِيمتَكُم في أُحُدٍ؟ وساءَلُوكُمُ القَضَيَّةَ))، اعترفوا بكم وكانوا من قبلُ لا يعترفون بكم، كانوا يرون أنفسهم أقوى وأعلى وأعز، والآن اعترفوا بكم بالمساواة.
هذه اسمها دبلوماسية وسياسة، وهذا هو الإسلام، وأين الشَّيخ الآن؟ لا سياسة ولا دبلوماسية، بل قليل من الوضوء وقليل من الصَّلاة وقليل من السُّبْحَة، وإذا فُزنا نكون قد صرنا قطب الغوث.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعفو عنا كلنا، ولكن ليس في مقدورنا أكثر من هذا.
وأنا أوصيكم كما أوصيكم دائمًا أن لا تتدخَّلوا في السياسة أبدًا، بل ابقوا على إسلام مكة، ربُّوا القلوب وربوا الأخلاق، وعلِّموا النَّاس دينهم، وكونوا مع الحاكم بكل صدقِ وإخلاصِ المواطن، انصحه نصيحة بينك وبينه، ومع العدو علينا أن نكون كلنا كتلة واحدة.
التفرُّق هو الضعف والمذلة
قال: ((وساءَلُوكُمُ القَضِيَّةَ))، طلبوا أن يُصالحوكم، وكانوا من قبل لا يتنازلون، ولو لم يروكم الآن الأعزَّ الأقوى لَمَا رضوا بمصالحتكم، ((وطَلَبُوا إلَيكُمُ الأمانَ، وقد رَأَوا مِنكُم ما كَرِهُوا)) ، رأوا وحدتكم، ولم يروا تمزُّقكم، بأن يوافق النبي ﷺ وأنا لا أوافق.
فلو حصل تفرُّقٌ فهذا ضعف في الإسلام: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:46]، ومن الألف وأربع مئة أو الألف وخمس مئة لم يكن فيهم إلا واحد مُعتَّر حُرِم الجنة، فكيف لو أنهم انقسموا نصفين أو أربعة أقسام أو خمسة؟ فهذا معناه فشل كبير، لكنهم بايعوا كلهم على الموت وعلى أن لا يفرُّوا حتَّى الموت، إما النصر وإما الشهادة، لكنهم أيضًا تحت قيادة النبي ﷺ، فإذا قال لهم: “سلام”، فسلام، وإذا قال لهم: “صلح”، فصلح.
وهل يصح أن تُقام الحرب في أيّ وقت؟ هناك حرب تكون تهلكة، وحرب تكون دماراً، وحرب تكون خزياً، وحرب تكون فضائح، أما في الإسلام فهي حرب العِزِّ وحرب المجد وحرب الانتصار؛ انتصار العقل، وانتصار الأخلاق والفضائل.. والحرب في سبيل الله عزَّ وجلَّ هي في سبيل العلم، وفي سبيل محاربة الخرافات وانتصار العقلانية، وفي سبيل مكارم الأخلاق، وفي سبيل تحرير الشعوب من الاستعمار، وهذه هي الحرب المقدَّسة.
أَمَّا أن يعتدي ناس على ناس ويسمُّوها حربًا مقدسة أو جهادًا في سبيل الله، فهذا من وحي الشيطان لا من وحي الإسلام، ولا من تشريع الإسلام لا من قريب ولا من بعيد.
من نتائج صلح الحديبية دخول قريش في الإسلام
قال: ((وقَد رَأَوا مِنكُم ما كَرِهُوا))، أنكم بايعتم على الموت، وأنكم متَّحدون، وقيادتكم موحَّدة، ((ورَدَّكُمُ اللهُ سالِمِينَ مَأجُورِينَ، فهو أَعظَمُ الفُتوحِ، أَنَسيتُم يَومَ أُحُدٍ وَأَنا أَدعُوكُم، وَأَنتُم مُنهَزِمُونَ: إلَيَّ إلَيَّ، ولا تَرُدُّونَ؟ أَنَسِيتُم يَومَ الأَحزابِ ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:10])) ، لكثرة ما خفقت قلوبكم من خوفكم كادت تخرج من حلوقكم، أنسيتم؟ والآن كيف؟ الآن هم طلبوا منكم الصلح، فأنتم الأعزة.. قالوا: “ما فكَّرنا فيما فكَّرتَ فيه يا رسول الله، وَلَأنت أعلم بالله وبأمره منا”.
لقد سمَّى الله تعالى صلح الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح:1]، فماذا كانت عاقبته؟ عاقبته دخول قريش في الإسلام، والأمن المتبادل، وقد صار المسلم يذهب إلى أهله في مكة، وإلى عشيرته وأبيه وأمه، وانقلبت مكة كلها إلى بلد دعوة إلى الإسلام.
وبعد سنة دخل النبي ﷺ إلى مكة في عمرة القضاء عن العمرة الأولى التي ردُّوه فيها، وفي السنة التي بعدها دخلها فاتحًا بجيشٍ كان تعداده عشرة آلاف صحابي، كم كانوا في الحديبية؟ ألفًا وخمس مئة، وفي سنتين كم ضعفًا زادوا؟ أليس هذا فتحًا؟
ثم إن النبي ﷺ كسب المعركة بلا إراقة دم، ((هَذا أَعظمُ الفَتحِ))، بنى الدين، وبنى الأُمَّة ووحَّدها، وأنشأ الدولة.
وما بلغ كل القتلى في إقامة الإسلام دينًا ودولة خمس مئة قتيل بين مسلم ومشرك، [ما بلغوا خمس مئة في كل الحروب التي كانت في حياته ﷺ].. أيُّ دولة في العالم في الشرق والغرب تستطيع أن تفعل ما فعله رسول الله ﷺ بأقل التضحيات، وبأضعف الوسائل الظاهرية، وبأخصر الأوقات، وبأعظم النتائج؟ أوجد دينًا خالدًا، ورغم كل ما حورب به في خمسة عشر قرنًا، وبشتى أنواع الحروب السلاحية والحربية والدعائية والتبشيرية إلا أنه لا يزال خالداً كما أنزله الله تعالى.
حكمة الشيخ كفتارو في الحديث مع السفير الكندي
في السنة الماضية حاضرتُ في جامعة واشنطن الكاثوليكية، وعميدها وكل أساتذتها رهبان، وقد قالوا لي: إن الإسلام أسرع انتشارًا في أمريكا من كل الأديان.. ولماذا لا يكون أسرع انتشارًا؟ لأنه لا يصبح المرء مسلمًا حتَّى يؤمن بالمسيح عليه السَّلام وبرسالته.
ومن شهور جاءني سفير كندا فسألني: كم عدد النصارى في سوريا؟ وكم نسبتهم المئوية؟
المعروف أن نسبتهم ثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر في المئة، وعدد السوريين كلهم حوالي أربعة عشر أو خمسة عشر مليونًا، فقلت له: عدد النصارى في سوريا خمسة عشر مليونًا.. فدُهِش وقال لي: ولكنْ كل سكان سوريا خمسة عشر مليونًا، ونسبة النصارى ثلاثة عشر بالمئة، فقلتُ له: أنت مخطئ، قال لي: لقد أخذتُ هذه المعلومات من مصادر موثَّقة رسمية، فقلتُ له: الذين أعطوك إياها مخطئون.
افهموا الحكمة أيها المشايخ، افهموا الحكمة يا بُنيّ، وافهموا الإسلام، أليست الحكمة من الإسلام؟ والذكر من الإسلام، والصَّلاة من الإسلام، والصوم من الإسلام، وهذه كلها لا تُمَثِّل الحكمة [ولا تشملها]، لأن الله عزَّ وجلَّ قال عن رسالة النبي ﷺ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ هذه مهمته وهذا ثلث، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هذا الثلث الثاني، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:129] وهذا الثلث الثالث.
والتزكية من خصائص أهل التصوف والطريق، والحكمة: هي أن تعرف الأمور بحقائقها، وتدرسها من جميع أطرافها وبكل أبعادها وغاياتها، ثم تطبِّق على حسب هذه الدراسة الصحيحة، هذه هي الحكمة، وبها تكون حكيمًا في عملك، والحكمة هي النجاح، فلماذا لا ينجح المسلمون؟ لأنه ليس هناك فقهاء الحكمة يعلمونهم الحكمة.
قال لي: يا سماحة المفتي، أنا معلوماتي أن نسبة النصارى ثلاثة عشر أو أربعة عشر في المئة، وأن المسلمين هم الأكثرية، قلتُ له: أنت مخطئ، فسوريا كلها مسيحيون، وأنا أول المسيحيين، فاندهش وقال لي: لا أفهم عليك، قلتُ له: سأُفَهِّمك.. إنّ الإسلام لا يعطي المسلم هوية الإسلام حتَّى يؤمن أولًا بسيِّدنا المسيح وبرسالة المسيح عليه السَّلام، فإذا آمن بالمسيح وبرسالة المسيح يُعطيه هوية الإسلام، لأن سيِّدنا مُحمَّدًا ﷺ لا يَقْبَله مسلمًا وهو غير مؤمن بالمسيح عليه السَّلام، فلذلك فإن كل مسلم في كل العالَم مؤمن بالمسيح ومؤمن برسالة المسيح عليه السَّلام، فنحن مسلمون ونحن مسيحيون، وإخواننا المسيحيون ما آمنوا بسيِّدنا مُحمَّد ﷺ، والإسلام لا يُكرِههم، ولكل منهم حريته وعقيدته، ولذلك فإن كنائسهم على كل مذاهبهم موجودة من زمن النبي ﷺ إلى الآن، ولقد كان الإسلام هو الدولة العالمية وأعظم دولة، ولو كان في الإسلام إكراه لَمَا ترك كنيسةً أو أثرًا لأي دين من الأديان.. فدُهِش وقال لي: واللهِ أنا لا أعرف الإسلام بالشيء الذي أسمعه منك الآن.
معنى ذنوب النبي ﷺ
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:1]، وستتبين عظَمة هذا الفتح، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:2]، ليس فتحًا فقط، بل فتح تصاحبه هدية، وما الهدية؟ قال: يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
مرة سألني صحفي وكنتُ في الجماهيرية الليبية.. [سماحة الشيخ يخاطب خطباء الجمعة من الحضور:] خطباء المساجد لا يتخلفوا عن مساجدهم.
فقال لي: أنا سألتُ عن هذه الآية في الأزهر وغيره ولم يقنعني أحد، إذن النبي ﷺ مذنب، ولماذا يغفر الله عزَّ وجلَّ له ولا يغفر لباقي المذنبين؟ فقلتُ له: هل تعرف ما ذنوب النبي ﷺ التي أرادها الله عزَّ وجلَّ؟ ذنوب النبي ﷺ ذنوبٌ اجتهاديةٌ عندما كان يجتهد في اختيار الشيء الحسن وهناك ما هو الأحسن، أو يختار الشيء الفاضل ولا يتذكر ما هو الأفضل، أو يفعل الحسن ويترك الأحسن، أو يفعل المباح ويترك ما هو الأولى منه.
مثل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:43] للمنافقين، لِمَ سمحتَ لهم بأن لا يحضروا الجهاد؟ كان عليك أن لا تأذن لهم حتَّى يتبيَّن نفاقهم ويُفضَحوا، لأنه لو لم يأذن لهم لتَركوا، وإذا تَركوا فُضِحوا، فالنبي ﷺ حين أذن لهم سترهم، فلم يرضَ الله عزَّ وجلَّ.
هذا هو ذنب النبي ﷺ، وكذلك: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:1-2]، النبي ﷺ آثر الأغنياء، لأنه بهدايتهم تهتدي كل الشعوب، وهذا اجتهاد حسن، والنبي ﷺ مأجور على هذا الذنب، وهل هذا ذنب؟! وهناك قاعدة عند أهل التصوف تقول: “حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ” .
من حكمة التريّث في الحديبية وعدم القتال
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح:2]، أليس هذا فتحًا؟ بالصلح حصل الفتح، فُتِحت مكة سِلْمًا بلا حرب، ودخلوا مكة للدعوة آمنين مطمئنِّين، وهل الدعوة أفضل أم العمرة؟ لو أنهم اعتمروا وأكملوا مثل ما أرادوا ورجعوا والحرب قائمة والعِداء قائم هل هذا أحسن أم أن يحصل الصلح وكلما أرادوا أن يعتمروا يعتمرون، طول السنة لو أراد أحد أن يعتمر فلا يُمنَع، ويقوم بالدعوة إضافة إلى العمرة؟ أي فتح أعظم؟ ((إنَّ اللهَ لا يَعجَلُ لِعَجَلةِ أَحدِكُم)) .
والشيخ قد يتريَّث في بعض الأمور، وهناك أناس يُحبون العجلة، كما كان سيِّدنا عمر رضي الله عنه يريد، فهل يجب أن يمشي النبي ﷺ على عقل عمر رضي الله عنه أم يجب أن يمشي عمر رضي الله عنه على عقل النبي ﷺ؟ وهل المريد يمشِّي الشَّيخ على عقله أم هو يجب أن يمشي على عقل الشَّيخ؟ نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفِّقنا.
وإذا وجدتم مخطئًا فلا يصح أن تشهِّروا به، وإذا أخطأ نجتنب خطأه، ولا نجلس مع أحد يذكر مثل هذه الأمور ولا نسمع له، وهذا حسب أدب القرآن، وحسب أدب الطريق منذ خمسة عشر قرنًا وإلى الآن، وهذا أدب المعلم والمتعلم والمؤدِّب والمتأدِّب، وإذا خالف أحدٌ وفسدَتْ بُرْتُقالَته فلا يلومنَّ إلا نفسه، وهو المسؤول عن نفسه.
عمرة القضاء ثم فتح مكة
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:2]، هذا الصلح ليس فيه فتح ومغفرة فقط، بل سيُتم الله عزَّ وجلَّ نعمته عليك، ففي العام التالي لصلح الحديبية اعتمروا حسب الشروط، لأنهم قالوا له: يمكنك أن تأتي في العام القادم، وفي العام الثالث فَتَح مكة، وبعدها جاء كل العرب من كل الجزيرة العربية مسلمين، هذه: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:2]، وأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:1]، هذا هو الفتح، وإنَّ فَتْح الجزيرة العربية كلها كان من وراء صلح الحديبية، وهذا الذي لم يفهمه إلا النبي ﷺ، وفهمه معه أبو بكر رضي الله عنه، وهل فهمه عمر وطلحة والزبير وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين؟
نحن لا نساوي وَسَخًا في نعالهم، لكن حتَّى نتعلم أن يكون هذا أدبنا مع مشايخنا، وأدبنا مع أساتذتنا، وإذا لم تفهم فاسأل، مع أن أدب القرآن مع أصحاب القلوب: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ [الكهف:70]، الشَّيخ من نفسه يخبرك، أو قد تجد الجواب في قلبك إذا كنتَ صاحب قلب، يأتيك الجواب من قلبك ويجيبك الشَّيخ من غير أن تسأله إذا كنتَ من أصحاب القلوب، وإذا وجَّهتَ لاقطك إلى محطة قلب الشَّيخ يأتيك الجواب في المنام أو في اليقظة أو في القلب أو على لسان الشَّيخ، وإذا لم يكن عندك أي محطة من المحطات فستضيع، وستهلك وتموت عطشًا وجوعًا، ومن يلحقك وأنت تائه في الصحراء سيموت عطشًا وجوعًا أيضاً.
الإسلام جمعية الأديان
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:2]، الله عزَّ وجلَّ هو الذي يمشِّيك على الصراط المستقيم، فالذي يمشِّيه الله عزَّ وجلَّ على الصراط المستقيم هل يمكن أن يضيع؟ وهل هذا فقط؟ قال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:3]، نَصَره بأقل الكُلَف، وبأقل التضحيات، وبأقل الحروب، لأن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يقود المعركة.
وقال ﷺ: ((سَيَصِلُ الإسلامُ مَا وَصَلَ إلَيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)) ، والآن الإسلام في كل الكرة الأرضية، ولكن المسلمين متخلِّفون، وهناك مسافة شاسعة وبعيدة بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين، ولا يكون سلام إلا بالإسلام، وما الإسلام؟ هو الذي يعترف برسالة موسى عليه السَّلام وتوراته، وعيسى عليه السَّلام وإنجيله، وبكل أنبياء التوراة، وبكل أنبياء العالَم من عُرِف ومن لم يُعرَف، هذا هو الإسلام، فالإسلام يعني جمعية الأديان، كما أن هناك هيئة الأمم فالإسلام هو جمعية الأديان ووحدة الأديان، وتجد في الإسلام كل أنبياء السماء، ومَن ذَكَرَتْهم التوراة والإنجيل، والنبي ﷺ يقول: ((إنَّ اللهَ أَرسَلَ مِئةَ أَلفِ نَبِيّ وَأَربَعةً وَعِشرينَ أَلفَ نَبيّ)) ، ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:78].
والجامع للأديان كلها هو الإيمان بالله عزَّ وجلَّ، وبأنبياء الله عليهم الصَّلاة والسَّلام، وبخلود الروح، وبمسؤولية الإنسان عن أعماله في هذه الحياة في محكمة الله عزَّ وجلَّ، وثواب المحسن ومسؤولية المسيء، وهذا تتفق عليه كل أديان السماء.
ولقد دَخلَتْ زيادات وتحريفات وتغييرات في كل الأديان، ولذلك يقول النبي ﷺ: إن الإسلام ينبغي أن يُعاد النظر فيه في كل مئة سنة: ((يَبعثُ اللهُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لأُمَّتِي أَمرَ دِينِها)) ، فقد تَدخُل تأويلات وتعصبات ومذاهب وتفرُّقات، فقال: كل مئة سنة يبعث الله عزَّ وجلَّ مجدِّدًا، وفي كل بلد مجدِّد، وفي كل ناحية مجدِّد.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من خُدَّام المجدِّدين.
كل انتصارات النبي ﷺ كانت بالعزة
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا﴾ [الفتح:3]، هناك نصرٌ بِِذُلٍّ وإهاناتٍ وتضحيات وتدمير، ولكن كل انتصارات النبي ﷺ كانت بالعزة، وبالرّاية المرفوعة، فقد رجع من الحديبية في ذي القعدة، وذهب في المحرم إلى خيبر، وكان قد نظَّف المدينة من اليهود من بني النضير وقينقاع وبني قريظة، وبقيت خيبر، فلم يضيِّع الوقت وذهب من الحديبية إلى خيبر.
ولمَّا دعا الأعراب ليذهبوا معه إلى العمرة وصلح الحديبية اعتذروا وقالوا: إنّ النبيّ هذه المرة “روحة بلا رجعة” [أي سيذهب ولن يرجع]، وقالوا: هل الذين هُزِموا في أُحُدٍ، وحفروا خندقًا في الأحزاب ولم يستطيعوا أن يقاتلوا، يريدون الآن أن يذهبوا ويقاتلوا في مكة؟ لن يرجع هو ولا أحد ممن معه، ولنقل له: إننا مشغولون بالزراعة والفلاحة ولسنا متفرغين: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:11].
ولما حصل الصلح وأمَّن النبي ﷺ ناحية قريش حربيًّا وتكتيكيًّا بهذه المعاهدة، بقي أمامه اليهود وحدهم، فمضى إلى اليهود فنظَّف خيبر وأرض الحجاز من التسلط الصهيوني الاستعماري في عشرين يومًا.
السكينة التي نزلت في قلوب المؤمنين
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:3-4]، وبعد هذه الثورة والاختلاف والصخب والضجيج والاعتراض، بعد ذلك سكنوا كلّهم وأطاعوا وأذعنوا واستغفروا، وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: “ما زلتُ أُعتق وأتصدَّق وأصوم وأصلي، رجاء أن يغفر لي اعتراضي على رسول الله ﷺ” .
هذا هو الإيمان، والإسلام الصحيح هكذا يكون، وهل هناك أَحَدٌ أَصَرَّ؟ لا أحد أصرَّ، هل هناك أحد تمرد؟ لا، فالنبي ﷺ أراد هكذا، وإذا أراد المعلم هكذا فنلتزم، وإذا أردنا أن نناقش يمكننا أن نناقش، والنبي ﷺ لم يقل لهم: لا تعترضوا، لكنه وضَّح لهم، وتبيَّن بعد ذلك أنهم مخطئون، وأقرُّوا بخطئهم، أمَّا أن نتكلم من بعيدٍ أشكالًا وألوانًا فهذا ليس مناقشة ولا إصلاحًا، بل هو تخريب وتخليط وله أسماء متعددة.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يسامحنا ولا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح:4]، إذ كلهم رضوا واطمأنوا وبقيت الوحدة قائمة، وأعظم شيء في الإسلام الوحدة، فكان النبي ﷺ يقول في موضوع الوحدة: ((اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَإِن أُمِّرَ عَلَيكَ عَبْدٌ أَسوَدُ، رَأْسُهُ كَزَبِيبَةٍ مُجدَّعُ الأَطرافِ)) ، أنفه مقطوع، وأذناه مقطوعتان، وأمَّره النبي ﷺ عليك، أو جعلَتْه الدولة الإسلامية أميرك، وإن كنتَ أفضل منه نَسَبًا وحَسَبًا وعِلمًا، فإنك إذا خالفتَ تتمزَّق الوحدة، فالوحدة أعظم من عملية الفاضل والمفضول، وهذا كلام النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا كنا علماء بكلام النبي ﷺ فهل نعمل مخالفة؟ ولو كان عبدًا أسود ورأسه كزبيبة.
والصحابة رضي الله عنهم يقولون: “بايَعْنا رسول الله ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنشَط والْمَكرَه”، إذا كنا نَعسانين أو مرتاحين أو متعَبين، مشغولين أو متفرِّغِين وجاء الأمر فعلينا أن نسمع ونطيع.
“في المنشط والمكره، وعلى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا” ، يعني إذا أُمِّر علينا مَن نحن أفضل منه أن نطيع، حتى وإن كنا نعتقد أننا أفضل وحقيقةً نحن أفضل وصار أميرًا علينا مَن هو دوننا علينا أن نطيع، لأن الوحدة أعظم من الاختلاف على الرئاسة، وهذا كلام النبي ﷺ، وهذا هو الإسلام، والخروج عن هذه المعاني هو الخروج عن الإسلام.. “وَعلى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا”.
الجهاد يكون بالحكمة
وفي حديث آخر كان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: ((طُوبَى لِعَبْدٍ)) هنيئًا، ومرحى، ويقال: إنها شجرة في الجنة، ((لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ربَّى فرسه وركبها في سبيل الله، ((أَشْعَثَ الرأس))، لا وقت لديه ليُمَشِّط شعره، وهل الذي يريد أن يجاهد يهتمُّ بشعره وبزيت الشعر وبأظافره وحلاقة لحيته وشاربه؟ وهل الجندي يُشغَل بهذه الأمور؟ ((طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ، في سبيل نشر العلم والحكمة وتزكية النفوس والعدالة ونَقْلِ الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الشقاء إلى السعادة، وفي سبيل المساواة في حقوق الحياة لكل النَّاس مع اختلاف ألوانهم وأديانهم وجنسياتهم، هذا سبيل الله، أو إذا استعمر مستعمِرٌ بلدك ففي سبيل الله أن تدافع عن وطنك وعن بلدك، هذا أيضًا يُعَدُّ في سبيل الله، لكن يجب أن يكون بالحكمة.
في مكة كان الصحابة رضي الله عنهم معتدًى عليهم، وكانوا يُعذَّبون أشد العذاب، ومع ذلك لم يقاتل النبي ﷺ، لأن القتال كان مخالِفًا للحكمة، ولو قاتل لقُضِي على الإسلام، ولكنه قاتَل لَمَّا تهيَّأت وسائل القتال، وتهيَّأت وسائل النصر، فهو يقاتل في سبيل الله عندما يهيِّئ الوسائل ليضمن النصر، إذ ليس المهم أن تقاتل بل المهم أن تنتصر، وليس المهم أن تزرع بل المهم أن تحصد، وليس المهم أن تتاجِر بل المهم أن تربح، وإذا كنتَ تتاجر وتخسر، وتزرع على البلاط ولا ينبت الزرع، وتحارب “وتأكلها بالعَتِيْقَة” [العَتِيْقَة: الحذاء القديم، والمقصود: تحارب وتنهزم مع الذل والهوان]، فهل هذا اسمه جهاد وهل هو أيضًا في سبيل الله؟ نحن نهين الجهاد ونهين سبيل الله ونحسب أننا نحسن صنعًا، وسبب هذا كله فَقْدُ المعلم.
يا صلاح الدين أصلِحْ داخليتك
لَمَّا حصل الزحف العام على صلاح الدين أتى إلى شيخه وقال له: لقد أعلن الأجانب عليَّ الحرب، والزحف بين عشية وضحاها، فادعُ لي بالنصر، فقال له: يا صلاح الدين أصلِحْ داخليَّتك، قال له: يا سيِّدي ليس هناك وقت، الأمر بين عشية وضحاها، فغضب الشَّيخ ووكزه في صدره -وما الوكز؟ “البُوْكْسْ” [اللَّكْم]– فوقع وسقط تاجه عن رأسه، فرجع وما أدار ظهره لشيخه، ومن هو؟ ليس بائع فول أو بائع خضار، بل صلاح الدين، وقال له شيخه: ألا تفهم؟ لن أدعو لك، بل أصلح داخليتك، وفوق ذلك لكمه لكمة، لكنه مريد، وهو سلطان.
ولو بِيَدِ الحَبيبِ سُقِيتُ سُمًّا
لَكَانَ السُّمُّ مِن يَدِه يَطِيبُ
وإلى ماذا ينقلب قشر الرمان؟ إلى ألذّ من البقلاوة، ويرى الكلاب السود أجمل من الغزلان، وإذا لم تكن كذلك فاذهب واقرأ قاموس الحب، واعرف ما الحب لتعرف نفسك إن كنتَ محبًّا أم لا.
القارئ والعالِم
قال ﷺ: ((كُن عالِمًا أو مُتَعَلِّمًا أو مُحِبًّا أو مُستَمِعًا))، أنت الآن مستمِع، ولم تصِر محبًّا بعد، ولم تصِر متعلِّمًا، لأن المتعلِّم يكون لديه أدب المتعلِّم، فكيف ستصير معلِّمًا إذن؟ أنت الآن مستمِع وهذا لا يكفي، ولا يذهب معك مشوارًا أو مشوارين إلا وينتهي وقودك ويقف قطارك، ((وَلَا تَكُنِ الْخَامِسَةَ))، إذا لم تصرْ عالِمًا ولا متعلمًا، ولا فيك أخلاق العالِم ولا أخلاق المتعلِّم ولا أدبهما ولا سلوكهما، ولا محِبًّا ولا مستمِعًا، ((وَلَا تَكُنِ الْخَامِسَةَ فَتَهْلِكَ)) أيضًا لا تستمع، فالنبي ﷺ يقول: ((فتَهلِك)) ، نسأل الله عزَّ وجلَّ الحماية، وأن يعطينا الدرجة الأولى، [والتي هي درجة العالِم].
وعلم الظاهر يكون بالقراءة وصاحبه اسمه قارئ، أما العلم الحقيقي فهو الذي يوجب الخشية، ويوجب مكارم الأخلاق، ويوجب الحكمة، وهو الذي تكون مدرسته القرآن.. نسأل الله تعالى أن يحقِّقنا بحقائق العلم الذي ذَكَر الله عزَّ وجلَّ أصحابه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28].
الإخلاص في الجهاد
((طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ)) برَسَنِ ((فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، هل هو خارج للتنزه أو ليتبختر؟ بل: ((فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ الرأس، مُغْبَرّ القَدَمَين، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ)) إذا كلَّفوه بالحراسة لا يهتم، ((وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ)) ، في مؤخرة الجيش لا يهتم، وإذا كان أميرًا أو قائد الجيش لا يهتم.
لذلك حين كان سيِّدنا خالد رضي الله عنه قائد معركة اليرموك أعظم معركة في التاريخ الإسلامي التي هُدِم فيها الاستعمار البيزنطي كله جاء الأمر بعزله في منتصف المعركة، فوضع الرسالة في عمامته، وحبس البريد حتَّى أنهى المعركة، وسلَّم القيادة لأبي عبيدة رضي الله عنه، وعاد جنديًّا، ولم يقل: لماذا عزلني عمر؟ وكان قد عزله نهائيًّا، ولم يجعله أميرًا ولا نائب أمير، ولا يوجد “نياشين” [أوسمة]، فعادة الجنرال يبقى جنرالًا، أما القيادة فتصير للجنرال الثاني، بل صار جنديًّا.. هذا هو الإسلام.
إذا لم نَعرِف الإسلام بالمستوى الصحيح فنكون نأكل سمًّا ونحن نظن أننا نأكل عسلًا، نكون ذاهبين إلى الكعبة لكننا في الحقيقة طريقنا إلى حلب إلى تركيا وإلى موسكو، [الطريق إلى الكعبة من دمشق -حيث يُقام هذا الدرس- باتجاه الجنوب، بينما إلى حلب بالاتجاه المعاكس إلى الشمال، ثم تأتي تركيا بعد حلب وهكذا]، فأين نصل بعد ذلك؟ إلى البحر المتجمد الشمالي، ونصير قطعة من الجليد، وإذا مشى معنا الناس فماذا يحدث أيضًا؟ هل يحجُّون؟ يحجون في موسكو، يصبحون حجاج موسكو، وهل يصبح اسمه حجي أم مسكوفي؟ فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن لا يجعلنا موسكوفيين، ويجعلنا حجاجًا.
قال: ((وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ)) فهو راضٍ، ((ففِي السَّاقَةِ، وإِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ)) لا أحد يكترث به، ((وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ)) ، لا أحد يهتم به، قال: هذا طوبى له، وهنيئًا له، لأنه ليس لديه “نَفْسٌ”، ولا “أنا”، ولا “رفعتموني” أو “خفضتموني”، بل: “إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي”.
الحوار لطلب الأفضل
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:3]، قالوا: يا رسول الله، هذا لك، فماذا لنا؟ قال: اصبروا قليلًا، قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:4]، أنزل السكينة في قلوبكم فلم يقع في قلوبكم شك أو اضطراب.
صحيح أنه جرى حوار، لكنه حوارٌ لطلب الأفضل والأنفع والأعز والأكرم، لكن في النهاية لَمَّا أصرَّ النبي ﷺ على الرأي لم يقل أحد منهم: لا، بل كلهم وافقوا، ومسحوا “الرحمن الرحيم” ، وهم يبكون، لكن الطاعة طاعة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:285].
قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:4]، فكانت سكينة الإيمان والطاعة، ثم لَمَّا نزلت السورة وبيَّن لهم أصبحت سكينة القناعة والفهم والعلم والدليل والبرهان، فلم يبقَ أدنى شك، أما الجَدُّ بن قيس فبقي على حاله، لم ينتفع لا من هنا ولا من هنا.
الاعتراض ضعفٌ في الإيمان
قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4]، عليك أن تبقى على الطاعة ومع الجماعة، ولا تخرج منفرِدًا بنفسك، ((يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ)) ، ((وإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنْ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ)) .
ورغم أن الألف والأربع مئة كلهم اعترضوا، فهل ترك أحد منهم النبي ﷺ؟ ربما لم يفهموا، ولَمَّا نزلت السورة انتقدوا أيضًا، فبيَّن لهم النبي ﷺ، والقرآن بيَّن لهم، في بداية الأمر نزلوا على إرادة النبي ﷺ، ولكن بقي في قلوبهم شيء، وبعد ذلك بيَّن لهم القرآن وأثنى عليهم، لأنهم وافقوا جميعًا ولم يعترض أو ينتقد منهم أحد.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4]، لأن الاعتراض ضَعْفٌ في الإيمان، فلمَّا تركوا الاعتراض وسلَّموا التسليم الكامل كان ذلك زيادةً في الإيمان بأن رسول الله ﷺ معصوم، وأن قلبه بالله موصول، وأنه لا يعمل إلا بإرشاد من الله عزَّ وجلَّ وتوجيه من روح قدسه، لكن أحيانًا يحصل للإنسان غفلة أو غلطة.
التأخُّر في المعالجة يجعل المداواة أصعب
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن لا يجعل غلطتنا طويلة، لأنك إذا لم تعالِج الجرثوم بسرعة من أول الأمر يزداد وتصبح معالجته صعبة، وكلما تأخَّرتَ في المعالجة تصير المداواة أصعب، لذلك كان بعضهم يتوب كل ليلة، وكان النبي ﷺ يقول: ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً)) ، وفي رواية: ((مِئَةَ مَرَّةٍ)) .
إذا كان النبي ﷺ يستغفر الله عزَّ وجلَّ ويتوب إليه مئة مرة فكم علينا نحن أن نستغفر الله ونتوب إليه؟ وكيف إذا جعلنا أنفسنا لا ذنوب علينا وأننا أحسن النَّاس ولا يوجد من هو خير منا؟ إننا بذلك نزكي أنفسنا.
ومن الذي زكَّى نفسه؟ الذي قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:12]، وليس ذلك فقط، بل تجاوز آدم عليه السَّلام إلى الله عزَّ وجلَّ فقال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ كأنه يقول له: أنتَ الشيطان، لأنه مَن الذي يُغوي ويُضِل؟ الشيطان، فجعل اللهَ هو الشيطان، قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ولم يكتفِ بذلك، بل هدَّد اللهَ عزَّ وجلَّ وقال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:39]، تحدَّى اللهَ عزَّ وجلَّ، وهذا هل كَسِب؟ لو أنه سجد لآدم عليه السَّلام هل كان يخسر شيئًا؟ وهل بعدم سجوده رَبِح؟ نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يوفِّقنا ولا يَنْحَسَنا.
وانتبهوا.. لماذا قصَّ الله عزَّ وجلَّ علينا قصة آدم عليه السَّلام وإبليس؟ الله عزَّ وجلَّ ليس قَصَّاصًا، بل هذا درس، ولماذا قصَّ الله عزَّ وجلَّ علينا نوحًا عليه السَّلام؟ لكي نصبر في سبيل الدعوة صبر نوح عليه السَّلام، وقص علينا إبراهيم عليه السَّلام حتَّى لا نيأس من روح الله عزَّ وجلَّ حتَّى ولو كنا في النَّار.
المؤمن يعارض الأنا
ثم بعد سورة الفتح أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1]، فإذا أبدى النبي ﷺ رأيه فلا تقدِّم رأيك على رأيه، وعقلك على عقله، وتجيب أنت قبل أن يجيب هو، وسورة الحجرات بعد سورة الفتح، فهل نعرف كيف نقرأ القرآن؟
نحن نقرؤه على الأموات، نقرؤه إما في النياحة مع النساء اللاتي يُولوِلن على الميت، أو نقرؤه غناءً في الأعراس فنأتي بقارئ صوته جميل، ولكن هل نقرأ القرآن لنفهم معانيه ومقاصده ولنجعل حياتنا هي القرآن في أعمالنا وأخلاقنا، ومع نُوَّاب رسول الله ﷺ وورثته؟ لسنا من ذلك في شيء، وإذا بدت لأحدهم مصلحة ومطمع أو نغزه الشيطان نغزة فإنه يُفلِس ولا يبقى معه شيء إلا الهوى والأنا، وأين “لا إله إلا الله”؟ صارت: “لا إله إلا أنا”، “لا إله إلا الهوى”، “لا إله إلا الغضب”، أين “لا إله إلا الله”؟
مع “لا إله إلا الله” يجب أن لا يكون عندك هوى ولا صنم ولا أنْ تعبد إنسانًا، ويجب أن يكون هواك تبعًا للقرآن وتبعًا لِمَا جاء به رسول الله ﷺ، وبعد رسول الله ﷺ تبعاً لوارث رسول الله ﷺ، وعليك أن يكون ارتباطك بالوارث المحمَّدي كارتباط الصحابة رضي الله عنهم بالنبي ﷺ.
سؤال الصحابة رضي الله عنهم سؤال استفهام
النبي ﷺ قال: ((الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) ، ما معنى الورثة؟ يعني تُطيعهم كما تُطيع النبي ﷺ، تُحبُّهم كَحُبِّه، لا تعترض عليهم، وإذا وقعت في شك فاسأل، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون، أما أن لا نسأل ولا نستفهم ونجعل أنفسنا قضاةً ونصدر أحكامًا جنائية وجزائية وإجرامية وهذا كذا وهذا كذا فهذا ليس من خلق الإنسان العادي، فكيف بالذي يريد أن يكون مريدًا أو أكثر من مريد أو يريد أن يصير مسلمًا؟
يجب أن نكون مسلمي الحقيقة، مسلمي الذِّكر والقلب والخشوع والإخبات، وأن نبحث عن نائب رسول الله ﷺ.. مولانا خالد [النقشبندي] ذهب من العراق إلى الهند -وقد كان رئيس علماء العراق- ليجتمع بالشَّيخ المربي لقلبه، وكان يحفظ القاموس المحيط، فتخلَّى عن عِلمه وعن رئاسته، ودخل كأصغر إنسان يدخل على شيخه، هكذا كان المريدون يتأدَّبون مع شيوخهم.
والآن أصبح الشَّيخ مريدًا والمريد شيخًا، لستم كلكم، منكم ولله الحمد كما قال القائل
ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمًّا
لكانَ السُّمُّ مِنْ يَدِهِ يَطِيبُ
كلنا نخطئ ويجب أن نتوب
وهناك من يخطئ، لكننا كلنا نخطئ ونتوب إلى الله عزَّ وجلَّ، النبي ﷺ قال: ((اعفُ عَن خادِمِكَ في اليَومِ سَبْعِينَ مَرَّةً)) .
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يخلِّقنا بأخلاق رسول الله ﷺ، وأنا من جهتي ومن فضل الله عزَّ وجلَّ ما حقد قلبي على إنسان طول حياتي، حتَّى على أعدى أعدائي، كنتُ أدعو لهم في سجودي، وحتَّى إلى الآن إذا بلغَني عن إنسان أدعو له بعد كل صلاة.. ربنا ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:10].
انتشار الإسلام بصبر النَّبيِّ ﷺ
قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:4]، يعني أن الله عزَّ وجلَّ كان قادراً أن يُنزل ملائكة يكسرون رقاب قريش، أو ينزل عليهم صيحة من السماء تُهلكهم.
لكن الله عزَّ وجلَّ أرسل الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام رحمة، وأنزل الشرائع رحمة، لا ليُهلك النَّاس، بل ليُسعد النَّاس وينقذهم، ولو لم يصبر النبي ﷺ على الأذى وعلى الشتائم والإيذاء فهل كان ينتشر الإسلام؟ فقد قتلوا ابنته وأجهضوها وأثاروا بها الجمل، وأعلنوا عليه خمسين حربًا وخمسين مؤامرة، وكانوا يطؤون على عنقه بنعالهم وهو ساجد.. وبعد ذلك عندما يتوبون ويرجعون إلى الله عزَّ وجلَّ يُقابلهم بكل ما تُقابل به الأم ولدها إذا كان ضائعًا عنها، فتضمه إلى صدرها وتقبِّله بكل شوق وعشق وحنان.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يخلِّقنا بأخلاق رسول الله ﷺ.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:4]، ليس لكم مِنَّة على النبي ﷺ، فالله عزَّ وجلَّ عنده جنود إذا أراد فبصيحةٍ واحدةٍ من مَلَك واحد يُهلك جميع أعداء النبي ﷺ، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:4]، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:31]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:4].
يكفيكم إلى هنا، قولوا آمين: اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا هادين مهديِّين، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلِّين.
فتنة حرب الخليج
وبمناسبة دعائنا بإطفاء فتنة ونار الخليج، وإن شاء الله أُطفِئت، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل التمام على خير، وصدَّام ليته فهم رسالة رئيسنا! [صدَّام حسين رئيس العراق في ذلك الوقت وكان وقتها حرب العراق والكويت] وأنا دائمًا أكررها، وقد كانت بمنتهى الحكمة، ومنتهى الإخلاص، ومنتهى الصواب، ومنتهى الحقيقة، ولكن حصل الذي حصل وكانت نكبة على البلدين، على العراق وعلى شعبه، وعلى الكويت وعلى شعبه، والذي استفاد من ذلك هم أعداء العرب وأشباههم.
لكن هناك غلطة في الكتابة تمحوها بإصبعك أو بالممحاة، وأخرى بالصابون، وهناك غلطة تَذهَب بها مئات الألوف وتُدمَّر فيها بُلدان، وهذه غلطة ليس أمرها سهلًا.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحمينا من الخطأ ويجنِّبنا إياه، وأن يلهمنا الرشد، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلهما متشابهين علينا فنتبع الهوى، والخَطَر: ((أَبغَضُ إلَهٍ عُبِدَ في الأَرضِ الهَوَى)) ، ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:43].. اللهم احمنا من أن نتبع الهوى برحمتك يا أرحم الراحمين.