مناسبة خاتمة سورة الأحقاف لبداية سورة محمد
نحن الآن في تفسير سورة مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد ختم الله تعالى السورة السابقة مخاطبًا النبي عليه الصلاة والسلام في آخر سورة الأحقاف، التي هي بلاد عاد قوم هود عليه السَّلام، وكم ذكر الله الأنبياء وحياتهم ونضالهم وصبرهم، وإيذاء النَّاس لهم وسباب الناس لهم وشتمهم واتهامهم بشتى أوصاف النقائص! وذلك لإبعاد النَّاس عن دعوتهم، وقد مرّت بهم الْمُدَد الطويلة من غير أنْ يستجيب لهم أحد.. وهذا ما كان القرآن يقصه على النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول له: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90]، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل:123].
ولقد ختم الله تعالى سورة الأحقاف فقال: ﴿فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلعَزمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35]، فالصبر هو تحمُّلُ المكاره، والصمودُ عند الشدائد، واستقبالُ الأزمات والعداء والهجران وشتى أنواع الأذى بصدر رحب ونفس راضية، وصمودٍ بلا فرار ولا هزيمة، ولا ضيقٍ في الصدر، ولا ضجرٍ عند الشديد من الأمر، وعدمُ الملل والقنوط، وامتلاءُ النَّفْس والقلب بالثقة بالله تعالى وعظيمِ الرجاء، الذي هو معنى من معاني التوكل على الله والثقة به وبوعده؛ ((صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَه، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَه، لا شَيْءَ قَبْلَه ولَا شَيْءَ بَعْدَهُ)) ، فتكون واثقًا به تعالى.
الثقة بالله تستلزم تمام الالتزام بأوامره
والثقة بالله لا تكون بكلمةٍ ذات الأحرف الأربعة: “ألف ولام ولام وهاء”، بل هي التي تستلزم الالتزام بأوامر الله عزَّ وجلَّ، فإذا ذهبتَ إلى الطبيب فإنك تكون واثقًا من أنه سيخلصك من المرض وينقلك إلى الصحة، فإذا قلت له: “يا دكتور أغثني!”، ماذا يعني هذا القول؟ يعني: سأنفِّذ كل ما تأمرني به، وأترك كل ما تنهاني عنه، فلو أمرتَني أنْ لا أقرب زوجتي فلن أقربها، ولو نهيتَني عن أكل “القِشْطَة والبَقْلاوَة” فلن آكلها، [القِشْطَة: الدسم الذي يتشكل على وجه الحليب بعد غَلْيِه، والبقلاوة: من أشهر وأفخر أنواع الحلوى]، ولو أمرتََني بأكل خبز النخالة فسآكله.. هذا هو معنى “يا طبيب ويا كتور!”.
ومعنى “يا الله”: أي يا الله أوصني، يا الله دلني، يا الله مُرني ماذا أفعل.. تقول للطبيب: اكتبْ لي الوصفة الطبية لأذهب إلى الصيدلي وأستعملها، فالقرآن هو الوصفة الطبية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ أي: هو الدواء، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: 82]، وماذا يحدث بعد الدواء؟ هل هي رحمة أم زَحْمَة؟ وهل هو عناء أم فَرَج وهناء؟ القرآن شفاء للمؤمن، والإيمان عمل قلبي، فإذا كانت البذرة في قلب الأرض وأُعطِيَت حقها من السقاية والرعاية فإنها تنقلب إلى شجرة ودوحة يتفيَّأ الإنسان ظلالها، ويستنشق مسك أزهارها، ويتغذى بثمارها، ويُكَحِّل عينيه بجمال خضرتها ومنظرها.
هدي القرآن سبب للحصول على الثمار
لقد ختم الله سورة الأحقاف بعد أنْ ذكر هودًا عليه السَّلام.. وذكره فيها باسم البلد التي كان يسكنها وهي “الأحقاف”، وقد سمَّى سورة أخرى باسم “هود”، وسمى سورة غيرها بسورة “يونس”، وكذلك سمَّى سورة “إبراهيم”.. ولقد استعمل النبي ﷺ القرآن الذي هو الوصفة الطبية التي فيها الدواء والشفاء والرحمة، فحَصَلَ مقصودُها، وصار طبيبًا وعالج الأمة العربية بعشرين سنة، فصارت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110]، من عهد آدم عليه السَّلام إلى قيام الساعة، وذلك في عشرين سنة، وبمهندس واحد مُجاز من السماء، وبكتاب واحد لا بملايين المجلدات، والكتاب هو الوصفة الطبية.
فإذا أخذت الوصفة الطبية ولم تبذل الثمن ولم تستعملها، وكتبوها لك بماء الذهب وزَيََّنْتَها بإطار من ألماس، وكنتَ مصابًا بالإسهال، فهل هذا الإطار والتزيين والتذهيب يُذهِب عنك المغص ووجع المعدة؟ هذا الذي صار بنا نحن مسلمي هذا الزمان، حتَّى مشايخنا -وأنا منهم- فهذا يُكثِر الكتب في المكتبة، وذاك يُذَيِّل العمامة، وآخر يُدَبِّج الخُطبة.. لكن الكلام للإسلام الجُوَّاني [الداخلي]، فإذا كانت البذار طيبة، وكانت خِدمَتُها طيبة يَنبت النبات الطيب ويُحصَد الحصاد الطيب: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ وزرعه ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، فإذا أذن الله بخروجه كيف يخرج؟ ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: وإذا كانت التربة خبيثة فمهما أحضرتَ من البذار الطيِّب والغراس الجيِّد فهي مفلسة خبيثة، ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:58]، حتى لو خرجَت تكون صفراء وغير صالحة، وقد تموت بعد سنة أو سنتين.. فنسأل الله أنْ يُثبِِّتنا بقوله الثابت.
أنواع الصبر
لقد ختم الله تعالى سورة الأحقاف بقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35]، كلمة “فاصبر” تعني اصبر على طاعة الله، واصبر عن معصية الله، واصبر عن فراق المحبوبات التي لا يحبها الله؛ من أصدقاء ورفاق وكلام وعادات وأخلاق واستيلاء الغضب عليك، فهل تستطيع أن تصبر إذا أتى الغضب يصارع إيمانَك كي يغلب إيمانَك ويغلبك شيطانُك؟ هنا يكون الصبر.
ولقد تجلَّى الصبر عند سيِّدنا يوسف عليه السَّلام لما صبر مع زليخة، وهو خادم وعبد وهي زوجة رئيس الوزراء، وهو ذليل ضعيف، ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ فلو أنها راودَتْه فقط لما احتاجت إلى تغليق الأبواب، وتغليق الأبواب يعني أنَّه أراد الهروب، أليس كذلك؟ فلو كان عنده ميلٌ قدر شعرة لما قالت له: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي هيهات أنْ تهرب.. فهذا كله دليل على طهارة نفسه وقدسيتها، وماذا قال لها؟ هل قال لها: “كما تريدين”؟ هل هكذا يقول القرآن؟ هل قال: أنا مكرَه وهذا رغم أنفي وإذا لم أستجب ستدمِّر ححياتي؟ قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أنا أستعيذ بالله قلبًا وتَوَجُّهًا، وبأوامره امتثالًا وطاعةً، وبِذِكْره مُراقِبًا له، وأنَّه بي سميعًا بصيرًا خبيرًا.. ولو أنه لم يقل: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، فإنه يقول: إن صاحب البيت ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ عاملني كولده، فهل أخونه في عرضه؟ وهذا ليس من أخلاق النفوس الكريمة، وهذا جحد النعمة وكفران بالمحسن: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثوَايَ﴾ [يوسف:23].. كذلك، حتى لو لم يوجد “الله” ولا النفس الكريمة التي تشكر المحسن، فإن هذا عمل غير صحيح وبذار الشوك مردوده عليَّ، وأنا سأكون الخاسر والمخذول: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:23]، ولن نستطرد كثير ونُذْهِب عليكم الدرس.
القرآن بعد النبي ميراث للأمة
لقد ختم الله تعالى سورة الأحقاف بقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35]، فهذا الأمر ليس للنبي ﷺ فقط، بل لكل واحد من الأُمَّة إلى قيام الساعة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ فالله تعالى أعطاه -أعطى القرآن- أولًا للنبي ﷺ، ثم بعد وفاته جعله إرثًا لهذه الأمة، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: الذي لا يتقيَّد به لا يظلم الله ولا يضره، بل يظلم نفسه وهو الخاسر، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي يأخذ الدرجة الوسطى، ﴿وَمِنهُم سَابِقُ بِالخَيرَاتِ بِإِذنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلفَضلُ ٱلكَبِيرُ﴾ [فاطر:32].
وإذا سبقتَ بالخيرات فاحذر أن تقع في العُجب وتقول: أنا أو ذكائي وعقلي وشغلي وجِدِّي وتعبي، وسابق بالخيرات بإذن الله وبفضل الله.. يقول النبي ﷺ: ((لَوْ يُؤَاخِذُنِي اللَّهُ وعيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِمَا جَنَتْ هَاتَانِ لَعَذَّبَنَا ثُمَّ لَمْ يَظْلِمْنَا شَيْئًا)) ، فالمؤمن دائمًا يضع نفسه في حالةِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف:23]، فإذا خرج عن هذا المقام وأبى واستكبر وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:16]، فإبليس ضلَّ ونسب ضلاله إلى الله، وفوق ذلك هدد وقال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص:82] نكاية بك.. فهل هذا يعني أنه أضرَّ الله؟
انشغال النَّاس اليوم بالسطحيات
قال له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35] أي أصحاب العزائم والقوى، وهذا ليس بالعضلات، فعضلات الثور أقوى من عضلات محمد علي كلاي ولاعبي الملاكمة والذين يرفعون الأوزان الثقيلة، والبغل يحمل أكثر، ومهما حمل الإنسان من أثقال فلا يصل إلى شهادة بغل أو ثور أو حمار “بَلَدِي”.. فبأي شيء يُلهوننا؟ [بلدي: في اللهجة العامية بمعنى الأصيل والجَيِّد].
إنَّ أكثر من يعمل بالمصارعة في أوروبا الآن من إفريقيا، فهم يُشغلونهم بها وبالغناء، ولا يشغلونهم بالعلوم، وكل هذا بناء على مخطط.. [ويجعلون لهذه المباريات أو المسابقات] بطولة ومعركة، وترى النَّاس أمام التلفزيون مأخوذي العقل.. ماذا يوجد؟ توجد معركة اليرموك، ونريد أن نرى هل سينتصر خالد بن الوليد أم هرقل؟ [سماحة الشيخ يقول ذلك مستهزئًا وهو يضحك]، وإذا انهزم فريقه بكرة السلة تراه يبكي ويُوَلْوِل ويلطم الوجه.. ماذا جرى؟ كأننا خسرنا معركة القادسية.. ما هذه العقول التي تنزل إلى هذا المستوى! أهل أوروبا إن فعلوا ذلك فهم على الأقل انتصروا في بَدْرُهم وقادسيتهم، فصار عندهم سبب لأن يلهوا ويلعبوا، أمَّا نحن ففي أسفل السافلين وننشغل بهذه الأمور!
“اصبر” للنبي ﷺ ولنا جميعاً
﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35] الصبر أعظم مقامات الإيمان، ولذلك قال النبي ﷺ: ((الصَّبْرُ شَطْرُ الْإيمانِ)) ، أي الصمود والتحمُّل، سواء في المعركة مع العدو، أو عند المصائب والأمراض والأوجاع والفقر والخسائر والنكبات.
﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35]، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3].. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:35] لا تطلب مني أنْ أهلكهم، ولا تطلب مني أنْ أُنزل عليهم صيحة من السماء كما أَهْلَكْتُ ثمود قوم صالح، أو كما أهلكتُ عادًا بريح صرصر، أو كما أهلكتُ فرعون بالغرق وقوم نوح بالطوفان، بل عليك أنْ تتحمَّل كل أنواع الأذى، ولا تطلب مني أنْ أَنْزِل معك في معركة الانتقام.
وهذا كله ورثناه بعد النبي ﷺ، فقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35] موجَّهاً إلى كل واحد منا، وإلى كل مسلم ومسلمة.. وإلا فلِمَاذا نقرأ القرآن؟ ليس لنقول: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الأحقاف:35]، الصاد الساكنة، ما اسمها في التجويد؟ “الصَّفِيْر”، وبعضهم قد يبالغ في الصفير كالصافرة، والصفير هنا يعني: اجعل الصفير وسط قلبك، واغرس الصبر في قلبك.. والصبر هو تَحَمُّلُ ما تكرهه النفوس بأنْ تفعل الشيء الذي تكرهه ولا يلائم طباعك ومصالحك ورغباتك وهواك وميولك، ولكنه يُرضِي اللهَ ويحبه اللهُ.. هذا هو الإيمان.
فعندما يكون لك هوى في النفس إلى شيء من الأشياء، كالمال أو المربح أو المرأة أو المصلحة، أو كراهية لشيء، فإن كلّ هذا رغبات للنفس، والإيمان يقول لك: اذكر اللهَ، واجعل رغبات الله تأتي مع رغباتك.. وافرح إذا وافقتْ رغباتُك رغباتِ الله: ((حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)) ، وإذا غضبتَ فليكن غضبك لله.
الغضب لله تعالى
ولذلك كان النَّبيُّ ﷺ لا يغضب لنفسه، فهذا الذي يُمسكه من صدره ويقول له: “أنتم يا بني عبد المطلب مُطُلٌ”، والآخر يقول: “اعدل يا مُحمَّد، هذه قسمةٌ ما أريد بها وجه الله”، وذاك الذي قتل ابنته عندما نخس الجمل فوقعَت، وكانت حبلى فماتت هي وابنها، وحين قال: “لا إله إلا الله”، تركه ولم يفعل به شيئًا.. وأبو سفيان قَبْل إسلامه أقام خمسين معركة ضد الإسلام وخمسين مؤامرة لاغتياله ﷺ، ولَمَّا وقع أسيرًا بيد النبي ﷺ، وكانت كلمة “اقطعوا رأسه” بين شفتي النبي ﷺ فلم يقتله، ولكن حاول أنْ يقتل عداوته.
والإسلام لا يأمرك بعداوة العدوِّ، بل يأمرك بعداوة عداوته، بأنْ تتغلب عليها وتهزمها، بـ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:34].. إنّ صفة المؤمن العادي في المستوى العام قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:22]، وهذا هو المؤمن في السرتفيكيا [أي المرحلة الابتدائية]، أمَّا المؤمن الداعي إلى الله فلا يصحُّ أنْ يدرأ السيئة بالحسنة، ولكن بأي شي يجب عليه أنْ يدفعها ويقابلها؟ قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:96].. فالأول يدفع الشتيمة بعبوة عطر، أمَّا الداعي إلى الله فإن شتمه أحد يرسل له عبوتين.. فهل تقدرون على ذلك؟ أنتم الذين تعملون في الدعوة إلى الله، من منكم مستعدٌّ لفعل ذلك ليرفع أصبعه؟ ولكن بصدق، ليس في الجامع فقط وفي الخارج شيء آخر.
قصة في ردّ السيئة بالحسنة
أخ من إخواننا في اللاذقية ذكر لي -رضي الله عنه- أنه حضر في إحدى المجالس فقام أحدهم يسب الشَّيخ، فسكت ولم يردَّ ولم يقم ويشتعل كالبارود الذي ينفجر من “عود كبريت” [عود ثقاب]، بل انتظَر حتَّى أفرغ هذا الشخص كل ما عنده ضد الشَّيخ.
وهذه هي الرجولة، ولذلك قال النبي ﷺ: ((لَيْسَ الرَّجلُ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الرَّجُلُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)) ، ولم يقل: “الذي لا يغضب”، لأنه “من استُغضِبَ ولم يغضب فهو حمار” ، أمَّا إنْ كان يَغضَبُ ويستطيع أنْ يَملِك غضَبه ويكظم غيظه فهو الحليم الذي كاد أنْ يكون نبيًّا .
وأنا كنتُ أسمع هذا الأخ ولا أعرف ماذا سيفعل، فقال لي: والله يا شيخي لم يترك شيئًا لم ينتقصك به.. وأنا كنتُ أظن أنه سبه أو ضربه، ولكن قال لي: بعد أن انتهى سألته: هل بقي هناك شيء آخر؟ قال: لا، قال: لو بقي شيء فاذكره لي، قال: لا.. وقال لي: كانت معي زجاجة عطر فاخرة.. فأخرجتُها وقدمتُها له، وقال: هذه هدية مني إليك، وقال له: هذا المفتي هو شيخي، ومقابل ما ذكرتَ لي عن شيخي سأقدِّم لك هذا العطر، وهذه العبوة ثمنها كذا وكذا.. فأُسقِط في يد ذلك الرجل، وخَجِل من نفسه، وقال: كيف تعطيني وأنا أذمُّ شيخك؟ قال: لأنَّ شيخي أَمَرنا إذا أساء إلينا أحد أو أساء إلى شيخنا أنْ نقابل سيئته بالحسنة، هكذا أَمَرنا شيخنا، لا أنْ نسبَّه إنْ سبَّنا أو سبَّ شيخنا، وهذا ما أَمَرنا به القرآن.. فكيف انتهت المسألة؟ وهل غلب العدوَّ أم عداوته؟ وإذا ذهبَت العداوة ماذا يصبح؟ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34]، فخجل وقال له: أعتذر منك، فوالله أنا قد أسأتُ وليس معي حق، والله إنَّ شيخك لعظيم.
هناك إخوان هكذا يُبَيِِّضون وجه الشيخ.. أسأل الله أن يبيِّض وجوهكم كلكم، وأنْ يجعلني فَرِحًا بكم في الدنيا والآخرة.
وليست السُّنَّة بإعفاء اللِّحية فقط، فهذه مسألة صغيرة، فكم كيلو غرام يبلغ وزنها؟ يعني: هل تشعرون بثقلها؟ وهل تزن عشرين رطلًا لترى نفسك بعد ذلك أنك قد عملتَ عملًا كبيرًا؟ وهناك أيضًا شعر تحت الإبط وعلى الصدر، وفي بدنك يوجد شعر كثير، وكذلك في رأسك.. فلا تجعل هذه سُنَّة فقط، وتترك سُنَّة الصَّبر، وهذه السُّنَة فرضٌ، وهي سُنَّة تشكِّل نصف الإيمان، أمَّا هذه الشعرات فماذا تمثِّل؟ أبو جهل كانت له لحية وكذلك أبو لهب، وكل أهل الجاهلية العرب كانت لهم لحًى، وكان حلق اللحية للفُرْس.
الصبر من شأن أشرف الأنبياء
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾ [الأحقاف:35]، فالصبر من شأن أشرف الأنبياء.
وأولو العزم من الرسل خمسة، وهم المذكورون في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ [الأحزاب:7]، فالأنبياء أولو العزم خمسة، وهم: سيِّدنا نوح عليه السَّلام الذي صبر على قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وإبراهيم عليه السَّلام الذي أُلقِيَ في النَّار وصبر على ذبح ابنه امتثالًا لأمر الله تعالى، ونحن إذا قال الله لأحدنا: اذبح خروفًا أو جِديًا يوم العيد نمشي كأننا لم نسمع.. على مبدأ “إنَّ الله غفور رحيم”، فيتصرَّف الواحد منا كأنَّه هو الله، فهو الذي يغفر وهو الذي يُدْخِل الجنة.
ومِن أولي العزم موسى عليه السَّلام، فكم صبر على فرعون وعلى بني إسرائيل؟ وكذلك عيسى عليه السَّلام وسيِّدنا مُحمَّد ﷺ.
صبر النَّبيِّ ﷺ على قومه
﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:35]، لما رجع ﷺ من الطائف مرجومًا، وكان قد خرج من مكة مهدَّدًا بالقتل ظهر له ملَكُ الجبال فقال له: “إذا شئتَ أطبقتُ عليهم الجبلَين”، لكنَّ الله تعالى أوصاه من قبل أنْ لا يستعجل، وهنا يمتحنه هل يستعجل، فقال ﷺ: ((لا، وَلَكِنْ إذا لم يُؤمِنوا أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ ذُرِّيَّةً مُؤمنةٍ)) .
ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، أي لو تركتَ الأمر لي فأنا لا أتركهم، أنا سأهلكهم.. فسلِّم الأمر إلى الله، وإذا أتى سوط الله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾، لو عاشوا ألف سنة سيرونها كأنها ساعة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ فهل فهمتَ؟ ها قد بلَّغتَك، ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾؟ [الأحقاف:35].
صام النبي ﷺ يومًا، ولما حان المغرب لم يفطر، فطوى ليلَه ووصل صيام نهاره بليله، وفي اليوم الثاني والثالث بقي صائمًا بلا ماء ولا طعام، فقالت له السيدة عائشة رضي الله عنها: ألا تأكل؟ فقال: ((يَا عَائِشَة: إِن الدُّنْيَا لَا تَنبَغِي لمُحَمدٍ وَلَا لآل مُحَمَّدٍ)).
النَّسَب ليس هو النسب الجسدي
والآلُ ليس بالنَّسب الجسدي، فلو كان ابن نبي لا ينفعه نَسَبُه
أَرى النَّسبَ المورُوثَ لَيسَ بِنافِعٍ
إذا لم يَكنْ هُنالِكَ الأدبُ المكْتَسَب
والمعنى أن عم النبي أبا لهب هل نفعه نسبه؟ وسلمان رضي الله عنه ليس من قرابة النبي ﷺ ولا من عشيرته ولا من جنس قوميته، ومع ذلك قال عنه ﷺ: ((سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ)) .
نسأل الله أنْ يجعلنا من آل النبي ﷺ علمًا وإيمانًا وسلوكًا وأخلاقًا، أمَّا جسدًا فأبو إبراهيم، وابن نوح، وإخوة يوسف، وزوجة نوح، وزوجة لوط، كلهم لم يغنِ عنهم نسبهم شيئًا، فالنسب الجسدي يقطع النسب النبوي المشرِّف: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:46]، وقال عن إبراهيم عليه السلام وآزر: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:114] فلم يعد هناك نسب، والنسب في الإيمان هو نسب العمل ونسب التقوى ونسب الخُلُق والصفات
نَسَبٌ أَقرَبُ في شَرعِ الهَوَى
بَينَنا مِنْ نَسَبٍ مِن أَبَوَي
أسأل الله أنْ يجعلكم من أبناء الشَّيخ.. ابن الأرنب هل يولد ديكًا؟ وابن الديك هل يولد خروفًا؟ وابن الخروف هل يولد جَدْيًا؟ فأسأل الله أنْ يجعلنا أبناء رسول الله ﷺ.
فقال: ((يا عائشةُ، إِن الدُّنْيَا لاَ تَنبَغي لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآلِ مُحَمَّدٍ)).
لَعَمرُكَ ما الإنسانُ إلَّا ابنُ دِينِهِ
فلا تَترُكِ التَّقوَى اعتِمادًا على النَّسَبْ
لَقَد رَفَعَ الإسلامُ سَلمانَ فارِسٍ
كما خَفَّضَ الشِّركُ الحَسِيبَ أبا لَهَبْ
“لقد رفع الإسلام”: إسلام الإيمان والأعمال والأخلاق والصبر والجهاد والذِّكر والتقوى.. “كما خفَّض”: وأهان، “الشركُ الحسيبَ”: النسيب.
ولذلك كان النبي ﷺ يقول: ((لَيَنتَهِيَنَّ أَقوامٌ عَنِ الافتِخارِ بِأحسابِهِم وَأَنسابِهِم أو لَيَجعَلَنَّهمُ اللهُ أَهوَنَ مِنَ الجُعَلِ)) أي الخنافس، ((يَتَدَهدَهُ الخُراءةَ بِأَنفِه)) ،أي يجعل من “الزِّبْل” [روث الحيوانات] كُرَةً ويدفعه بأنفه، حتَّى يأخذه إلى عشه مؤونةً للشتاء.
أقسم الملك القدوس أنْ لا يُدخِل في حضرته أحدًا من أرباب النفوس
فقال: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ إِلا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا))، بلغة أهل التاريخ: إنّك لا تَدْخُل بالتاريخ الأرضي حتى ترى الأهوال والأخطار والمشقَّات.. إلخ، ولتدخُل في التاريخ الرَّباني وفي تاريخ السماء: “أقسَمَ الملِك القدوس أنْ لا يُدخِل في حضرته أحدًا من أرباب النفوس” ، وما معنى أرباب النفوس؟ أن تقدِّم هواك ورغباتك على رغبات الله وعلى مرضاته، فعند الأخذ إن رغبَتْ نفسُك أن تأخذ عليك أن تنظر إلى ما يقوله الله تعالى، فإن قال: لا، فلا تأخذ.. وكذلك عند المنع، حيث ترغب نفسك أن لا تُعطي، فتنظر: هل يقول الله لك: لا تعطِ؟ فإذا وافق منعُك منعَ الله وحبُّك حبَّ الله في الأقوال وفي الأشخاص وفي الأعمال فهذا هو الإيمان.. ﴿وَنَهَى ٱلنَّفسَ عَنِ ٱلهَوَى (40) فَإِنَّ ٱلجَنَّةَ هِيَ ٱلمَأوَى﴾ [النازعات:40-41]، ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37)﴾، فتجاوز حدود الشرع إلى معصية الله باتباع الهوى، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38)﴾ أي مصالح الدنيا من مظاهرها ومالها وجاهها وحكمها وسلطانها وجمالها ونسائها، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:37-39].
هذه آخر سورة الأحقاف، ونحن نودِّعها قراءة وتفسيرًا، ولا نودِّعها إن شاء الله فقهًا وعملًا وسلوكًا وتعليمًا.. فعليكم أنْ تتذكَّروا الأحقاف دائمًا، وتكون أنت هودًا مع نفسك، وقد تكون نفسك عادًا العاصية لله، وهذا هو الجهاد الأكبر
ابدَأْ بِنَفْسِكَ فَانهَها عَن غَيِّها
فإذا انتَهَت عَنه فأَنتَ حَكِيمُ
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَه
عارٌ عليكَ إذا فَعلتَ عَظِيمُ
بصبر النبي ﷺ حصلت سعادة الناس
قد تكون قريتك هي الأحقاف، فكن هودًا، واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل حين يسبُّك النَّاس ويسيئون إليك ويتكلمون عنك.
ولقد صبر النبي ﷺ حين حاصروه في شِعب أبي طالب ثمانية وعشرين شهرًا بلا بيع ولا شراء ولا أكل ولا غير ذلك، وكل ذلك لأنَّه يريد أن يجعلهم ملوك الدنيا فقابلوه بهذه القطيعة، ولولا صبره ﷺ لَمَا حصل مرادُه ولا حصلَت سعادتُهم.. فخالفْ نفسك “السِّتّ نفُّوس” وقل لها: أنا لن أسمع كلامكِ، بل سأسمع كلام مَن خَلَقَكِ.. قال ﷺ: ((إنَّ اللهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا الصَّبْرَ عَلَى مَكْرُوهِهَا، وَالصَّبْرَ عَنْ مَحْبُوبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مني إِلَّا أَنْ يكَلِّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ، فَأصْبِرُ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) .
وبعد النبي ﷺ نحن ورثة النبي ﷺ، لذلك على كل مسلم أنْ يصبر في المعركة العظمى؛ معركة الجهاد الأكبر جهادِ النفس والهوى، وأن تسبق أعمالُه أقوالَه، وأخلاقُه دعوتَه، وسلوكُه خُطبتَه ودَرْسَه.
القراءة في القلب بحبر الله النورانيّ
وأنتم يا من سيدرس الليسانس والماجستير والدكتوراه، لا تغترُّوا، فهل كان مع سيِّدنا أبي بكر رضي الله عنه ماجستير أو دكتوراه؟ لقد كان أغلب الصحابة لا يقرؤون ولا يكتبون، وهل كان النبي ﷺ يقرأ ويكتب؟ إذًا فلماذا قال الله له: “اقرأ”؟ لو لم يكن هناك شيء يقرؤه وقال له: “اقرأ”، لكان ذلك لغوًا، ولكنَّ إقراء الله تعالى له بالأسلوب الرباني: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى:6]، وهو ﷺ قال: ((لَستُ بِقارِئٍ)) ، فقد ظن القراءة التي تكون بالحبر الأسود الذي نُسَوِّد به الورق الأبيض.. أمَّا كتابة الله فيكون القلب أسود، وبحبر الله النوراني يصير الورق أبيض، كما قال ﷺ: ((إِذَا أَذْنَبَ العَبدُ ذَنْبًا نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ)) ، فإذا كرَّر تَكثُر النقاط ويسودُّ القلب، وهو الرَّان والطبع على القلب والختم، فعندئذ لا تنفعه الذكرى، ولا يتَّعِظ بالموعظة، ولا يصغي إلى أوامر الله، ولا يخشى من ارتكاب معاصي الله، وحتى لو أتاه الأنبياء لا ينتفع: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:22]، فإذا سمع الموعظة ولم يتَّعظ فهو إمَّا مُغمًى عليه أو سكران أو ميت القلب.. نسأل الله أنْ يحمينا.
سماع القرآن للتطبيق والعمل
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:22] هؤلاء: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:6]، والمسلمون الآن -يا حسرتي عليهم- ألا يسمعون القرآن؟ ولكنهم لا يسمعون سماع التطبيق، وإذا قرؤوا هل يفهمون؟ إلا القليل.
نسأل الله أنْ يجعلنا من القليل، الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13] يعني ليس بالأقوال، بل بـ”اعملوا”، أي الشكر العملي.
النبي ﷺ قام الليل في تهجده حتَّى انتفخت قدماه، وهذا من ضعف الدورة الدموية في القلب الجسدي، فقالوا: يا رسول الله قد غفر الله لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر، فَلِمَ تُجْهِد نفسك؟ قال: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)) ، هذه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13] أي بأعماله.. الشكر باللسان سهل، يقول: “الحمد لله”، ولكن ما الفائدة؟ اشكر الله بالعمل.
نسأل الله أنْ يجعلنا من الشاكرين قولًا وعملًا وظاهرًا وباطنًا، لله ولكل من أحسن إلينا.
الحكمة في كيفية هجرة النبي ﷺ
لقد نزلت سورة مُحمَّد على النبي ﷺ في طريقه إلى الهجرة.. ولماذا هاجر؟ لأنهم منعوه من الدعوة، وفوق المنع هدَّدوه وتآمروا عليه، فإمَّا أنْ يربطوه على ظهر جمل ويطلقوه في الصحراء المحرقة حتَّى يموت جوعًا وعطشًا وحرقًا تحت أشعة شمس الحجاز.. ما رأيكم بهذا الإعدام؟
فقال أبو جهل: لا، فقد تجده قبيلة من القبائل فيسحرهم بكلامه فيفكُّونه ويؤمنون به ويعود معهم لمحاربتكم، فهذا الرأي لا يصلح.
قالوا: إذن نسجنه سجنًا مؤبَّدًا، قال: قد يعلم أصحابه فيجتمعون ويحاربكونكم ويطلقونه.. ثم قالوا: نقتله بمئة سيف، كل سيف يحمله رجل من قبيلة حتَّى لا يُعلَم من قتله، فلا تستطيع عشيرته قتال كلِّ قبائل العرب.
وحين وصل إلى هذه المرحلة هاجر، أليس من حقِّه أنْ يهاجر! وهل هاجر بالحكمة أم بالطيش والتحدي؟ هل قال: هؤلاء الكلاب، خسئوا! سأتحداهم ولن أكون ضعيفًا، واللهِ سأخرج من الباب وأغيظ قلوبهم نكاية بهم؟ بل خرج من فوق الجدار، وهل هذا عيب؟ بل هذا اسمه الحكمة، وهي أنْ تصل إلى هدفك وتحقِّقه بالشكل الكامل، وليس المهم أنْ ترغب أو تتمنى أو تعمل، بل المهم أنْ تنجح ويتحقق المراد، وهذا لا يكون إلا إذا سلكتَ طريق الحكمة: ﴿يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:1-2]، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:129].
وقد يكون الشخص فقيهًا بـ: “ضَرَبَ زيدٌ عمروًا”، أو فقيهًا بأركان الوضوء، لكنه ليس عنده فقه الحكمة ولا فقه التزكيَّة ولا فقه القرآن، فلو كان يحمل شهادة طولها من دمشق إلى بغداد ذهابًا وإيابًا لا تكون لها قيمة، فالعلم للعمل.
وفي طريق هجرته ﷺ ذهب إلى غار ثور، وهل هو على طريق اليمن أم طريق المدينة؟ على طريق اليمن، وذلك تضليلًا لهم حتَّى لا يعرفوا أثره.
ألا يُسَمُّون هذا “تكتيكًا”؟ والقرآن يسمِّيه “حكمة”.. ونحن الآن أيضًا قد هجرنا اللغة العربية، فبدل “التكتيك”، قل: “التخطيط”، لكننا لا نقول، ويقولون: “ديموقراطية”.. “ديموقراط” رضي الله عنه وﷺ، [سماحة الشيخ يقول ذلك استهزاءً بمن يتبجحون بالديمقراطية ولا يعرفون أعظمَ إنسان، وهو نبيهم ﷺ]، ولكن قل: “إسلام وحرية” ((لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أعَجَمِيٍّ ولا لأبيضَ عَلَى أَسْوَدَ إلَّا بِالتَّقوَى)) ، ولا لملِكٍ على صُعلوك.
هذا هو الإسلام، ولكنّ النَّاس يرفضون الإسلام، لأنَّه لا يوجد إسلام يُرى بالعين أو حتى يُسمَع بالأذن، ولو سمعناه بالأذن لعرفنا عظمته، فكيف لو رأيناه بالعين! وكيف لو رُئي بعين القلب والبصيرة! لخَرُّوا رُكَّعًا وسُجَّدًا، وأنا لو أملك الآن من الأمر شيئًا لا أحارب، حتى لو ملكتُ كل قوى الدنيا، ولا أطلق رصاصة واحدة، فالآن توجد حرية الرأي وحرية العقيدة، اذهب إلى أوروبا وإلى أمريكا وادعُ إلى الإسلام، وستجد أنَّ النَّاس يُقبِلون عليك مثل الجياع عند ازدحامهم على من يوزِّع الخبز.
تأثُّرُ الغرب عندما يعرفون الإسلام
وقد ذكرتُ لكم سابقًا أنه كان في برنامج سفري محاضرة في جامعة واشنطن الكاثوليكية، والكاثوليك معروفون بتعصُّبهم وتمسُّكهم.. ومن الجيِّد أنْ يتمسَّك المرء بعقيدته، فهذا يدلُّ على أنه صاحب مبدأ، وقد حضر المحاضرة عميد الكليَّة وكل أساتذة الجامعة من الرُّهبان.. ولَمَّا انتهيتُ وانتهت الأسئلة وأنهينا حفلة الغداء التي أقاموها، قال لي عميد الكلية الراهب: نحن آسفون، فلو علمنا بمجيئك بوقت مسبَق لأقمنا برنامجًا لتعرِّف فيه طلابنا بالإسلام.
هذا عندما عرفوا إسلام القول، فكيف لو رأَوا إسلام العمل وإسلام الأخلاق وإسلام السلوك وإسلام الحكمة! كيف لو رأوا إسلام القلب وإسلام الروح! والداعي إلى الله عليه أنْ يكون مستكملًا لكل هذه المعاني.. حتَّى أنا إذا قمتُ بالدعوة فأنا مُتَعَدٍّ على المهنة ولا أحمل هذه الأهلية، ولكن من القِلَّة يشرب المرءُ الماءَ العكر من الإناء الصََّدِئ.
مرةً قبل أربعين سنة كنتُ في الطريق بين مكة والمدينة، وقد اشتدَّ بنا العطش، فوصلنا إلى محطة بحالة مزرية، فأحضروا لنا ماء بصحن كله مغطى بالصَّدَأ، ليس فيه بعض الصدأ بل كله مغطى بالصدأ، والماء يبدو أنه من أرض ذي تربة بيضاء، فصار مثل الحليب.. ورغم ذلك لَمَّا شربنا وجدتُها مثل ماء جوز الهند لكثرة ما بلغ بنا من العطش.
وكذلك أنتم تَقبَلون مني الدعوة من القِلّة، أمَّا الإسلام الحقيقي والداعي الحقيقي فهو مقام نسأل الله أنْ يوصلنا إليه بفضله وكرمه.. ونسأل الله أنْ يعفو عن تقصيرنا ونقصنا، وأنْ يزيدنا مما أعطانا، وأنْ يجعل عملنا خالصًا لوجهه سبحانه وتعالى.
القوة والفضل من الله
قال ﷺ: ((وإنِّي وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا جُهدِي، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)) ، فلا أُعجَب بنفسي، فالفضل من الله والقوة من الله.. ولذلك عندما دخل ﷺ مكة فاتحًا دخل على ناقته وعلى رَحْلٍ رثٍّ عتيق لا يساوي أربعة دراهم، ومن تواضعه دخل منحنيًا خُشوعًا لله، حتى كاد جبينه يمسُّ مُقدِّمة رَحْلِه.
فإذا رفعك الله تعالى عليك أنْ تتواضع، وإذا أكرمك عليك أنْ تتذلل، وإذا أغناك عليك أنْ تشعر بفقرك في كل ثانية ومع كل نَفَس، فإذا قلتَ: “أنا”، فاحذر من “أنا”، فصاحب الأنا أضاع نفسه.
فلنحذر ولنرجع إلى كتاب الله تعالى وإلى هدي رسول الله ﷺ وإلى سيرته، ولنتخلَّق بأخلاق أحباب الله، نسأل الله أن يجعلنا منهم، أنا واللهِ لا أصلح، وواللهِ حين أنزل عن الكرسي أستغفر الله وأقول: يا ربِّ أنا أذنبتُ، فلستُ أهلًا.. وكثيرًا ما آخذ نعال بعضكم -حين تكونون عندي- فأضعها على لحيتي أتبارك بها، وأقول: لعلهم يكونون أفضل عند الله مني، وهذا من قلبي.. وهل رأيتموني وضعتُ أحذيتكم على لحيتي؟ وهل تستطيعون فعل ذلك؟
نحن بحاجة إلى من يعيش في سبيل الله أكثر من حاجتنا إلى من يموت في سبيل الله
فحين اضطرَّ النبي ﷺ ولم تبقَ إمكانية للدعوة هاجر واتَّجه إلى غار ثور ودخل فيه، ومع ذلك تتبَّعوا الأثر حتَّى وصلوا إلى الغار.
ولَمَّا خرج من بلده مكة، وفارق الكعبة: ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:96]، أي أول بيت لله وأول مسجد، فالكعبة هي مسجد إبراهيم عليه السَّلام، ففارق موطن جده إبراهيم عليه السَّلام والوطن والأهل وإلى آخر ذلك، وهو ﷺ بشرٌ، فالتفتَ مودِّعًا مكة، وقال: ((أَلا إنِّي أُشهِدُ اللهَ أنِّي أُحبُّكِ، لأنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللهِ إِلَى اللَّهِ، وأحبُّ البِلادِ إليَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِكِ أَخْرَجُونِي منك مَا خَرَجْتُ)) .
ومتى خرج ﷺ؟ حين لم يبقَ أمامه سوى الإعدام، وإعدامه أي إعدام الثورة، فهل يمضي شهيدًا؟ الآن من النَّاس من يطلبون الشهادة وهذا خطأ، ولكن اطلبوا الصمود في المعركة، وما الشهادة؟ هل نحن الآن بحاجة إلى شهداء أم إلى صامدين؟ إذا استشهدتَ فقد ذهبتَ، سيِّدنا الحمزة رضي الله عنه لو بقي وحضر معارك كثيرة، هل كان أفضل أم الأفضل أنْ يموت في أُحُدٍ؟ ولكن إنْ كان الإسلام يتوقَّف على موت المسلم فلا مشكلة، أمَّا الآن فلا حاجة لذلك، فلم أرَ إنسانًا لا يقبل الإسلام في كل حياتي ولقاءاتي ومشاهداتي في مشارق الأرض وفي مغاربها.
سورة مُحمَّد تكريمٌ للنبي ﷺ
حين كان ﷺ في طريقه إلى الهجرة أنزل الله تعالى عليه سورةً، وتكريمًا له سمَّاها باسمه “سورة مُحمَّد”، وأخبره أنه سيُنزل سورة ويجعل عنوانها “مُحمَّد”، َوِسامًا و”نِيْشانًا” وقلادةً من الله تعالى، فهل وسام الله كأوسمتنا خِرقة ملونة أو قطعة حديد؟ بل الوسام: “بسم الله الرحمن الرحيم” ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مُحمَّد:1].
هل هكذا مباشرة إلى “الذين كفروا”؟ نعم، لأنَّه مسكين، والجوُّ المحيط به كله جوُّ الذين كفروا، فهل هم كفروا فقط ورفضوا؟ بل: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:1]، فهم لا يؤمنون ولا يتركون غيرهم يؤمنون، ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:24]، ومن النَّاس من لا يأتي إلى الجامع، بل ولا يرضى أنْ يَذهب غيره إلى الجامع، ولا يحب الشَّيخ ويريد أنْ يزرع كراهية الشيوخ في النفوس، وهذا ممن يصدون عن سبيل الله.
قال: هل ترى هؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله؟ لا يهمُّك أمرهم ولا قوَّتهم ولا تكتيكهم ولا تخطيطهم ولا زعماؤهم ولا كثرتهم، فقد ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:1] أضل الله أعمالهم، فكل شغلهم سيكون هباءً، وكله غثاء فلا يهمُّك أمرهم، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:17]، مثل الرغوة، فمهما كثرت وانتفخت، بنفخة خفيفة لا يبقى منها شيء، وكذلك حال هؤلاء الذين كفروا، كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان وغيرهم من الذين يصدُّون عن سبيل الله، فلا تهتمَّ بهم، فالله سيُضلُّ أعمالهم ويُحْبِطها ويخذلهم ويُفَشِّل خططهم، وسينهزمون وأنت ستكون المنتصر، حتى وأنت في هذه الشدائد، فهذه حُقْنة “فيتامين” أن اصبر. [حُقنَة الفيتامين تُؤخَذ عادة لتقوية الجسم وتغذيته].
وجوب الإكثار من ذكر الله
فالذي يحصل على هذا الفيتامين يتحمَّل الأذى، ولذلك على الداعي أنْ يُكْثِر من ذكر الله ليكون على صلة دائمة بالله تعالى، فيحيي اللهُ قلبَه بروح قدسه ويعطيه قوة على الصبر والصمود والذكر والاستقامة، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:40]،”مَن ينصره”: مَن ينصر دينه وقرآنه ومنهاجه وقانونه.
﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:1] فمئة سيف ومؤامرة أبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان ودارِ الندوة.. كل هذا كان هباءً منثورًا، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:23].
الكافر لا يستعمل عقله
ورغم أنَّ النبي ﷺ كان وحده، وهؤلاء زعماء قريش وزعماء العرب في عاصمة العرب.. واللهُ يقول له: لا تهتم! فهؤلاء قد كفروا.. والكفر كان يعني الجهل بمدرسة الله وثقافة الله، وكان يعني إهمال العقل بعدم استعماله بالبحث والتفكير عن الحقائق، فكان الكافر لا يستعمل عقله، وحين يُدعَى إلى العقل والفكر للتعرُّف على الحقيقة من طريق العقل والعلم يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:23] يقول: هذا هو عقلي.. والقرآن يقول له: هذا لا يصحُّ، فعقلك أعوج، وآباؤك كانوا جاهلين.. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:24].
فانظر إلى مناظرة القرآن ما أجملها! يقول له: نحن معك، أنت تمشي على طريقة آبائك لأنها حسنة، فكيف إنْ أحضرنا لك طريقة أحسن؟ قالوا: ﴿وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّقتَدُونَ﴾ [الزخرف:23] فهذا هو الإصرارُ وعدمُ الإصغاء للحقيقة، والعنادُ والاستكبارُ عن الخضوع لأوامر الله التي كلها حقائق وكلها قائمة على العلم واكتشاف الأمور بحقائقها، فما كان خيرًا لتنتفع منه، وما كان شرًّا لتبتعد عنه.
اجعل أعمالك تُثبت ادِّعاءك
فالكفر يعني الجهل، ويعني عدم الحكمة أي عدم العقل، ويعني عدم التزكية أي عدم الأخلاق، وهذا اسمه كفر، أما فقيه القرآن وفقيه الحكمة وفقيه تزكية النفس فهو المؤمن، وهذا اسمه إيمان.. ولقد كان المؤمن هو العالِم العاقل الحكيم صاحب الأخلاق الملائكية، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ [البقرة:221] مؤمنة أي: عالمة حكيمة ذات أخلاق عالية، وليس المقصود اسم الإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة:41]، فبالقول والادِّعاء والتَّمنِّي كل امرئ يستطيع أن يقول إنَّه مؤمن، أو يقول إنَّه ملياردير أو رئيس جمهورية، ويستطيع أن يقول: إنَّه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.. اجعل أعمالك هي التي تثبت ادعاءك.
وحتى إذا عملتَ فالنبي ﷺ كان يقول: ((اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ)) ، ويقول: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا)) .. فلا تتكبَّر بعملك أو نسبك أو جاهك أو شهاداتك أو غِناك أو منصبك، فغدًا حين تموت ويضعونك في الكفن ماذا تنفعك المليارات والأوسمة والشهادات والكتب وزوجتك الجميلة وعمارتك الجميلة؟ فكله ينتهي ويتركك، وقد انتقلتَ إلى عالَم آخر.. فتحتاج إلى رأسمال وأوضاع وترتيب العالم الذي تنتقل إليه.. فإذا سافرتَ إلى “باريس” هل تتحدث بالنحو، و”ضرب زيدٌ عمروًا”؟ بل عليك التكلم بالفرنسيّة.
قال: لا يهمَّك يا نبيِّي يا رسول الله ولا تَخَف، فما دمتَ تنصرني فأنا ناصرك، وما دمتَ من جندي وحِزبي فإنَّ حزبيَ هم الغالبون، لكن هذا بحسب ما تمشي على المخطط العسكري الإلهي: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35].
شرح الصدر هو الشرح الملائكي الربَّاني
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [مُحمَّد:2]، إيمان ما وقر في القلب، الإيمان الذي: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر:22]، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:1]، وما شرح الصدر؟ هل أنْ يُشَقَّ صدر الإنسان بالمنشار والسكين ويُكْسَر له العظم؟ لا، بل هو شرح ملائكي ربَّاني، وحين شقَّ الملائكة صدر النبي ﷺ استخرجوا علقة سوداء ووضعوا مكانها نورًا ربَّانيًّا، فانتُزعَت منه كل الأخلاق الذميمة وحُشِيَ قلبه بكلّ الأخلاق الفاضلة وبكلِّ صفات الإيمان العالية.. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وليس النبي ﷺ فقط من يشرح الله له صدره، فالقرآن يدعونا ليهيِّئ كل واحد منَّا نفسه لشرح الصدر، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمر:22].
وما أدوات شرح الصدر؟ قال: ذكر الله، والتوبة الصادقة إلى الله؛ توبة اللسان والعين والأذن والفكر واليَد والرِّجل والصحبة والجلساء.. عليك أنْ تتوب إلى الله من كل شيء من الأشياء التي لا يرضى بها الله عزَّ وجلَّ، فالسّهرة التي لا يحبها الله لا تسهرها، ورفيق لا يحبه الله لا ترافقه ولو كان أباك أو جدَّك أو عمَّك.
هذا هو الإسلام، أمَّا إسلام القول، وإيمان القول فلا ينتج منهما شيء، فالزواج بالقول هل يأتي بالأولاد؟ والجائع إذا أعطيناه ورقة مكتوب عليها أسماء ألذِّ أنواع الطعام مثل “السُّجُق والأُوْزِي” [أسماء أكلات دمشقية مشهورة] وقلنا له: هذا سجق، وهذا أُوْزِيْ، كُلْ، فهل السُّجُق المكتوب على الورق يُشَبِّع؟ وهل الأوزي بالكلام يُشَبِّع؟ وإذا قلنا له: كُل السّجق وكُل الأوزي، يقول: أين هذا الطعام؟ هو غير موجود.. وهذا لا يكفي يا بُنَي.
الإيمان دائمًا مقرون بالعمل
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [مُحمَّد:2] إيمان القلب، ثم يصدِّقه العمل، فإذا كان لك جسد ومشيتَ في الشَّمس، فما علامة وجودك؟ أنْ يصير لك ظِلٌّ، وظِلُّ الإيمان الأعمال الصالحة، وهي الأعمال في البدن والفكر والخُلُق والمساواة والمعاملة؛ معاملة الخَلق من العدو والصديق والقريب والبعيد، وفي الرضى والغضب والفقر والغنى.. ومن يحمل هذه الأعمال فهل يمكن أنْ لا ينجح؟ لكنه قد يحتاج إلى وقت، لذلك عليه بالصبر، فلا تُرزَق ولدًا كبيرًا وله شارب من ليلة العرس، وإذا أردتَ ولدًا ذا شارب فعليك أنْ تصبر عشرين سنة، وإذا طلبتَ طفلًا صغيرًا فعلى الأقل بعد تسعة أشهر إنْ أذن الله تعالى بوقوع الحمل، وفي بعض الأوقات يتأخر الإنسان عشرين سنة ولا يُرزَق بالأولاد.. فكيف به إذا كان من دون زواج يريد عشرة أولاد أحدهم رئيس وزارة والآخر رئيس جامعة والآخر.. إلخ، فهذا أين يجب أن يأخذوا له الشهادات؟ في شرق “دُوْمَا”، في مستشفى المجانين، [دُوْما: منطقة في أطراف دمشق، وفي شرقها يوجد مشفى الأمراض العقلية]، وقد يعطونه عشرة أولاد أو عشرين ولدًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ﴾ [مُحمَّد:2] فالله تعالى لم يذكر الإيمان إلا وقَرَن معه العمل، لأنه لا يمكن أنْ تكون زوجتك جسدًا بلا روح أو روحًا بلا جسد، بل تحتاج للاثنين معًا، وكذلك الإسلام يَقرن الإيمان بالعمل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾، “وذَرَّةٌ من أعمال أهل القلوب”.. الإخلاص من أعمال القلوب، والخشوع من أعمال القلوب، ومخافة الله من أعمال القلوب، ومحبة الله ومحبة أحباب الله وكراهية أعداء الله من أعمال القلوب، “ذَرَّةٌ من أعمال أهل القلوب توازي عمل الثَّقلين” .
فإذا كان العمل جسديًّا بلا عمل قلبي، كأن تتصدَّق رياءً وسمعة، ولا تتقرَّب إلى الله بقلبك بهذه الصدقة فالله لا يقبل صدقتك، وإذا صلَّيت لتغشَّ النَّاس ويقولوا عنك: “صاحب دين”، فجسدك صلَّى، لكن قلبك هل صلَّى؟ بل قلبك يقول: أنا أريد أن آكل حرامًا وأغش هذا الإنسانَ بصلاتي.. فالله لا يخفى عليه شيء، وهو عليم بذات الصدور.
وجوب الإيمان بما أُنزِل على مُحمَّد ﷺ بصورة خاصة
قال: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحمَّد﴾ [مُحمَّد:2]، آمِنوا بالله تعالى وبأنبيائه وبرسله وبكتبه، ومع أنَّ الإيمان بالنبي ﷺ يدخل بالإيمان السابق، لكن ذَكَره بصورة خاصة تأكيدًا أنَّه عليك أن تؤمن بما أُنزِل على مُحمَّد ﷺ.. فإذا آمنتَ أنَّ في هذا الكأس “مازوت” هل تشرب؟ إذن، فما مقتضى هذا الإيمان وأين تضعه؟ تضعه في المدفأة أو تشعل به الحطب، وإذا آمنتَ أن هذا مذياع، [سماحة الشيخ يشير إلى الميكرفون أمامه] هل تحفر به التراب؟ إذن فمقتضى الإيمان العمل، فإذا كان عندك عمل صالح فهذا يعني أنه عندك إيمان، وإذا لم يكن عندك عمل فالمعنى أنَّه ليس عندك إيمان، بل عندك إيمان القول، ولم ينتقل إلى إيمان العمل.
وحتَّى إيمان العمل قد يعمل جسمك فيُنفِق ويصلِّي كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلاة إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:54]، فهل يقبلها الله ويسجلها عنده صلاة؟ ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:54]، إما خوفًا من النبيّ أو دولة الإسلام، أو ينفق لكيلا يقال عنه بخيل، فهل هذا يُقبَل؟ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5].
الحذر من أن يكون العمل لغير الله تعالى
ذكر أحد الصالحين أنَّه ظل يحافظ على صلاة الجماعة بالصف الأول عشرين سنة، يجيء قبل كل النَّاس لأجل صلاة الجماعة ويصلي بالصف الأول، لأنَّ الرحمة أول ما تتنزل تتنزل على الإمام ثم على أهل الصف الأول، فكان يبكِّر ليأخذ القِشْطَة، [القِشْطَة: ما يتشكل على وجه الحليب، وهي أغلى ما يَخرُج منه].. فيومًا من الأيام تأخَّر ولم يستطيع الصلاة بالصف الأول، وصلَّى في الصف الأخير، قال: فأحسستُ بخجل في نفسي من النَّاس، لأنهم كلهم ينظرون إليَّ أنني دائمًا أصلي في الصف الأول، قال: فحزنتُ في نفسي، ثم استيقظ فكري، فرأيتُ نفسي أنني أصلي في الصف الأول لأجل النَّاس، ولذلك استحييتُ من النَّاس ولم أستحِ من الله، قال: فأعاد صلاة عشرين سنة.
فلنزن أنفسنا، وأنا منكم أيضًا، فإذا عرفنا مَرَضنا فما الفائدة من معرفة المرض؟ الفائدة للمبادرة إلى المعالجة وإلى الدواء، وأمَّا إذا عرفنا المرض وتركناه فسيزداد المرض: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:110]، وإذا أحسَّ المؤمن بالمرض يسرع إلى التداوي بالقرآن.
القرآن صيدلية بحاجة إلى طبيب لاختيار الدواء
والقرآن صيدلية، وهو يحتاج إلى طبيب يعطيك بالمعايير والمقادير والأوقات المناسبة، وبلا طبيب هل تستطيع أنْ تأخذ من الصيدلية كما تشاء؟ فتنتقي أكبر زجاجة أو أجمل زجاجة وتشربها دفعة واحدة، وتقول في نفسك: لماذا آتي كل يومين أو ثلاثة إلى الطبيب وأدفع له المال؟ أليس هذا هو الدواء؟ فلأشربه دفعة واحدة.. أين يذهب هذا؟ يذهب إلى الآخرة، لأنه أخذ الدواء بلا طبيب، وكذلك الصَّلاة بلا شيخ والصوم بلا شيخ والحج بلا شيخ.
في بعض البلاد الإسلامية لا يمكن أنْ يذهب المسلم إلى الحج إلا بصحبة العالم الفقيه، وإخواننا المسلمون بإيران حين يريدون زيارة المراقد من قبور أهل البيت لا يمكن أنْ يزوروها إلا بصحبة شيخ وإمارته وقيادته، وزكواتهم وخُمُسهم كلها مربوطة بالشَّيخ، والمسلمون عندنا في بلادنا مثل الدواب الشاردة، ولا يوجد لهم قائد، فما مصير الجيش إن كان من غير قائد؟ وما مصير الطلاب في مدرسة بلا معلم؟ وغنمٌ بلا راعٍ ما مصيرها في البريَّة بين الذئاب؟ وبهذا الشكل ضاع أكثر المسلمين.
والمسلمون الآن عمومًا، وحتَّى لو رافقوا الشَّيخ في الحج فهذا جزء، فعلينا أن نستكمل الإسلام كَكُل في كل أمورنا العبادية والبدنية والقلبية والأمور الحياتية والعمل واللباس والحياة الأسرية.. إذا لم تكن كلها على خط القرآن والإسلام فالشيء الذي نحيد فيه نفشل فيه، وسيضل الله أعمالنا مهما بَذَلْنا من جهد وتعب وتضحيات، وتذهب التضحيات كلها دون فائدة.
النبي ﷺ خاض أربعين أو خمسين حربًا، فهل انهزم في معركة؟ هُزم المسلمون في أُحُد لأنهم خالفوا تخطيط النبي ﷺ في مخالفة عسكرية، وفي حنين لأنهم خالفوا التخطيط الأخلاقي حين أعجبتهم كثرتهم.. وهؤلاء: ((خَيرُ القُرونِ قَرْنِي)) ، فحين وقعوا في العُجب وأنهم لن يُغلَبوا عن قلة آخذهم الله.
ونحن كم نقع في العجب وفي الرياء وفي الحقد وفي الحسد وفي أشكال وألوان؟ ثم نقول: يا الله انصرنا، واللهُ ليس طفلًا صغيرًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:6]، وميزانه يزن الذرات: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8]، سيرى النتائج والعواقب والثمرات.
القلب الذاكر يهضم الفهم ويحوله إلى عمل
﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحمَّد﴾ [مُحمَّد:2] فما الإيمان؟ عليك أنْ تقرأ القرآن آية آية وتفهمها، ولا تفرح بقراءتك للقرآن أو حفظه، بل افرح إذا فهمتَ القرآن، وبعد الفهم كان لك قلب، لأنَّ الذي يهضم الفهم ويحوله إلى عمل هو القلب الذاكر.. وهذا لا يعني طريقة نقشبندية أو قادرية، فأنا أكلمكم بلغة القرآن وبطريقة النبي ﷺ التي كان يعلِّم النَّاس بها الإسلام والإيمان، وهناك أناس يقولون: إنَّ الطرق الصوفية بدعة، فلنترك التسمي بها، فما النقشبندية؟ النقشبندي لقب لشيخ، وكفتارو لقب، فكفتاري ماذا يعني؟
نحن نحتاج إلى إسلام القرآن المشروح بأعمال النبي ﷺ وتفسيره وسلوكه وأخلاقه وتلامذته البررة الذين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها.. وهناك طائفة من المسلمين إلى الآن يلعنونهم، كم نحن مساكين يا بني، كيف سنصير بشرًا؟ علينا أن نصير بشرًا على الأقل إن لم نَصِرْ مسلمين.
فضل الصحابة رضوان الله عليهم في نشر الإسلام
من الذي خاض معركة اليرموك؟ أليسوا أصحاب رسول الله ﷺ؟ ومن خاض القادسية؟ ومن فتح إيران؟ ومن فتح باكستان والصين؟ وعلى حدود الصين توجد عدة قبور من قبور أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، فكيف نقول: إنَّهم ارتدُّوا إلا ثلاثة، وفي أحسن الروايات سبعة عشر!
فما هذا النبي الذي يرتد تلاميذه بمجرد موته؟ فهل هذا نبي؟ بينما نرى شيخاً مثل الشَّيخ شاه نقشبند إلى الآن تلاميذه يملؤون مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك الجيلاني والشاذلي والرفاعي وغيرهم.. فهل هؤلاء أعظم أم النبي ﷺ؟ هل أهل البيت أعظم أم صاحب البيت النبي عليه الصلاة والسلام هو الأعظم؟ نسأل الله أنْ يعفو عنا، وأنْ يُعيد لنا عقولنا حتى نصير من بني آدم، فلو صرنا من بني آدم فهذا يكفي. [إن مستوى كثير من المسلمين في التفكير دون مستوى البشر أو بني آدم، ولو كنّا بمستوى البشر وعندنا عقل الإنسان العادي، نميِّز حينها الصحيح من السقيم، والضار من النافع.. وهذا يكفينا لمعرفة الحق فنتبعه، ولمعرفة الباطل الفاسد فنجتنبه].
الإيمان هو الذي يصدقه العمل
قال: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحمَّد﴾ الإيمان هو: ((مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ)) ، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، [مُحمَّد:2] هو الحقيقة، فحين يقول لك: هذا وَرْدٌ، يعني أنْ تشمَّه، وحين يقول لك: هذه عمامة، أي ضعها على رأسك، وهذه ساعة أي لتتعرف على الوقت، [سماحة الشيخ يشير إلى أشياء بين يديه].. فإذا وضعتَ الساعة على رأسك، وأردتَ معرفة الوقت من العمامة، واستنجيتَ بهذه الوردة بدلًا من الورق النَّشَّاف، فهل هذه حكمة؟ وهل هذا إيمان صدَّقه العمل؟ لا، فهذا لم يُصَدِّقه العمل، بل خالفه العمل، إِذَن فهو ليس إيمانًا، وأنت لستَ بمؤمن، حتى لو قرأتَ القرآن على السبعة أو السبعة عشر أو السبعة والسبعين.
وهذا الأمر يحتاج إلى ذكر وإلى صحبة أهل الذكر، وعليك إذا لقيت المربي للقلب.. واللهِ لو صرت غبارًا تحت نعليه وطول حياتك فإنك لا تؤدِّي بعض حقه عليك.
كان من كلام شيخنا قدس الله روحه في وصيته قوله: “المريد الصادق هو الذي يرى نفسه على مائدة شيخه في الدنيا والآخرة”، فلو أعطاك الله شيئًا من الآخرة فهذا من بركات شيخك في الدنيا، واللهِ أنا حين أنظر أرى أنه قد حَدَث ببركة جامعكم أشياء لم يسجلها التاريخ بعد، وهذا كله واللهِ -بعد فضل الله- من بركات شيخنا ومن رضاه.. وهذا مع اعترافي بتقصيري، فلا أُزَكِّي نفسي أبدًا، وأسأل الله أنْ يثبتني ويزيدني، ويثبتكم ويزيدكم.
الاستعمار دخل فينا بكل شيء
قال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [مُحمَّد:2]، فالذي أنزله ليس باطلًا، فلا يقول لك عن الوسادة: إنها “أُوْزِي” ويأمرك بأكلها، [أُوْزِيْ: لون من الطعام تشبه الوسادة بشكلها، فهي رز ولحم مغطى بعجين رقيق] ولا يقول: إنها كَبَاب واصنع منها “سندويشة”.. كانوا يقولون عن “السندويشة”: “عَرُوْسة”، فهل “السندويشة” أحلى أم “العروسة”؟ لكن الاستعمار دخل في كل شيء؛ في أقوالنا وأفعالنا ولِحانا وملابسنا ونسائنا وفي كل شيء.
يقولون: “ديموقراطية”، ولكن قل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:90]، وقل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]، يقولون: “بيروقراطية”.. نحن لا نتكلم بلغتنا، ونظن أننا إذا تكلمنا بِلُغاتِهم نصير مثلهم، ولكنهم صاروا إلى ما صاروا إليه بأعمالهم وعلمهم وإنصافهم، فإذا كان أحدهم مخطئًا وأرشدتَه لخطئه يشكرك، وإذا أحسنتَ إليه يكافئك، وإذا أعطيتَه شيئًا من وقتك لتُوصِل إليه علمًا يرى أنَّك قدَّمتَ إليه أمرًا عظيمًا.
الأمم الراقية تُقَدِّر الكلمة والفكر والعقل
في أمريكا كنتُ لا أجلس مجلسًا إلا النساء والرجال كلهم معهم دفاترهم وأقلامهم يكتبون كل ما أقول، وحين يأتونني كوفود يفعلون الأمر نفسه، وهكذا تقدِّر الأمم الراقية الكلمة والفكر والعقل، حتَّى إنَّ عندهم بنوكًا خاصة لتسجيل الأفكار، وكثير من الأفكار التي كنتُ أقولها تُرجِمت وتحولت إلى أعمال ومؤتمرات وأبحاث وعلى مستوى عالمي.. ولا أذكر ذلك من باب التفاخر فأنا معترِفٌ بتقصيري، وإذا لقيتُ الله لا لي ولا عليَّ يكون ذلك من فضل الله، ولكن أذكر لكم لتروا عظَمة الإسلام فيما إذا أحسنَّا عَرْضه بالقول، فكيف إذا كان بالعمل؟ وكيف إذا كان بالدعوة؛ بأقوالنا وأعمالنا وقلوبنا وسلوكنا؟ فنحن أسياد العالم، و”بوش” سيقبِّل أيدينا، وكذلك “غوربتشوف”، وكلهم سيفعلون ذلك، [بُوْش: رئيس أمريكا، وغوربتشوف: آخر رئيس للاتحاد السوفيتي]، وهذا من دون مدافع ولا طائرات ولا صواريخ ولا ميزانية حرب بمئات المليارات، بل بالإسلام وحده.
الإيمان الحقيقي يمنعك من عمل السوء
﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحمَّد وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [مُحمَّد:2] والحقيقة، فإذا قال: إنَّ هذا بطيخ، فهو بطيخ وليس كُرَة، وإذا قال: إنَّ هذا ثعبان فهو ثعبان وليس “سُجُق” [نوع من اللحوم، يشبه في شكله الثعبان بعد تجهيزه للبيع والأكل]، وإذا قال لك: إنَّه سُجُق، ثم أخذته لتتغدَّى به ووضعتَه على فمك ولدغك، فهل هذا حقيقة وحق؟ فالذي أَنْزَله على محمد ﷺ حقيقة، وإذا قال لك: إنَّ هذا سُمٌّ فهو سمٌّ فاجتنبه، وإذا قال لك: هذا عسل فهو عسل، وإذا قال: هذا دواء فهو دواء.. قال: فإذا آمَنوا بأنّه الحق: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ إيمانَ القلب والعمل ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [مُحمَّد:2]، يُكَفِّر عنك كل شيء يُسيء إليك.. فبالإيمان الحقيقي لا يخرج منك قول سوء أو سب أو لعن أو شتم أو غيبة أو نميمة، وإذا آمنتَ فكل الأعمال السيئة من سرقة وظلم وغصب ونهب وتعدٍّ وغير ذلك تنتهي وتذهب: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، والتكفير مَحْوٌ فلا يبقى منها شيء.
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:2]: فإذا مشيتَ على مخطط الله فسيصلح لك دنياك أيضًا، وإذا كنتَ فقيرًا تصير غنيًّا، وإذا كنتَ جاهلًا تصير عالِمًا، وإذا كنتَ ضعيفًا تصير قويًّا، وإذا كنتَ مهزومًا تصير منتصرًا، وإذا كنتَ ضائعًا في الصحراء يدلك على الصراط المستقيم.. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:2] في الدنيا قبل الآخرة.
إضلال أعمال الكافرين مع أنها كثيرة
﴿ذَلِكَ﴾ [محمد:3] لماذا أولئك أضل أعمالهم، وهؤلاء أصلح بالهم؟ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [مُحمَّد:1] مهما عملوا، فقوة دولة الرومان وعظمتها وسلطانها لم تكن قليلة، وبقيت إمبراطورية لأكثر من ألف سنة، وفيها جيوش بلا عدد، وسلاح بلا تحديد.
والصحابة رضي الله عنهم سيف أحدهم كان من دون قراب ومربوط بحبل، ومطبخه العسكري بضع تمرات يربطها بلباسه، فكيف هذا القليل الضعيف بالعَدد والعُدَد هزم أولئك؟ لقد أصلح الله تعالى بالهم، لأنهم ﴿آمَنُوا﴾ إيمان القلب والعمل ﴿وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ﴾ [مُحمَّد:2]، فسيئاتهم وخرافاتهم وتخلفهم وجهلهم وجاهليتهم وتقاتلهم وعداواتهم كلها ذهبَت، وانقلبَت العداوة إلى محبة، والبخل إلى إيثار، والتقاتل إلى تعاضد، والهزائم إلى انتصارات، والجهل إلى علم، والخرافة إلى حكمة.
النتائج حسب العمل
الله يقول لك: اسألني لماذا أضللتُ أعمال هؤلاء فلا يستفيدون من كل جهودهم؟ ولماذا أَصلحتُ أمر هؤلاء في الدنيا والآخرة فنصرتُهم وأعززتُهم ووحَّدتُهم وأغنيتُهم وجعلتُهم سادة الدنيا؟ قال: ﴿ذَلِكَ﴾ هذه النتائج ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ [مُحمَّد:3] من الأهواء والأنانيات والتقليد وعدم التدبُّر في الحقائق وعواقب الأمور وعدم التفهُّم لكلام الله، ومشوا على ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:22]، هذا الذي يسمُّونه رجعية.
قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي هذه النتائج للمؤمنين المسلمين وللكافرين، وأنْ يصير هؤلاء في أعلى مراتب السعادة وأولئك في أدنى درجات ودركات المهالك والخزي والشقاء والتعاسة، قال: ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾، يتبعون أوهامًا وأمورًا لا حقيقة لها، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِماذا أصلح بالهم وبدَّل بسيئاتهم ونقائصهم كمالات وبرذائلهم فضائل؟
قال: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ ومن أين جاء الحق؟ وما مصدره؟ ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [مُحمَّد:3].. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه، فقد ترى الحق وتغلبك نفسك: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:20]، وكما قال ﷺ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُه)) ، ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ)) .
الله تعالى يضرب الأمثال للناس
قال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [مُحمَّد:3]، فها قد ذكر الله تعالى لكم الأمثال وما نتائج هؤلاء وهؤلاء، فأي الطريقَين تختارون؟ وها قد ضرب لكم مثل الكافر الجاهل بالله الذي لا يستعمل عقله وفكره ولا يملك الأخلاق والسلوك وما نتيجته، والذي يستقبل الإيمان علمًا بعلوم القرآن وعقلًا وحكمة وأخلاقًا وما نتيجته، فيضرب الله للناس أمثالهم وعواقبهم وثمرات حياتهم، لماذا؟ يمكنك الاختيار: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:3]، لك الخيار: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:29].
ويكفيكم إلى هنا.
عاقبة الذين كفروا وجهلوا وعادوا
لقد مرَّت معنا ثلاث آيات: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مُحمَّد:1] أي جهلوا بالقرآن وجهلوا مقام النبي ﷺ وجهلوا حقيقة الإسلام، وفوق ذلك عادوا النبي ﷺ والإسلام والدعوة، ماذا كانت نتيجتهم مع النبي ﷺ صادق الدعوة وصادق الإيمان قولًا وعملًا وقلبًا وكل شيء؟ ومن الذي انتصر ونجحت أعماله؟ ومن الذي ضاعت أعماله؟ الكافر أضلَّ الله أعماله لأنها قائمة على الجهل واللاعقل واللاأخلاق، فمن يمشي على اللاعلم واللاعقل واللاأخلاق لن ينجح مهما عمل واجتهد.
حاجة المتعلم إلى التقوى
أليس الشيطان ذكيًّا؟ لكن هل ذكاؤه بالفضائل أم بالرذائل؟ وهل نجح؟
لو كانَ بالعِلمِ مِن دُونِ التُّقَى شَرَفٌ
لَكانَ أَشرَفَ خَلْقِ اللهِ إبليسُ
لو أخذ المرء شهادة، وصارت عنده مكتبة، وحفظ كثيرًا ونال الألقاب فإنه يحتاج مع العلم إلى التقوى.. فاحذر أنْ تكون عالِمًا إبليسيًّا ذا علم بلا تقوى، وكذلك إن كانت عندك تقوى بلا علم تَقَع أيضًا.. فنسأل الله عز وجل أنْ يرزقنا الإسلام الذي أراده الله وعرَّفه بقرآنه، والإيمان الذي أراده الله وعرَّفه بقرآنه، والذي عَلِمَه النبي ﷺ وعَمِل به ودعا إليه.
يكفيكم إلى هنا.
بعض إخوانكم طبع محاضراتي التي كنت ألقيها في الراديو، هل انتهت طباعتها؟ فمن يحب أن يشتريها فله الخيار.