النهي عن اللمز والتنابز بالألقاب
نحن الآن في تفسير بعض آيات من سورة الحجرات، سبق معكم في الدرس الماضي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، واللمز هو التعييب والتنقيص، سواء باللسان أو بالعين أو بأي شكل من الأشكال، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، بأن تنسب إلى شخص لقبًا يُغضبه ولا يرضى به، وتنقِّصه بأن تقول له: يا كلب، يا حمار، يا فاسق، يا منافق، يا بليد، يا حيوان.. والله تعالى لم يخلقه بهذا الخَلق، وأنت تلقِّبه بهذا من أجل تنقيصه.
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ فكيف بعد أن جعله الله مؤمنًا تقول له: يا فاسق.. وبعد أن جعله إنسانًا تقول له: يا حمار! ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:11]، والقرآن يقول: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:18].
واجب تحويل القرآن من ورق إلى فكر وعمل
فهذه الآية كبقية آيات القرآن، وآيات القرآن قد تزيد على ستة آلاف آية، وكل آية من الآيات لَبِنة في بناء إسلام المسلم وإسلام المسلمة، فإذا وُجِدت هذه الآية في المسلم فمكانها مملوء وليس بفارغ، وهو مسلم بها وليس كافراً بها، وبنَّاء لها وليس مخرِّبًا لها.
فإذا وُجِدَت هذه الآية في الورق وفي المصحف فالذي تقدَّس هو الورق، وصار ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:79]، ولكن المهم أن تنقله من الورق، فالورق إذا بقي مليون سنة لا تستفيد منه شيئاً، والمهم أن تنقله من الورق إلى العقل وإلى الفكر، وقد يفهمه عقلك وفكرك كالطعام في الفم تمضغه باللعاب، لكن إذا لم ينزل إلى الجهاز الهضمي ولم يحوِّله إلى دم، والدم لم يوزعه إلى خلايا الجسم فالحياة لا تبقى والخلايا تموت، وكذلك إيمانك وإسلامك.
وهذه الآية وأمثالها من الآيات يجب أن تكون موجودة في مصحفك العملي، فأنت المصحف، يعني أنت أعمال المصحف وأنت أخلاق القرآن.
قال النبي ﷺ: ((لا يَدخلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ)) الذي يسخر من الناس، أو يهزأ بهم، أو ينتقصهم، أو يكايدهم، أو يقلد حركات الأعرج أو حركات الذي يتكلم بدَرْوَشَة أو يُميل حنكه.. هذا كله سخرية واحتقار، وبذلك تشعر أنك أعلى منه وأكبر منه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يَدخلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ))، قالوا: أَمِنَ الكبر يا رسول الله لبس الثياب الحسنة؟ قال: ((إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحبُّ الجَمالَ، ولَكنَّ الكِبْرَ غَمطُ النَّاسِ)) ، وفي رواية ثانية: ((غَمْصُ)) ، وغمط الناس أي احتقارهم، بأن تحتقرهم بقول أو بعمل أو تقول: ضعوه بالعَتَبَة، ومن هذا؟ تهزأ به وتسخر منه وتُضحِك عليه الناس، فهذا كلَبِنة في جدار إيمانك سُحِبت، أو حجر من العمود سُحِبَ، أو نافذة من بيتك كُسِرَت، فكيف تكون الغرفة في شتائك أو صيفك؟ وهذا نقص في إسلامك.
حقيقة قراءة القرآن
ويجب أن توجد هذه الآية في المسلم والمسلمة لا أن تقرأها فقط، بل كما قلتُ لكم: لو أتاك شيك فيه مئة ألف أو مليون أو عشرة ملايين، وقرأتَه واكتفيت بالقراءة هل تستفيد شيئاً؟ ولو عملتَ “إِذِنَّامَةْ” أنت وزوجتك، وصرت دائماً تقرأه أنت وزوجتك، لكن من دون أن تُقيما عرسًا هل تستفيدان شيئًا؟ [إِذِنَّامة أو إِذِنْ نَامة: وثيقة الإذن أو الترخيص الرسمي بالزواج، وهي تصدر من القاضي أو الجهة الشرعية المختصة بالزواج، وهي كلمة قديمة تُستعمل في السجلات القديمة في بلاد الشام وبعض الوثائق الشرعية العثمانية].
وإذا ذهبتَ إلى المطعم وقدَّموا لك قائمة الطعام كي تختار ما تشتهي، وعرضوا لك أنواع الأطعمة “أُوْزِي وكَبَاب وكُبَّة لَبَنِيَّة وكوسا وشَيْخ المُحْشِي”، [أنواع من الأطعمة الفاخرة في سورية]، ثم قلتَ لهم: لا تُحضروا شيئًا، فأنا سأقرؤها فقط، وسألتَهم: هل تريدون مقام حجاز كار أو أي نغم تريدون؟ فهل هذا يُذهِب الجوع ويُحقِّق الشبع؟
قيل: إن شخصًا ضاف عند رجل بخيل، وصار وقت الطعام ولم يأت له بالغداء، وفي المساء أيضًا لم يحضر له طعام العشاء، ثم قال له: أنا عندي “طَنْبُورة وعندي كَمَانْجا وعندي بيَانُو”، [آلات لعزف الموسيقا]، ماذا تحب أن أُسمعك من الأصوات؟ قال: لو أحببتَ أن تُطربني فأسمعني صوت الطنجرة وصوت المِقْلاة وصوت طَقْطَقَة الملاعق.
وكذلك المسلمون الآن، وخاصة الذين يأتون إلى الجامع ويقرؤون القرآن ويذكرون الله، لكن لا يقرؤون القرآن للعلم والعمل، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبهم بعد، فلا تغتروا بالكَشْف والأنوار، [الكشف والأنوار حالات روحية تحدث لأهل التصوف كالرؤى والكرامات]، فهذه مادة غذائية كالدم في الجسم، حيث لا بد للدم من أن يصل إلى خلايا المخ.. والذي يَخرَف آخر عمره سببه أنَّ الدم لا يصل إلى الدماغ بشكل كافٍ، فتموت خلايا الدماغ والذاكرة فيكثر نسيانه، وكذلك القرآن غذاء إيمانك وروحك وقلبك، ثم هو مادة سعادتك في الدنيا.
حقيقة الإسلام
فالذي يسخر من الناس هل يكسب صداقة المسخور بهم أم عداوتهم؟ وما الذي يستفيده في دينه أو في دنياه؟ ثم إنَّ المستهزَأ به قد يكون كما قال النبي ﷺ: ((رُبَّ أَشعثَ أَغبرَ ذي طِمرَينِ لا يُؤبَهُ لَه)) ثيابه متَّسخة وشعره كالغُوْل، [الغُوْل: حيوان خرافي يضرب به المثل لشناعة منظره]، ولا أحد يكترث له، ((لَو أَقسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ)) .
فهل تعاهدونني على هذه الآية؟ ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:11] إذا تشاجرتَ مع زوجتك تقول لها: من أنتِ يا ابنة “البُوْيَجِي” [ماسح الأحذية]! يا ابنة “الإسكافي” [مصلح الأحذية]! يا حيوانة.. هذه سخرية وتنابز بالألقاب، واللهُ عزَّ وجلَّ وصف المؤمنين الذين هم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:107]، وصفهم بقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:24]، وهذه صفة عملهم وواقعهم، أمَّا الأمر، فأمرهم بقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:83].
فلا تظنوا أن الإسلام أن نصلي وحسب، ((كم مِن قائمٍ في اللَّيلِ لَيسَ لَه مِن قِيامِه إلَّا السَّهرُ)) ، ((وليسَ كُلُّ مُصلٍّ يُصلِّي)) ، ((ومَن لم تَنهَهُ صَلاتُه عنِ الفَحشاءِ والمنكَرِ لَم يَزدَدْ مِنَ اللهِ إلَّا بُعدًا)) .
الهدف من قراءة الآية تطبيقها
فهذه الآية يجب عليكم أن تحوِّلوها إلى فهم وإلى يقين.. هل تستطيع أن تستغني عن عينك في حياتك؟! هذه الآية جزء من بناء إسلامك، وجزء من بناء إيمانك، وأنت مسؤول عنها، ألا تريد أن تؤمن بالقرآن؟ ما الإيمان بالقرآن؟ أن تفهمه وتَعلَمه وتعمل به ثم تعلِّمه.
وإنك تصير مؤمنًا إذا فعلتَ ذلك بهذه الآية؛ بأن فهمتَها وعَلِمتَها وعملتَ بها، ولا يكفي ذلك، بل يجب أن تعلِّمها للآخرين حتى تصير مؤمنًا بها، أليس الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه؟ ما الإيمان بالقرآن؟ هذا هو الإيمان.. “ولكنَّ الإيمانَ ما وَقَرَ في القَلبِ وصَدَّقَه العَملُ” ، ((يا مَعشرَ مَن آمَنَ بلِسانِه ولَم يُفضِ الإيمانُ إلى قَلبِه لا تَغتابُوا المسلِمينَ)) .
النبي ﷺ يخبرنا أنَّ الإيمان إذا دخل القلب يصير هو الحافظ وهو الدرع المانع من أن يهزمك الشيطان في ميدان طاعة الله عزَّ وجلَّ، فإذا رأيتَ شخصًا يسخر من شخص أو أنتِ رأيتِ امرأة تحتقر أخرى فهذا منكر، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ وصفهم الله عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ كتلة واحدة، سواء كنتَ تعرفه أم لا تعرفه، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:71]، يجب عليك أن تأمر وتنهى، وإذا لم يأتمروا ولم ينتهوا فلا يجوز أن تجلس في هذا المجلس، لأن المستمع شريك المتكلم.
الإسلام في مجتمعاتنا المعاصرة
فهل هذا الإسلام بحقيقته العملية موجود في مجتمعنا؟ هو حاجٌّ ويصلي وقد يكون بعمامة وجبة، فالمسألة ليست “بالخُرُوق” ولا بالتحلي ولا بالتمني، [الخُرُوق تستخدم بالعامية بمعنى الأقمشة المهترئة، ولكنها في هذا السياق تعني الألبسة الجيدة، وتحمل معنى الذّم والاستخفاف بها]، قد تصلي صلاة التسابيح والتهجد وتقرأ الأذكار، لكن هذه الآية ليس لها مستقَرٌّ في قلبك ووجدانك وإحساسك وشعورك، وفي واقعك وفي أخلاقك وفي سلوكك.
إذا أتاك الموت وسألك الله عن هذه الآية هل تقول له: أكلها الذئب، أم ذبحناها للضيف؟ على طريقة البدوي.. [هذه قصة ذكرها سماحة الشيخ في الدرس الماضي، وأُوْرِدها هنا كما ذكرها: إنَّ شيخًا ذهب إلى البدو ولم يكونوا يعرفون قراءة الفاتحة، وبعد أن عجز الشيخ عن تعليمهم قال: هاتوا سبع غنمات، فقال لهم: هذه اسمها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:1]، وهذه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، وهذه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3]، إلى آخر الفاتحة.. وقال: أسمعوني أسماء الغنمات، فحفظوها مباشرة، لأن الشيخ علَّمهم على حسب عقولهم، فذهب الشيخ إلى الحج، ولما عاد أراد أن يختبر حفظهم، فقال لأحدهم: أسمعني الفاتحة، فقال له: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:1]، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4]، فقال له: أين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]؟ فقال له: أكلها الذئب، قال: وأين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3]؟ فقال له: داستها سيارة، فقال له: أين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5]؟ فقال له: أتانا ضيف فذبحناها له]، فهل تعاهدونني أن تنقلوا هذه الآية من المصحف إلى نفوسكم وإلى سلوككم؟ [سماحة الشيخ يخاطب أحد الضيوف:] شيخ عبد الناصر: اقترِب إلى الأمام.. [ثم يتابع قوله:] وإلى أخلاقكم، وإلى أولادكم، وإلى بناتكم، وإلى تلاميذكم، وفي مجالسكم، وفي سهراتكم، ومع أصحابكم؟
فنكون عند ذلك آمنا بهذه الآية كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: “كنا نقرأ القرآن عشر آيات عشر آيات، فلا نقرأ العشر الثانية حتى نتعلم ونفهم ونفقه العشر الأولى، ونعمل بها ونتخلَّق بها، ثم نقرأ العشر آيات الثانية” .
وإذا كان الرجل درويشًا أو فقيرًا أو مسكينًا أو أعور أو أعرج، ماذا لو خلقك الله مثله؟ أليس هذا ممكناً؟ ((لا تُعيِّرْ أَخاكَ بِما فِيه فَيَبتَلِيَكَ اللهُ ويُعافِيه)) .
هل عاهدتموني؟ من عاهد يرفع يده، ومن لم يعاهد يرفع يده، والصادق في العهد يرفع يده، والذي يعاهد وينقض العهد يرفع يده.. إن شاء الله نعاهد أنا وأنتم نساءً ورجالًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:11]، قبل كل شيء ﴿آمَنُوا﴾، فإذا وُجِد إيمان القلب فإن تنفيذ الأمر الإلهي واجتناب المحرمات والمنهيات الإلهية بعد النداء الإلهي تحصيل حاصل.
أما الإيمان إذا لم يدخل القلب فهنا المشكلة، لذلك أكثِروا من ذكر الله، واصحَبوا المؤدَّبين المهذَّبين في ألفاظهم وفي كلامهم، قالوا: “إنَّ صحبة الأشرار تورث فساد الأخلاق وسوء الظن بالأخيار فإنها تفسد لك أخلاقك، وتفسد لك دينك، فيجب أن تهرب منه كما تهرب من الجربان أو المسلول، هل تشرب من كأسه أو تأكل بملعقته؟
صفات مجالس المؤمنين
درسكم الآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لبيك اللهم لبيك، هذا نداء، وإذا ناداك شخص كمَلِك أو رئيس جمهورية فقال لك: يا فلان.. ماذا تقول له؟ “لبيك”، وفي مصر يقولون: “لبيك أفندم”، فهذا النداء “لبيك”، و”لبيك” بالقول وبالعمل وبالتطبيق وبالتعليم لابنك ولبنتك، والمعلم لتلاميذه، والإنسان لجيرانه، وفي السهرات.
ولقد وصف الله تعالى المؤمنين في مجالسهم فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي من كلامهم، فهو ليس فيه فائدة ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ نبحث في العائلة، هل يوجد فقير أو يتيم أو ضعيف، أو في الحي أو في السوق أو في كذا؟ ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ نفتِّش عَن تارك لواجب من الواجبات الإسلامية كالصلاة والزكاة وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الجار وعمل المعروف، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114]، هل يوجد متخاصمان أو متشاجران أو متقاطعان؟
من آداب المجالس
مجالس المسلمين اليوم عكس القرآن وكفر بالقرآن، فهم يؤمنون به قراءة ويكفرون به حياةً وعملًا، وإذا متَّ أو متِّ هل سيعتبر الله عزَّ وجلَّ كلامك أم أعمالك؟ هذه الآية سيحاسبنا الله عزَّ وجلَّ عليها؛ في النزهة وفي السهرة وفي المجتمع وفي الباص ومع صديقك وفي السيارة: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني من أحاديثهم وكلامهم، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء:114]، قل له: بلغني أنك مقصِّرٌ في حق فلان، أو في حق جارك أو قريبك أو أخيك أو أختك أو عمتك أو خالتك أو أبيك أو أمك.. وتكلَّمْ معه بالحكمة والموعظة الحسنة.. هذه مجالس المؤمن والمؤمنة والمسلم والمسلمة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ أي تحدثتم وتكلمتم مع بعضكم، ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة:9]، ولكن الآن المجالس مجالس الغيبة والنميمة، أليس كذلك؟ يقول: هل سمعتَ فلانًا ماذا قال عنك؟ وهذا إذا كان صادقًا فهو نمَّام، وإذا كان كاذبًا فهو أفَّاك مفترٍ، إذا كان صادقًا لا يشمُّ رائحة الجنة لأنه يفرِّق بين الأحباب.
فلانٌ شتم شخصًا فهل أصبحت هذه أمانة في عنقك، و﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58]؟! الناس الآن في جاهلية، ونحن نسمِّي جاهليتنا إسلامًا فنُسيء إلى أنفسنا بجاهليتنا، ونسيء إلى الإسلام بنسبة واقعنا أنه هو الإسلام.
أفعال المسلمين هي الإسلام بعيون الأجانب
إنّ الأجانب ينظرون إلى المسلمين ليس من منطلق القرآن، فهم لا يقرؤون القرآن، بل ينظرون للمسلمين من منطلق أعمال المسلمين وسلوكهم، ويرون أنَّ هذا هو الإسلام.
أخبرني أمس أخ من إخوانكم، وقد رجع من أمريكا، أنه تعامل مع تاجر يهودي، واشترى منه بضاعة، وأراد أن يكتب له سنداً، قال: بمجرد أن رأى لي لحية قال لي: لا حاجة للسند، لأنني أرى وجهك وجه مؤمن، ولذلك أنا أثق بك، قال لي: الآن آخذ منه بضاعة بمئة ألف أو مئتي ألف أو ثلاث مئة ألف دولار من غير كمبيالة ولا سند.. وهذا الأخ يقوم بالدعوة مع التجارة.
في إحدى المرات أقام هذا الأخ لي محاضرة، وكان هناك أحد الحاضرين محامٍ أمريكي أسلم وسمى نفسه عمر، وعندما انتهت الجلسة قال لي: الذي سمعتُه منك يكفيني مئة سنة، ومِسْبَحته لا تنزل من يده، قال لي: كان يريد أن يأتي من أجل زيارة الشيخ [أي الشيخ أحمد كفتارو] خصيصًا من أمريكا، وحدثت بعض الموانع المؤقتة.
وإذا صرتَ مسلمًا حقيقيًّا فجارك إذا رآك يقتدي بك، وابنك إذا رآك يقتدي بك، وهناك أناس لا ينتفعون منك، كما رأى بعض الناس الأنبياء ولم يقتدوا بهم، ولكن أكثر الناس عندهم القابلية للخير إذا رأوه، وللشر إذا رأوه، وهناك أناس يعصمهم الله من الشرِّ ويجعلهم دائمًا من القابلين للخير.. نسأل الله أن يجعلنا من القسم الثاني.
ههل إيمانك حقيقي أم بالأماني؟
الآن درسكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، قبل أي شيء يجب أن ترى نفسك هل أنت من الذين آمنوا أم من الذين نافقوا؟ “ليسَ الإيمانُ بالتَّمنِّي، ولا بالتَّحلِّي”، كل شخص يدَّعي، ولكن: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:123].
سأل النبيُّ ﷺ أحد الصحابة المسمى حارثة رضي الله عنه: ((كيفَ أَصبحتَ؟)) قال: “مؤمنًا حقًّا يا رسول الله”، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:2]، تمتلئ من عظمة الله ومن خشية الله ومن مهابة الله وتنفتح كل أحاسيسها لسماع أوامر الله لتنفِّذها.
هذا هو الإيمان، ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، تمتلئ وجلًا وخشيةً وخشوعًا وانتباهًا وتوجُّهًا، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ قراءةً أو سماعًا، ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ونورًا وأخلاقًا وتقوى وعملًا صالحًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2]، بثقتهم بالله وبفضل الله، فهم يحسنون ظنهم بالله عزَّ وجلَّ رغم أنهم يأتون بكل الأسباب التي تقتضيها الحكمة، حيث عليهم أن يجمعوا بين الحكمة والتوكل.
قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فليسوا كلهم سواء، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لماضي ذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:4] لصالح أعمالهم.
توقَّف عند هذه الآية، فإذا هَضَمَها عقلك ثم وضعتَها في قلبك الروحي، فوزَّعَها في أحاسيسك وأعصابك ووجدانك، ثم تحوَّلت عملًا صالحًا فأنت مؤمن، وإلا فأنت مُتَمَنٍّ أو مُتَحَلٍّ.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا حقائق الإيمان.
حقيقة الإيمان
سأل النبيُّ عليه الصلاة والسلام حارثةَ رضي الله عنه: ((كيفَ أَصبحتَ؟)) قال: “مؤمنًا حقًّا”، قال له: ((إنَّ لِكلِّ قَولٍ حَقيقةً))، فإنك بالادعاء تستطيع أن تقول: أنا رئيس جمهورية، لكن إذا لم تكن كذلك فستصير مهزلة، وإن قلتَ: أنا وزير.. وغضبتَ على الحارس وقلت له: لِمَ لَم تقدِّم لي التَّحِيّة؟ سأكتب بحقك مخالفة.. ربما يأخذونك حينها إلى مشفى المجانين.
قال له: ((فما حَقيقةُ إيمانِكَ؟)) قال: “أصبحتُ كأني بعرش ربي بارزًا”، كأنني أمام عظمة الله في عرشه وفي كبريائه.. فإذا كنتَ أمام رئيس الجمهورية هل تستطيع أن تخالف له أمرًا؟ أو ترتكب شيئًا يكرهه ويمقته؟
قال: “وكأني أنظر إلى أهل الجنة في نعيمهم يتنعمون، وإلى أهل النار في جهنم يتعذَّبون”، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَبدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلبَه بِالإيمانِ)) .
((يا مَعشرَ مَن آمَنَ بلِسانِه، ولَم يُفضِ الإيمانُ إلى قَلبِه لا تَغتابُوا المسلِمينَ، وَلا تتَّبَّعوا عَوراتِهم)) ، إذا كان له عورة فإنك تتبعها، ماذا فعل؟ وماذا عمل؟ أين ذهب؟ وأين أتى؟ هذه التي معه هل تعرفها من هي؟ وتتبعها حتى تعرفها من هي، هذا تتبعٌ لعورات المسلمين، وكان من دعاء النبي ﷺ: ((اللَّهمَّ استُرْ عَوراتِنا وآمِنْ رَوعاتِنا)) .
والمسلمون الآن هل يؤمنون بهذه الآيات أم يكفرون بها؟ والذين يقرؤون آيات القرآن هل يقرأونها للعمل والعلم أم لمجرد الألفاظ بلا علم ولا عمل ولا تعليم؟
((لا تَتَّبَّعوا عَوراتِ المسلِمينَ، فمَن تَتَبَّعَ عَورةَ مُسلمٍ تَتَبَّعَ اللهُ عَورتَه، ومَن تَتبَّعَ اللهُ عَورتَه يَفضَحْه وَلو في داخِلِ رَحْلِه)) ، لو اختبأ في داخل “قَبْوٍ” وفعل شيئًا من النقائص، [القَبْو: غرفة أو أكثر تكون تحت المنزل، ويكون سقفها موازياً تقريباً لمستوى سطح الأرض]، فما دام يهتك ستر مسلم أو مسلمة، فسيُرسِل الله له من يهتك ستره ويفضحه، ولو اختبأ في باطن الأرض.
هذا كلام النبي ﷺ وليس كلام الجرائد، كلام الجرائد في بعض الأوقات يكون خطأً، أما كلام النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:3]، وليس كلام الناس.
الابتعاد عن سوء الظن
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، قال: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، وليس المقصود الظن الكثير، إنما المقصود كلّ ظنٍّ سوءٍ بأخ مسلم أو أخت مسلمة، فتظنّ به أو المرأة تظنّ بالمرأة ظنَّ السوء، بأنَّ هذه كذا، وفلان كذا، وفلان فعل كذا.
قالوا: الظن هو أن تَظهر لك علامة في إنسان، ولكن ليست علامة قوية، بل فيها شيء من الإمكان، مثلًا دخل إلى خَمَّارة وخرج بقارورة، هذه علامة تقرِّب أنه دخل إلى الداخل وملأ القارورة أو أخذها، لكن هل هو يقين؟ لعل الزجاجة فارغة، أو لعلَّه له دَينٌ، أو لعل له أمر مضطرٌّ من الأمور التي لا تخطر ببالك، فأنت لستَ مجبورًا أن تُسيء الظنَّ بالناس، ولن يسألك الله عزَّ وجلَّ لماذا لم تحقِّق؟ ولماذا لم تتجسس؟ ولماذا لم تسأل بائع الخمر؟ هل سيسألك؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:105].
عُمدةُ الدِّينِ في الوَرَى كَلماتٌ
هُنَّ مِن كَلامِ خَيرِ البَريَّةْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ وَاقنَعْ ودَعْ ما
لَيسَ يَعنِيكَ وَاعمَلَنَّ بِنِيَّةْ
“اتقِ الشبهاتِ”: إذا اشتبه عليك شيء هل هو حلال أم حرام فلا تقترب، فإذا قال لك بعض الناس: هذا الكأس فيه سمٌّ، وبعضهم قالوا لك: ليس فيه سمٌّ.. صار هناك شبهة فماذا تفعل؟ وإذا قالوا لك: هذا السمن قد يكون أصليًّا وقد يكون مغشوشًا، فإنك تذهب إلى بائع آخر للتأكد من أنه أصلي.
“اتق الشبهات”: هل هو طاهر أم نجس؟ إذا وُجِدت الشبهة ابتعد، هل هو حلال أم حرام؟ إذا لم تتيقَّن أنه حلال فلا تقترب، والذي تريد أن تُقرِضه هل يفي أم لا يفي؟ إذا شككتَ به هل تدفع له؟
“واقنع”: بأن يكون لك قناعة في رزقك فلا تتجاوز ما رزقك الله إلى ما رزقه لغيرك، ولا تأكل الحرام أو تحسد أو تؤذي، لأنك فقير وهو غني، أو هو نجح وأنت فشلتَ، أو هو صارت له وظيفة عالية وأنت لا، فاقنع بما رزقك الله في الدنيا، ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أو عابِرُ سَبِيلٍ)) .
“ودع ما ليس يعنيك”: شيءٌ ليس لك مصلحة به، ولا هو متعلِّقٌ بك ولا هو من شؤونك ولا من خصائصك، لِم تتدخل فيه وهو لا يعنيك؟ فلان أين ذهب؟ فلان من أين أتى؟ فلان ماذا يأكل؟ فلان كم لديه من الأموال؟ فلان كذا وفلان كذا.
أخلاق إسلامية عند غير المسلمين
الأجانب في البلاد الراقية فيهم من الأخلاق الإسلامية ما لا يوجد في مجتمعنا الإسلامي، فلا يوجد عندهم غِيبة أبدًا، ولا يتدخل أحد في شؤون غيره أو خصوصيته أبدًا، وهذا من الإسلام، ومع الأسف أخذوه منا ونحن بقينا بلا إسلام أخلاقي.
أخبرني أخ من إخواننا كان في باريس، فاستضافه صديق فرنسي في بيته، فكان هذا الأخ يلاعب ابن صديقه وعمره سنتان أو ثلاث، فلما ابتعد عنه قال له: تعال لأعطيك سُكَّرة، [السُّكَّرَة: قطعة صغيرة لذيذة الطعم مصنوعة من السكر تُمَصّ بالفم].. ووضع يده في جيبه، وبسرعة البرق فتحت أمُّ الطفل الخزانةَ وأخذت من طبق السَّكاكِر ووضعت منه في جيبه، وقالت: أعطها لابني، فقال لها: لم فعلتِ ذلك؟ قالت له: ابني لا يعرف الكذب، فخفتُ أن لا يكون معك سُكَّرة ويتعلَّم الكذب من هذا الفعل.. والولد لم ينطق لسانه بَعْدُ بشكل جيد.. هكذا يربُّون أولادهم.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أربعٌ مَن كُنَّ فِيه كانَ مُنافِقًا، مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ)) ، ولو على طفل، ولو على أيٍّ كان إلا في ثلاثة أشياء، منها: الكذب للإصلاح بأن تريد أن تصلح بين خصمين، ويكون أحدهما شتم وسبَّ فتقول له: لم يقل عنك إلا كل خير ومدحك وأثنى عليك.. والآن المسلم بالعكس إذا سمعه سَبّ يقول للمشتوم: شتمك عشرين شتيمة.. واللهِ إن الله لا يقبل صلاتك ولا صومك ولا ذكرك، وقدومك إلى الجامع سيضاعف الله عذابك به، لأنَّه: ((أشدُّ النَّاسِ عَذابًا يَومَ القِيامةِ عالِمٌ لَم يَنفعْه اللهُ بعِلمِه)) ، وأنت صرتَ عالِمًا بتحريم النميمة، أليس كذلك؟ وماذا فعلتَ بعد العلم؟ هل كففتَ نفسك عن النميمة أم بقيت نمَّامًا؟
حقيقة الجامع
وهذا لأنه لا يوجد إيمان القلب، بل إيمانك نفاقي، وإيمانك إيمان المتمنِّي، لأنك ليس لك شيخ؛ الشيخ المهندس البَنَّاء، شيخ القلوب وشيخ الروح وشيخ التربية وشيخ التزكية.
وما معنى الجامع؟ أنتم أتيتم إلى الجامع هل من أجل الإسمنت “والطَّوَابِق” الستة؟ [الطوابق في البناء هي الأدوار في بعض اللهجات العربية الأخرى]، أتيتم إلى الجامع يعني أتيتم إلى الشيخ، والجامع هو الشيخ، وجامع النبي هو النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد النبي ﷺ إذا وُجِد وارث نبوي محمدي حقيقي حينها يعطي الجامع إنتاجه.
بعد النبي عليه الصلاة والسلام أتى أبو بكر رضي الله عنه، فهل بقي الجامع جامعَ النبي ﷺ؟ وهل أعطى الإنتاج؟ وبعده أتى عمر رضي الله عنه.
والمسلمون الآن يهتمُّون بالجدران والسقف، لكن لا يبحثون عمن يجمع الناس على القرآن وعلى الإسلام ليجعلوا من كل مصلٍّ في المسجد قرآن العمل، وقرآن الخُلق، وقرآن الحكمة، وقرآن التزكية، سُئِلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: “كان خُلُقه القرآن” .
حرمة التدخل في خصوصيات الآخرين
“ودع ما لا ليس يعنيك”: شيء لا علاقة لك به، فلانٌ مَن تزوج؟ ما علاقتك بالموضوع؟ فلان أين ذهب؟ فلان كم يملك مِن النقود؟ ماذا لديه من أملاك؟ النبي ﷺ يقول: ((مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعنِيه)) .
والمسلمون اليوم: “من حسن إسلام المسلم أن يتدخل فيما لا يعنيه”، هذه أخلاق المسلمة والمسلم اليوم، لأنه لا يوجد مربٍّ، وهل تتعلم اللغة الإنكليزية بين الأكراد؟ وهل تتعلم اللغة الفرنسية إذا جلستَ في إيران بين الذين يتكلمون اللغة الفارسية؟ وهل تصير نجارًا إذا جلستَ عند صيدليٍّ؟ وهل تصير صيدليًّا إذا جلستَ عند الحداد؟
ومن أستاذك في الإسلام؟ الإسلام أخلاق، فمن أستاذك في الأخلاق؟ من أستاذك في العلم؟ حتى لو صرتَ عالِم العلماء وشيخ الأزهر.. قالوا: “ليكن علمك مِلْحًا وأخلاقك وأدبك طحينًا”، ما معنى ذلك؟ يعني إذا كان هناك مَعْجَنٌ ممتلئٌ بالعجين، فهل الملح أكثر أم الطحين؟ فلتكن أخلاقك وأدبك أكثر من علمك، وإذا كان يوجد علم ولا يوجد أخلاق وأدب فهذا يصير: ((اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لا يَنفعُ)) ، و((أَشدُّ النَّاسِ عَذابًا يَومَ القِيامةِ عالِمٌ لَم يَنفعْهُ اللهُ بعِلمِه)) .
وأنتم الآن تحملون قولًا ثقيلًا، فلا تفرحوا بأنكم أتيتم إلى الجامع، فكل واحد الآن منكم يُوضَع في رقبته حِمْل العمل وحِمْل أن يعلِّم بيته وأولاده ورفاقه وفي سهراته وفي نزهاته.. وما تَعلَّمه عليه أن يُعَلِّمَه.
أهمية النية قبل العمل
اتَّقِ الشُّبُهاتِ وَاقنَعْ ودَعْ ما
لَيسَ يَعنِيكَ وَاعمَلَنَّ بِنِيَّةْ
“وَاعمَلَنَّ بِنِيَّةْ”: إذا أردتَ أن تذهب إلى خالتك فقل: يا ربي نويتُ في ذهابي إلى خالتي أن أصل الرحم، فاكتبها لي ثوابًا عندك.. وإذا أردتَ أن تسهر سهرة، فقل: يا ربي أنا ذاهب لأسهر هذه الليلة كما أمرتني أن تكون سهرة المسلم: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114].
مرة كانت الوالدة رحمها الله وغفر الله لها حزينة، فذهبتُ لأكسب رضاءها وبِرَّها، وكنتُ طوال الطريق أقرأ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:23-24].
فقبل أن تذهب يجب أن تعرف ماذا ستفعل، عليك أنْ تذهب حتى تكسب قلب الوالدين، وإذا كانت كلمة “أفّ” تجعلك من أهل الكبائر، فكيف إذا نهرتَهما! أو قلتَ لوالدك أو والدتك: ألا تفهم! ما هذه “الحَيْوَنَة” [الحيوانية أو الهمجية]! وهذا غير إذا سببتَهما، ومنهم من يضربهما.. نسأل الله العافية.
“واعملنََّ بِنيَّة”: لا تُقدِم على عمل إلا بِنِيَّة، فإذا أكلتَ تقول: نويتَ بأكلي التَّقوِّي على طاعة الله، يا ربي اجعله عونًا على طاعتك، وإذا رافقتَ إنسانًا، فإنك إمّا أن ترافقه لأنه أفضل منك وأعلم منك وأتقى منك لتستفيد منه، أو ترافقه لأنك أعلم منه وأتقى رجاءَ هدايته ورفع سوية إيمانه وإسلامه وأخلاقه وسلوكه، وأما إذا كان لا ينفعك ولا تنفعه فهذا من لغو الصحبة، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:3].
سيدنا نوح عليه السَّلام قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ لا تعمل شيئًا ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يتنافى مع العلم ويتوافق مع الجهل، ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:45-46]، العالِم ليس الذي قرأ وحفظ وقدَّم الفحص وأخذ الشهادة.
العلم والحكمة
العلم هو ما ينقلب إلى عمل وإلى سلوك وإلى قدوة وإمامة، ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:71]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة:24]، والدرس الذي يُدَرِّسه طالب العلم عليه أن يُدَرِّسه أولًا لنفسه ويطبقه ويعمل به ثم يعلِّمه، وهذا الذي يحصل منه البركة والفائدة، وهذا إلى جانب الحكمة.
فقه الحكمة أن تتعلَّم الأسباب والمسبَّبَات، المقدمات والنتائج، حتى يخرج عملك كله صحيحًا وناجحًا، وذلك في حربك وسلمك وتجارتك وبيعك وشرائك وزراعتك ومعاملاتك.
المسلم لا يفهم هذا، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:129]، لا يوجد من يعلِّم القرآن، أمّا القراءة “فالشَّرِيْط المُسَجِّل” [الكاسيت الذي يُسَجَّل عليه الصوت] يقرأ أفضل منك، والورقة تحفظ العلم أكثر من ذاكرتك، وأمّا الحكمة فلا يوجد لدينا حكمة اليوم.
وما الحكمة؟ في مَصْرُوفك [نفقاتك] يجب أن تكون حكيمًا، فإذا كان معاشُك [راتبك الشهري] ألفين يجب أن تكون حكيمًا، والنبي ﷺ قال: ((الاقتصادَ نِصفُ المعيشةِ)) ، ومرة رأى النبي ﷺ كِسْرَة خبزٍ على الأرض فرفعها وقبَّلها ووضعها على عينه، وهل المقصود بهذه الخُبْزَة أن نكون حَرْفِيِّين؟ بل كل شيء يمكن الانتفاع به ولو “عود كبريت” [عود ثقاب]! فإذا رميتَ صندوقًا فيه عود كبريت واحد، فهذا العود ككِسرة الخبز.
وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد قَبَّل كِسرة الخبز، فيجب أنت أن تقبِّل عود الكبريت، والصُّنْبُور الذي يَقْطُر ماءً هو ككِسرَة الخبز، ويجب أن تغلقه.
النهي عن الإسراف
قالوا: لو أنفق شخص درهمًا في غير موضعه يُعتبَر سفيهًا، ويَحْكُم الشرع عليه بالحَجْر، فيُمنَع من التصرفات في ماله، فلا بيعه ولا شراؤه ولا أي معاملة من معاملاته تصح إذا صرف درهمًا في غير موضعه، فكم يوجد سفهاء! ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]، وإذا وُجِد ما هو أعلى قيمة من الأموال أو أقل، ويُستعمَل الاستعمال غير الشرعي فشرعًا يُحجَر على صاحبها، ويوجد في الفقه باب اسمه باب الحَجْر، ألا يقولون: محجور عليه أو محجوز؟
أين الإسلام! وسببه أنَّ المدراس الدينية العلمية تُعلِّم نظريات ولا تُعلِّم بالأعمال، والله تعالى قال عن مدرسة العمل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:282]، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن عَملَ بما عَلمَ أَورثَه اللهُ عِلمَ ما لم يَعلمْ)) ، والله تعالى قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:65]، هل من الكتاب؟ هل من المعلم؟ هذا من التَّوَجُّه إلى الله والجلوس في مدرسة الله، في خلوته وفي صلاته، فجسمه إلى الكعبة بينما قلبه وإحساسه وفكره وكل مشاعره متوجِّهة إلى عظمة الله تعالى، ويناجيه، ويصغي إلى ما يُحَدِّثه الله تعالى.
واجب الابتعاد عن الظن السيئ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]، شخص يمشي مع امرأة، فيقول من رآه: انظروا إلى هذا يمسك بيد امرأة وهي صاحبتُه! وهنا لا يوجد قرينة قوية حتى يصير ظنًّا، ولا قرينة ضعيفة حتى يكون وهمًا، ولا رأى هويته وهويتها حتى يكون لديه علم، إنما هو فضول وتدخُّل فيما لا يعني، وهو سوء ظنٍّ فيما لا ظنَّ فيه.
وسبب ذلك أنَّه هل تستطيع أن تقول عن نفسك: إنك طبيب من دون كلية الطب والبَكَلُوريا والسَّرْتَفِيْكا.. إلخ؟ [البَكَلُوْرْيا: الشهادة الثانوية، والسَّرْتَفِيكا: الشهادة الابتدائية] هل يمكن ذلك؟ حتى تأخذ لقب طبيب تحتاج إلى عشرين سنة، سيدنا عمر رضي الله عنه أخذ لقب “مسلم”، فأيهما أعظم لقب “عمر المسلم” أم لقب الطبيب أو الوزير أو الملِك؟ ولكنه “مسلم حقيقي”.
النبي ﷺ كان أول المسلمين، والمسلم الأول، وإلى الآن النبي ﷺ موجود من إندونيسيا إلى سان فرانسيسكو إلى موسكو إلى كل بقاع الدنيا، هذا إسلام روح القدس، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا﴾ [النحل:2]، فيجب أن تصير روحًا وينقلب القرآن فيك إلى علم وعمل وإخلاص وذِكر ومجالسة مع الله.
الذي يكون بجانب النار يشعر بحرارتها، وإذا اقترب تشتد الحرارة، وإذا جالسها يلتهب، وإنّ لونَ الماء يأخُذ لونَ إنائه.. إنّ الذي نفقده هو الرجل الذي يصنع المسلم على هذا المستوى، وسواء سمَّيتَه شيخًا أو سمَّيتَه عالِمًا أو.. إلخ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، وكان عليه الصلاة والسلام -شرحًا لهذه الآية وتفصيلًا لها- يقول: ((إيَّاكُم وَالظَّنَّ)) ، خصوصًا فيما لا يعنيك، أو أن تسيء الظن بإنسان من غير موجب لسوء الظن به، وتتَّهمه فتقول: فلان يشرب الخمر.. ما الدليل؟ يقول: رأيتُ معه زجاجة.. وهل وجود الزجاجة يوجب أن يكون فيها خمر؟ يقول: خرج من الخمارة.. قد يكون له حاجة أو كمبيالة أو قضايا أخرى، نعم هي علامة، لكنها ليست يقينية، أما إذا رأيتَه يقول للبائع: أعطني الخمر نوع كذا، وأخذ زجاجة الخمر، وسأله عن ثمنها، ودفع الثمن، فهذا صار علمًا، أو وجدتَ الزجاجة عنده مختومة وأنت لديك مثلها، أو تعرف بهذا الأمر لأنك كنتَ سِكِّيراً من قبل وتعرف أنواع الخمر، أما مجرد الوهم ومن غير يقين ولا علامة راجحة فلا يجوز.
في بعض الأوقات تنسب إلى عدوك النقائص والقبائح والرذائل من أجل العداوة والخصومة، ومن أجل نفسك وهواك وغضبك.. والله تعالى قال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، الشنآن هو العداوة، فإذا كنتَ تعادي أحدًا فلا تدع عداوتك له تجعلك تظلمه وتتعدى عليه بقول أو عمل أو معاملة، ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:8]، هذا هو الإسلام، فهل هذه الآية موجودة في حياتنا العملية؟ إذا كانت موجودة فقد أسلمنا بها، وإذا لم تكن موجودة فقد كفرنا بها.. السيارة من كم قطعة رُكِّبت؟ قد تكون من ألف قطعة، وإذا قطعة من القطع ذهبت.. من بين هذه القطع ما يتوقف عليه سيرها، ومنها ما لا يتوقف عليه سيرها، كالرفراف حيث تمشي من دونه، ولكنها معيبة، ونسأل الله أن يكمِّل لنا إسلامنا.
قصة: هل أنت مستعد للقاء الله؟
((أكثِروا مِن ذِكرِ الموتِ، فإنَّه ما ذُكِرَ في قَليلٍ)) أي إذا كانت أعمالك الصالحة قليلة ((إلَّا كَثَّرَه)) ، لو كان أحدكم سيموت اليوم، وأتاه ملَك الموت وأخبره أنه سيموت بعد ساعة من الآن، وعرف أنّ هذا الشيء يقين، ماذا يفعل بنفسه ودَينه ووصيَّته وحقوق الله؟ كيف لو كان عليه صلاة أو حج؟ وليس هناك وقت.
رحم الله أخانا شاكر السباعي كان من كبار رجال القانون في “القصر العدلي”، [القصر العدلي هو المحكمة الرسمية في سوريا، ويضم كل المحاكم]، مرَّة كان معي في السيارة بعد درس “يلبغا”، فصار يتكلَّم ويبكي، فقلتُ له: خيرًا إن شاء الله، فقال لي: رأيتُ ملَك الموت في المنام، وقال لي: يا شاكر هل أنت مستعدٌّ للقاء الله؟ قلتُ له: ماذا أجبتَه؟ فقال: قلتُ له: إذا غفر الله عزَّ وجلَّ لي فأنا مستعدٌّ.. ولم يمضِ عشرة أيام حتى أصيب بسرطان الدم، وبعد عشرين يومًا كان رحمه الله في عداد الأموات.. لكن كان تقواه وإيمانه وحبه قمة في الإيمان، وكان قمة في التعلُّق بالشيخ.
التعلُّق بالصالحين وحبُّهم نجاة
من يتعلَّق بمن يلعب القمار ماذا تكون نهايته؟ ومن يتعلق بالراقصين ومن يتعلق بالحشاشين ماذا تكون نهايته؟ أليست هذه رابطة؟ والذي يتعلق بأحباب الله، ويتعلق بأهل الفضل، قال
اغتنم صَحبةَ الأَفاضلِ واعلَمْ
أنَّ في صُحبةِ الصِّغارِ صَغارا
صِغار النفوس صِغار الهمم، صِغار العقل، إذا صحبتهم تصغر قيمتك عند الله وعند الناس، وإذا أردتَ أن تصحب وتطلب
وابغِ مَن في يَمينِهِ لَكَ يُمْنٌ
وتَرى في اليَسارِ مِنهُ اليَسارا
إذا وضعتَ يدك اليمين في يده اليمين ينزل اليُمنُ والخير والبركات عليك بهذه الصحبة، وإذا لم تستطع أن تمسك بيده اليمنى فأمسك بيده اليسار.
كان من دعاء النبي ﷺ: ((اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحبُّكَ، وحُبَّ عَملٍ صالحٍ يُقرِّبُنا إلى حُبِّكَ)) ، و((المرءُ عَلى دِينِ خَليلِهِ)) ، هذه هي الرابطة، الرابطة مع الشيخ هل تعني أن يربطك بحبل ويجرُّك؟ الرابطة رابطة الحب، لكن هل تعرف الحب؟ القطط ألا تبرد في الشتاء؟
عندما كنَّا صغارًا كانت القطط في الشتاء تقعد تحت المِنْقَل، هل تتذكرون؟ [المِنْقَل: أداة معدنية يُوضَع بها الحطب المشتعل، ويستخدَم عادة لشواء اللحم وللتدفئة شتاءً]، أو تأتي إلى الفراش وكأنها تتكلم وتقول: أرجو أن تأذن لي أن أنام في الفراش لأنني أشعر بالبرد.. لكن عندما يكون شهر الحب في “شباط”، [الشهر الثاني في السنة الميلادية، وهو موسم تزاوج القطط]، يبقى في الخارج في البرد والثلج ولا يشعر بالبرد ولا بالثلج، فالحب غيَّر طبيعته مئة وثمانين درجة، وإذا أحببتَ الله فلو قُطِّعتَ إربًا إربًا
فلو قَطَّعتَنِي في الحُبِّ إرْبًا
لَمَا مالَ الفُؤادُ إلى سِواكَ
نسأل الله أن يرزقنا الحبَّ بمعنى الحبِّ وبحقيقة الحب، ((اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحبُّكَ، وحُبَّ عَملٍ يُقرِّبُنا إلى حُبِّكَ))، والذين انتفعوا بالإيمان وبالتقوى وبالأخلاق وبالحكمة أعطاهم الله الحظ الأكبر من حب الحكماء والأولياء والصالحين والمزكِّين، وكلما زاد حبك ازداد نفعك، وإذا لم تُرزَق الحب أو رُزِقت العداوة -نسأل الله العافية- وصرتَ مؤذيًا بقولك أو بعملك أو بعدم المجالسة فأنت المحروم.
قال
……………………. ومَن فاتَنا يَكفِيه أنَّا نَفُوتهُ
إساءة الظنِّ في المعاملات
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]، وقال النبي ﷺ: ((إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَديثِ)) ، إلا في المعاملات، فإذا أردتَ أن تعامل إنسانًا بأن تُقرِضَهُ فأسِئ الظنَّ إلى أبعد الحدود، لو رأيتَه ملَكًا ينزل من السماء، وقد يكون ملَكًا كالملائكة، ولكن إذا مات تصير علاقتك مع الورثة، وهو ليس معصومًا، وقد بعد ساعة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((يَنامُ الرَّجلُ النَّومَةَ في آخرِ الزَّمانِ فَتُنزَعُ الأمانةُ مِن قَلبِه)) ، ((يُمسي مُؤمِنًا، ويُصبحُ كافِرًا، ويُصبحُ كافرًا ويُمسي مؤمِنًا)) .. شيء مخيف.
ففي المعاملات أسئ الظن، وقَدِّر أسوأ الاحتمالات، ولا تغترَّ بصلاته ولا بالجامع، وخذ كل الاحتياطات.. أتى رجل من الصحابة إلى النبي ﷺ يريد السفر قال: أوصني يا رسول الله، فقال له: ((في السَّفرِ أَخاكَ البِكرِيَّ ولا تَأْمَنْهُ)) ، حتى ولو كان أخاك بِكرَ أُمِّكَ وأبيك، فالأخ الكبير يُعتبَر كالأب في شفقته على إخوته الصغار وعنايته بهم.
وفي طريق السفر رافقه شخص ورأى منه خدمة ومودة، ووصلوا إلى مكان ليستريحوا فقال له: إنَّ عشيرتي هنا وأبي هنا وأمي هنا، فانتظرني قليلًا حتى أسلِّم عليهم وأعود، فتذكَّر وصية النبي ﷺ: ((أَخاكَ البِكرِيَّ ولا تَأمَنْهُ))، قال: لعله قاطع طريق، وذهب ليأتي بأعوانه وجماعته ويتعاونوا عليَّ ويسلبوني، فالأفضل العمل بوصية النبي ﷺ: ((أَخاكَ البِكرِيَّ ولا تَأمَنْهُ))، فرحل، وبعد أن مشى مسافة لم ير إلا وقد أتوا بالسيوف والرماح، لكن صارت بينهم مسافة بعيدة، وركض بفرسه فنجَّاه الله ببركة وصية النبي ﷺ.
أما إذا كان لا يوجد معاملة بينك وبينه، لا دَين ولا بيع ولا شراء، وتكلَّم عليه عدو أو مغرض، أو جاهل أو أحمق، أو فاسق، ثم تسيء الظنَّ به! وليس هذا فقط، بل وتنشر، ((مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فعَليه وِزرُها وَوِزرُ مَن عَملَ بِها إلى يَومِ القِيامةِ)) .
حرمة التجسس والغيبة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:12]، لا تَتَطلَّب وتفتِّش عن عيوب الناس، وعن نقائصهم، وعن الأمور التي تعيبهم.. عندما أقرَّ ماعز عند النبي ﷺ بالزنى ورجموه، قال بعض الصحابة لصحابي آخر في حقه: “ألم ترَ إلى هذا الذي ستر الله عليه”، لم يره أحد ولا شهد عليه أتى واعترف اعترافًا، “فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رجم الكلب”.
وكان هذا على مسمع النبي عليه الصلاة والسلام وهم يمشون، قال: فمروا بجيفة حمار، بحمار ميت، [سماحة الشيخ يخاطب أحد الحضور:] هل تسمع يا محمد؟ فقال النبي ﷺ: ((أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟)) لمن؟ للذي قال لصحابه: “ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رجم الكلب”، خاطب المتكلمَ والسامعَ، فالسامع شريك المتكلم، والسامع يجب أن يقول له: حرام لا يجوز أن تتكلم وهذه غيبة ونميمة، وهذا تنقيص لمسلم ضحَّى بنفسه ليغفر الله له ذنبه، وأنت تقول عنه: كلب!
فرأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام وهم يمشون جيفةَ حمار، قال: ((أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟)) عن المتكلِّم والمُستَمِع، قال لهما: ((انزِلا))، كانا يركبان على الجمل، فقالا: لماذا؟ قال: ((انزِلا فَكُلا مِن جِيفةِ هذا الحِمارِ))، قالا: غفر الله لك يا رسول الله، سامحك الله وهل يؤكل هذا؟! قال: ((فَما نِلتُما وتَكلَّمتُما في أَخِيكُما))، أي ماعز ((آنِفًا أَشَدُّ أَكَلًا مِن الأكلِ مِن جِيفةِ هذا الحِمارِ، والذي نفسُ محمَّدٍ بِيدِه)) روح النبي ﷺ بيد من؟ بيد الله، فالنبي ﷺ يحلف بالله، ((إنَّه الآنَ لَفي أَنهارِ الجَنَّةِ يَنغَمِسُ فِيها)) .. إنّ قولهم فيه فظاظة وتدخُّل فيما لا يعني.
اتَّقِ الشُّبُهاتِ وَاقنَعْ ودَعْ ما
لَيسَ يَعنِيكَ وَاعمَلَنَّ بِنِيَّةْ
النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُهُ ما لا يَعنِيهِ)) ، الرجل ضحَّى بحياته حتى يُغفَر ذنبه، وهكذا اختار لنفسه، هل تسميه كلبًا؟! ومن صفات المؤمن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:3]، عن الشيء الذي لا ينفعك، واللغو كل ما لا ينفع ولا يضر.
الفقه والعلم الحقيقيان
أما إذا كان يضر ولا ينفع فهذا ليس لغوًا، بل هذا حرام وإثم، ولكن المسلم ليس متفقِّهًا بدينه، ((لَفَقِيهٌ واحِدٌ أَشدُّ عَلى الشَّيطانِ مِن أَلْفِ عَابِدٍ)) ، إذا كان يعبد الله على جهل.. والفقيه ليس من يقرأ الكتاب ويأخذ الشهادة.
الذي يفقه الحية والثعبان ما هي ويجعلها ربطة عنق هل هذا دليل فقهه؟! ولو سمع خمسين محاضرة عن سمِّها، وحفظ كل المحاضرات عن ظهر قلب، ونال شهادة أنه يعرف خصائص الحية ومضارَّها، هل هذا فقيه إذا جعلها “كرافة” [ربطة عنق] أو “عقال” [يلفّ بها رأسه] أو جعل منها حزامًا لثيابه؟ هل هذا علم؟
الجهل العملي أبلغ من الجهل الفكري، فقد يكون لديه علم فكري لكنّ عمله عمل الجاهلين، وهذا هو الجهل الأكبر، ونسأل الله أن يحمينا، و((أَشدُّ النَّاسِ عَذابًا يَومَ القِيامةِ عالِمٌ لم يَنفَعْهُ اللهُ بعِلمِه)) ، قال: ((فإنَّ الظَّنَّ أَكذبُ الحَديثِ)) .
أثر التزكية في نفس المسلم
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:12]، يقول: إلى أين ذهب فلان؟ ماذا سيشتري؟ من يخطب؟ هذا لا يعنيك، أو يقول: سأنظر لعلَّه يشرب الخمر.. ولكن أنت لستَ مسؤولًا، وهذا تجسُّس سواء كان في مباح أو في حرام، أنت لستَ مسؤولًا أن تهتك أستار الناس.
أحد الشيوخ دعاه شخص إلى الغداء، وقال في نفسه: إنّه يريد أن يفحص الشيخ، فذهب إلى بيته فلما طرق الباب خرج صاحب البيت ورحَّب به وسلَّم عليه وقبَّل يده وقال له: عفوًا يا شيخي أنا خجلٌ منك، قال: خيرًا إن شاء الله، قال: بعد أن دعوتُك لم توافق زوجتي على الدعوة، وحصلت مشاكل في البيت، لذلك أرجوك أن تعذرني ولنؤجلها إلى وقت آخر، قال له: لا مانع.. ((المؤمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، كَالجَمَلِ الأَنِفِ، حَيثُما قُدْتَه انقادَ مَعَكَ)) ، ((يَألَفُ ويُؤلَفُ)) ، وبعد أن قطع الشيخ كيلو متر ركض وراءه، وقال له: يا شيخي زوجتي قَبِلَت، فقال له: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:28]، ثم عاد فدخل، ثم قال له: يا شيخي زوجتي الفاعلة التاركة عادت وغضبت، وقالت: لا يمكن، فقال له: إذا لم تقبل أرجع.. وتكرر هذا مرتين أو ثلاثة، فقبَّل قدمي الشيخ وقال له: أشهد أنك ولي الله.
فقال له: على ماذا؟ قال له: على ما رأيتُه منك، فقال له: أتمدحني على خُلُق الكلاب؟! الكلب إذا طردتَه يذهب، وإذا أشرتَ له يعود، ولو طردتَه مرة أخرى يذهب، قال: هذا الخُلُق موجود في الكلاب.
هذه هي التزكية، وهي بأن تتخلَّص من الأنانية في كل قضية من قضاياك، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]، وكلمة “إسلام” نسأل الله أن يرزقنا الإسلام ويحيينا عليه، وكيف سيحييك عليه؟ هل بالدعاء؟ إذا طلبتَ الولد ولا تنوي الزواج هل يأتيك الولد؟ فكيف تريد الإسلام بمجرد الكلام ومن دون معلم ومن دون مزكٍّ ومن دون حكيم؟ هل تصبح مسلمًا؟! هل تصبح طبيبًا؟ الطبيب كم أستاذًا له منذ الابتدائي إلى أن أصبح “بورد”؟ قد يكون مئة أو مئتان أو ثلاث مئة أستاذ، وأنت إذا أردت أن تصير قانتًا تحتاج إلى أستاذ القنوت، أو خاشعًا تحتاج إلى أستاذ الخشوع، أو مخلصًا تحتاج إلى أستاذ الإخلاص.
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:2]، لكن الموفَّق كقطرة الزيت في البحر لو أتتها خمس مئة ألف موجة هل تغرق؟ والطائرة “بوينغ” إذا هوت وثمنها مئة مليون هل تطفو؟ نسأل الله أن يثبِّتنا بقوله الثابت.
الحسد والتشاؤم
((ولا تَحاسَدُوا)) ، الحسد أن ترى شخصًا قد أنعم الله عليه بنعمة المال أو الجاه أو العلم أو النجاح أو أي شيء، فتَضِيق نفسك بنعمة الله عزَّ وجلَّ عليه، هذا هو الحسد، قالوا: يا رسول الله كلنا يحسد وقد نهيتَنا، وكلنا يتشاءم وقد نهيتَنا، وكلنا يظن ظن السوء وقد نهيتَنا، فماذا نصنع بأنفسنا؟
فقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا ظَنَنتَ فَلا تُحقِّقْ))، إذا ظننتَ أنَّ هذا الرجل معه صاحبته وليست زوجته فلا تسأل ولا تتبعه حتى يصل إلى البيت لتتحقق أنها حقًّا زوجته أو أخته، وإذا وقع في نفسك فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم احمني من سوء الظن، لأنك نهيتني عن سوء الظن، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إيَّاكم والظَّنَّ)) .
وإذا كانت بيده زجاجة وخرج من الخمارة وظننتَ أنها خمر، فهل تقول له: هل من الممكن أن تفتح الزجاجة لكي أشم رائحتها لأرى إن كانت خمراً أو زيت كاز؟! لا تحقِّق: ((إذا ظَننتَ فلا تُحقِّقْ، وإذا حَسدتَ فلا تَبغِ))، لا تظلم المحسود بالغيبة وبالنميمة وبالأذى وبتخريب أعماله وإفساد مقاصده.
((إذا حَسدتَ فلا تَبغِ، وإذا تَطيرتَ)) وتشاءمت، يقول: هذا يوم نحس، هذا البيت منحوس.. وهذا في الإسلام لا يجوز، ((لا طِيَرةَ)) ، ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:18]، أي تشاءمنا بكم، ((وإذا تَطيرتَ فامْضِ)) .
قيل: إن أحد الخلفاء ذهب إلى حرب بعض أعدائه، فقال له المُنَجِّمون: يا ملِك الزمان، هذا يوم نحس وليس من المصلحة أن تذهب وتحارب، فقال لهم: إذا كان يوم نحسٍ فهو على أعدائي.
الناس اليوم مهيَّؤون للإسلام
إن المسلمين اليوم يعيشون بالأوهام وبالجاهلية وبالأهواء وبأَسْر الشيطان ويسمُّون هذه الأحوال إسلامًا، والأجانب يسمُّون هذه الأخلاق التي عندنا وهذه الجاهلية إسلامًا، فيمقتون الإسلام، وعندما يرون الإسلام الحقيقي يخرُّون له ركعًا وسجدًا.
رأيتم بأعينكم الوفد الياباني ورئيس أحد الأديان الثلاثة، وقد جلستُ عنده خمسة أيام ضيفًا في اليابان وأتى بأركانه الأربعة، انظروا صلاتهم وصيامهم وعمرتهم وبكاءهم، كان عندما يقبِّل يد الشيخ يبقى ثوانٍ وهو يمسكها بيديه الاثنتين بين تقبيل وشم وبكاء، لأنها أُمَّة مُعَدَّةٌ وتبحث عن الحقيقة، وإذا رأتها فهي كالجَوْهَرِيّ إذا رأى جوهرة هل يرفضها؟ وإذا كان طفلًا صغيرًا ورأى سُكَّرَة صغيرة، ورأى جوهرة أو فجلة أو جزرة فإنه يرفض الجوهرة، هل لأنها ليست جوهرة؟ لا، بل لأنه جاهل.
ولقد رأيتُ كل طبقات الناس من غرب أميركا إلى اليابان إلى موسكو وإلى أوروبا، وكل العالَم مهيَّأ للإسلام في بلدنا وخارج بلدنا، لكن يجب أن تعلِّمهم بالأعمال وبالحكمة وبالمنطق وبالإقناع، ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:16].
وهذا لكل واحد منكم، ولا تظنوا أنَّ هذه فقط وظيفة من يصير شيخًا أو يحمل شهادة، هل كان سيدنا عمر رضي الله عنه يحمل شهادة؟ وأبو بكر رضي الله عنه هل كان معه شهادة؟ وسيدنا خالد والصحابة رضي الله عنهم هل كان معهم شهادة؟ كانوا كلهم أميين، وإنتاجهم كان فقط بدراسة الجامع، وهذا هو الجامع، والذي له جامع يجمع قلبه على الله عزَّ وجلَّ وعلى كتاب الله علمًا وعملًا وتربية وسلوكًا وأخلاقًا وروحًا، فهذا هو الجامِعِيّ، وليس خريج الجامعة، فتلك أنثى، ويقولون: “امرأة ربَّت ثورًا فلم يَحرُث”. [يقول سماحة الشيخ هذا المثل العامي بأسلوب فكاهي وحكيم، وليس الشاهد هنا الكلام عن المرأة، بل المقصود أنّ العلم والتربية في الجامع رَفَع الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس، بينما العلوم في الجامعات اليوم لم تنهض بالأمة كما نهض بها الجامع].
المرأة في الإسلام
وهناك نساء مربيات أفضل من خمسين رجلًا، وهذا المثل ليس وحيًا نزل به الروح الأمين، فمن الذي حل مشكلة الحديبية؟ الصحابة كلهم عجزوا عن حلها، ومن حل المشكلة؟ أم سلمة رضي الله عنها، فهل هذه بنصف عقل؟ هناك نساء بنصف عقل إذا لم تدخل مدرسة الإسلام، أما إذا دخلت مدرسة الإسلام وأخذت العقل الإسلامي يصير عقلها بقدر ألف عقل من الرجال الذين لم يدخلوا مدرسة الإسلام.
أليس الإسلام يعلِّمهم الكتاب والحكمة؟ ما الحكمة؟ العقل الذي لا يُخطئ، والتزكية ما هي؟ النفوس الكاملة في الأخلاق والسلوك، والمسلمة اليوم أليس من المفروض أن تتعلم الحكمة وأن تزكي نفسها؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14].
فالمرأة إذا زكَّت نفسها وتعلَّمت الكتاب والحكمة ومليون رجل لم يتعلَّموا القرآن؛ القرآن بعلومه وبأخلاقه الذي يوجب العمل به، ولا تَعلَّموا الحكمة، ولا تَعلَّموا التزكية، فهل هذه المرأة العالمة الحكيمة المزكاة أفضل أم ألف رجل؟ قال
فلو كانَ النِّساءُ بمِثلِ هَذِي
لَفُضِّلَتِ النِّساءُ عَلى الرِّجالِ
فما التَّأنيثُ لاسمِ الشَّمسِ عارٌ
ولا التَّذكيرُ فَخرٌ للهِلالِ
سيدنا عمر رضي الله عنه حدَّد مهور النساء بخمس مئة درهم قال: لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يدفع مهرًا أكثر من خمس مئة درهم، ولم يأخذ لِبناته أكثر من خمس مئة درهم، والصحابة وافقوا سيدنا عمر رضي الله عنه بالإجماع، [كلمة إجماع هنا تعني الجميع، وليس الإجماع الشرعي المعروف، خاصة أن الشيخ يقارن هذا بالمجالس النيابية في زماننا]، فقامت بدوية عجوز في آخر المجلس فعارضته.
وما الذي يثبت في المجالس النيابية الديمقراطية إذا كانت الأكثرية واحدًا وخمسين ضد تسع وأربعين؟ الأكثرية تثبت ولو بواحد! فكيف إذا كان إجماعاً! وامرأة قالت له: ليس لك ذلك يا ابن الخطاب، هي غير موافقة، قال: لماذا؟ فقالت: أَوَما سمعتَ قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء:20]، أتدري كم هو القنطار؟ فسيدنا عمر رضي الله عنه وملء المسجد من الصحابة من كان أكثر فقهًا منهم؟ وهل الفقه من العقل أم من قلة العقل؟ فناقصات عقل ودين هذا ليس بالعموم.
كان عبد الملك بن مروان يحضر درس أم الدرداء الصغرى في الجامع الأموي، وكان درسها في الحائط الشمالي من الجامع الأموي، فكان الخليفة تلميذ المرأة.
وهناك مليون امرأة لا تساوي خنفساء، كالتي عقلها في “الخُرُوق” [اللباس]، وعقلها في “البُوْيَةْ”، يعني هي “بُوْيَجِيَّة”، [البُوْيَةْ: هي الطلاء أو الدهان، وتُستَخدَم بالعامية لطلاء الأحذية وتلميعها، والبُوْيَجي: مَن ينظف الأحذية ويُلَمِّعها في الطريق، وكثيراً ما يكون هؤلاء البُوْيَجِيَّة في الطرقات، يُلَمِّعون أحذية المارّة بأجر زهيد.. وهذه المهنة من المهن المحتقرة في سوريا، لذلك يخطاب الشيخ المرأة التي لا يهمها إلا زينتها ويصفها بأنها “بُوْيَجِيَّة”]، فمرة تضع البوية على شفاهها، ومرة على وجهها.. وهذا كله فيما بعد يؤثر في خلايا الوجه فيتجعد بسرعة، أما بالإيمان فإن الله يضع نورًا في وجه المؤمن والمؤمنة ويصير أجملَ، وهل الذهب أثبت أم التَّنَك المطلي “بالذهب التَّقْلِيْد”؟ [الذهب التقليد: غير الحقيقي، حيث يقلدون لونه، فيبدو كالذهب].. نسأل الله أن يثبَّتنا بقوله الثابت.
قال: ((ولا تَدَابَروا)) أنت تُعرض عن أخيك المسلم وهو يُعرِض، ((وكونُوا عِبادَ اللهِ إخوانًا)) ، ﷺ.
ستر عورة المسلم
وعن دُجينٍ كاتبِ عقبة، قال الكاتب لعقبة: إنَّ لنا جيرانًا يشربون الخمر، وأنا داعٍ لهم الشُّرَط ليأخذوهم، قال: لا تفعل، ولكن عِظْهم وتهدَّدهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، فجاءه دُجين، فقال: نهيتُهم ولم ينتهوا، وإني داعٍ لهم الشُّرَط لتأخذهم، فقال له: ويحك لا تفعل، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((مَن سَتَرَ عَورةَ مُسلمٍ فَكَأنَّما استَحيى مَوْءُوْدَةً مِن قَبرِها)) .
هذا رأى الخمر، ورآهم يشربونه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((مَن سَتَرَ عَلى مُسلمٍ)) !
فكيف إذا لم ترَ ولم تتحقق ولا علمتَ، ولكن تكلَّم رجلٌ منافق أو مغرِض أو عدو وأنت تأخذ كلامه وحيًا كأنه نزل به جبريل الأمين، وتُذِيعُه بين الناس وتصدِّقه، فهل أنت مسلم؟ أنت كافر بهذه الآيات، وكافر بكل أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، قد يقول: “أشهد أن لا إله إلا الله”، وهو ويكفر بكلام الله عزَّ وجلَّ، فهل شهادته صحيحة؟ هذا يعبد هواه.
ويقول: “محمد رسول الله”، ويصدِّق كلام الفسَّاق، ويترك كلام النبي ﷺ، هل هذا مؤمن برسول الله ﷺ؟
فجدِّدُوا إسلامكم، وأنا سأجدِّد إسلامي معكم على أساس أن نَقبَلَ كلام الله تعالى، ولا نقدِّم عليه كلام شياطين الإنس أو شياطين الجن أو أهواءنا وأنانياتنا ومصالحنا.. و”محمد رسول الله” نقدِّم كلام النبي عليه الصلاة والسلام على كلام الناس، ونتقيد بكتاب الله عزَّ وجلَّ وبسنة رسول الله ﷺ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]، أي ذنب كبير، فقد ترمي بريئًا بما لا علم له به، وقد ترمي طاهرًا وتلوِّث شرفه وكرامته، وقد تتكلم على عالِمٍ إمامٍ للناس، وهذا الكلام معناه أنك تَقطَع الناس عن هدايتهم الصراط المستقيم، وهل هذا قائم على علم؟ حتى لو رأيتَ بعينك، فكما رأى سيدنا عمر رضي الله عنه شارب الخمر، وذاك الذي يريد أن يأتي بالشرطة، فـ((مَن سَتَرَ عَلى مُسلمٍ سَتَرَ اللهُ عَورَتَهُ، وَكأنَّما استَحيى مَوءودةً)) .
حال المسلمين اليوم
الناس الآن يعيشون بأهوائهم وبغضبهم وعداوتهم وغرضهم وأنانيتهم، وهذا ليس إسلامًا، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:40]، يجب أن يحسب حسابه دائمًا أنه سيقف أمام الله عزَّ وجلَّ، وتُعرَض أعماله على الله عزَّ وجلَّ، ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ لا تمشِ وتتبع ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36].
حتى ولو كان عن عِلمٍ فسيدنا عمر رضي الله عنه ألم ير الخمر بعينه؟ والآخر ألم ير الخمر بعينه؟ قال له: ((مَن سَتَرَ عَلى مُسلمٍ سَتَرَ اللهُ عَورَتَهُ، وَكأنَّما استَحيى مَوءودةً))، وأنت لا رأيتَ بعينك ولم تتحقَّق، بل سمعتَ من شخص فاسق تارك للصلاة منافق خبيث عدو للإسلام عدو لورثة رسول الله ﷺ، هل يصح أن تسمع منه كلمة، وتتكلم بها بين الناس بما سمعت منه؟ هل هذا إسلام؟ هو يصلي ويصوم، ولكن لا يقبل الله صلاته، لأنه لا يفهم دينه، وشيء بسيط لم يفهمه بعد، إذا كان “لا يعرف من العشق إلا أَوْحَشْتَنا”، [أوحشتنا: يعني اشتقنا لك، وهو مثل شعبي يطلق لمن لا يعرف إلا القشور]، فهل هذا عاشق؟ لا يعرف من الإسلام إلا أن يهوي في الركوع والسجود، وصلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لأنه لا يعرف الفحشاء حتى ينتهي عنه، ولا المنكر حتى ينتهي عنه، وما تعلَّم ولا تأدَّب ولا كان له مربٍّ ولا رابطة.
فائدة الرابطة
لتصير مسلمًا يجب أن يكون ارتباطك بمربيك وبمن يعلِّمك الكتاب والحكمة والتزكية أبلغ من ارتباط جسدك بروحك وروحك بجسدك، وهكذا كان المسلمون مع النبي عليه الصلاة والسلام في زمن رسول الله ﷺ: ((حتَّى أَكونَ أَحبَّ إلَيهِ مِن رُوحِه الَّتي بَينَ جَنبَيهِ)) ، و((العُلماءُ وَرثةُ الأَنبياءِ)) ، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: ((مَن آذَى وَلِيًّا فَقَد آذَنتُه بِحَربٍ)) ، ((ومَن حارَبتُه فَقدْ قَصَمتُه)) .
المسلم الآن لا يسأل عن الشيخ ولا عن الناس ولا عن النبي ﷺ، ولا يعرف الظنّ ولا العلم ولا الوهم، بل هو إباحي، وعندما يموت يكتبون على الشاهدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:107]، يعطونه شهادة من جورج وميخائيل النَّحَّات، [يقول سماحة الشيخ هذا الكلام لأن أكثر النحاتين في سوريا من المسيحيين، وبخاصة في القرن العشرين وفي تاريخ هذا الدرس].
هل ندخل الجنة بالأماني؟ وهل تُسلِمون بهذه الآية؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:12].
تحفيظ بيتي الشعر في الختام
عُمدةُ الدِّينِ في الوَرَى كَلماتٌ
هُنَّ مِن كَلامِ خَيرِ البَريَّةْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ وَاقنَعْ ودَعْ ما
لَيسَ يَعنِيكَ وَاعمَلَنَّ بِنِيَّةْ
“عُمدةُ الدِّينِ في الورى”: أو: “عُمدةُ الدِّينِ عندنا”.. [سماحة الشيخ يسأل الحضور:] من حفظها غيبًا؟ أريد من الصغار.. أنت أيها الشاب الصغير، تعال إلى هنا، [الشاب الصغير يقرأ البيت الأول بسرعة، فيقول له سماحة الشيخ:] اقرأ قليلاً قليلاً، وكلمةً كلمة، وأعد البيت.. [وبعد الانتهاء من القراءة يقول له:] فلتحيا! في أي صف أنت؟ [يجيبه: في الصف العاشر، فيسأله:] كم تحفظ من القرآن الكريم؟ [فيجيبه: سبعًا وعشرين جزءًا، فيسأله:] أين تدرس؟ [فيجيب: في المعهد الشرعي، فيقول سماحة الشيخ:] هذه هي التربية الإسلامية، يحفظ القرآن وبقي له بعض الأجزاء، وفي هذا الصيف يُكْمِل، أليس كذلك؟ فتح الله عليك، تَوكَّلْ على الله.
يا هنيئًا لمن يكون له الجامع الحقيقي! الذي ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:108].
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا اللهم هادين مهديين، ولا تجعلنا ضالِّين ولا مُضِلِّين.