الجهاد في سبيل نشر علوم القرآن
نحن الآن في تفسير بعض آيات من سورة سيِّدنا مُحمَّد، أو المسماة بسورة الجهاد والنضال والكفاح، لا من أجل الاستعمار أو الاستيلاء على الشعوب وثرواتها، أو استعبادها أو إذلالها، أو تمزيقها وتفريقها.. الكفاح في سبيل الله يعني في سبيل ما قاله القرآن: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الجمعة:2]، في سبيل نشر العلم، علوم الدنيا التي قال الله عزَّ وجلَّ عنها: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الحياة الحسنة، والقوة الحسنة، والصحة الحسنة، والاقتصاد الحسن، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:201].
فعلوم القرآن تشمل الحُسْن والسعادة في الحياتَين، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:129]، الحكمة: هي العقل الكامل الذي ينجح في كل أموره بحسن دراسته لمقدماتها ونتائجها، والتعرُّف على عواقبها وثمراتها، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، تزكية النفس هي تنقيتها من رذائل الأخلاق، وتجميلها بمحاسن الأخلاق ومكارمها، فالجهاد هو في سبيل: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:129]، و”الحكمة”: هي استعمال العقل بكل طاقاته وأبعاده، وتزكية النفس أي مكارم الأخلاق.
وهذه هي رسالة الإسلام، والجهاد من أجل هذا، ومن أجل توحيد العالَم ورفع الحواجز السياسية والقومية واللونية، ومن أجل حقوق الإنسان أيَّ إنسان كان مع اختلاف الدين أو اختلاف اللون أو اختلاف الجنس: ((الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ وَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ)) .
المقصود من القرآن العلم والتعليم
لذلك يجب على المسلم والمسلمة تجاه القرآن أن لا يكون المقصود من القرآن أن يكون جِلده جميلًا، وورقه مصقولًا، وطباعته جميلة، وله ثوب مذهَّب، وهذا شيء جميل وهو تكريم للقرآن وجسم الكتاب.
وليس المقصود أن نسمع الموسيقى والنغم من صوت القارئ والتالي، فهذه كلها قشور، والمقصود هو اللُّباب، كاللؤلؤة عليك أن تنزع الصَّدَفة وتأخذ ما في داخلها، ولنأخذ من القرآن العلم، والقرآن هو المشروح بتفسير النبي عليه الصَّلاة والسَّلام الذي كان يقول: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ)) ، ويقول: ((اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ في الصِّينِ)) ، في زمن النبي ﷺ كانت الصين أعظم بلد ثقافي وحضاري وتقدمي، والصين ليس فيها عِلم الإسلام، بل فيها علوم الدنيا، ولو كان النبي ﷺ موجودًا في هذا الزمن لقال: “اطلبوا العلم في أوروبا وفي أمريكا وفي اليابان”.
هذه المعاني -مع عميق الأسف- غابت عن علماء الدين من مئات ومئات السنين، أو من حوالي ألف سنة، لذلك بدأ الضعف في الإسلام في الحياة المادية، ثم في حياة الحكمة والحياة العقلية والفكرية، والآن في الحياة الأخلاقية والسلوكية.
تجديد الدين
ولكن النبي ﷺ يبشِّرنا ويقول: ((يَبْعَثُ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلى رَأسِ كُلِّ مِئةِ سَنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لأُمَّتِي أَمرَ دِينِها)) ، ((يَنْفُونَ عَنْه تَحْرِيفَ الْغَالِينَ)) المغالاة ((وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ)) أي دخول عقائد منتحَلة غير صحيحة، ((وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)) ، يأتي رجل جاهل ويفسِّر القرآن أو الحديث بتفسير غير صحيح، فيأتي المجدِّد والمجدِّدون لينفوا هذه الأوساخ والأقذار والغبار عن وجه جَمال الإسلام، فتعشقه العقول بما تجد فيه من الحِكَم، وتعشقه النفوس بما تجد فيه من الحياة الربانية الروحية التي تشعر معها بسعادة دونها كل سعادات الجسد من مال وطعام وزواج ومناظر وموسيقى وكل شيء، إلى جانب تغذية العقل بعلوم القرآن التي تبدأ من صنع الإنسان الإنساني العلمي العقلي الحياتي الأخلاقي، إلى صنع العالَم الموحَّد بهذه الأبعاد، وفي ظلال هذه الراية الربانية.
فنحن الآن في سورة مُحمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ونبدأ فنقول
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصَّلاة وأتم التسليم على سيِّدنا مُحمَّد، وعلى أبيه سيِّدنا إبراهيم، وأخويه سيِّدنا موسى وعيسى، وجميع الأنبياء والمرسلين مَن عرفنا ومَن لم نعرف، وآل كل وصحب كل أجمعين، وبعد
الحكمة على قسمين علمية وعملية
مر معكم في الآيات السابقة قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [مُحمَّد:20]، عندما شعر المسلمون في أول الإسلام بشيء من القوة -ولكن قبل نضجها- كانوا يطلبون من النبي ﷺ أن يقوموا بثورة مسلحة وقتال، والنبي عليه الصَّلاة والسَّلام معلِّم الحكمة، والحكمة على قسمين: علمية وعملية.
والحكمة العلمية: هي أن تعرف الأشياء التي تريد أن تعملها بحقائقها وبواطنها ونتائجها وغاياتها وثمراتها، أن تَعْرِفَها بحقائقها وبواطنها قَدَرًا وشرعًا وخَلْقًا وأمرًا، [ومعنى أن تعرفها شرعاً] أن تعرف حكمة التشريع: لماذا قال الله عزَّ وجلَّ عن هذا حلال؟ ولماذا هذا فَرْض؟ ولماذا هذا واجب؟ وكذلك الحج ورمضان.. وأن تعرفها قَدَرًا: أن تعرف حكمة الأقدار.
والحكمة العملية قال: “هي فعل ما ينبغي”، أن تؤدي عملك الواجب، “في الوقت الذي ينبغي، على الشكل الذي ينبغي”.
معنى التوكل
وهذا واقعيًّا مفقود في الإسلام الآن، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:129]، المسلم خصوصًا إذا كان شيخًا مثلي يقول لك مرةً: “على بركة الله”، ومرةً: “توكل على الله” وغير ذلك. [ليس المقصود نقد هذه الكلمات، فهي كلمات عظيمة، ولكن المقصود استخدامها للإقدام على العمل بلا وعي ودون دراسة وتفكير وبذل الجهود المطلوبة، وجعلها حجة لهذا الخطأ، واستخدام التوكل بمعنى التواكل].
أتى رجل إلى سيِّدنا عمر رضي الله عنه يشكو إليه أنَّ جِماله جربت، وقال له: ادعُ الله عزَّ وجلَّ لي أن يشفيها، فقال له: “أنا أدعو لك”، وهنا الحكمة: “ولكن اجعل مع الدعاء قطرانًا!” .
فالإسلام بمعناه القرآني يعني علوم القرآن: ﴿يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:1-2]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:38]، مما يحقق سعادة المجتمع.
وفي زمن النبي ﷺ كان العرب على أُمِّيَّتهم وبَداوتهم، وهم أبناء الصحراء، وبلا مدرسة ولا معلِّم ولا كتاب، في عشرين سنة من حياة النبي ﷺ وحَّد جزيرة العرب سياسيًّا وعقائديًّا ووحدويًّا وفكريًّا ونضالًا، وأبو بكر رضي الله عنه في عهده أعلن الحرب على الإمبراطوريتين المستعمِرتين في الشرق والغرب في آن واحد، وهم أبناء الصحراء وأميون، وأولئك أباطرة لأكثر من ألف سنة، ولهم نظام وحضارة وعلم وتقدم.
بالإسلام انتصر المسلمون
فالعلم يغلب الجهل، والقرآن هو علوم السماء وعلوم الله عزَّ وجلَّ في تحقيق سعادة البشر كلهم، والحق يغلب الباطل، والعلم يهزم الجهل، ففي معركة اليرموك: نحو خمسة وثلاثين ألف مسلم عربي هَزموا ربع مليون روماني، فيهم مئة ألف عربي متنصِّر، وهذه معركةُ ستةِ أيام، وهذا أمر لا يدخل في العقل.
وفي الوقت نفسه كانت المعركة على جبهة ثانية في الشرق على الإمبراطورية الفارسية، ولم تنتهِ خلافة عمر رضي الله عنه إلا وقد قُضِي على الإمبراطوريتين، وذلك بالإسلام ثقافةً وأخلاقًا وحكمةً وتحريرًا للشعوب، وقد كانت الشعوب في صف الفتح الإسلامي لِمَا كانت ترى فيه من العدالة الإنسانية، ولِمَا ترى فيه من نصرة حقوق الإنسان؛ المسلم أو اليهودي أو المجوسي أو الفقير، كلهم مؤَمَّنة حقوقهم وحياتهم وكرامتهم.. إلخ.
فحين كان الإسلام ضعيفًا كان بعض المتحمِّسين يطلبون أن تنزل آيات الجهاد، وقد كان النبي ﷺ لا يخطو خطوة إلا بوحي من الله عزَّ وجلَّ، فالذي كان يقود المعركة ويخطط لها وينظمها هو منظم الكون سبحانه وتعالى، منظم خلايا الدماغ وهي أربعة عشر مليار خلية، وكل واحدة منها تعمل عملًا مستقلًّا وبوحدة كاملة، وبهدف واحد، وهو بناء الجسد والحفاظ عليه ليكون بحالة كاملة صحية تامة.. والذي ينظم خلايا الدم وشرايينه وعمل خلايا القلب وخلايا الكليتين -وكلها أصلها من خلية واحدة: حيوان منوي وبويضة- هو الذي نزَّل نظام الإسلام المسمى بالقرآن، والمفسَّر بأعمال النبي ﷺ وأقواله وحياته.
فكان منهم من يريد القتال، ولمَّا فُرِض القتال كان منهم الصادقون ومنهم المتمنُّون، فلمَّا فُرِض القتال قالوا: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء:77]، وهناك من النَّاس من يقول: نريد أن نقاتل، نريد أن نحارب، فإذا حدثت الحرب اعتذر بأنه مشغول واعتذر بشتى المعاذير.
صور من جهاد النبي ﷺ
واللهُ عزَّ وجلَّ ندَّد بهؤلاء وعرَّف بأحوالهم، ونسبهم إلى ضعف الإيمان، ولَمَّا نزل الأمر كانت الأمور مهيَّأة، ولذلك نجح المسلمون في معركة بدر على قِلَّتهم، وفي أُحد خالفوا المخطَّط العسكري النبوي، وقد انتصروا في أول المعركة، ولَمَّا خالفوا المخطَّط في آخرها انهزموا، والخندق كانت أعظم معركة، وفيها حفر النبي ﷺ الخندق لكيلا يُسال دم إنسان عربي، وفي فتح مكة أيضًا وضع مخطَّطًا ففتحها من غير قتال، فكل شيء -من تثقيف العالَم وتحضيره وتوحيده، والقضاء على الفقر والجهل والخرافة- كان قائمًا بلا قتال.
هكذا فعل النبي ﷺ، وهكذا فعل الصحابة رضي الله عنهم، واضطروا إلى الحرب، لأن الأباطرة المستعمِرين كانوا متحكِّمين في البلاد العربية وفي شتى الشعوب وكان يحرِّمون عليهم القراءة والكتابة إلا لفئة النبلاء والعظماء، فأتى الإسلام: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) ، وعلى كل مسلمة.
وجوب تدبر القرآن
درسكم الآن في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [مُحمَّد:24]، هؤلاء الذين كانوا يطلبون القتال، فلما فُرِض القتال انسحبوا، لماذا لا يقرؤون القرآن بإمعان وبفهم وهضم لمعانيه وأهدافه وحِكَمه وحقِّيَّته وواقعيته؟ وهذا لا يحصل إلا إذا قرأتَه بتدبُّر فتعرف حقائق الأحكام وغاياتها وأهدافها وثمراتها بشكل عقلاني، والقرآن يقول لك: استعمل عقلك، تدبَّرْ تفكَّرْ ادرس: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:185]، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:176]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:73]، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:171].
فالقرآن يَذمُّ الذين أهملوا عقولهم فلم يفكِّروا، والإسلام الآن بقي منه اسمه فقط، حتَّى لو صلى وصام فهذه طقوس جسدية، أما إسلام الحياة، إسلام التقدُّم، وإسلام قيادة العالَم، وإسلام ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] فغير موجود.
في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كانوا خير أُمَّة علمًا وأخلاقًا وعالميةً وإنسانيةً وعدالةً وتقدُّمًا ووحدةً، حتَّى إن نابليون اندهش كيف أن العرب وحَّدوا نصف العالَم في نصف قرن، ونحن الآن مضى نصف قرن على تحرر البلاد العربية والإسلامية وما زال العالم الإسلامي مفرَّقًا وممزَّقًا، لماذا؟ لأننا بعيدون عن الإسلام.
قصة “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام”
لَمَّا أتى سيِّدنا عمر رضي الله عنه لفتح القدس، وكانت الكنيسة قد اشترطت أن لا تكون المعاهدة إلا بحضور عمر رضي الله عنه، وخرج الروم والجيش لاستقباله وهو على جمله، وكان بينه وبينهم مخاضة، فنزل عمر رضي الله عنه عن جمله، وشمَّر وكان عبده راكبًا على الجمل، وعمر رضي الله عنه يقود الجمل بعبده الراكب، وأمام عظماء الروم، فلما خرج من الوحل قال له أبو عبيدة رضي الله عنه: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ أمام عظماء الروم وقادتهم.. فوكزه -وما الوكز؟ جمع الأصابع والضرب في الصدر، الذي نسميه “البُوْكْسْ” البوكس والوكز متماثلان- وقال له: “نحن قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ” .
وما الإسلام؟ ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)) ، صلاة وزكاة وغيرهما، وهذه الخمس ليست هي الإسلام، حتى لو صليتَ وصمتَ وحججتَ وزكيتَ وآمنتَ بالشهادتين فهذا ليس الإسلام، بل هو الحجر الأساس لبناء الإسلام: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)).
فالإسلام الذي سيُبنى على الخمس ما هو؟ هو العلم والحكمة وتزكية النفس.. ((كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) ، فأنت كمسلم أبًا أو أمًّا هل تعلِّمين أولادك الإسلام؟ وأنت كمعلم هل تعلِّم تلاميذك الإسلام الذي هو العلم والحكمة والتزكية؟ وهذا بعد الحَجَر الأساس الذي هو الأركان الخمسة: الصَّلاة والزكاة وصوم رمضان والحج والشهادتان.. وبعد هذا الحَجَر الأساس الإسلامي، وبعد أخذ علوم القرآن بالمعلم، والحكمة بالحكماء، والتزكية بمربي الأخلاق تأخذ شهادة الإسلام وتحمل لقب مسلم، وإلا فأنت مسلم مزوَّر أو مزوِّر.
قصة سؤال الحاخام اليهودي لسماحة الشيخ
كما حدث معي قبل أربعة أشهر عندما كنتُ في واشنطن، كنتُ في مؤتمر عالمي في كاليفورنيا من اتحاد الأديان العالمي، في محاضرة كان موضوعها “الدين في القرن الحادي والعشرين”، تضم كل أديان العالم.. وإنّ النَّاس لم يعد يعجبهم الإسلام ولا اليهودية ولا النصرانية، لأنهم يرون شيئًا لا يملأ العقل، وإن أعمال المسلمين الآن وسلوكهم هي التي تشوِّه الإسلام، وغير المسلم يظن أن الإسلام هو ما عليه المسلمون، ولكن ما عليه المسلمون الآن حرب على الإسلام، أو هجر للإسلام، أو جهل بالإسلام.
وبعد أن انتهى المؤتمر مررتُ على بعض الولايات، وزرتُ بعض إخواننا، وفي واشنطن دعوني إلى محاضرة في جامعة واشنطن الكاثوليكية ومحاضرة أخرى، وبعد المحاضرة يفتحون باب النقاش، ويذكر المتحدث اسمه وعمله.
وبعد إحدى المحاضرتين قام أحدهم وقال: أنا فلان حاخام واشنطن -وكان “مَقْصُود” ممثل الجامعة العربية موجودًا في المحاضرة- وشاهدي هنا عن “المزيَّف” فتلا لي الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:62] وسألني: على مقتضى آية القرآن هل يدخل اليهود الجنة؟ فقلتُ له بشكل مختصر: هناك اليهودي الأصيل الذي اتبع شريعة موسى عليه السَّلام، فآمن بالله عزَّ وجلَّ واليوم الآخر وعمل صالحًا، واستسلم لأوامر الله عزَّ وجلَّ وانقاد لدعوته، فهذا: ﴿آمَنُوا﴾، وأمّا ﴿هَادُوا﴾: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:156] تعني إنَّا تُبنا إليك، فكذلك منهم اليهودي التائب إلى الله عزَّ وجلَّ.. والتهوُّد هو التوبة والتودد، أي المتودِّد إلى الله عزَّ وجلَّ بصالح العمل: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة:62]، وكذلك النصراني، قلت له: فهؤلاء أُصَلاء ولهم الجنة، أما إذا كان مسلمًا مزوَّرًا، أو يهوديًّا مزوَّرًا، أو نصرانيًّا مزوَّرًا فهذا ليس يهوديًّا ولا مسلمًا ولا نصرانيًّا، بل هو منافق، والله عزَّ وجلَّ قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾ [النساء:145]، فأخذ الحضور يصفقون.
الإسلام بصورته الحقيقية
وإنه لا يوجد أعظم من القرآن، ولا يوجد أعظم من الإسلام، لكنه تحت الأنقاض وتحت التراب، ونحن نقدِّمه كعروس من البلاستيك، أو نقدِّمها على أنها عروس فيظهر عند حفلة العرس أنها غوريلا، فتنقلب الزغاريد إلى ولاويل، والفرح إلى رعب، وتقفز امرأة في ذلك العرس من فوق الجدار، وتلك تقع عن الدَّرَج، ويموت البعض ويُجرَح البعض ويُغمى على البعض.. هي بالاسم ملكة جَمال والحقيقة غوريلا، أما الإسلام الحقيقي فشيء مختلفٌ تمامًا.
وبعد ذلك ذهبتُ إلى مؤتمرٍ آخر في اليابان وترأستُه، وهذا المنبر -المنبر العالمي للأديان- يمثِّل عضوًا مراقِبًا في هيئة الأمم المتحدة، وباعتباري انتُخِبتُ في مؤتمر موسكو رئيسًا لقادة أديان العالم في هذا المؤتمر فقد دعاني ثلاثةٌ من قادة أديان اليابان إلى قضاء فترة استجمام وراحة في اليابان مدتها سبعة عشر يومًا، وقد أسلم أحد القادة، وسيأتينا في الربيع إن شاء الله مع عدد من اليابانيين لنعتمر معًا في مكة.. هذا هو الإسلام.
وفي مؤتمر موسكو اتَّفقت مع نائب رئيس أكاديمية العلوم على إقامة أسبوع كامل في موسكو للتعريف بالإسلام، وتُسخَّر له كل وسائل الإعلام في موسكو، وهذا الإسلام عندما تعرفه أمريكا وموسكو وطوكيو من طريق إنسان بسيط، فكيف لو رأت الإسلام في أعمال المسلمين؟ وكيف لو رأت الإسلام في علوم القرآن؟ وكيف لو رأت إسلام ﴿يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:1-2] الذي هو الإسلام العقلاني الفكري الحياتي التقدمي الحضاري؟ كيف لو رأت مكارم الأخلاق؟
طَلَعَ الدِّينُ مُستَغِيثًا إلى اللهِ
وَقالَ: العِبادُ قَد ظَلَمُونِي
يَتَسَمَّونَ بِي وَحَقِّكَ لا
أَعرِفُ مِنهُمُ أَحَدًا وَلا يَعرِفُونِي
لكن إن شاء الله لا تكونون أنتم كذلك، والنبي ﷺ يقول: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ)) ، وفي رواية: ((وَهُم في الشَّامِ)) .
[يدخل أحد الضيوف فيرحب به سماحة الشيخ:] أهلاً وسهلاً.. نرحب بالأستاذ إمام جامع موسكو، وقد أتى للدراسة والتثقُّف في الكلية وإتمام ثقافته بالإسلام، فأهلًا وسهلًا ومرحبًا.
انتشار الإسلام في وقتنا المعاصر وبشارة الشيخ محي الدين في ذلك
والنبي ﷺ يقول: ((أُمَّتِي كالْمَطَرِ، لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَم آخِرُهُ)) ، ويقول أيضًا: ((خَيرُ أُمَّتِي أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَبَجٌ أَعْوَجُ)) الثبج هو الوسط ((لَسْتَ مِنْهُ، وَلَيسَ مِنكَ)) ، ولعلنا نكون إن شاء الله تعالى في أول الآخر، وهناك بشرى أو فراسة، ويسمُّونها بلغة العصر “معجزة”، مع أن المعجزة تكون للأنبياء، وهذه منسوبة للشَّيخ محيي الدين رضي الله عنه، يقول المؤرخون: إنه بدأ تخلف الدولة العثمانية من القرن الحادي عشر الهجري، فيقول
إذا كَانَ الزَّمانُ لنا مَقيتًا
تَضَعضَعَ في بَنِي عُثمانَ مُلْكُ
“مقيتًا”: المقت هو أشد الغضب، فإذا غضب الله عزَّ وجلَّ على أحد فقد غضب، أما إذا مقته فهذا يعني أنه اشتد غضب الله عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:3]. “تضعضع في بني عثمان مُلْكُ”: تَضعضُع الدولة العثمانية في القرن الحادي عشر الهجري، ثم يقول
إذا ثنَّى فثَلَّثَ ثُمَّ رَبَّعْ
بَدا في الشِّرْكِ لِلإسلامِ فَتْكُ
“ثنَّى”: القرن الثاني عشر، “فثلَّث”: الثالث عشر، “ربَّع”: القرن الرابع عشر انتهى ودخل القرن الخامس عشر، “بدا في الشرك للإسلام فتك”: يعني أن الإسلام سيفتك بالشرك والمشركين، ويسود الإسلام العالم كله.
بشارة النَّبيّ ﷺ
وقد بشَّر النبي ﷺ بهذا فقال: ((سَيَصِلُ الإسلامُ ما وَصَلَ إلَيهِ اللَّيلُ وَالنَّهارُ)) ، ((وَتَتَلاشَى كُلُّ المِلَلِ، وَلا يَبقَى إلَّا الإسلامُ)) ، هذا كلام النبي ﷺ بنصه الحرفي.
وأنا [رأيت هذا] بحسب ما دُعِيتُ إلى مؤتمرات في أمريكا وفي أوروبا وفي روسيا، وانتُخِبتُ رئيسًا لأكثر من مؤتمر عالمي.
وتتذكرون البيان المشترك الذي تلاه وفد الاتحاد الكنسي هنا، [هنا أي في جامع أبي النور]، وهذا كان في براغ في سلوفاكيا، واتَّفقنا نحن والكنيسة بعد حوار ثلاثة أيام على: “لا إله إلا الله مُحمَّد رسول الله وعيسى رسول الله”، أما سمعتموه؟ ومن الذي تلاه؟ ممثل الكنيسة الألمانية، وهو عميد كلية اللاهوت في برلين، وكان معه وفد اتحاد الكنائس من أجل نصرة السَّلام.
القرآن للتفهم وللعلم والتطبيق
نرجع إلى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [مُحمَّد:24]، فعلينا أن نقرأ القرآن للتَّفهُّم، وللعلم والتطبيق في أنفسنا، وفي بيتنا ومع أولادنا، ثم مع أصحابنا.
ولقد انتشر الإسلام في الشرق الأقصى من طريق التجار، وكان التاجر مسلمًا، يعني كان يعْلَم الكتاب، ويعلم الحكمة، وكان مزكَّى النفس، فكان يدعو إلى الإسلام بأعماله وأخلاقه وسلوكه ومعاملته، وكان الناس حين يرون جَمال الأعمال والأخلاق والسلوك [يدخلون في الإسلام].
والإنسان مفطور على حب الجَمال، فجمال الصوت تحبه من تلقاء نفسك، وكذلك جَمال المنظر وجَمال الطعام، أيضًا جَمال العقائد والجَمال الروحي هو أحب شيء إلى الإنسان، وبذلك انتشر الإسلام، والآن العالَم مهيَّأ لقَبول الإسلام أكثر من كل العصور التي مضت، لكن إذا تهيَّأ الرجال.. ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يهيئ رحمةً بالعالَم ورحمةً بالإنسان.
إقفال القلوب عن الهداية
قال: لماذا كان هؤلاء يستعجلون بطلب الجهاد، ولما فُرِض تخلفوا؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾؟ لو تدبَّروه ودرسوه لَوجدوا أن الجهاد فيه عز العرب وتقدُّمهم واطِّلاعهم على كل حضارات الشعوب وعلومهم وثقافاتهم.. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحمَّد:24]، القلب مقفَل، وقد وُضِع القفل على القلب، وهذا شيء معنوي، فإذا كان الباب مقفلًا فهل يدخل منه داخل أو يخرج منه خارج؟ كذلك القلوب إذا أُقفِلت وخُتِم عليها فلا يدخلها علم ولا حكمة ولا نور ولا هدى ولا تقوى ولا إدراك للحقائق، وإذا أُقفِلت لا تخرج منها الرذائل ولا الشرور ولا التخلف، قال: ما داموا لا يستفيدون من القرآن فإمَّا لأنهم لا يتدبَّرونه -مع أنّ عندهم الإمكانية لذلك- ولو تدبروه لَسَعِدوا به، وإما لأنّ قلوبهم مقفَلَة: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24]، فلم يبقَ موضع للعقل ولا للفكر بسبب القسوة والجمود والتخلُّف.. ويوجد من النَّاس من لا يقبل الحوار عقلًا ولا فكرًا ولا بشكل من الأشكال: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24].
ثم قال: بالنسبة لهؤلاء الذين نكَلوا عن الجهاد وهم يتظاهرون بالإيمان، فئة منهم ارتدُّوا عن الإسلام، فقال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ المقصود ظهر الإنسان، أي بعد أن كان اتجاههم إلى الأمام اتجه باتجاه ظهره يعني رجع إلى الوراء، فبعدما أقبل على الإسلام وعلى القرآن والعلم والإيمان ارتد عن هذه الأمور، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد:25]، رأوا معجزات النبي ﷺ وحِكَمه، ورأوا الحياة الروحية، وكيف نقل العرب من الظلمات إلى النور، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجهالة إلى العلم والمعرفة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحمَّد:25]، وهذا عقليًّا لا روحيًّا وقلبيًّا، [تَبَيَّن لهم الهدى عقلياً ومنطقياً، ولم يصل إلى المستوى الروحي والقلبي]، أما إذا حصل النضوج الروحي والقلبي ووصل إلى مرحلة الكمال فهذا الإنسان لا يمكن أن يرتد إلا أن يشاء الله عزَّ وجلَّ، ولذلك قال مَن قال: “ما رجع من رجع إلا من الطريق، وما رجع من وصل” .
فيجب أن يجاهد المؤمن نفسه وهواها بالتوبة ومخالفة طباعها الحيوانية والوحشية، وينتقل بجهاد النفس من رذائل الأخلاق، كما كان النبي ﷺ يقول عندما يرجع من المعارك: ((رَجَعْنا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ: جِهادِ النَّفْسِ وَالهَوى)) .
وجوب مجاهدة النفس
عندما تحب شيئًا كالخمر مثلًا عليك أن تجاهد نفسك، وعندما تحب الحرام بأي نوع من أنواعه عليك أن لا تتجاوب مع نفسك بل تجاهدها.. وإذا أُرفِق الجهاد بذكر الله وبتجميع قوى الروح مع قدس الله عزَّ وجلَّ [يحِلّ في القلب نور الله تعالى]، وهل يمكن أن تدعو وزيرًا مثلًا إلى مَزْبَلَة؟ وإذا عرف أنها مزبلة فهل يأتي؟ ربما ينتقم منك ويعاقبك ويعتبر أنّك تحقِّره.. تقول: ندعو معالي الوزير إلى المزبلة الفلانية.
والقلب هو موضع نور الله عزَّ وجلَّ، فطهارته أولًا بالتوبة الصادقة؛ التوبة عن سوء الأقوال وسوء الأعمال وسوء الأخلاق، وهذا ما يسمى في التصوف والطريق “السلوك”، لذلك كانوا لا يُعطون المريدين طريقًا إلا بعد تمام السلوك وبعد تمام مجاهدة النفس وبعد تزكيتها.
والآن نحن نتسامح يا بُنيّ، ويوجد كثير من النَّاس لا يستحقون أن يأخذوا طريقًا، لكننا نفعل كالمضطر الذي يُباح له أكل الميتة، ويوجد كثيرون لا يصلحون للدعوة، وأين الدعوة منهم! الدعوة تكون بعد تزكية النفس، وبعد نضج القلب بالمعرفة الكاملة، بحيث لو قُطِّع قِطَعًا قطعًا وإرْبًا إرْبًا أو حُرِّق بالنَّار لا يرجع إلى الوراء ميليمترًا وحدًا، لا في حبه، ولا في طاعته، ولا في تقواه، ولا في إيمانه، ولا في إسلامه، ولا في سلوكه، ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يُحرَّقون ويُقتَّلون وتُفظَّع فيهم الفظائع، وهم يقولون: “أحدٌ أحد، فردٌ صمد” .
حب النبي ﷺ أكثر من النفس
أحد الصحابة رضي الله عنه عندما أسره المشركون وأرادوا أن يصلبوه، ورفعوه على عود الصليب قالوا له: أتحب أن تكون في أهلك وعند زوجتك وأولادك ويكون مُحمَّد مكانك؟ مع أنه صُلِب بعد العذاب، قال لهم
وَلَستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِمًا
على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعِي
وَذَلِكَ في ذاتِ الإلهِ، وإنْ يَشَأْ
يُبارِكْ عَلى أَوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
القصيدة الطويلة، ثم قال لهم: واللهِ لو خُيِّرتُ بين أن أكون في بيتي ومع أهلي وأولادي ويُصاب مُحمَّد ﷺ بشوكة في أسفل قدمه لَمَا رضيت .
هذا الحب من المعرفة، وهو من الإيمان، وكان أحدهم في المعارك والسهام تنهال كالمطر يضع صدره أمام صدر مرشدِه ومنقِذه ونبيِّه ﷺ ويقول: “صدري لصدرك وقاء، وروحي لروحك فداء” .
وكان النبي ﷺ يقول: ((لا يُؤمِنُ أَحدُكُم حتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مالِهِ ووَلَدِهِ وَنَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ)) ، والحب رَشْحةٌ من رشحات الإيمان، والمريد الصادق لا يصل إلى مقام الكمال ومقام المربي والمرشد حتَّى يتَّصف بمثل هذه الصفات مع نائب ووارث رسول الله ﷺ، وإذا لم يحصل له الفناء الكامل ذوقًا ونورًا وقلبًا وأخلاقًا وسلوكًا وتربيةً لا يصل، والآن يُجاز بعض الإخوان بالدعوة ولكن -كما قلنا- الضرورات لها أحكام.. وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلكم جميعًا من أهل الكمال.
من وصل إلى الكمال لا يمكن أن يرتد
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ [محمد:25]، هؤلاء لو أنهم وصلوا إلى الكمال هل يرتدُّون؟ وهذا الذي وصل إلى الصَّلب هل ارتدَّ؟ وكذلك بلال وعمار بن ياسر رضي الله عنهم كانوا يضعون الجمر على ظهره فلا تُطفَأ النَّار إلا بشحمه المذاب ليرتدَّ عن الإسلام، ويمر عليه النبي ﷺ فيقول له: يا رسول الله، إلى متى؟ فيقول لهم: ((صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ)) ، عليكم أن تصبروا حتى ولو متم تحت النَّار، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:146].
إن الإسلام هو الذي يربي الإنسان على هذا المستوى، فما هذا المبدأ؟! وما هذه المدرسة؟! وما هذه الثقافة؟! فكيف إذن قضوا في خمس عشرة سنة على إمبراطوريتين عُمْرُ كلِّ واحدةٍ منهما ألف سنة؟ ووحَّدوا الشعوب، وكانت الشعوب هي التي تناصرهم وهي التي تقوم بانقلابات على حكَّامها لِمَا رأت في ظلال الإسلام من عدالة وإنسانية وثقافة وتقدم وغير ذلك.
تزيين القبيح حسنًا والحسن قبيحًا
قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾، هذا ما زال بطريق الفكر، ولم يصل إلى القلب، بل وصل فقط إلى بعض الفكر، وما كان الوصول الكامل، بل الوصول السطحي، وكما قلنا: “ما رجع من رجع إلا من الطريق، وما رجع من وصل”، قال: هؤلاء المرتدون ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [مُحمَّد:25]، التسويل: أن يزيِّن لك القبيح حسنًا والحسن قبيحًا، ويزيِّن لك الخير شرًّا، يقول له: اشرب الخمر، متِّع نفسك وأسعدها، ويقول: “الدنيا سيجارة وكاس”، هذا هو القرآن بالنسبة لكثير من النَّاس، هل هذه كلمة من قرآن عبد الوهاب؟ لمن هذه؟ [سماحة الشيخ يشك بالقائل، لذلك يسأل مستفهماً: لمن هذه؟ فيؤكد له بعض الحضور بقوله: لعبد الوهاب، ويتابع الشيخ حديثه قائلاً:] لعبد الوهاب “رضي الله عنه”، [هنا يضحك الحضور.. وعبد الوهاب مطرب مشهور في الوطن العربي، وسماحة الشيخ يقول هذه الكلمة استنكاراً واستغراباً بالناس المقتدين بمثل هذه الكلمة].
وكيف يجتمع مسلم وسيجارة؟ وقد ثبت الآن علميًّا وبالتواتر وبإجماع كل علماء الدنيا أنها تسبِّب معظم الأمراض القاتلة، إذن صارت حرامًا، فكل مُضِرٍّ محقَّق ضرره حرام.
ولماذا حَرُم الخنزير؟ ما كان أحد يعلم إلا إيمانًا، والآن أصدر عالِم ألماني كتيبًا بالألمانية، ترجمه لي أحد إخوانكم الدكتور عدنان حلبي المختص بالطب الداخلي في ألمانيا، وطبعناه، وهو حول تحريم الخنزير علميًّا وطبيًّا وصحيًّا، عدَّ فيه ستين مرضًا تنشأ عن لحم الخنزير، ويقول: إنه في ألمانيا وكذلك في أمريكا بدأت تُبدَّل بقطعان الخنازير قطعانُ الغنم، لكن تجار الخنازير المخنزِرين ما زالوا يخنزرون.. فلماذا حرمه الله عزَّ وجلَّ؟ الله تعالى لا يحرم الطيبات: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157].
الهوى هو الهوان
“اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعه، وَأَرِنَا الْبَاطِل بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابه” ، ولا تجعلهما متشابهين علينا فنتبع الهوى، هنا: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:40]، فعندما تهوى نفسُك شيئًا اذكر الله عزَّ وجلَّ، وانظر هل ما تهواه نفسك يأذن به الله عزَّ وجلَّ؟ هل تأذن به تزكية النفس؟ هل تأذن به علوم القرآن؟ هل تأذن به الحكمة؟ وإذا لم تَذْكُر تهوي في الهوى
إنَّ الهَوانَ هو الهَوَى قُلِبَ اسمُهُ
فإذا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانا
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:40-41]، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:18-19]، الهداية إلى الله عزَّ وجلَّ: هي أن تتعرَّف على الله -بعد العقل والاقتناع- بمقام الإحسان، وأن تجلو مرآة قلبك من أوساخ وأقذار الذنوب والمعاصي بالتوبة الصادقة، ثم تمدها بالطاقة الكهربائية الإلهية بدوام ذكر الله عزَّ وجلَّ، عن طريق مرشد عارف بالله فانٍ في الله، متَّصِل بروح رسول الله ﷺ، ومن هنا يبدأ إيمانك الحقيقي وإنسانيتك الكاملة.
تسويل الشيطان لصاحب الهوى
قال: المرتد ارتدَّ بتسويل الشيطان وتزيينه له الحسنَ قبيحًا والقبيح حسنًا، والخير شرًّا والشر خيرًا، فشارب الخمر يرى شرب الخمر جميلًا، والزاني يرى الزنى جميلًا، وكذلك الظالم، ومنَّاع الزكاة يرى أن جمع المال من غير زكاة حسنٌ.
وهذا كله من تسويل الشيطان وتزيينه، لأنه غافل عن الله عزَّ وجلَّ، وعن ذكره وعن علوم قرآنه، وعن فقده لمعلم القرآن ومعلم الحكمة والمزكي المربي، فالشيطان يملأ رأسه غرورًا بهذه الحياة، وهو شاب لا يفكر إلا بالشباب وأن يعطي نفسه كل شهواتها الجسدية، من شرب ونزهات ومباهاة وتعالٍ وتجبر وظلم واحتقار للفقير والمسكين والضعيف، فيظلم ويضرب ويخون ويسرق، بإملاء الشيطان وتزيينه له الحق باطلًا والباطل حقًّا، وبالأماني والآمال الكاذبة، وبطء العقوبة أو عدم الشعور بمعاقبة الله عزَّ وجلَّ.
وأكثر النَّاس الآن يعلمون أن ما يفعلونه حرام ومعصية، لكنهم يُتْبِعونها بـ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [مُحمَّد:25]، بالأماني والآمال وعدم العقوبة والمؤاخذة من طرف الله عزَّ وجلَّ، يقول لك: “الله غفور رحيم”، وأكثر من ذلك يقول لك: أنا غدًا سأكسر باب الجنة، إما بقرونه كالثور، أو يركله برجله على طريقة البغال، وهل تدخل البغال الجنة؟ هذا ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ زين لهم ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:25].
ما الإملاء؟ هو استيلاء الأماني، فكيف تريد أن تدخل الجنة بالأماني؟ الجنة تحتاج إلى أعمال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:107].
دخول الجنة ليس بالأماني
اجتمع اليهود مع المسلمين مرة، وأخذت كل فئة تقول: نحن أَوْلى بالجنة منكم، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في حق الطرفين المسلمين واليهود: ﴿لَيْسَ﴾ يعني دخول الجنة ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:123]، الآن ترى أكثر المسلمين بلا صلاة ولا زكاة، ولا حلال ولا حرام، ولا علم ولا تزكية ولا حكمة، ويكتب له حفار القبور على شاهدة قبره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:107]، شهادة من حجر، من النَّحَّات، وهل هذا النَّحَّات سيُدخِله الجنة؟ هذا: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:25].
يشيب ولا يفكِّر بتعلم علوم القرآن، ليس تلاوة القرآن أو سماعه، بل عليك أن تتعلم علوم القرآن، كلمةً كلمةً وجملةً جملةً، ولتحوِّلها كما تحوِّل المعدة الطعام إلى هضمٍ وتمثيلٍ ودمٍ وطاقةٍ.. وكذلك يجب أن تتحوِّل قراءة القرآن بعقلك بالتدبُّر، وبقلبك النوراني الحي بذكر الله عزَّ وجلَّ من طريق المربي المرشد الحكيم، عند ذلك تقرأ القرآن متدبِّرًا، وليس بقلبٍ مقفَلٍ، بل بقلب منفتِح، كل كلمة وكل حرف من حروف القرآن تكون مادة حيوية وطاقة ربانية تعطيك القوة على الأعمال الصالحة، والقوة على التباعد عن كل الأعمال المشينة وأعمال الفسوق والمعاصي.
المؤمن دائم الخشية والخوف من الله
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [مُحمَّد:25]، أما المؤمن فهو خائف من الله عزَّ وجلَّ دائمًا، وعلى أي ذنب مهما كان صغيرًا، كان النبي عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: ((أَنا أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ للهِ)) ، ومرة كان يصفُّ الصفوف، فضرب أحد الصحابة رضي الله عنهم بقضيبٍ ليرجع قليلًا إلى الوراء، وهي ضربة خفيفة لتسوية الصف، فقال له: يا رسول الله، بعثك الله بالحق والعدل، وأريد حقي منك، ضربتني بالقضيب، قل لي: تأخر، فأتأخر، وكان ذلك في أثناء الزحف والقتال، فأعطاه النبي ﷺ القضيب ليقتص لنفسه ، هل طلب منه أن يرفع دعوى أو يوكِّل محاميًا؟ بل مباشرةً.
ويجب أن نؤمن بمحكمة الله في الآخرة، وهناك محكمة الله عزَّ وجلَّ في الدنيا، فالله تعالى يؤاخِذ الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، يقول النبي ﷺ: ((ما مِن ذَنبٍ يُعجِّلُ اللهُ ما شاءَ مِن عُقوبَتِه في الدُّنيا، مع ما يَدَّخِرُ اللهُ لِصاحِبِه مِنَ العُقوبةِ في الدَّارِ الآخرةِ، إلَّا البَغي)) الظلم والتعدي والجور، كصاحب العمل على أجيره، والزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، والحاكم على المحكوم ((ما مِن ذَنبٍ يُعجِّلُ اللهُ ما شاءَ مِن عُقوبَتِه في الدُّنيا، مع ما يَدَّخِرُ اللهُ لِصاحِبِه مِنَ العُقوبةِ في الدَّارِ الآخرةِ، إلَّا البَغيَ وَعُقُوقَ الوالِدَينِ وَصِلَةَ الرَّحِمِ)) ، إذا كان عاقًّا لوالديه، أو قاطعًا لأرحامه، أو عنده ظلم وجور على مخلوقات الله عزَّ وجلَّ ولو على دابة أو قطة، يقول النبي ﷺ: ((دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)) ، فرآها النبي ﷺ في علم الله المستقبلي تُعذَّب في نار جهنم من أجل ظُلمها لِهِرَّة أي قطة.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحمينا من الظلم والظلمات: ((إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
المنافقون غلب عليهم الهوى والمصلحة
قال: ﴿ذَلِكَ﴾، ما سبب هذه الردة؟ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [مُحمَّد:26]، هؤلاء الذين يتكلم الله عزَّ وجلَّ عنهم أنهم ارتدوا هم المنافقون، كانوا يُظهرون الإسلام للصحابة رضي الله عنهم وللنبي ﷺ، ولكنهم من داخلهم مرتُّدون عن الإسلام من بعدما رأوا المعجزات والدلائل العقلية والمنطقية، وغلب عليهم الهوى والمصلحة والأنا والأهداف الشيطانية أو الجاهلية والنفس، مثل ابن أُبي ابن سلول الذي كانوا سينصِّبونه ملِكًا على المدينة وكانوا يجهِّزون له التاج، فلما جاء النبي ﷺ ذهب التاج، فنَصَب العداوة للنبي ﷺ لأنه فوَّت عليه التاج .
قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾، هؤلاء الذين يُظهرون الإيمان وهم قد ارتدُّوا، ولكنهم من خوفهم -وقد صار للإسلام قوة ودولة- يُخفون كفرهم، وهم المنافقون، فكانوا يقولون ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ وهم اليهود: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ نحن وإياكم يد واحدة على النبي وضد المسلمين، لكنهم لا يجرؤون أن يعلنوا ذلك، فقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:26].
عذاب الفاجر عند موته
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [مُحمَّد:27]، قال: هؤلاء إذا لم يُنزل الله عزَّ وجلَّ عليهم العذاب في الدنيا فسينكشف لهم عالَم الروح عند الموت، فكيف يكون موتهم؟
يقول سيِّدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “الفاجر عند موته تنسلُّ روحه من جسده كالسَّفُّود مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ”، والسفود هو السيخ المسنَّن، فإذا أردتَ أن تخرجه من الصوف المبلول هل يخرج وحده أو يخرج معه كمية من الصوف؟ يعني لا تخرج روحه إلا بمنتهى العذاب، كما لو أدخلنا خنجرًا وأردنا إخراجه يخرج معه كمية من اللحم، هكذا يكون عذاب الفاجر والفاجرة عند الموت.. ألا ينادون اليوم بحقوق المرأة؟ فهذا العذاب للفاجر والفاجرة.. قال: “وكأن روحه تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما” .
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [محمد:27]، وأنت هل تقرأ هذه الآية بفهم وتدبُّر؟ وهل تحسب حسابها؟ وهل تحسب حساب الساعة التي ستموت فيها وتأتيك الملائكة؟ إذا كنتَ مؤمنًا وتقيًّا وصالحًا يأتونك بصورة أحب أحبابك، تأتيك الملائكة بصورة أعز أعز أعز من يعز عليك.
قصة رجل صالح يخبر صديقه في المنام عن كيفية موته
يروى عن صديقين أنهما تعاهدا أنَّ الذي يموت منهما يروي للآخر ما يجري معه، فمات أحدهما ورآه صديقه في المنام، فسأله: كيف رأيتَ الموت؟ فقال له: ليس هناك موت، فسأله: كيف ذلك؟ فقال: بينما أنا في الفراش وفي مرضي وأوجاعي وأسقامي وسقوط كل قواي، وقد قرفت من كل الحياة، ولم يبقَ عندي قابلية لطعام ولا لشراب ولا لسماع ولا لأي شيء، وبينما أنا في هذا الحال إذ بي أرى شخصين ما رأت عيناي أجمل من صورتهما، ولا أطيب من رائحتهما، ولا ألطف من كلامهما، وكأني في صداقتهما ومحبتهما عمري كله، فامتلأ قلبي فرحًا وسرورًا بمشاهدتهما، وقالا لي: ألا تذهب معنا إلى نزهة؟ فقلتُ لهما: ألا تريان ما بي؟ وهل بي من طاقة؟ وأنا عاجز عن أن أتحرك في فراشي فضلًا عن أن أقوم منه، فقالا له: أعطنا يدك وقل: بسم الله، قال: لا أستطيع، قالا له: قل: بسم الله، فمددتُ يدي، فسحبوها، فإذا أنا أخف من الطائر، وإذا بي بكل قوتي وشبابي وحيويتي وسروري، وذهبتُ معهما إلى جِنان ورياض لا يستطيع اللسان أن يترجم جمالها، ولا يمكن لعين أن ترى مثلها.
قال: وبينما أنا أتنزَّه في هذه الرياض إذا بي أسمع صوت الأذان، فشمَّرتُ عن يدي إلى جدول ماء بين تلك الأشجار لأتوضأ، وإذا بنور يشعُّ من بين الأوراق باتجاهي وأنا باتجاهه، وإذ بحورية لا يمكن لعين ولا لإنسان أن يرى مثلها في الدنيا، رائحتها تُشَم من مسيرة كذا وكذا، فتذكَّرت قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:30]، فوضعتُ ذراعي على وجهي، فسمعتُ قهقهتها وهي مقبلةٌ علي، فأردتُ أن أرجع القهقرى فخفتُ أن أصطدم بالشجرة، فأمسكَتْ ذراعي بيدها وأنزلَتْها بقوة وقالت لي: أما علمتَ إلى أي مكان وصلتَ؟ قلتُ لها: ابتعدي يا امرأة فهذا حرام، فقالت لي: لقد خرجتَ من الدنيا، وارتفعت عنك التكاليف وأنت في الدار الآخرة، وأنا جارية من جواريك، فقلتُ لها: يا امرأة أريد أن أتوضأ، فقالت لي: انتهت الصَّلاة، أنزل أكمامك.. وجلسا في جلسة بسط وأنس.. وأنتم تعرفون تتمة تلك الجلسة، [هنا يضحك الشيخ ويضحك معه الحضور].. فقال لصديقه: فهذا الذي رأيتُه في الموت، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:169-170].
قصة يهودي يخبر صديقة المسلم في المنام ما جرى معه بعد موته
ويروى عن صديقين مسلم ويهودي أنهما كانا مسافرَين، وتعاهدا أيضًا أن الذي يموت منهما يروي للآخر ما يجري معه، فرأيا شجرة تين، فتسلَّقها اليهودي، ويبدو أنه داس على غصن مسوِّس فانكسر، ووقع وانكسرت رقبته، فرآه صديقه المسلم تلك الليلة في المنام، فقال له: أخبرني بما رأيتَ، أَمَا أخبرتُك أنه يوجد أنكر ونكير وسؤال القبر والحساب؟ فقال له: هذا كله كذب بكذب، فقال له: لا يمكن، فقد ذَكَره نبيك موسى وإبراهيم وجميع الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام والقرآن، فقال له: بل كله كذب، قال: كيف ذلك؟ قال: واللهِ من شجرة التين إلى الأرض إلى جهنم مباشرة. [يضحك الحضور].
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:41]، هل هذا يحتاج إلى حساب؟ و﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:199]، فهل سيضيِّع الملَكان وقتهما معه؟
الكفار عند موتهم
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [مُحمَّد:27] عند موتك إذا كنتَ وزيرًا أو أميرًا أو سلطانًا، أو في هيئة الأمم أو “بُوْشْ” [رئيس أمريكا] أو غير ذلك كل هذا لا ينفع عند الله عزَّ وجلَّ، وليس لك إلا الكفن، سواء كنتَ ضابطًا أو ذا نجوم أو تيجان، أو جنرالًا أو أميرالًا أو غير ذلك، أو مليونيرًا أو مليارديرًا، أو شيخًا، هذا كله لا يهم، وليس هناك إلا الحساب والأعمال.
فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا ممن يدخلون الجنة بغير حساب، وأن يرزقنا من الحب ما يجعلنا نهوى ما يحبه الله عزَّ وجلَّ ويرضاه، تلاقيًا مع حديث رسول الله ﷺ: ((اللَّهمَّ إنِّي أَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَن يُحِبُّك، وَحُبَّ عَملٍ يُقَرِّبُني إلى حُبِّكَ)) .
فأين ميتة ذاك من ميتة هذا؟ من شجرة التين إلى الأرض إلى جهنم مباشرة، هل هناك أنكر ونكير؟
المنافقون اتبعوا ما يوجِب غضب الله عزَّ وجلَّ
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ المقصود بهم المنافقون الذين ارتدوا ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ﴾ هذا المصير السيئ والعذاب المهين ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾، اتبعوا الشيء الذي يوجِب غضب الله عزَّ وجلَّ، ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾، إذا دعوتَه إلى دين الله عزَّ وجلَّ وفرائضِه فمرةً يقول لك: هذه رجعية، ومرة يبغضها، ومرة يمقتها، ومرة يزهد فيها، ومرة لا يؤمن بها.
﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ اتبعوا كل شيء يُغضب الله عزَّ وجلَّ من محارمه وترك فرائضه، ويمشون على ذلك المنوال، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [مُحمَّد:27-28]، التي عملوها قبل الردة ذهبت وبقيت هذه الأعمال الموبقة، ثم قال الله عزَّ وجلَّ عن هؤلاء المنافقين الذين ذكر في الآية السابقة أنهم قالوا: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [مُحمَّد:26]، وكيف كانت إطاعتهم؟ كانوا يطيعونهم سرًّا ويُظهرون لهم كفرهم، ثم يُظهِرون إسلامهم علنًا، فقال عنهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [مُحمَّد:29].
وهل يبقى المنافق مستورًا؟ لا، ((مَن أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَها)) ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]، إذا وضعت المسك أو العطر تحت إبطك، ومهما أخفيته، ألا تظهر رائحته؟ ((اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَه)) .
فعلينا أن نقرأ هذا القرآن وكأن الله عزَّ وجلَّ يخاطبنا نحن خاصة بكل آية من آياته، فإذا سمعنا آية تتحدث عن المتمنِّين فاحذر أن تكون متمنِّيًا، وإذا سمعنا وصف المنافقين الذين أظهروا مع النبي ﷺ الإسلام وأبطنوا الكفر ففي زماننا لا نُظهر الإيمان أمام وارث النبي ﷺ ويكون عملنا في غيابه عمل النفاق، لأن ((الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) ، خاصة إذا كان عالِم القلب، وعالِم الشرع، وعالِم الحكمة، وعالِم التزكية، فهذا هو الوارث الحقيقي، وما أندرهم وأقلهم!
نسأل الله عزَّ وجلَّ من فضله أن يرحم عباده، وينشئ مصنع تنمية لهذا النوع من العلماء الذين يستحقُّون بحقٍّ أن يكونوا ورثة الأنبياء، يرثون دعوتهم وأخلاقهم وسلوكهم وحكمتهم، وعلوم القرآن، وقدرتهم بفضل الله عزَّ وجلَّ على تزكية النفوس، ومتى وُجِد هؤلاء فكما قال الله عزَّ وجلَّ للنبي ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، كذلك ينبغي أن يكون الوارث رحمة للعالمين، وفي أخلاقه تجد اللين والحِلم والعفو والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة، وكظم الغيظ.
مخالفة أمر الإسلام سبب للهزيمة
في أُحد خالف الصَّحابة رضي الله عنهم أمر النبي ﷺ وترك الرماة موضعهم، وانهزموا أيضًا عن النبي ﷺ، وجُرِح النبي ﷺ ونزف دمه وكُسِرت أسنانه وكاد يُقتَل ويتلاشى الإسلام باستشهاده ﷺ .
فماذا يجب أن يكون جزاء هؤلاء الذين أوصلوا الإسلام إلى خطر الفَناء والاضمحلال وأوصلوا النبي ﷺ إلى درجة الهلاك والاستشهاد؟ بعد أن ذكر الله عزَّ وجلَّ أعمالهم في عدة صفحات من سورة آل عمران قال له في النهاية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ لم يوبخهم ولم يحقِّرهم ولم يسبَّهم ولم يشتمهم، رغم أنهم فعلوا ذنبًا وخطيئةً كبيرين.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران:159]، والفظاظة هي شراسة الخُلُق وسوء الأخلاق وسرعة الغضب، وينتج منها الشتم والسب وعدم الستر على المذنب إذا رآه، بل قد يصل به الحد إلى أن يتقوَّل على الأبرياء بغير علم ولا حُجَّة ولا سلطان منير، ويلقي التُّهم يمينًا وشمالًا، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فإذا كانت الدعوى بلا بينة: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:13]، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:58]، ويكون ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [مُحمَّد:25].
وجوب التعامل الأخلاقي الحسن مع الجميع
وانتبهوا، الإخوة مع بعضهم، والشركاء مع بعضهم، والأصدقاء مع بعضهم، والزوجان مع بعضهما، والإخوان مع بعضهم، الأمر ليس متفلِّتًا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، يُخشى على الإنسان من سلب الإيمان وهو لا يشعر: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، فهو لا يؤمن بالآيات، ويقرأ الآيات من غير أن تترك الأثر الخُلُقي والسلوكي والعملي في حياته العملية، ﴿وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف:103-105]، أيضًا لا يحسب حسابَ أن الله عزَّ وجلَّ سيسأله غدًا.
ويوجد حديث بما معناه: ((مَن اتَّهَمَ مُسلِمًا بغَيرِ حَقّ يُوقَفُ بَينَ يَدَي اللهِ، وَيُؤمَرُ به إلى نارِ جَهنَّمَ حتَّى يَأتِي بصِحَّةِ ما يَقُولُ)) ، فإذا كان كلامه ليس صحيحًا وكلامه كذبًا وتهمة أهوائية ونفسية فما موقفه أمام الحديث النبوي؟ وبماذا سيجيب اللهَ عزَّ وجلَّ؟ أما المؤمن فبالعكس لو رأى خاطئًا أو عاصيًا على خطيئة وذنب، فالأدب الإسلامي أن يستره.
الستر على المسلم
ولذلك لو أن شخصًا رأى زانيًا وقال عند القاضي: إن هذا زانٍ، وحلف على ذلك، ماذا يجب عليه؟ ولو كانوا اثنين أو ثلاثة ما حكمهم؟ يُجلَد الثلاثة بحد القذف، لأن الاتهام بالعِرض أبلغ من جريمة القتل، ولَمَّا أقر ماعز -أو غيره- على نفسه بالزنى عند النبي ﷺ ورُجِم شتمه أحد الصحابة رضي الله عنهم، فقال له النبي ﷺ: ((لَوْ سَتَرْتَهُ بطَرَفِ ذَيلِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ)) .
مرة كان سيدنا عمر رضي الله عنه يفتِّش في الليل فسمع من بيت صوتًا غير صالح، سهرةً، ماذا يسمونها يا أبا الحسن؟ [يجيب أبو الحسن: سهرة سَمَر]، سهرة سمر؟ هل هكذا كنتم تسمونها؟ [سماحة الشيخ والحضور يضحكون.. كان أبو الحسن من خُلَّص أحباب الشيخ، وكان يحب كثيراً ملاطفة الشيخ وإدخال السرور عليه وممازحته حتى يضحك، وكان ملازماً له في دروسه في الصفوف الأمامية، وقد أكرمه الله بالتوبة على يد الشيخ] مرة دعاني أبو الحسن إلى غداء فوجدتُ في بيته صورتي وبجانبه صورته يعزف على الطنبورة [آلة موسيقية]، فقلت له: ما هذا؟ وكيف توضَع هذه مع هذه؟ فقال لي: لقد احتفظتُ بها لتذكِّرني كيف كنتُ وكيف صرتُ بفضل شيخي.. فقلت له: والله هذه لا تخطر ببال أحد.
وهذا كما يروى أن رجلًا دخل على ملِك، فرأى القصر والعظَمة والأبهة والفخامة، لكنه رأى بجانب عرش الملك “كشكولًا وزَرْبُولًا” ودلو المتسولين وطاقية وملابس متسخة، [كَشْكُوْل المتسول: وعاءٌ يجمع فيه ما يُتصدَّق به عليه، والزَّرْبُوْل: حذاء ثقيل خشن مصنوع من الوبر أو شعر الماعز، يلبسه الرجال في البادية والفقراء والعبيد]، فقال له: ما هذا يا ملِك الزمان؟ عظَمة ودولة وبجانبها هذه الأشياء! فقال له: هذه الأشياء خير من كل شيء أملكه، فقال له: وكيف ذلك؟ فقال: أنا لم يكن أبي ولا جدي مَلِكين، وأنا كنتُ صعلوكًا ومتسولًا، وعندما أتيتُ إلى هذا البلد كان ملِكهم قد مات، وتنازعوا وكادوا يقتتلون ولم يرضوا أن يجعلوا ملِكًا عليهم من أي قبيلة من القبائل، حتَّى اتفقوا على أن يخرجوا صباحًا خارج السور، وأول من يقدم عليهم من البرية يجعلونه ملِكًا عليهم، وأنا كنتُ متسولًا بهذه الثياب وهذه الأشياء، فلما رأوني ركضوا نحوي، فخفتُ منهم وهربتُ، فقالوا لي: لا تخف، وشرحوا لي الأمر، ثم أخذوني إلى الحمام ونظَّفوني وألبسوني تاج الملِك، وأرادوا أن يرموا ثيابي وأشيائي، فقلت لهم: لا ترموها وأبقوها، فسألوني: ماذا ستفعل بها؟ قلتُ لهم: “لا دَخْلَ لكم بذلك”، [لا شأن لكم بذلك]، وهذه بالغة الأهمية.. ووضعتُها هنا بجانب العرش لأتذكَّر وأذكِّر نفسي بما كانت عليه كلما أرادت أن تتعالى، لتخاف أن يعيدها الله عزَّ وجلَّ إلى ما كانت عليه.
وجوب الشكر على نعم الله وشكر صاحب المعروف
أترون ما أجمل هذا! هذا اسمه حكمة وعلم وفقه، وكان النبي ﷺ يقول مثل هذا، كان يقول: ((لَوْ يُؤَاخِذُنِي اللَّهُ عزَّ وجلَّ وَعِيسَى ابنَ مَريمَ بِما جَنَتْهُ هاتانِ)) ويشير بأصبعيه؛ بعمل أصبعيه لا بعمل الكف، ((لَعَذَّبَنَا، ثُمَّ لَمْ يَظْلِمْنَا شَيْئًا)) ، فهل أنتم تحفظون ما كنتم عليه؟
ويحكى أن شخصًا وضع ابنه عند خطَّاط ليعلِّمه الخط، فطلب منه أن يكتب له صفحة ليرى خطه، فكتب له صفحة لا تُقرَأ، كما لو كان يكتب برِجل الدجاجة، فأخذ الورقة ووضعها في الدُّرج، وبعد سنة جاء الأب وقال له: ابني لم يتحسن خطه إلى الآن، فطلب منه الخطَّاط أن يكتب صفحة فكتبها، فأخرج له الصفحة القديمة من الدّرج وطلب منه أن يقارن بينهما، فوجد بينهما فرقًا كبيرًا، فقال له: هذا خط ابنك قبل سنة وهذا خطه الآن، لكن كثيرًا من النَّاس لا يقدِّرون النعم.
فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعرِّفنا النعم بدوامها، وفي حديث نبوي يقول عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ خَوفِي عَلَيكُم مِن إقبالِ النِّعَمِ مع عَدَمِ الشُّكْرِ أَكثَرَ مِن خَوفِي عَلَيكُم مِن عُقُوبةِ الذُّنُوبِ))، والشكر يجب أن يكون بالأقوال والأعمال والقلب، سواء شكر الله عزَّ وجلَّ، أو شكر عباد الله ممن أسدى إليك معروفًا: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:14]، ثم قال -وهنا انتبهوا-: ((أَلَا إنَّ النِّعَمَ الَّتي لا تُشكَر لَهِيَ الحَتفُ القاضِي)) ، يعني لَهِي الهلاك المدمِّر، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7].
الحذر من عبادة الهوى
وختامًا أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يجعلنا من أهل “لا إله إلا الله”، لا نعبد إنسانًا ولا صنمًا ولا نعبد أهواءنا وأنانيتنا، وورد في الأثر: ((أَبغَضُ إلَهٍ عُبِدَ في الأَرضِ الهَوَى)) .
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:23]، وإذا تركتَ الهوى ومشيتَ على الأصول تربح أكثر مما لو مشيتَ على هواك وأناك، المنافقون مشوا على هواهم فهل ربحوا؟ ابن أبي ابن سلول هل ربح؟ أبو جهل هل ربح؟ أبو لهب هل ربح؟
ولكن أبا بكر رضي الله عنه خرج عن ماله وجاهه، وكان يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا، وكان سيِّدنا عمر رضي الله عنه يقول: “ليتني كنتُ كبش أهلي، فسمَّنوني ما شاؤوا، وأتاهم ضيف فذبحوني، فجعلوا بعضي شواء وبعضي غليًا وبعضي قديدًا، وأخرجوني من أجسامهم، ولم يكن عمر شيئًا مذكورًا” ، هذا مع شهادة النبي ﷺ له: ((لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَر)) ، فهل زكى نفسه؟ هكذا كانوا.
ومرة شرب سيِّدنا أبو بكر رضي الله عنه حليبًا فتبيَّن له أنه مشبوه، يعني أنّه مشترى من مال شبهة، فوضع إصبعه في حَلْقه وتقيَّأ، وبعد أن تقيَّأ شرب ماء ثم تقيَّأ مرة أخرى حتَّى يخرج من معدته أثر الحليب الذي فيه شبهة، ولم يكتفِ بذلك، بل قال: “اللهم لا تؤاخذني بما امتصته العروق” .
اتباع الحق
هذا هو الإسلام، وهذا هو الإيمان، هذا الإسلام والإيمان هو ما جعلهم يهزمون كسرى وقيصر، هذا الإيمان والإسلام اللذان يدعوان إلى العلم؛ كل العلم بنوعيه الدنيوي والأخروي، وهو الذي جعلهم يأخذون مكتبات كل العالم من الهند إلى اليونان ويترجمونها، فكانوا أعلم علماء الدنيا في أمور الحياة، إلى جانب ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110]، وبشهادة الله عزَّ وجلَّ وقرآنه، فنالوا خير الدنيا وخير الآخرة، اللهم ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [البقرة:201]، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.