النهي عن سوء الظن والسخرية
مرَّ معكم في الدرس السابق قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:11]، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:12].
وسبق معكم قول النبي عليه الصَّلاة والسَّلام في سوء الظن: ((إيَّاكُم وسُوءَ الظَّنِّ)) ، خاصة بالمسلم الصالح أو بالمسلمة الصالحة، إن كانا على تقوى من الله ورضوان فتسيء ظنك بهما، وهذا مما يجرح من مكانتهما أو منزلتهما، وأكثر من ذلك أن تشيع سوء الظن بلا علم ولا هدًى ولا كتابٍ منير، إنما هي نجاسةٌ من فم منافق أو جاهل أو فاسق قالها فنقلتَها فاقدًا إيمانك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ يَكرَهُ قِيلَ وَقالَ)) ، هكذا قال فلان.. وهل بمجرد أن يقول تصبح أنت محطة إذاعة للنشر ودارًا للتوزيع؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:19]، يُشَيِّع بمجرد السماع، وحتى لو رأيتَ بعينك يجب عليك أن تستر: ((ومَن سَتَرَ مُؤمِنًا عَورتَه سَتَرَ اللهُ عَورَتَه يَومَ القِيامةِ)) .
ومن الأحاديث: ((إيَّاكُم وسُوءَ الظَّنِّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَديثِ)) ، فسوء الظن إذا رويتَ عن مسلمٍ أو مسلمة وذكرتَهما بسوءٍ ولو كنتَ صادقًا وناظرًا ومتيقِّنًا فاسمه غيبة، وقد قال النبي ﷺ عن الغيبة: ((ذِكرُكَ أَخاكَ بِما يَكرَهُ))، قالوا: وإن كان صِدقًا؟ فقال: ((إن كانَ صِدقًا فَقَدِ اغتَبتَه، وإن كانَ كَذِبًا فَقَدْ بَهَّتَه)) ، هذا صار بهتانًا، والغيبة على أساس الصدق.
النهي عن الغيبة
إذًا هناك ثلاث مواصفات
– الأول: الغيبة كأنْ تجده يشرب الخمر في بيته فتقول: فلان سكِّير، فهذه غيبة لأنه مستتِرٌ بمعصيته.
– والثانية: أن تنقلها للناس فهذا بهتانٌ إذا كان غير صحيح.
– وإن كان كذبًا واختلاقًا وافتراء فهذا اسمه إفكٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور:11]، اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها في عِرضها كذبًا وكفرًا وحطًّا من قدر النبوة والرسالة، يريدون أن يشيعوا على السيدة عائشة رضي الله عنها الفاحشة حتى يحاربوا الإسلام والنبوَّة، فيُقال: إن زوجة النبي ﷺ زانية.. نزَّهها الله وشرَّفها من عرشه وعالي سماواته.
وهذا المرض الأخلاقي في مجتمعنا الإسلامي خرج من دائرة المرض إلى دائرة الوباء، وأصبح شبه عامٍّ، ففي السهرات يوجد غيبة، وفي الجلسات غيبة، وفي “الباص” [الحافلة] غيبة، حتى في الجوامع، وقد يكون في الدروس من شخص يُدَرِّس وقد ظَنّ نفسه شيخًا وعالِمًا، وهذا ليس عالِمًا، بل هذا قارئ، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28].
معنى الإيمان الحقيقي
المسلم العالِم لا يغتاب، لأنه مؤمن بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، والله تعالى خاطب المؤمن بهذه الآية، لذلك فإنّ صفة المؤمن اجتناب سوء الظن في أخيه المؤمن، والإيمان الحقيقي هو الذي “وَقَرَ في القَلبِ وصَدَّقَه العَملُ” ، والإيمان الحقيقي لا يجتمع مع المعصية، ودليله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يَزنِي الزَّاني حِينَ يَزنِي وهوَ مُؤمِنٌ))، أي وهو مؤمن القلب.. والإيمان نور، فإذا دخل الإيمان ونوره في القلب انشرح له الصدر وانفتح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:1]، ألم نملأه نورًا وإيمانًا حتى تكون كأنك ترى الله عزَّ وجلَّ؟
فإذا كان الإنسان في حضرة الله عزَّ وجلَّ هل يستطيع أن يعصيه؟ إنه يعصيه حين يُحجَب ويكون بعيدًا عنه جاهلًا به غير عارف، ((ولا يَسرِقُ السَّارقُ حِينَ يَسرقُ وهو مُؤمنٌ)) ، هل يكون في مجلس الله ويتجرَّأ على جلال الله بمعصيته؟ وفي حديث آخر: ((فهل يَزنِي المؤمِنُ؟ قال: يَزنِي)) ، وأيُّ مؤمنٍ؟ هذا مؤمن اللسان، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، يُحجَب عنه إيمان القلب فيغفل فيَسْكَر ولا يدري ماذا يصنع.. وكان بعض السلف الصالح يقول: “عشرون سنة كاتب السيئات لم يكتب عليَّ سيئة”.
الإيمان قبل الأوامر والأحكام
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا﴾ [الحجرات:12]، إذا صرتَ في مقام الإيمان الحقيقي يستلزم ذلك أن تجتنب سوء الظن ولا تدخل فيه ولا تقترب منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء:32]، وهذا أبلغ من “ولا تزنوا”، “لا تزنوا” معروف، أما ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أي لا تحوموا حوله، ((ومَن حامَ حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَقعَ فِيه)) .
وقال تعالى عن الخمر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:90]، ولم يقل: “لا تشربوه”، وأيهما أبلغ في ترك الخمر إذا قال: لا تشربوه، أو إذا قال: ابتعدوا عنه فلا تقربوه؟ هل إذا قال لك شخص: لا تحرق إصبعك في النار [بنار المِدفَأة]، أبلغ أم إذا قال لك: لا تُقَرِّب إصبعك من المِدْفَأة؟ أيهما أبلغ في البعد عن الاحتراق؟ الفعل أو الاجتناب والابتعاد عن الفعل؟
فالإيمان الحقيقي هو أن تصير أنت بأعمالك الظاهرة والباطنة قرآنَ العمل، [يرفع سماحة الشيخ بيده مصحفاً ويقول:] هذا قرآن الطبع والورق والحبر، أما النبي ﷺ فـ”كان خُلُقه القرآن” ، وكان هو قرآن العمل وقرآن الرُّوْح، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:194].
فإذا اتصلَتْ روحك بروحه أو بروح وارثه يسري فيك قرآن العمل سواء كان عمل الباطن أو عمل الظاهر؛ عمل البدن أو عمل النظر وعمل السمع، فلا تستعمل أذنك إلا بما يُقرِّبك إلى الله، ولسانك إلا فيما يُقرِّبك إلى الله، ولا تعرف المعصية، ولا تظنّ سوء الظن بمؤمنٍ، فالأصل هو الإيمان لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:12]، ولم يقل: “يا أيها الناس”، لأنه هل يصح أن تُلقي البذار على أرضٍ غير محروثة، أو على أرض صخرية لا تُنبت شيئًا؟
بُعد المسلمين اليوم عن الإسلام
المسلمون الآن كثير منهم بعيدون عن حقيقة الإيمان، ولذلك فهم يسمعون القرآن كمن يُلقي البذار على الصخور، وماذا تُنبِت الصخور من ذلك البذار؟ ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:58].
لذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: “كنا نتعلم القرآن عشر آيات عشر آيات” ، وكانوا يقولون: “نحن أوتينا الإيمان قبل القرآن” ، هل حراثة الأرض أولًا أم البذار؟ الحراثة أولًا والبذار بعدها، والإيمان يجب أن يكون أول الأمر كذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وبعدها البذار: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وبعدها قال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:12]، المؤمن الحقيقي لا يستطيع أن يغتاب، ولو رأى مهما رأى! فإنه يتأدَّب بأدب الإسلام، ((ومَن تَتَبَّعَ عورة مُسلمٍ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَورتَه يَفضَحْه ولو في جَوفِ رَحْلِه)) .
فكيف مجتمعنا الإسلامي الآن؟ الأهل مع بعضهم والإخوة مع بعضهم والأقارب والجيران والأصحاب والأصدقاء والأعداء؟
يقولون: “نسأل الله أن يتوفَّانا على الإيمان”، وهذه أمنيَّة كاذبة، كما لو كنتَ أُمِّيًَّا وتدعو الله أن يجعلك رئيس الجامعة، وعلى شرط أن لا تدخل المدراس ولا تقرأ ولا تكتب ولا تتعلم.. فهذا دعاء يدخل في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:55].
قالوا: الاعتداء المقصود منه هنا هو الاعتداء في الدعاء، والاعتداء في الدعاء هو أن تدعو الله عزَّ وجلَّ بشيءٍ وتطلبه منه وأنت تنوي أن لا تأتي بأسبابه، ولا تتَّجه إليه وتدخل عليه من أبوابه، كأن تقول: اللهم ارزقني ولدًا.. وأنت لا تنوي الزواج، فهذا اعتداءٌ في الدعاء، أو تقول: اللهم أغنني.. ولكن لا تعمل ولا تتعلَّم ولا تذهب للتجارة أو الصناعة أو الزراعة، وتجلس في مغارة وتدعو بالغنى، وتدعو بالولد بلا عزمٍ على الزواج، فهذا اعتداءٌ في الدعاء.
والمسلمون اليوم -مع عميق الأسف- أكثرهم غارق في بحار الجهل بالإيمان، ويعتقد أنه يكفي إذا قال: أنا مسلم وأنا مؤمن والحمد لله على نعمة الإسلام.. ولكن هذا كلامٌ، ونحن بحاجة إلى مدرسة الإيمان قبل مدرسة القرآن، وإلى مدرسة الإيمان قبل معرفة فقه الأحكام.
الإيمان يُبعد المسلم عن سوء الظن
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، المؤمن -مؤمن القلب- يُعقَّم قلبه ونفسه من كلِّ بذور هذه الذنوب، حيث يقتلها نور الإيمان وإشعاعه، ألا يفتِّتون الآن حصى المرارة بالأشعة والكهرباء؟ كذلك يوجد أشعة ربانية تفتِّت بذور المعصية في قلب الإنسان، ولكن إذا اتصل سِلْكُه الميت بسلكٍ حيٍّ، وإذا كان عندك شَرِيْطٌ كهربائي متَّصلًا بالمعمل وبأدوات المعمل وبأنوار المعمل وبمراوح المعمل، ولا يوجد فيه تيار كهربائي، هل يعمل المعمل؟ أو عندك خمس مئة “تَنَكَة” سمن، لكنها فارغة، فهل تقلي لك بيضتين؟ [التَنَكة وعاء معدني يُستخدَم لحفظ السوائل مثل الزيت والسمن، وعادة ما تكون بسعة 16 ليتر].
ليس المهم أن تهيِّئ الإناء، بل المهم مع الإناء أن تملأ الإناء بما تطلب وتشتهي، والنبي ﷺ من أين حصل على إيمان النبوة؟ هل من الكتاب؟ بل من الخلوة مع الله عزَّ وجلَّ، والانقطاع عن مخلوقات الله، والصلاة الدائمة؛ صلاة القلب التي هي بالتوجه الكلي إلى الله، حتى مُحِيت من مرآة قلبه وشاشة تلفزيون روحه كلّ أوساخ ما سوى الله تعالى، وهو متوجِّهٌ إليه، فانطبع فيه روحياً نورُ الله وحكمة الله وعلم الله، وكما أن الدم يصل إلى كل خلية، كذلك الروح الإلهية تسري في خلايا روح الإنسان التي تملك الإرادة والحب والفعل والترك، فخَرَج عليه الصلاة والسلام منزَّهًا معصومًا من كل نقيصة في قولٍ أو عمل أو فكرٍ أو ظاهر أو باطن، وهذه التصفية كانوا يسمونها تصوفاً، وفي القرآن اسمها تزكية.
من أمراض القلوب
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:45]، المؤذِّن يقول: “حيَّ على الفَلَاح”، أي تعالوا واذكروا الله ذكرًا كثيرًا، فلا المؤذن فَهِم ذلك، ولا الإمام ولا المصلون يفهمون، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]، فـ “حيَّ على الفَلَاح”، أي تعالوا إلى الجامع لنجري لكم عملية التوبة، ولكن لا يوجد طبيب جرَّاح، يوجد مستشفى، ولكن لا يوجد أطباء، ويدخل المريض، وإذا طال مُكثُه في المستشفى قد يصاب بـ “غِرْغَرِيْنا” ويموت. [الغِرْغَرِيْنا: موتٌ وتلفٌ في أنسجة الجسم، وعادة ما يقطعون العضو المصاب بها].
ولذلك لا بدَّ من أن تترك الذنب فلا تعود إليه، سواءٌ ذنوب الظاهر كاللسان والعين والأذن، أو ذنوب النفس والباطن من حقد وحسد وكبرياء وعجب وغفلة عن الله، وهذه كلُّها يَعدُّونها في كتب الفقه من الكبائر، ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:25]، بسبب العُجُب، فقد قالوا: “لن نُغلَب اليوم عن قِلَّة”، فأين فقهاء هذه العلوم؟
الله عزَّ وجلَّ قال عن علماء اليهود: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78]، وفُسِّرت الأماني بالقراءة أو بالتمني، فإذا كان قارئًا أو متمنِّيًا فهذا اسمه أُمِّيٌّ، حتى ولو قرأ كتب الدنيا، وهذا هو قاموس القرآن، وهو الذي يصحُّ وليس قاموسك ولا قاموس المدرسة.. إنّ “قاموس المدرسة” مهم، [قاموس المدرسة هنا بمعنى الكتب الدراسية في المدرسة]، وبعد أن تُكمِل الدراسة يجب أن تبحث عن المدرسة الثانية، فإذا نلت الكَفَاءَة والبَكَلُوْرْيَا، [الكَفَاءَة: الشهادة الإعدادية، والبَكَلُوْرْيَا: الشهادة الثانوية]، هل تبقى في البكلوريا أم تنتقل إلى الجامعة؟
تعرُّف الشيخ خالد النقشبندي على شيخه
مولانا خالد كان شيخ مشايخ العراق، ويقال: إنه كان حافظًا للقاموس المحيط للفيروزآبادي، وبتوفيق الله عَلِم أن العلم من وراء ما تعلَّم، ففتش عن شيخه، ورأى في المدينة شخصًا، فقال له: أتيتُ إلى الحجِّ لعلي أرى الشيخ في الحج، فقال له: أنا أوصيك إذا ذهبتَ إلى مكة للحج أن لا تعترض على أحدٍ مهما رأيتَ.. فرأى في طوافه شيخًا يقرأ القرآن وظهره مستنِدٌ إلى الكعبة، فهل يصح أن يدير الإنسان ظهره للكعبة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ما أَعظَمَكِ وأَعظَمَ حُرمَتَكِ، غَيرَ أنَّ المؤمِنَ أَعظَمُ حُرمةً عِندَ اللهِ مِنكِ)) ، بهذا خرجَت الوثنية، فإذا كان المؤمن أفضل منها فقد خرجَت الوثنية، ولكن لأنها مسجد إبراهيم عليه السلام نطوف بها تبرُّكًا بإبراهيم عليه السلام، وفيها ذكريات لأعمال إبراهيم وجهاده عليه السلام.. إلخ.
قال: فوقع في قلبه أن هذا قليل الأدب، لأنه أدار ظهره للكعبة، فما انتهى الخاطر من قلبه حتى رفع الشيخ رأسه وقال له: أما أوصوك في المدينة أن لا تعترض على أحدٍ؟ هل هذه تُنال بالدكتوراه أو الليسانس أو الماجستير أو في أكسفورد أو في جامعات أمريكا؟
وهذا كلُّه جزءٌ من الإسلام، [هذه الكشوفات والأحوال الروحية جزء من الإسلام]، فانتبهوا ولا تغترُّوا، ولو أن الإنسان أوتيَ هذه المعاني فالإسلام الحقيقي من وراء ذلك، والإسلام قلبٌ وعقلٌ حكيمٌ وعلوم القرآن وتزكية النفس، وهذا لتكون مسلمًا، أما لتكون عالِمًا فيجب أن تصبح مزكِّيًا للنفوس، وقد قالوا عن المُزَكِّي: “مَن لا ينفعك لَحْظُهُ لا ينفعُك لَفْظُهُ” ، إذا لم تنتفع بالنظر إليه لا تستفيد من لفظه وكلامه ولو سمعتَه بأذنيك. [فإذا كنت مزكٍّ فإنّك تنفع الناس بنظراتك وصمتك وقلبك، وليس فقط بكلماتك].
الستر على المسلمين
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:12]، سيدنا عمر رضي الله عنه رأى سكِّيرًا، وسمع صوت لغط وعزف وغناء من البيت، فذهب إلى المسجد فرأى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقال له: ماذا ترى؟ قال: قومٌ أغلقوا باب دارهم عليهم فلا يحلُّ لنا أن نقتحمهم، قال: صدقتَ، ورجع، مع أن القرائن كلَّها واضحة.. ونحن أين صِرْنا؟ ثم يقول الإمام: اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأين هم المسلمون؟ ويقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47]، وأين الإيمان؟
قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:12]، وعندما غارت عائشة من ضرتها صفية رضي الله عنهما، فقالت للنبي ﷺ: “حَسبُكَ مِن صفية أنها قصيرة”، أي لو لم يكن فيها من العيوب إلا قِصَرُ قامتها فيكفيها عيبًا وأن لا تُمدح، فغضب النبي ﷺ وقال: ((يا عائشةُ لَقد قُلتِ كَلمةً لو أُلْقِيَتْ في بَحرٍ لَأَنتَنَتْهُ)) .
إذا ذهبتَ إلى حفلة وأتيتَ معك بخروف ميِّت من ثلاثة أيام وفي الصيف ماذا يفعلون بك؟ هل يستقبلونك أم يطردونك؟ وكيف إذا أتيتَ بحمارٍ أو كانت عشر جِمال ميتة؟! ولكن بسبب موت القلوب تصبح الأنوف مزكومة فلا تشمُّ رائحة الذنوب، وهل يشمُّ الميت رائحة الفطائس؟ وهل يشعر بآلام لدغ الأفاعي؟ وهل يشعر بألمٍ إذا أُحرقت جثَّته بالنار؟ لا، لأنه فاقدٌ للحياة.
العلم للعمل
سيدنا عيسى عليه السلام كان يُحيي الموتى، وقد يكون موتى القلوب، أو موتى الأجساد ولا مانع من هذا المعنى، لكن القرآن قال للنبي ﷺ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:122]، ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:80]، هذه المعاني القرآنية لك أنت كعالِم أو متعلم.. إنّك تتعلم قيادة السيارة من أجل ماذا؟ هل لأجل أن تُلقي المحاضرات أم من أجل القيادة؟ وهل تتعلم الطبخ لتلقي المحاضرات أم لتطبخ؟ والخَيَّاطَة هل تتعلَّم الخِياطَة لكي تتكلَّم أم لتخيط؟
نسأل الله أن يجعل عِلمنا للعمل.. “الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم” ، قد يقعون في العُجب ورؤيةِ النفس وتزكيتِها، والله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:32]، وإبليس ما الذي أهلكه؟ كان قد عبد الله عزَّ وجلَّ خمسين ألف سنة، وكان كرئيس الملائكة، والذي أهلكه وجعله ملعونًا إلى يوم يبعثون هو الكِبر والعناد والإعجاب، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:12]، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:34]، وسيدنا آدم عليه السَّلام وقع في الخطيئة أيضًا، ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:23]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:37].
النهي عن تتبع عورات المسلمين
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:12]، فلا تتَّبَّع أحدًا من الناس لتطَّلع على عورته أو سوء فعله، حتى ولو أنه يشرب الخمر ويذهب إلى الخمَّارة، لا يجوز أن تتبعه أو أن تسأل: أين ذهب؟ وهل شرب الخمر؟ فأنت لستَ مسؤولًا عنه، أما إذا رأيتَه يفعل المنكر فأنت مسؤولٌ عنه بأن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر.
أليس هذا فقهًا؟ أنتم يا من تَدرُسون الماجستير، هل درَّسوكم هذا الفقه؟ هذا بالنسبة لِما يُعلَم باللسان، أما الفقه الذي يُعلَم بطريق القلب، فإنّه بنظرة ربانية من قلبٍ ربَّاني ونوراني يقتلع كلَّ هذه البذور من تربة قلبك، ويستبدل بها الورود والزهور والرياحين.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل قلوبنا حدائق لنفحات الله ولحكمة الله وللعلوم الربانية، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79]، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام:84]، و((الإحسانُ أنْ تَعبدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لم تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ)) .
عقوبة المغتاب
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا غزى أو سافر ضم الرجل المحتاج الفقير إلى رجلين موسِرَين، فيُحَمِّل الفقير على اثنين ميسورَين وغنيَّين حتى ينفقا عليه.. ولم يكن وقتها يوجد ميزانية ولا وزارة مالية، فيحمِّل بعضهم على بعض، هذا هو النظام النبويِّ، ولا يوجد وزارة داخلية ولا شرطةٌ ولا محاكم ولا قضاة، ولا يوجد جرائم، ولا يوجد فقير، فالمسلم لا يحتاج إلى الاشتراكية ولا إلى الشيوعية، وهذه الشيوعية قد هُدِمت كعبتها، وكُفِر بنبيها، وأخرجوا لينين من مقبرة العظماء، واللهُ أعلم أين يرمونه، وهذا بعد وفاته بكم؟ بسنوات، أما سيدنا محمد ﷺ فخمسة عشر قرنًا وأتباعه الملايين من مشارق الأرض ومغاربها.
وهؤلاء -مثلاً على ذلك- إخواننا من ألمانيا، وعندهم بكاء وعشق وشوق ومشقَّات، وهكذا يلبسون في ألمانيا، وهل تلبسون أنتم لباسهم هنا؟ [كانوا في هذا المجلس، وهم من المسلمين الجدد، ومن تلامذة الشيخ ناظم الحقاني القبرصي رحمه الله تعالى، وكانوا يلبسون اللباس الصوفي، من الجبة والسِّرْوال والعمامة الخضراء ذات الشكل المخروطيّ، وكلهم بلحىً طويلة]، هل منكم من يلبسه؟ كثير منكم لو قلت لهم: البسوه، فإنهم يلبسون ولا يترددون، وهذا بفضل الله، لكن أرى المصلحة أن تكونوا كما هو كائن.. وأعرف كثيرين منكم يستجيبون، والشيخ لا يأمر بالفحشاء إن شاء الله.
[كان سماحة الشيخ رحمه الله تعالى لا يرغب لإخوانه إلا للمشايخ العلماء أن يلبسوا زي العلماء، من جُبَّة وعمامة ولحية، وكان مما يقول: أريدك يا بني أن تكون طبيباً وداعياً إلى الله، ومهندساً وداعياً، وفي أي ميدان كنت أن يَظْهَر جمال الإسلام في أعمالك لا في شكلك، لذلك كان جُلّ اهتمامه أن يكون الإيمانُ في القلب والعملُ في الجوارح، ولم يكن زيّ تلامذته في اهتمامه أو تعلميه.. خاصة وأن تلك الحقبة كان فيها المدّ الشيوعي والإلحادي طاغياً، وكان زي العلماء والمشايخ منبوذاً جداً، وكان يسعى رحمه الله جاهداً أن يكون إخوانه وتلامذته مقبولين اجتماعياً ومحبوبين.. هكذا كان توجيهه وتربيته لتلامذته، ولكنه شخصياً رحمه الله تعالى لم يلبس في حياته، ومنذ طفولته وحتى وفاته إلا زي العلماء؛ من الجبة والعباءة والعمامة واللحية، وكل صوره في طفولته وشبابه كانت بهذا الزي].
قال: فيضم الفقير إلى ميسورَين ليخدمهما ويهيئ لهما ما يلزمهما، فضم سلمان رضي الله عنه إلى رجلين، وسلمان فقيرٌ، وقال له: أنت تبقى مع اثنين من الصحابة ميسورَين تأكل معهما وتشرب معهما، وتساعدهما على أعمالهما، وهما يؤمِّنان الطعام والشراب، والآخر يهيئ بعض الأعمال كنوعٍ من التعاون.
قال: فتقدَّم سلمان رضي الله عنه إلى خيمته فغلبته عيناه فلم يصنع لهما طعامًا، لم يطبخ لهما ولم يهيئ لهما الفطور أو الغداء، فلما قدما قالا له: ما صنعتَ؟ قال: غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ لعلك تجد عنده طعامًا، فذهب سلمان رضي الله عنه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي ﷺ: ((انطلقْ إلى أُسامةَ بن زيدٍ -لَعلَّ لَدَيه طَعامًا- وقل له: إنْ كانَ عِندَه طعامٌ فلْيُعطِكَ))، فذهب فقال له أسامة رضي الله عنه: ما عندي شيء، فرجع سلمان رضي الله عنه إليهما وأخبرهما فقالا: كان عند أسامة طعام، ولكن بخل به، أي قال لك: لا يوجد، وهو عنده وقد كذب عليك.. فبعثا سلمان إلى طائفة أخرى من الصحابة فلم يجد عندهم شيئًا، فلما رجع قال أحد اللذين هو معهما: “لو بعثناه إلى بئرٍ سُمَيحةٍ لغار ماؤها”.. أي هو وجه نَحْس، ولو أرسلتَه إلى البحر أو الفرات يجفُّ.
ثم انطلقا يتجسسان على أسامة، لعله يكذب عليهما وعنده طعام ولم يعطهما، فلم يجدا شيئًا، ولمّا أتيا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: ((ما لي أَرى خُضرةَ اللَّحمِ في أَفواهِكُما؟)) ، يعني أنا أرى على فمكما آثار اللحم المتعفِّن، فلحم الميت عندما يتعفَّن يصبح عليه عفنٌ باللون الأخضر مع زُرْقَةٍ فيه، ((ما لي أَرى خُضرةَ اللَّحمِ في أَفواهِكُما؟))
النظر بنور الله تعالى
بأيِّ منظارٍ رأى النبي ﷺ هذه الرؤية؟ بمنظار الروح، وبمنظار: ((كُنتُ سَمعَه فَبِي يَسمعُ، وعَينَهُ فَبِي يُبصِرُ)) ، وهذا هو الإيمان، ((ولا يَزالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أَحبَبتُه كُنتُ سَمعَه فَبِي يَسمعُ)) ، كما سمع ساريةُ نداء عمر رضي الله عنه، وقد كان سارية في نهاوند في إيران وعمر رضي الله عنه في المدينة.. ((كُنتُ سَمعَه وبَصرَه ولِسانَه))، قال: “يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ”، وهل هذا اللسان يوصل الصوت إلى إيران؟ وتلك الأذن هل تسمع من المدينة؟
هذا ببركة النوافل بعد الفرائض، وهم في كل الفرائض: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:2]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:103]، أليس هذا فقهًا؟ “اذكروا” أليس أمرًا؟ والأمر أليس للوجوب؟ فمن يدرِّس مادة الأصول هل فهمها؟ هل فكَّر أن يعمل بها؟ هل فكَّر أن يُفتِّش عن شيخها وأستاذها ومعلِّمها؟ الرياضة البدنية هل تكون بالمحاضرات أم بالممارسة؟ والسباحة هل تكون بالمحاضرة أم بالممارسة؟ وعلم الطيران هل بالمحاضرة أم بالممارسة؟ والطب هل يعلِّمونه بالمحاضرات أم في المستشفيات مع المحاضرات؟ فتعليمنا لطالب العلم ناقصٌ وغير صحيحٍ، ولذلك تأتي النتائج فاشلة، والإسلام في تقهقر والعدو في تقدم، والبسطاء يدعون: “اللهم انصر الإسلام والمسلمين”، فعملنا كله غلط.
أتى رجل إلى سيدنا عمر رضي الله عنه وقال له: جِمالي جَرِبت، ادعُ الله لي أن يشفيها.. وهل تُشفى بالدعاء وحده؟! قال: “اجعل مع الدعاء قَطْرَانًا” ، بالدعاء مع الأسباب تتحقق الغايات والمسبَّبات.
واتقوا الله ويعلمكم الله
هذا هو الدين الذي حمله الأُمِّيُّون الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، ولكنهم قرؤوا قراءةً أعظم من قراءتنا، قرؤوا من روح رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ قرأ في صفحات قلبه الطاهرة المزكَّاة، قرأ العلم والحكمة التي كتبها الله عزَّ وجلَّ بخطٍّ نورانيٍّ في صفحات قلبه الطاهرة المُزَكَّاة، ولذلك قال له الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:1]، فظنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قراءة الورق، وبعد ثلاث مرات كُشِف له عن قلبه، فرأى ما طبع الله له في قلبه تلاقيًا مع قول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى:7]، ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:1]، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:113]، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79].
وأين هذه المعاني من طلاب العلم؟ ولذلك يتخرَّجون بالألوف وعشرات الألوف والنتائج أنّنا لا نزال نسير إلى الوراء.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يهيئنا لطلب العلم الحقيقي كلامًا وعباداتٍ ومجاهدةَ نفس وذكرًا وإمامًا وقدوةً.. “مَن لا شيخ له فشيخه الشيطان” .
ولماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) ؟ ولقد كانت الهجرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فرضًا.. وإلى وراث النبي ﷺ؟ ألا يرث الوراث من مورِّثه؟ يرث الحقوق التي عليه والواجبات التي له، فلا المسلم العالِم يعرف ولا غير العالِم “كلُّنا في الهوا سوا”، [مقولة شعبية بمعنى كلنا سواسية في هذه المشكلة]، والسيارة بلا وقود هل تمشي؟ و”الثُّرَيَّا” والمراوح والمعامل إذا كانت بلا تيار كهربائي هل تعمل؟ [الثُّرَيَّا: مجموعة من المصابيح الكهربائية، تُزَيَّن بها بعض الغرف في البيوت، وغالباً ما تتدلى من وسط القبة في المساجد].
الشريط يُرى والثُّرَيّا تُرى لكن هل التيار يُرى؟ هل هو ظاهرٌ أم باطن؟ السلك ظاهرٌ والتيار باطنٌ، وبعض الناس يقول لك: أرني الله، فقل له: أرني التيار الكهربائي في الشريط، وهل يوجد فيك روح؟ يوجد، فأرني روحك، هل يوجد هواء؟ يوجد، فأرني الهواء! وهل كلُّ شيء يُدرَك بالنظر؟
يروى عن شخص أنكر وجود الله وهو أستاذ مدرسة مع طلابه الصغار، فقال لهم: الله غير موجود، وإذا كان موجودًا فأروني إياه، فقام أحد الصغار وقد آتاه الله الحكمة فقال له: أستاذ هل لديك عقلٌ؟ فوبَّخه المعلم، فقال الصغير: مجرَّد سؤال وأريد جوابه، فقال: أجل، فقال له: أرني عقلك إذًا.
حقيقة القرآن والإسلام
نسأل الله أن يرزقنا حقيقة الإسلام، ويرزقنا حقيقة قراءة القرآن، ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:79]، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يوجد مصاحف، بل كانوا يكتبونه على حجارة، وكانوا يكتبونه على العِظام، والمصحف كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه نسخةٌ واحدة محفوظة، وفي زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه نشر ستة أو سبعة مصاحف، فالمسُّ الحقيقيُّ أن يمسَّ قلبُك وروحُك روح القرآن، وهذا يحتاج إلى أستاذ، كما أن تعليم ألف باء يحتاج إلى أستاذ، وتعليم ركوب الدراجة يحتاج إلى من يعلِّمك، وقيادة السيارة تحتاج إلى أستاذ، وكلمة إيمان التي سَعِد بها نصف العالم بأقلَّ من قرن ألا تحتاج إلى أستاذ؟
قالا: “لو بعثناه إلى بئرٍ سُمَيْحَةٍ لغارت”، ثم انطلقا يتجسسان على أسامة، وبعد ذلك أتيا إلى النبي ﷺ فقال لهما: ((ما لي أَرى خُضرةَ اللَّحمِ على أَفواهِكُما؟))
الإيمان ليس بالأماني
وهل النبي ﷺ بصيرٌ أم أعمى؟ يرى، وهل العميان يرون؟ النبي ﷺ شمَّ رائحة “حَسبُكَ من صفية أنها قصيرة”، ولكن الذي فَقَدَ حاسَّة الشم هل يشمُّ الروائح الكريهة؟ الأطرش إذا أخذتَه إلى حفل أم كلثوم، [مغنية مصرية مشهورة في الوطن العربي] هل يقول: آه؟ بل يقول: هي تمد لسانها لنا.. لأن الحاسة التي يستطيع أن يُدرك بها جمال الصوت مفقودة.
وكذلك حاسَّة الإيمان الحيِّ تكاد تُفقَد إلا مع بضع أشخاص وبشكل ضعيف، والذي له الحواسُّ الكاملة والحياة الكاملة بالله أندر من النادر، لذلك فإن التوبة النصوح واجبة، ودوام الذكر واجب، وواجبٌ قبل كلِّ شيء أن تفتِّش عن وارث رسول الله ﷺ.
والنبي ﷺ لم يتركنا في الصحراء بلا وارث، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:72]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71]، ولكن “المؤمنون والمؤمنات” بحسب عرف القرآن والنبي ﷺ، فهل سنصبح مسلمي العمل أم مسلمي التمني؟ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:123]، وهذه تحتاج إلى هجرة وإلى معلِّم؛ إلى معلِّم الإيمان.
سبب نزول آية: ﴿اجتنبوا كثيراً من الظن﴾
قال: ثم أخذا يتجسَّسان على أسامة رضي الله عنه، ولم يجدا شيئًا عنده، فهو صادق، ثم دخلا على النبي ﷺ، فقال لهما: ((ما لي أَرى خُضرةَ اللَّحمِ على أَفواهِكُما؟)) قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا يومَنا هذا قطعةً من لحم.. فكيف تقول: إن على فمنا آثار لحم متعفِّن أخضر! فقال: ((أَمَا ظَلَلتُما تَأكُلانِ لَحمَ أُسامةَ وَسَلمانَ؟ إنَّكُما قَد اغتَبتُماهُما))، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:12] ، فكما تَكره أن تأكل الفطائس -إذا كان فيك إيمانٌ- فإنّك هكذا تكره الغيبة والتجسُّس، وهكذا تَكره أن تتدخَّل فيما لا يعنيك.
قال ﷺ: ((أَكثَرُ النَّاسِ ذُنوبًا يَومَ القِيامةِ أَكثَرُهم كَلامًا فِيما لا يَعنِيهِ)) ، إذا رأى شخصًا يمشي مع امرأة يقول: “من هذه؟” وما يعنيك أنت؟ لماذا تسيء ظنك؟ فقد تكون أخته أو أمه، بل يُسيء الظن أنها إنسانة سيئة، ولو رأى شخصًا يحمل زجاجة يقول: انظروا ماذا فيها؟ ولو شرب يقول: شمُّوا فمه هل فيه رائحة خمر؟
التدخل فيما لا يعني
في الحديث النبوي: ((أَكثَرُ النَّاسِ ذُنوبًا أَكثَرُهم تَكلُّمًا فِيما لا يَعنِيه))، فلان ماذا أكل؟ وفلانٌ ماذا شرب؟ وفلانٌ أين ذهب؟ وأين سافر؟ وفلانٌ ماذا باع؟ وماذا اشترى؟ وأين سهر أمس؟ أليس هذا واقع الناس؟ وهذا كلُّه خروجٌ من الإسلام.. وهذه الآية لَبِنَة، كما أنّ كلّ آيةٍ تمثِّل لَبِنَةً في بناء الإسلام.
فالإسلام إذا كان كهذا الجامع مُكَوَّناً من لَبِنات، وأنت كم لَبِنَةً يوجد عندك منه؟ ربما لا يوجد عندك إلا لَبِنة القولِ والعملِ بلا قلب، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)﴾، وعلامة أنهم ساهون عن صلاتهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6)﴾، يعمل ليراه الناس ويمدحه الناس ويثني عليه الناس، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:4-7]، يمنع الخير والمعونة، لكنه لا يمنع الشر والأذى والفواحش والمنكرات، بل هو إمَّا أنْ يفعلها وإمّا أنْ يدعو إليها، ولو كان يصلي فالله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:4]، ((وكم مِن قائمٍ في اللَّيلِ لَيسَ لَه مِن قِيامِه إلَّا السَّهرُ)) .
وفي الحديث القدسي: ((لَيسَ كُلُّ مُصلّ يُصلِّي، إنَّما أَتقبَّلُ الصَّلاةَ مِمَّن تَواضَعَ لِعَظَمَتِي)) هذا من أعمال القلب، ((وكفَّ شَهَواتِه عن مَحارِمي، ولم يُصرَّ على مَعصِيتي، وأَطعَمَ الجائعَ، وآوَى الغَريبَ، ورَحمَ المصابَ، يَفعلُ كلَّ ذَلكَ مِن أَجلِي)) .
لماذا لم يجعل العلماء والفقهاء هذا من شرائط الصلاة؟ فقَبولها متوقِّفٌ على هذه الأخلاق والصفات.. وهل المراد من الصلاة أن تحرِّك جسدك أم أن تكون مقبولةً عند الله؟ وهل المقصود من الشجرة أن تزرعها أم أن تقطف ثمرها وتُنْعِش روحك وصدرك بأريجها وعطرها وتستظل في حرارة الصيف بظلالها؟
جوامعنا فَقَدت علماءها
ونحن عندنا جوامع من إسمنتٍ فقط، ولكن الجامع هو الذي يجمع العلم والحكمة وتزكية النفوس، وعندنا مستشفيات، ولكن بلا أطباء، وبرامجنا التعليمية كلُّها ميتة، وإذا خرج شخصٌ مُنْتِجٌ يكون قد اتصل بمدرسةٍ أخرى وبمعلِّم يعلِّمه الكتاب والحكمة ويزكيه. [إذا تَخَرَّج عالِمٌ فيه نفعٌ في هذه المدارس والجامعات الإسلامية فليس بسبب مناهجها وتعليمها، بل لأنّ له شيخاً مُرَبِّياً حكيماً مُزَكِّياً].
نسأل الله -لكنْ من قلوبنا- أنْ تتيسَّر لنا الوسائل لذلك، ولا نكتفي بالدعاء ونترك الأسباب، فإذا اكتفينا بالدعاء بلا أسباب فهذه أمانٍ، “ولَيسَ الإيمانُ بالتَّمنِّي، ولا بالتَّحلِّي”، أن تتشبَّه بلباسهم، “إنَّما الإيمانُ ما وَقرَ” أي استقرَّ وعمق “في القَلبِ، وصَدَّقَه العَملُ” ، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:22]، وهذه من أين منشؤها؟ من ذكر الله ومن الهجرة إلى وارث رسول الله ﷺ، والعكس: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:22].
عليكم أن تعاهدونني على كثرة ذكر الله، حتى تُكتَب هذه الآية في صفحات القلب النقيَّة وتمحو كلَّ الكتابات، ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام:91]، فإذا نظَّفتم صفحات قلوبكم مما سوى الله عزَّ وجلَّ وذكرتم الله، فالآية تُكتَب بصفحات القلب والروح، فتسري فيكم بحقائقها وأخلاقيَّتها وسلوكيتها وتعلِّمون الناس بالنظر إليكم وبرؤية أعمالكم من غير أن تتكلَّموا كلمةً واحدة، فالخطيب قد يتكلم على المنبر ساعةً وبأفصح لغة، والناس يخرجون كما دخلوا.
نسأل الله أن يجعلنا من العالمين العاملين المخلِصين، وأن يَحفَظَنا من الخطر العظيم: “والمخلصون على خطر عظيم”.