التثبتُ من الإيمان
فنحن الآن في تفسير بعض آياتٍ من سورة الحجرات، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ أي بخبرٍ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، أي لا تستعجلوا بتصديق المُخبِر، فقد يكون كاذبًا، وقد يكون مُفسِدًا، وقد يكون عدوًّا مُخَرِّبًا.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((التَّثبُّتُ)) والتبيُّنُ أي عند سماعك الأخبار، فلا تصدِّق فورًا، ولا تتقبَّل الخبر كأنَّه وحي السماء نزل به جبريل الأمين، ((التَّثبُّتُ مِنَ الإيمانِ)) .
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:107] فالجنَّة للمؤمنين، ومن صفات المؤمن ليس أن يصلي ويصوم فقط، وأكثر الناس يُصلُّون بأجسادهم لا بفهمهم لمدرسة الصلاة.
الصلاة مدرسة، وأستاذها ربُّ العالمين، وأنت بين يدي المعلِّم الرحيم جبَّار السماوات والأرض، فيجب عليك أن تفقه بفكرك كلّ كلمة يُخاطبك بها أو تُخاطبه بها، ولا تُملِئ فكرَك بالأوساخ والأقذار، فكيف تريد أن تضع بين الأوساخ الجواهرَ واللآلئَ والحِكَم الإلهية والرُّوْحَ القُدس؟ ويجب أن يكون أيضًا قلبك طاهراً، فلا أحد يضع العطر الغالي الثمن بالأوعية الْمُعَدَّة للنجاسات أو الممتلئة بها.
الإيمان المسبوق بالعلم هو الذي يفضي إلى العمل
الإيمان بالقرآن.. لا يصح أن تُؤمن بما تجهل، هل تؤمنون أن هذا وردٌ؟ [يشير سماحة الشيخ إلى باقة ورد في يده]، كلُّنا مؤمنون، وهذا الإيمان يجب أن يكون مسبوقًا بالعلم، فقد علمتم أولًا أنه وردٌ، ثم بعد العلم آمنتم أنه ورد.
لكن لو وضعتُه تحت العباءة وأنتم لا ترونه، وقال لكم شخص: تحت العباءة يوجد وردٌ.. فهل تستطيع أن تُؤمن إيمانًا قاطعًا بذلك؟ بل تقول: ما دليل وجود الورد حتى أُؤمن وأُصدِّق؟
فالإيمان بالقرآن يجب أن يكون مسبوقًا بالعلم، وهناك العلم الفكري، فتسمع بأنّ هناك ورد، وتسمع بأنّ هناك سُبْحة، وتسمع بأنّ فلانًا موجود، وتسمع بوجود النبي ﷺ، وتسمع بوجود الله عزَّ وجلَّ، ولكن قد تكون عدوَّ الله تعالى وعدوَّ رسول الله ﷺ، وهذا السماع الذي أعطاك العلم الفكري [قد لا تستفيد منه] حتى ولو آمنتَ.
فالمسلم الذي يشرب الخمور ويقع بالفجور وبالكبائر والعظائم ويقول لك: أنا مؤمن وأنا مسلم، لكن هذا لم يدخل الإسلام في قلبه، ((يا معشرَ مَن آمنَ بلِسانِه ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبِه، لا تَغتابُوا المسلمينَ))، ((والغيبة أن تذكر أخاك بما يكره)) .
تحريم الغيبة
مرةً قالت السيدة عائشة رضي الله عنها عن ضرََّتها صفية رضي الله عنها للنبيِّ ﷺ، وكان النبيُّ ﷺ يمدح صفية رضي الله عنها فقالت له: “حسبك من صفية أنها قصيرة”، أي لو كان فيها كل الكمالات يكفي أنها قصيرة لتكون ناقصة بعيدة.. فغضب النبيُّ عليه الصلاة والسلام وقال: ((يا عائشةُ لقد قُلتِ كَلمةً لو مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لَمَزَجَتْه ولَأنتَنَتْه)) .
النبيُّ ﷺ ينظر بعين القلب وبعين الروح وبمنظار الآخرة وبمنظار الحقائق التي تعجز عن إدراكها هذه العيون، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46]، قالت: “يا رسول الله ما قلتُ إلا ما فيها”، هي قصيرة وأنا لم أكذب.
فقال: ((لو قلتِ غيرَ ما فِيها لَبَهَّتِها))، أي لكذبتِ عليها بالإفك والبهتان، وإنك لو رأيتَ زانيًا وقلتَ: “إنه زانٍ” فقد قذفتَه بالزنا شرعًا مع أنك صادق، ويُقام عليك الحد ثمانين جلدة، لأنك نسبتَ إليه الزنا، وأنت صادق وقد رأيتَه بعينيك.
فكم مِن الناس ينسبون إلى مَن يغضبون منه أو يقع بينهم نزاع.. ينسبون إليهم النقائص والمعاصي والعيوب، هذا يقول له: لوطي، وهذا زانٍ، والمرأة تقول: كذا، ويقول عن المرأة: كذا، فأين: يا أيُّها الذين آمنُوا ((لا تَغتابُوا المسلمينَ، ولا تَتَّبَّعوا عَوراتِهم))؟
فإذا رأيتَه دخل إلى خمَّارة مثلًا فقد يكون له دَين أو أمانة، والله أعلم بذلك، فلا يجوز أن تسأل عنه هل اشترى خمرًا أم لم يشترِ، فأنت بذلك تَتَّبَّع عورته، وإذا رأيتَه مع امرأة لا يجوز أن تَتَّبَّعَ عورته لترى هل هذه زوجته أم زانية، ((فمَن تَتَبَّعَ عورةَ مسلمٍ تتبَّع اللهُ عورتَه، ومَن تتبَّعَ اللهُ عورتَه يَفضحْه ولو في جَوفِ رَحلِه)) ، لو كان في جوف الخيمة وغطَّى نفسه فإن الله يلاحقه ويفضحه.
حقيقة الإيمان
ومن جملة الإيمان أن تؤمن بالقرآن، والإيمان موضعه في القلب، “ليسَ الإيمانُ بالتَّمنِّي ولا بالتَّحلِّي”، بأن تلبس عمامة وتُرخِي اللحية، هذه حلية وهيئة، “ولكنَّ الإيمانَ ما وَقرَ في القلبِ” وهو نور، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:22].
وفي سورة النور يقول الله تعالى عن النور في قلب المؤمن: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ نور الله عزَّ وجلَّ في قلب المؤمن، ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ والمشكاة هي النافذة التي ليس لها سوى منفذ واحد، مثل ضوء السيارة، وهل الضوء يخرج منه للأمام والخلف أم إلى جهة واحدة؟
﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ لأنّه إذا كان لها بابان فالنور يتوزَّع، أما إذا لم يكن لها سوى اتجاه واحد مفتوح فالنور كله يتجه بقوة إلى جهة معينة.
﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ والمصباح هو شعلة الشمعة، والنور هو نور الله، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ والزجاجة هي النفس المطمئنة بذكر الله، والنفس التائبة المنيبة الطاهرة، ((اللَّهمُّ نقِّني مِن الخَطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيضُ مِن الدَّنسِ، وباعِدْ بَيني وبَينَ خَطايايَ كما باعَدتَ بَينَ المشرِقِ والمغرِبِ)) .
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ فيجب أن تتزكَّى نفسك، ((اللَّهمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها)) ، فإذا كانت الزجاجة عليها الشحَّار والسَّواد والأقذار فهل يظهر النور إلى الخارج بأعمال وأخلاق وسلوك؟
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:35]، وعندها يظهر النور، ويظهر في الأعمال، “ولكنَّ الإيمانَ ما وَقرَ في القلبِ وصَدَّقَه العملُ” .
المسؤولية عن الحواس
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، أنت كمسلم يجب عليك أن تؤمن بالقرآن من أوله إلى آخره، علمًا وفهمًا واقتناعاً وتطبيقًا وخُلقًا وتنفيذًا ووقوفًا عند حدود الله فلا تتعدَّاها إلى محارم الله سبحانه
– لا باليد، يدك لا تضرب بظلم ولا تأخذ الحرام.
– وعينك، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30].
– وسمعك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، فإذا جلستَ بمجلس وشخصٌ عصى الله بلسانه وأنت مستمِع فهل تظنُّ نفسك غير مسؤولٍ؟ أنت مسؤولٌ عن سماعك للحرام كالمتكلم بالحرام.
عقوبة المستمع للغيبة
أحد كبار السلف الصالح المُسمَّى بميمون بن يسار يقول: نمتُ ليلةً فرأيتُ في منامي مائدة.. طاولة ليس فيها “صَيْنِيَّة أُوْزِيْ”، [الصَّيْنِيَّة: وعاء كبيرٌ مُسطَّح، تُوضَع عليه الأكواب أو الصحون أو الطعام، وتُستعمل في تقديم الطعام وحمله.. والأُوزي نوع من الطعام الفاخر مكون من الرز والبازلاء واللحم ومغطى بقطعة رقيقة من العجين]، بل صَيْنِيَّة كبيرة وعليها جثة إنسانٍ ميتٍ من أفريقيا، يعني زنجي وكان مشوياً، وقائل يقول له: كُلْ من لحم أخيك ميتًا، والقرآن قال عن المغتاب لغيره: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:12]، فيجب أن تَكرَه الغيبة كما تكره الأكل من لحم الميت، فكيف إذا كان لحم أخيك أو لحم ابنك! قال له: كُلْ من لحم أخيك ميتًا.. أي ذلك الإنسان الزنجي.
فأدرك المقصود وعرف لماذا عُوقب بهذا العقاب، فقال: والله ما اغتبتُه ولا كذبتُ عليه، فقيل له: إنك حضرتَ مجلسًا، وقد اغتِيبَ هذا الرجل، فسكتَّ ورضيتَ ولم تُنكِر ولم تقم من المجلس، فهذا منكَرٌ، وصفة المؤمن: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، أنصار بعض على الحق، وأولُ صفة: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإذا رأيتَ شخصًا تاركًا للصلاة ففرض عليك أن تأمره بالصلاة، وتُرغِّبه بالصلاة، وتحبِّب إليه الصلاة، وتذكر له أنها من أركان الدين ولا يجتمع إسلام وترك الصلاة: ((مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فقد كَفرَ)) ، وبالأسلوب المناسب لكل شخص بحسب قابليته ومداركه.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:71]، الغيبة كأن يكون شارب خمر لكنه غير مجاهر بشربه، وأنت تقول عنه: إنه شارب خمر.. وأنت صادق فيما تقول ومتيقِّن، لأنَّك رأيتَه بعينك، وقد شرب الخمر لكنه لم يجاهِر، فلو جاهَر وأعلن فلا غِيبة له، لكن أفضل من أن تغتابه اذهب وانصحه، فلو اغتبتَه هل تستفيد شيئًا؟ أو هل يستفيد هو؟ أو هل يستفيد المجتمع؟ إلا في حالات خاصة يجب أن تقدِّرها وأنت المسؤول عن هذا التقدير أمام الله عز وجل.
قال ميمون: بعد أن استيقظتُ من منامي.. وقد أرسل الله عزَّ وجلَّ له عظة ودرسًا ربانيًّا، قال: فما كنتُ أجلس في مجلس غيبة إلا أنكرتُه، وإذا لم أستطع قمتُ من ذلك المجلس.
هؤلاء أصفياء الإيمان وأصفياء القلوب والمقرَّبون إلى الله عزَّ وجلَّ، كالثوب الأبيض، فأصغر نقطة حبر تظهر عليه وتعيبه، والله عزَّ وجلَّ أرسل له موعظة قلبية لطهارته ونقاء صحيفته، والذي يكون “زَبَّالًا” [عامل نظافة] فربَّما ثوبه يلبسه طوال عمره ولا يخلعه، حتى لا يَصلُح إلا للحرق، فهذا إذا وقع عليه وسخٌ هل يظهر؟ لا، فكله وسخ.
سبب نزول الآية
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ﴾ يجب أن تكون مؤمنًا.. ﴿فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، ذكرتُ لكم القصة أنَّ النبيَّ ﷺ أرسل الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بعض قبائل العرب جابيًا للزكاة، فلما قرُب منهم وصارت خيامهم على مرأى منه، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، ركبوا الخيل وأقبلوا عليه، فظنَّ أنهم يريدون قتله، فهرب ورجع وأخبرَ النبيَّ ﷺ بأنهم ارتدُّوا وأرادوا قتله ومنعوا الزكاة.. قد لا يكون في نيته الفساد، لكنَّ ضعف إدراكه وضعف شخصيته وجبنه جعله يتوهَّم ذلك، فنَقَل الخبر واهمًا.
هناك من ينقل الخبر للفساد والإفساد وللشرِّ والإيذاء وللتفرِّيق بين الأصحاب والأهل والأحباب.. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((اتَّقوا اللهَ، وأصلِحوا ذاتَ بَينِكم، فإنَّ اللهَ يُصلِحُ بينَ عِبادِه يومَ القِيامةِ)) ، ((وإيَّاكُم والحالقةَ، إفسادُ ذاتِ البَينِ)) ، أن تفسد بين أخوين أو بين صاحبين أو بين شريكين، أو بين أفراد أسرة أو أفراد عائلة بنميمة أو بكذب أو بصدق بأن يكون قد شَتَمَه حقيقةً، فتخبره أنه شتمك وسبك، وهذا لا يجوز أن تنقله مع أنك صادق، فإذا كنتَ صادقًا فأنت مغتاب، وإن كنتَ غير صادق فأنت كذَّاب وأفَّاك، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:105].
خطورة المغتاب والنمَّام
فأين مجتمعنا وأين الإسلام؟ في زمن سيدنا موسى عليه السلام أصاب قومَه قحطٌ، وكانت السنة سنة مَحْل وقلة أمطار، فخرج إلى الاستسقاء، فصلَّوا ودعوا واستغفروا وبكوا والسماء تزداد صحوًا، والشمس تزداد حرارة، فشكى إلى الله وقال: أرجوك يا ربي لا تخزنِي أمام بني إسرائيل أن يقولوا: كليم الله دعا فلم يستجب الله له.
فأوحى الله إليه: كيف أستجيب لكم وفيكم شخص نمَّام؟ النمَّام غير المغتاب، فالنمَّام الذي ينقل خبر السوء إلى شخص آخر، فقد يكون الإنسان غاضبًا فيسبَّ شخصًا آخر؛ أب مع ابنه أو أخ مع أخيه أو زوج مع زوجته أو قريبٌ مع قريبه أو صاحبٌ مع صاحبه، أحدهما غضب أو تكلَّم عنه بسوءٍ في غيبته، فيأتي هذا وينقل الخبر السوء إلى الطرف الآخر، هذا ما اسمه؟ اسمه نمَّام أو قتَّات، النمَّام ينقل خبرًا صادقًا عن حقيقة لا عن كذب، لكن هل هذا الخبر الصادق مُفسِدٌ أم مُصلِح؟ وهل ينقله لخيرٍ أم لشرٍّ؟ والنبيُّ ﷺ قال عنه: ((القتَّاتُ لا يَجدُ رائحةَ الجَنَّةِ)) ، ((وإنَّ رائحتَها لَتُشَمُّ مِن مَسيرةِ خمسِ مئةِ عامٍ)) .
أين إسلامنا؟! سيدنا موسى عليه السلام قال: يا ربِّ لا تفضحني أمام بني إسرائيل أنزل علينا المطر، قال: لا أُنزل، قال: ولماذا؟ قال: لأنَّ فيكم شخصًا نمَّامًا .
واليوم تجد المرأة تصلي وتصوم وتذكر الله وتأتي إلى الجامع، والرجل يصلي ويصوم وقد حجَّ مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا، ثم يجلس في مجلس، ويتكلَّم واحد منهم كلمةً بحقِّ آخرَ؛ قريبٍ أو صديقٍ أو أجيرٍ أو جارٍ، فينقل كلامه، ويَنْتُج الشر والعداوات والفساد والإيذاء بسبب نقله للكلام، ويكون صادقًا غير كاذبٍ، ويحلف الأيمان أنه صادق.. وهذا من شدَّةِ وَرَعه. [إنّ المعنى الظاهر في قول الشيخ: “هذا من شدة ورعه”، ليس هو المقصود، بل هذ أسلوب في الكلام يُقصَد منه العكس، والمقصود هنا: أنه ليس فيه ورع أبداً، أو: أنه يحلف الأيمان ليوحي للناس بأنه صادق وورع في قوله، ويرى نفسه ورعاً وتقياً].
فأوحى الله إلى موسى عليه السَّلام: كيف أسقيكم وأستجيب دعاءكم وفيكم شخص نمَّام؟ فإذا أردنا اليوم أن نصلي صلاة استسقاء فهل يوجد بيننا نمَّام أم لا؟ وهل يوجد فقط نمَّام أو فقط مغتاب أو مفسِد أو سبَّاب دين أو غشَّاش أو فقط ظالم أو مَن لا يؤدي الأمانة ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر أو عاقُّ الوالدين أو قاطع للأرحام أو ظالم للناس؟
التوبة تَخرج من القلب التقي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:8]، من صفات المؤمن أنه التائب توبة نصوحًا، فما هي التوبة النصوح؟ قال: هي أن تترك المعصية فلا تعود إليها؛ لسانك تائب فلا كذب ولا غيبة ولا نميمة ولا كلام فاحش ولا سباب ولا لعن، يقول النبيُّ ﷺ: ((لا يكونُ المؤمنُ لَعَّانًا ولا سَبَّابًا ولا صَخَّابًا بالأسواقِ)) ، صوته مثل صوت الحمير: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:19].
يجب أن تأخذ شهادة مؤمن لتستحق بها النصر في الدنيا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47]، وليكون الله عزَّ وجلَّ مُتكفِّلًا لك بكل مهماتك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3].
وفي الدار الآخرة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم:34]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:41]، هل قال: المغتابون في ظلال وعيون أو النمامون؟
إحياء السنة باب من أبواب النصر
مرة حاصر المسلمون مدينةً للكفار فلم تُفتَح لهم، وقد كان القُوَّاد والعسكر كلهم أولياء، فتعجَّبوا من تخلُّف النصر، فأمر قائد الجيش مفتِّشًا لينظر هل يوجد ما هو مخالف لتقوى الله وطاعته، فقال: إنَّ الجيش جميعهم يُصلُّون ويصومون ويتهجَّدون وهم صائمون ومتَّقون ولا يوجد أي معصية.
فأخبر شيخه، فقال له الشيخ: لا بدَّ من أن يكونوا مقصِّرين في ناحية من نواحي مرضيَّات الله عز وجل حتى تأخَّر عليكم النصر، تأخَّرتم بالتقوى فتأخَّر النصر، أعدِ التفتيش، فأعادوا التفتيش فرأوا أنهم عند صلاتهم لا يتسوَّكون، قال: هذه سنة تركوها، والمؤمن يحافظ على سنة النبيِّ ﷺ، ومن سنة النبيِّ ﷺ السواك عند الصلاة.
فأمر القائد بالمساويك، وفي اليوم التالي صار المسواك في فم كل جندي يتسوك به، وكان الكفار على السور يراقبون، وإذ رأوا العسكر جميعهم يمسكون المساويك ويتسوَّكون، فأخبرَت مخابراتُ العدو قائدهم أن المسلمين يسنُّون أسنانهم ليأكلوكم، فصالِحوا المسلمين كي لا تذهبوا طعامًا وغداءً للمسلمين، انظروا كيف يسنون أسنانهم، فأوهََمَ الله الأعداء كما قال الله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال:43-44].
في الحرب كان الله عزَّ وجلَّ يُري المؤمنين الكفارَ قِلَّةً في نظر المسلمين على كثرة الكفار، ويُري المؤمنين على قِلَّتهم في أعين الكفار أنهم كثيرون، وإحياء هذه السنة هل تَدْخُل في التكتيك الحربي؟ لكنها تَدْخُل في التكتيك الإلهي، ولذلك في حُنين ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:25]، ونحن كم من الذنوب فعلنا؟ وكم من الكبائر؟
التحذير من تغيُّر الزمان
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: ((كيفَ بِكُم إذا فَسَقَ شُبَّانُكم!))، الفسق الخروج عن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلى معصيته بالأقوال أو بالأعمال أو بالباطن بأن يكون في قلبك حقد أو غش أو نية سوء على أخيك.
((كيفَ بِكُم إذا فَسَقَ شُبَّانُكم، وطَغَتْ نساؤُكم، وتَركتُم جهادَكم!))، والجهاد قسمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:69]، وهو جهادُ النفس والهوى، وإحياءُ القلبِ الأسيرِ للشيطان بأن تُنقِذَه وتجعله في ساحة طاعة الرحمن.
والجهاد الأصغر: جهاد العدو بـ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:60]، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:36]، والآن العرب أو المسلمون هل يقاتلون اليهود كافة؟ لا، ولكن يهود العالَم كلهم كلمة واحدة في مشارق الأرض ومغاربها.
ولقد نصر الله المسلمين بالجهادَين، وعندما خالفوا ووقعوا بالعُجب وقالوا: “لن نُغلَب اليوم عن قِلَّة”، اغترُّوا بأنفسهم لأنها المرة الأولى التي يصير بها الجيش اثني عشر ألفًا، فهُزموا في حُنين لما وقعوا في العُجب والاعتماد على الكثرة، وحصل لهم شيء من الغفلة عن الله عز وجل.
ونحن الآن في هذا العصر في أيّ حال؟ كأنه لا توجد معصية إلا فعلناها، ولا فريضة إلا تركناها أو تركنا بعض شروطها، ولذلك فنحن نؤديها، ولكنها غير صحيحة.
((كيفَ بِكُم إذا فَسَقَ شُبَّانُكم!)) فلا صلاة ولا صيام ولا حياء ولا حلال ولا حرام ولا فقه في الدين ولا أستاذ ولا مُربي ولا مُرشد يُعلِّمه الكتاب والحكمة ويُزكِّيه.
العمل بمقتضى العلم
وإذا كان تعليمُ الكتاب والحكمة والتزكية مهمةَ النبيِّ ﷺ فما مهمة المسلم؟ فإذا كان النبيُّ ﷺ هو المُعلم يجب أن تكون أنت المُتعلم، وإذا كان النبي ﷺ هو الحكيم يجب أن تتعلم منه الحكمة، وإذا كان النبي ﷺ هو المزكِّي يجب أن تكون مُزكًّى.
وإذا مات النبيُّ ﷺ هل انتهى الإسلام؟ لا، بل: ((العلماءُ وَرثةُ الأنبياءِ)) ، فيجب أن تبحث عن العالِم؛ عالِم القرآن.. والعلم الحقيقي هو الذي يُثمر العمل ويُوجب العمل على صاحبه، فإذا علمتَ أنَّ هذه أفعى فما مقتضى العلم أنها أفعى أو حَيَّة أو حَنَش [ثعبان]؟ هل أن تضع نفسك بين أنيابها أم أن تتَّقيها وتحذرها وتبتعد عنها؟ هذا مقتضى العلم.
وإذا أعطاك شخص صرَّةً ممتلئة بالذهب، وعلمتَ أنَّها ذهب، وعلمتَ أنه قدَّمها لك هدية فما مقتضى العلم؟ هل أن تهرب أو ترميها! وإذا علمتَ أن هذه زوجتك وأنها ليلة العرس فما مقتضى العلم؟ أن تعاملها معاملة الزوجة.. فالعلم هو الذي يُورث العمل ويُوجبه، فهل تبحث عن المعلِّم حتى يعلِّمك القرآن، أو الحكيم ليعلِّمك الحكمة حتى تنجح في أمورك كلها، ويُزكي نفسك؟
القراءة الحقيقية للقرآن
المسلم اليوم يقرأ القرآن للقراءة والتلاوة، وليس للعلم ولا للعمل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، فإذا كان صوت القارئ جميلاً فلا تجد إلا هزَّ الأجسام وهزَّ الرؤوس والآه، ولكن ماذا قال الله؟ ونحن ما واجبنا؟
وهذا نداء إلهي “يا” يعني أدعوكم أيها الناس وأيها المؤمنون لأُسمِعَكُم أوامري وأبلِّغكم إياها، فإذا كنتَ جنديًّا وجاءك أمر عسكري وقرأتَه ماذا تفعل بعد القراءة؟ مثلًا: “غدًا في الساعة الثامنة عليك أن تكون مُهيًّأ مستعدًّا كامل الاستعداد”، [تكون جاهزاً ومستعداً في الميدان وفي الوقت المحدد]، إنّ القراءة للعلم والتطبيق والتنفيذ والعمل، وهكذا قراءة القرآن.
قال: ((وتَركتُم جِهادَكم))، قالوا: “وكائنٌ ذلك يا رسول الله؟”
الشباب في زمانهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:17]، والنساء: ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:34]، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ هكذا رجالهم وهكذا نساؤهم، فهؤلاء ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:35].
والآن إن الكاذبين والكاذبات والسارقين والسارقات والفاسقين والفاسقات والملعونين والملعونات والمتهتكين والمتهتكات، فهل أعدَّ الله لهم جنة وأجرًا عظيمًا! هل هكذا القرآن! نحن نريد القرآن بهذا الشكل، أن نفعل كلَّ شيءٍ [من المعاصي] ونأخذ كلَّ شيءٍ [في الجنة].
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قالوا: “وكائنٌ ذلك يا رسول الله؟” لم يُصدِّق الصحابة أن يأتي زمان يصير فيه المجتمع الإسلامي بهذه الصفة؛ فسق الشباب وطغيان النساء على الأخلاق والآداب والشرع والحلال والحرام وترك الجهاد.
قال: ((وأشدُّ منه سيَكونُ))، هل يوجد أكثر من ذلك؟ قال: ((كيفَ بكم إذا تَركتُم الأمرَ بالمعروفِ!)) شخص لا يُصلِّي وأنت لا تقول له: صلِّ، ولا تقول له: هذا حرام، وإن الصلاة من أركان الإسلام، و((الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ)) ، من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد ترك الدين.
إن كنتَ مع جارك أو شريكك في السوق أو في السهرة، وقد صار وقت الصلاة ولم يصلِّ، اسأله: لماذا لا تصلي؟ ألستَ مسلمًا؟ اسأله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالشكل الذي يتقبَّل ولا يتمرَّد.
إنْ رأيت مانع زكاة لا يُزكِّي، يجب أن تأمره بالمعروف وتقول له: يجب أن تُزكي، ألا تريد أن تصبح مسلمًا؟ ((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ)) ، و((الزَّكاةُ قَنطرةُ الإسلامِ)) ، فإذا كان القطار يسير فوق وادٍ ولا يوجد قنطرة ولا جسر ماذا يصير بالقطار؟ يقع في الهاوية، وهكذا كل أمور الإسلام.
قال: ((كيفَ بكم إذا تَركتُم الأمرَ بالمعروفِ!))، جاهل لا يفقه دينه قل له: يجب أن تتعلم دينك.. أو لا يفقه بالقرآن قل له: يجب أن تتعلم تفسير القرآن، وتبحث عن المعلم والمربي والمرشد.
جزاء مَنْ قَطَعَ رَجاءَ مَن ارتجاه
كان أحدهم يمشي أربعين يومًا لأجل أن يتعلَّم حديثًا نبويًّا واحدًا، وأحد السلف الصالح بلغَه عن أحد العلماء أنه يروي أحاديث معيَّنة، فسافر إليه مسافة أربعين يومًا، فلما دخل عليه ليتعلَّم الحديث منه وجدَه يُطعِمَ كلبًا، فسلَّم عليه فردَّ السلام، لكنه لم يترك إطعام الكلب، ولم يستقبل الضيف ولم يرحِّب به الترحيب المناسب، وانشغل بالكلب عن زائره وضيفه.
فوجد الضيف في نفسه من تصرف الرجل، فلما أطعم الكلب وسقاه حتى كفاه وانتهى التفت إليه، وقال له: لعلَّك وجدتَ في نفسك عليَّ؟ أي وقع في نفسك لومٌ عليَّ لأني أقبلتُ على الكلب ولم أُقبل عليك، قال: هكذا حصل، قال: لا تؤاخذني، لأنّه حدثني فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: ((مَن قَطَعَ رَجاءَ مَنِ ارتجاهُ))، شخص له حاجة لديك وأنت تستطيع أن تحقِّق رجاءه وتقضي حاجته، ((مَن قَطَعَ رَجاءَ مَنِ ارتجاهُ قَطَعَ اللهُ رَجاءَهُ يَومَ القِيامةِ فَلَم يَلِجِ الجَنَّةَ)) .
قال له: وهذا الكلب له عادة أن يأتيني من مكان بعيد بمثل هذا الوقت كي أطعمه، فخشيتُ إذا شُغِلتُ باستقبالك والترحيب بك أن يقطع هذا الكلب رجاءه مني فيقطع الله رجائي يوم القيامة فأُحرم الجنة، فقال له: لو لم يكن في سفري أربعين يومًا إليك إلا العلم بهذا الحديث لكفاني.
هكذا كان المسلمون يُقدِّرون العلم والإسلام؛ إسلام العلم وإسلام الحكمة وإسلام المعلم وإسلام المربي وإسلام الأخلاق وإسلام العمل، أما الآن فلا يوجد من الإسلام إلا اسمه، حتى الاسم ألغي، فكثير من الناس لا يقول: إسلام، بل يقول ألفاظًا متعددة ويتحاشى كلمة إسلام كما يتحاشى الشيء الدنس والمؤذي.
خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
((كيفَ بكم إذا تَركتُم الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عَنِ المنكَرِ!)) من الذي يقول؟ النبي ﷺ، قالوا: “وكائنٌ هذا يا رسول الله؟” هل يصير هذا بالأمة؟ هل يُعقَل أن تفعل ذلك؟ الصحابة لم يستطيعوا التصديق، لأنهم في مجتمعهم كانوا إذا وجدوا تاركًا لواجب يكونون جميعاً أساتذة له، وبالحكمة والموعظة الحسنة وبالرفق والشكل الذي يحقق المطلوب، أو إذا رأوا منكرًا فلا أحد يسكت.
قال: ((وأَشدُّ مِنهُ سَيكونُ، كَيفَ بَكم إذا صارَ المعروفُ مُنكَرًا!)) إذا كان الرجل يُصلِّي يقولون عنه: هذا رجعي ومَجذوب وكذا كذا، وكذلك إذا رأوه يذكر الله ويصوم ومتديِّن، أما إذا رأوه يشربُ الخمر والمُسكِر أو يرقص فبالعكس.
كانوا قبل خمسين سنة يُرقِّصُون الجِدْيَان [جمع جدي] والجِحاش ويطوفون بالحارات ويأخذون الأجرة، والآن أصبحوا يُرقِّصُون الرجال، وهذا طبيب وهذا مهندس.. إلخ، وهل بهؤلاء الرجال وبهذه الأخلاق أنهى العرب الإمبراطورية الرومانية في معركة اليرموك في ستة أيام؟ أم بأخلاق: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)﴾ [الذاريات:17-18]، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾ [المؤمنون:2-5].
تغير الأفكار والعقول في زماننا
وإذا حدَّثتَ الناس اليوم بهذه الأشياء يسخرون منك.. ((كَيفَ بَكم إذا صارَ المعروفُ مُنكَرًا!))، شخص يسأل آخر: إلى أين أنت ذاهب؟ فيقول: ذاهب إلى الجامع، فيقول له: هل ما زلتَ رجعيًّا وما زال عقلك صغيراً؟ أما إذا قلتَ له: ذاهب إلى السينما أو إلى الخَمَّارَة فشيءٌ عظيم، أليس كذلك؟
((كَيفَ بَكم إذا صارَ المعروفُ مُنكَرًا، والمنكَرُ مَعرُوفًا!)) قالوا: “وكائن ذلك يا رسول الله؟” قال: ((وأَشدُّ منه، كَيفَ بكم إذا أَمرتُم بالمنكَرِ ونَهيتُم عن المعروفِ!))، إذا كنتَ تصلي يقولون: هذا لا يجوز، وربما يُضرَب المصلي أو يُؤذى بنوع من أنواع الإيذاء.
فإذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ((يقولُ اللهُ تعالى: بي حَلفتُ))، يحلف الله بذاته العلية، ((لأُتِيحَنََّ لهم فِتنةً))، أُوقِعهم في بلاء وفي مِحَنٍ، ((تَجعلُ الحَليمَ فيها حَيرانًا)) ، يجتمع كل العقلاء والفهماء والأذكياء والقادة لكي يَحلُّوا المشكلة فيتحيَّرون في حَلِّها، ويُعمَّى عليهم طريق الخروج منها.
بالله عليكم أليس حال العرب وواقع المسلمين الآن في هذا الحديث النبوي؟ وهذا مِن فَقْد: “يا أيها الذين آمنوا”، ونحن الآن في: “يا أيها الذين فسقوا”، “يا أيها الذين نافقوا”، “يا أيها الذين كفروا”، ومن بقي منا يقرأ فإنّه يقرأ بلسانه، ولكنه يكفر بأعماله وأخلاقه وسلوكه.
أهمية التثبُّت من الأخبار
الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فلما أتى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقال عن العشيرة التي أُرسِلَ لها: لقد ارتدُّوا.. وهو كاذب، ومنعوا الزكاة.. وهو كاذب، ويريدون قتلي.. وهو كاذب.. لم يستجب له النبي ﷺ، وألحُّوا على النبي ﷺ فأمر خالدًا رضي الله عنه أن يذهب بقوة من الجيش، وقال له: تثبَّت ولا تعجل وائتهم ليلًا، فإن وجدتهم يؤذِّنون ويُصلُّون ووجدتَ علائم الإسلام وشعاراته قائمة فلا تبادرهم، وإذا رأيتَ العكس فافعل ما يلزم.
فيجب أن تمشي على حسب العلم واليقين، لا على حسب الخبر والسماع، بل على حسب البصر واليقين، قالوا: “بين الصدق والكذب أربعة أصابع”، ما تسمعه أذنك قد يكون كذبًا أما الذي تراه عينك فهو صدق، فلا تصدق الأذن فورًا، بل اذهب وانظر بعينك ثم احكم.. هذا هو الإسلام.
فهل واقع الأكثرية في مجتمعنا هو الإسلام أم عكس الإسلام؟ ترى العداوات والخصومات والأحقاد والأضرار، لأن المجتمع فاقد لهذه الآية.
فذهب سيدنا خالد رضي الله عنه، ووصل إليهم ليلًا وانتظر، وإذ به يسمع الأذان والصلوات، ولما تيقَّن من إسلامهم اتجه إليهم بالجيش، وقال لهم: بلغ النبيَّ ﷺ أنكم ارتددتم ومنعتم الزكاة وأردتم قتل رسولَ رسولِ الله ﷺ، قالوا له: لا نعلم من ذلك شيئًا، بل نحن جمعنا الزكوات وننتظر المُوفَد من رسول الله ﷺ لنؤدِّيَ إليه الزكاة، فأنزل الله عند ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6] .
وفي الحديث عن النبي ﷺ فيما ورد عن التثبُّت من صحة الخبر يقول: ((التَّثبُّتُ مِن الإيمانِ، والعَجَلةُ مِنَ الشَّيطانِ)) .
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قراءة أخرى: “فتَثَبَّتُوا”، فلا تغترَّ بالسُّبْحَة والذكر وتغمض عينيك وبالكشف.. وإلخ، وهذه آية صريحة وواضحة في القرآن، ولكنها لم يصِر لها بعدُ أثرٌ في قلبك وفي حياتك العملية والأخلاقية والسلوكية!
هذه الآية كلمة بسيطة، فكيف بالآيات الأكبر والأكبر! ثم نقول: اللهم انصر الإسلام والمسلمين.. إذا أردتَ أن تدعو دعاءً صحيحاً فقل: اللهم انصر الفسق والفاسقين والنفاق والمنافقين والمغضوب عليهم.
نظرة غير المسلمين للإسلام اليوم
وهذا وَضْعُنا في كل العالَم الإسلامي، والإسلام لا يظهر بحقيقته، وأعداء الإسلام يصفون الإسلام بواقع المسلمين وأخلاقياتهم وأعمالهم وسلوكهم، ويقولون: لو كان الإسلام صحيحًا لنجحوا، وإن سبب تقهقرهم وتخلفهم وضعفهم وجهلهم وفقرهم هو الإسلام.
لقد صرنا حجة على الإسلام، والذي يعرف الإسلام بحقيقته وروحانيته وبجماله وبجوهره من غير المسلمين ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:109]، وهذا أنا رأيتُه بعيني في مشارق الأرض ومغاربها، وفي أرقى بلاد العالم من أمريكا إلى اليابان.
الإسلام لا يزال بقوته وبجَماله وبحيويته وبروحانيته، ولكنَّ المسلمين يَعْرِضونه عرضًا كالذي يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، إن صدَّقتم وتسرَّعتم قبل أن تتبيَّنوا ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ بأذى على غير علمٍ ﴿بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
فلو قتلوهم وكانوا مسلمين ألن يندموا؟ وإذا لم يندم في الدنيا لعدم إيمانه فسوف يندم في الآخرة، وسوف يبعده الله عزَّ وجلَّ عن الجنة خمس مئة سنة، وفي الآخرة هل يوجد مال أو شِيكَّات أو أملاك أو وظائف أو أوسِمَة أو وزارة؟ لا يوجد شيءٌ سوى الإيمان والعمل الصالح، فإذا أبعدوك عن المطعم خمسة أمتار أو عند باب المطعم لم يُدخلوك وقت الغداء أو الإفطار ماذا يحدث لك!
معنى كلمة “الفاسق”
هل أنت مصدِّق بكلام النبي ﷺ؟ إنْ صدقتَ فهذا هو الإيمان، وإذا لم تصدِّق ولم يظهر التصديق في عملك فأنت غير مؤمن، بل فاسق، وبسبب هذه الخصلة الواحدة صرت فاسقاً، وتعريف الفاسق بشكل عام: هو كل إنسان يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب.
وقد عُدَّتِ الكبائر سبعين كبيرة، وبعضهم عدَّها سبع مئة كبيرة، أما التعريف العام الجامع للكبيرة فهي: كل ذنب وكل خطيئة أعدَّ الله لها وهدَّد فاعلها بلعن أو عقوبة أو حَدٍّ أو تهديد بعذاب.. وهذا الذنب يُعَدُّ من كبائر الذنوب، ولابن حجر كتاب اسمه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، عدَّ سبع مئة ذنب كلها من الكبائر، وإذا فعلتَ الكبيرة مرة واحدة يُسلَب منك لقب مؤمن، وتُستبدَل به لقب فاسق.
عقوق الوالدين من الكبائر
سُئل النبي ﷺ عن أكبر الكبائر فقال: ((الشِّركُ باللهِ))، قالوا: ثم؟ ما الدرجة الثانية بعد الشرك؟ قال: ((ثُمَّ عُقوقُ الوالِدَين)) ، لم يقل: ترك الصلاة أو منع الزكاة أو الزنا أو شرب الخمر أو أكل الربا، بل قال: ((ثُمَّ عُقوقُ الوالِدَين)).
يقال عن بعض الصالحين: إنه رأى في المنام كأنَّ القيامة قد قامت، والحساب والميزان وأعمال الناس تُوزَن: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)﴾ يسحبونهم ويرمونهم في جهنم على أم رأسهم، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)﴾ [القارعة:6-11].
فذهب ينظر إلى الميزان فرأى شخصًا زانوا حسناته وسيئاته فنقصت حسناته وثقلت سيئاته، ويريدون سحبه إلى جهنم، وإذ بصُرَّةٍ نزلت من السماء وسقطت في كفة الحسنات فرجحت.
قالوا: الآن ثقلت حسناتك فهيا إلى الجنة، قال: أروني الصرة التي ثَقُلَت بها حسناتي ما هي؟ ففتحوها فإذا هي صرة من تراب، ما هذا التراب؟ هي ليست صلاة ولا صومًا، فقال: ما قصة هذا التراب؟ ففتحوا الدفاتر، فقالوا له: في يوم من الأيام خرجتَ في جنازة مسلمٍ، وعند الدفن قالوا: من يحِبُّ أن يكسب الأجر ليُعاوِن في الدَّفنِ؟ فبعضهم ساعد بالقُفَّة وبعضهم بالمجرفة، وأنت لم تجد ما تعاون به، فأخذتَ هذا الكف من التراب ووضعتَه في القبر معاونة على دفن الميت، فسجلها الله لك، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7]، فالله سبحانه وتعالى لم يُضِعْها لك، بل خبََّأها وهي التي أثقلت ورجَّحت كفَّة حسناتك، فيجب أن لا نزهد في الخير القليل.
عمل الخير مهما كان قليلاً
أتى سائل فقير إلى السيدة عائشة رضي الله عنها فأعطته حبة عنب، فقالوا لها: يا أم المؤمنين، حبة عنب! قالت: أنسيتم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7]؟ فكم ذرة في هذه الحبة!
افعلِ الخَيرَ ما استطعتَ ولو كا
نَ قَليلًا فلن تُحِيطُ بِكُلِّهْ
ومتى تَفعلُ الكَثيرَِ مِن الخَيـ
ـرِ إذا كُنتَ تارِكًا لِأقلِّهْ؟
فلا تزهد بالخير مهما كان قليلًا.
وجاؤوا بشخص آخر فخفَّت حسناته وأرادوا سحبَه إلى جهنم، فلم يروا إلا ونزل شيء من السماء مثل الغيم والسحاب في كفة حسناته فرجحت، فقالوا: أنت إلى الجنة، فقال: أخبروني ما هذا الغيم الذي نزل ورجحت به كفة حسناتي وثقلت موازينها؟
فقالوا: هذا العِلم الذي كنتَ تَسمعه من العلماء والشيوخ وكنتَ تُعلِّمه للناس، فالذي تَسمعه كنتَ تُعلِّمه لغيرك، فسجَّله الله سبحانه وتعالى لك ولم يضيِّعه، ووضعه في كفة الحسنات التي لولاها لدخلتَ النار، فبذلك رجحت حسناتك على سيئاتك.
كان النبي ﷺ يقول: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ)) ، الكلمة من الخير إذا سمعتَها علِّمها لغيرك، ((فرُبَّ مُبلَّغٍ))، وهو الذي يُبَلِّغه الصحابي ما سمعه من النبي ﷺ، أو الذي تبلِّغه ما سمعتَه من الشيخ، ((فرُبَّ مُبلَّغٍ أَوعَى مِن سامِعٍ، ورُبَّ حاملِ فِقهٍ وليسَ بفَقيهٍ)) ، قد يكون حاملًا للعلم، لكنه لا يعمل به، وإذا علَّمه لغيره قد يعمل به فيكون الثاني أفضل من الأول.. فذهب هذا إلى الجنة.
كلمة أُفّ لأحد الوالدين أَدْخَلَت النار
وجاؤوا برجل ثالث فوزنوا حسناته وسيئاته فتساوت، فقالوا: أنت لا إلى الجنة ولا إلى النار، ستبقى في صحراءِ يوم القيامة، مثل الأعراف الذين هم لا من أهل الجنة ولا من أهل النار، ولا يوجد لهم رجوع إلى الدنيا ليزدادوا من العمل الصالح ويدخلوا الجنة، ولكن لا يوجد عودة فأين سيبقى؟
فصار يتحرَّق حزنًا، فتفاجأ بورقة صغيرة نزلت من السماء على كفة السيئات، فرجحت سيئاته على حسناته، فقالوا: خذوه إلى جهنم، قال: أَمِنْ أجل هذه الورقة الصغيرة؟ قالوا: نعم، قال: فأروني ما بها؟ فقرأوها وإذ مكتوب فيها “أفٍّ” قالها لأحد والديه.
((أكبَرُ الكبائِرِ الشِّركُ باللهِ، ثُمَّ عُقوقُ الوالِدَين))، الله تعالى قال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:23]، فكيف إذا سبَّهما وأهانهما وضربهما وجوَّعهما، هل هذه أصغر من “أفٍ” أم أكبر؟ فقالوا: إلى جهنم، فقال: أمن أجل أفٍّ! فقالوا: ألم يقل لك الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؟ وكان قد قالها لوالده، وبينما هو في طريقه إلى جهنم رأى والده بطريقه يسحبونه إلى جهنم.
الأب والابن.. أنعم بهذه العائلة! [سماحة الشيخ يقول ذلك وهو يضحك]، فقال: ما هذا يا أبي! فقال: كما ترى يا بني، قال: إلى أين؟ قال: إلى جهنم، قال له: لماذا؟ قال له: لا صلاة ولا زكاة ولدي أخطاء كثيرة ومتنوعة.. والحليب إذا حُلب هل يعود إلى ثدي الأم؟ كذلك عندما تخرج من الدنيا لا ترجع إلى الدنيا، ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:99-100]، الآن اكسب مالك وشبابك وجاهك وحكمك وقوَّتك، ولا تغترَّ فبلحظة واحدة تنتهي.. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا تقواه حق تقواه.
بر الوالد في الآخرة
قال له: يا أبي بما أنك إلى جهنم وأنا إلى جهنم.. ثم قال للملائكة: أعيدوني إلى الله فلي كلام معه، قالوا له: لقد صَدَر الأمر إلى جهنم ونحن منفِّذون ولا يوجد أمر أن ترجع، قال لهم: أنتم بلِّغوا الله والله هو السميع البصير والعليم الخبير.. فجاء النداء أن أرجعوه، ماذا تريد؟ قال: يا رب بينما أنا ذاهب إلى جهنم رأيتُ أبي يأخذونه إلى جهنم، فأرجوك يا رب أن تجعل عذاب أبي عليَّ، وأنا أتعذََّب عن ذنوبي وذنوب أبي، وتعفو عنه وتدخله الجنة وأنا أتحمل العذاب عنه في جهنم، قال: فيضحك الله تعالى ويقول له: لقد عقَقتَه حيًّا في الدنيا وبررته في الدار الآخرة، فبِبِرِّك به في الدار الآخرة خذ بيد أبيك وأدخل أنت وهو الجنة.. نسأل الله أن يجعلنا أبرارًا بهم في الدنيا والآخرة.
قالوا: ثم؟ قال: ((قَولُ الزُّورِ))، أي أن تتكلم بكلام غير صحيح بحق إنسان كذبًا وزورًا لتنتقصه ولتعيِّره ولتؤذيه ولتحطَّ من قَدْره بدافع الغضب والمصلحة وتفسد عليه عمله، قال: ((ثم قَولُ الزُّورِ، ثُمَّ شَهادةُ الزُّورِ)) قالوا: فما زال يكررها ويكررها وهو مغضَب حتى قلنا: ليته سكت .
أثر الفسق في سقوط العدالة وعدم قبول الشهادة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، والفسق يَسْلُب من الإنسان العدالة، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، فبدل أن يكون صاحب عدالة يصير فاسقًا مرفوض الشهادة.
ويصير الإنسان فاسقًا مرفوض الشهادة بواحد من خمسة أشياء
1- أن يرتكب كبيرة من الكبائر، وما هي الكبيرة؟ كلُّ معصيةٍ أوعد الله وهدَّد عليها بعقوبةٍ أو لعنٍ أو حَدٍّ أو غضبٍ، فهذه تسمَّى كبيرة، وإذا فعل الكبيرة صار فاسقًا ولم يَعُدْ مؤمنًا.
2- أو أصرَّ على صغيرة، وصغائر الذنوب كالنظر إلى الحرام، فإذا نظر أول نظرة عن قصد فهذا ليس مَصِرًّا، لكن إذا كررها مرة ثانية وثالثة ورابعة فالإصرار على الصغيرة يحولها إلى كبيرة، وكَشْف العورة أيضًا من الصغائر، ولكن إذا أصرَّ فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وكذلك هجر المسلم فوق ثلاثة أيام بلا موجب شرعيِّ، وكم من الناس يهجرون بعضهم ويسبون بعضهم ويضربون بعضهم! قال
يا هاجري فوقَ الثلاثِ بلا سببْ
خالفتَ قولَ المصطفى فخرِ العربْ
هجرُ الفتى فوقَ الثلاثِ محرَّمٌ
ما لم يكنْ فيهِ لِمولانا سببْ
أما إذا هجرتَه لله لأنه تارك صلاة أو مانع زكاة أو مغتاب أو يرتكب أمرًا من الأمور المحرَّمة وهجرته لله عزَّ وجلَّ فلا بأس، أما لهواك ولحظ نفسك فهذا من الصغائر، وإذا أصررتَ فالإصرار على الصغيرة يحوِّلها إلى كبيرة، وفاعل الكبيرة يلقَّب بالفاسق ويكون مردود الشهادة.
3- أن لا يكون حسن العقيدة، فإذا كانت عقيدته لا تلتقي مع الإسلام بشكل تامٍّ يُعتبر فاسقًا غير عَدْلٍ.
4- أن لا يكون مأمون الغضب، فإذا غَضِب لا يحمله غضبه على أن يتجاوز حدود الله إلى محارمه، بعض الناس إذا غضب يضرب بغير حق، ويظلم بغير حق، ويشتم بغير حق، ويكذب بغير حق، ويغتاب بغير حق، ويصير نمَّامًا بغير حق، ويُؤذي بغير حق.
أما المؤمن فإذا غضب يكظم غضبه، وله درع من الإيمان يَحجِبُ به غضبَه عن أن يُسخِّره في معصية الله، وهناك من إذا غضب يسبُّ الدين فهذا فاسق، ولو لم يسبّ الدين، فما دام غضبه غير مأمون أن يُوقعه في معصية، فهذا شهادته لا تُقبل.
5- أن لا يكون ذا مروءة، فإن لم يكن ذا مروءة لم تُقبل شهادته.
ولكن المسلم الآن لا يفهم شيئًا، والنجار يعرف صنعته، وعندما يأخذ لقب نجَّار يعرف الشُّبَّاك [النافذة] والباب والطاولة والقَدُّوم والعمل وأدوات العمل، والحدَّاد يعرف صنعته، والمحامي يعرف مهنته، أما المسلم فإنه يأخذ لقب مسلم ولا يدري ما الإسلام، لا علمًا ولا معلمًا ولا حكيمًا ولا حكمةً ولا مُزكِّيًا ولا تزكيةً، وغدًا إذا وقع في الموت ماذا يصير به؟ وبماذا يجيب إذا سُئل: من أستاذك في الإسلام؟
من فوائد الشيخ المربي في الآخرة
اثنان من إخوانكم رحمهما الله أحدهما حمدي الشالاتي كان خادمًا عند شيخنا، وقد توفاه الله تعالى من سنتين أو ثلاث، وقد بقي غائبًا عن وعيه ثمانية أيام في مرضه، ومرةً من المرات لما رجعت إليه أفكاره ووعيه قال: رأيتُ “أشكالًا وألوانًا” بهذه الغَيبة، [أشكالًا وألوانًا: مصطلح في اللهجة العامية بمعنى أشياء كثيرة ومتنوعة]، قال: كنتُ في الآخرة ومررتُ بالحساب من حاجز إلى حاجز، ومن محكمة إلى محكمة، ومن مُستَنطِقٍ إلى مُستَنطِقٍ، ثم بعد أن تعبتُ وأصابني الرَّهَق، وقد كانت معه هوية، فقال لهم: ألا تعرفون هويتي؟ قالوا: ما هويتك؟ قال: أنا تلميذ الشيخ، انظروا، وأنتم لا زلتم تحاسبونني وتعذبونني، قالوا: ما دمتَ تلميذ الشيخ فاذهب مع السلامة.
كان في حياته -رحمة الله عليه وغفر الله له- خادمًا لمعهد الأنصار، [معهد الأنصار: معهد أو مدرسة للتعليم الإعدادي والثانوي، أسّسه سماحة الشيخ أحمد كفتارو عام 1949م في دمشق، وكان من أوائل المؤسسات التعليمية التي أنشأها في مساره الدعوي والتربوي]، ولكنه مع أُمِّيَّته بالورق والكتابة كان في التقوى والصلاح والأعمال والأخلاق والإيمان والحب أكبر أستاذ.
وشخص آخر هو أحمد الملاح رحمه الله والد زهير، رأوه في الرؤيا وقالوا: ماذا حصل معك؟ قال: أُوكل حسابي إلى شيخي، فقال له شيخه: اذهب.
نسأل الله عز وجل بفضله وإحسانه أن يثبتنا بقوله الثابت في الدنيا، وأن يُحيينا في مجالس العلم ومجالس الحكمة، النبيُّ ﷺ وصف تلامذته وأصحابه فقال: ((حُكَماءُ عُلماءُ فُقهاءُ، كادُوا مِن فِقهِهم أن يَكونوا أنبياءَ)) .
خريجو مدرسة المسجد
هكذا كانت مدرسة المسجد تُخرِّج طلابها بلقب: “يكاد أن يكون نبيًّا”، ((لو كانَ بَعدِي نَبيٌّ لَكانَ عُمرُ)) ، هؤلاء إذا دخلوا في الحرب وفي المعركة هل ينصرهم الله أم يهزمهم؟ وإذا كانوا في الحياة هل يُعزوا أم يُذلوا؟ هل يغنيهم الله أم يفقرهم؟
﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)﴾، إذا تنظَّفتم من الذنوب وغفر لكم، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾، تصير السماء طوع إرادتكم، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح:11-12]، هل يجعلكم أغنياء أم فقراء؟
لقد جعل الله تعالى الغنى والثروة والأموال علامة على رضاء الله عزَّ وجلَّ، وقد تُعطَى الثروة أيضًا للكافر، لكنَّها ليست حتمية على رضاء الله، ((إنّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ)) ، لكن ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:16-17]، وهذا فحص، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:35].
﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ وذِكرُ الله هو القرآن، ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:17]، وسيعيش: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:24].. هل آمَن لسانك؟ وماذا يخرج من لسانك؟ هل يخرج إيمان أم فسق وعصيان؟
وعينك أين تستعملها؟ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36].
كانت المدرسة والجامعة والبَكَلُوْرْيا والكَفَاءَة والماجستير والدكتوراه في المسجد، [البَكَلُوْرْيا: الشهادة الثانوية، والكَفَاءَة: الشهادة الإعدادية أو المتوسطة]، وكانت تجعل حامل لقب مسلم سيدًا في الدنيا والآخرة، وقد جعلهم ملوكَ الدنيا وجعلَ الملوكَ خدمًا لهم لَمَّا كانوا مسلمين حقًّا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:4].
حُكْم الغيبة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:6]، قال: والكبائر مثل قتل النفس وأكل مال اليتيم والربا والزنا كلُّها عليها عقوبات ووعيد من الله شديد، والنميمة بالاتفاق من الكبائر، وصاحبها الذي ينقل الأخبار على وجه الإفساد بين الناس يحمل لقب فاسق وفاسقة، ليس مؤمناً ومؤمنة.
وأما الغيبة فهل هي من الكبائر أم الصغائر؟ قال: فيها خلاف، بعضهم قال: من الكبائر، وبعض العلماء قال: فيها تفصيل، فإذا كانت بحق أهل العلم وحملة القرآن فهي من الكبائر.
وهذا إذا كان صادقًا فيما قال، “ما قلتُ إلا ما فيها”، قالت: “قصيرة”، وهي قصيرة، قال: قولُكِ عنها قصيرة لتعْيِيْبها وتعْيِيْرِها هو غيبة.. فإن كانت الغيبة في أهل العلم وحملة القرآن فهي من الكبائر، وإلا فهي من الصغائر، وبعض العلماء قال: إنها من الكبائر مطلقًا.
عقوبة بُغْضِ أهل العلم
فكم الآن من الناس إذا ذُكر عالِم أو شيخ يتلذَّذون بغيبته كما يتلذَّذون بالقثاء في أول موسمها، أو كما يتلذَّذون في أول موسم المشمش، مع أن النبي ﷺ يقول: ((إذا أَبغضَ المسلمونَ عُلماءَهم، وأَظهَروا عِمارةَ أَسواقِهم، وتَألَّبوا على جَمعِ الدَّراهِم)) همهم المادة، أما المعنويات والروحيات والأخلاقيات والواجبات والفرائض وعلوم القرآن وحياة النبي ﷺ وحياة الصحابة وتاريخهم فهذا كله مجتمعنا أُمِّيٌّ فيه.
((ابتلاهُمُ اللهُ بخِصالٍ)) فإذا تألَّبوا على الدنيا واهتموا بالتجارة والأسواق، لكن مع بغض العلماء.. أما إذا أحببت العلماء فكن في الأسواق وكن من الأغنياء.
والزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، وهي الغنى مع العطاء والسخاء، فمن صار غنيًّا وزكَّى فهذا يقيم ركن الإسلام، أما إذا كان فقيرًا ويأخذ فهذا لا نقول: إنه هدم هذا الركن، لكنه لم يُقِمْه ولم يهدِمْهُ.
((ابتلاهُمُ اللهُ بخِصالٍ)) منها: ((القَحطُ مِن الزَّمانِ))، الآن تجد العالَم الإسلامي كلَّه في شبه قحط ومجاعات وفقر، أليس كذلك؟ ((القَحطُ مِن الزَّمانِ، والصَّولةُ مِن العَدوِّ)) ، والآن نفوذ العدو في كل العالَم الإسلامي، وهو الذي يتصرَّف في أكثر البلاد أو في بعض البلاد الإسلامية.
[تتمة الحديث النبوي: ((ابتلاهم الله بأربع خصال: بِالْقَحْطِ مِنَ الزَّمَانِ، وَالْجَوْرِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَالْخِيَانَةِ مِنْ ولَاةِ الْأَحْكَامِ، وَالصَّوْلَةِ مِنَ الْعَدُوِّ))].
ولا يوجد مذكِّر، ونحن نقرأ القرآن والله عز وجل قال عنه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:37]، يقرؤه بتدبُّر وبتفكُّر وبتفهُّم، وإذا لم يفهم يسأل العالِم ويكون دائمًا في مجلس العلم ومجلس العالِم الحكيم المزكِّي، وما أقله وأندر وجوده! ولذلك صار المسلمون كغنمٍ في غابة، كيف يكون مصيرها!
نسأل الله أن يُهيِّئ للمسلمين ((العُلَماء)) الذين هم ((ورثةُ الأنبياءِ)) ، يرثون عن النبي ﷺ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:129]، أما إذا كان لا يُعلِّمهم القرآن ولا يعلمهم الحكمة ولا يزكيهم ويحمل خمسين شهادة دكتوراه فهذا اسمه قارئ وليس بعالِم، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:5].
القيادة المجتمعية للنبي ﷺ وورثته من بعده
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ لماذا تبيَّنوا وتثبَّتوا وتمهَّلوا؟ قال: خشية ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، فلو ذهب سيدنا خالد رضي الله عنه دون أن يقول له النبي ﷺ: ((تَثبَّتْ ولا تَعجلْ، فإنَّ التَّثبُّتَ مِن الإيمانِ)) ، لذهب “مَظَالِيْم”، [جمع مظلوم]، وسُفِكت دماء بغير حق، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6].
وبعضهم من المستعجلين ألحُّوا على قتلهم وقتالهم وتدميرهم فخاطبهم الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:7]، فيجب أن ترجع إلى النبي ﷺ، وبعده أن ترجع إلى الشيخ في كل الأمور المهمة.
ويوجد كثير من الإخوان يقوم بالعمل وبعد أن يفعلَه وينتهي منه يأتي إلى الشيخ ويقول: يا شيخي أنا قد فعلتُ كذا فما رأيك؟ هل المشورة تكون قبل الفعل أم بعده؟ كل أمورك المهمة التي تُشكِل عليك يجب أن يكون لك فيها مرجع، في حياة النبي ﷺ كان النبي ﷺ هو المرجع، وإذا مات النبي ﷺ هل نضيع؟
قال: مِن بعدي ((العلماءُ وَرثةُ الأنبياءِ)) ، يرثون الواجبات عليهم، ويرثون الحقوق التي لهم، فالأدب مع الشيخ والاحترام والحب والطاعة له، وهذا بإجماع كل علماء المسلمين من بعد رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا.
والمسلمون اليوم كيف هم مع الشيوخ الحقيقيين أو نصف الشيوخ أو ربع الشيوخ؟ نسأل الله عز وجل أن يجعلنا مسلمي القرآن لا مسلمي التمني والأماني وغرور الشيطان.. فتراه يُصلِّي وهو لا يُصلِّي، ((كم مُصَلّ ليسَ له مِن صَلاتِه إلَّا السَّهرُ))، يقوم الليل واللهُ تعالى لا يقبل منه، ((وكم مِن صائمٍ ليسَ له مِن صِيامِه إلَّا الجُوعُ)) ، ويذهب إلى الحج، قال
إذا حَجَجْتَ بمالٍ أَصْلُهُ سُحتٌ
فما حَجَجْتَ ولَكِنْ حَجَّتِ العِيرُ
لا يَقبَلُ اللهُ إلَّا كُلَّ صالِحةٍ
ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيتَ اللهِ مَبرورُ
“أصله سحت”: أي حججت بمال حرام.
رسالة من رئيس طائفة الأوموتو اليابانية بعد إسلامه ورجوعه من دمشق
زارنا رئيس أحد الأديان الثلاثة من اليابان، وكان معه الوفد المرافق له، وقد رأيتموه لما ألقى محاضرته هنا في الجامع، وذهبنا سويةً إلى العمرة.. أرسل لنا مكتوبًا سوف أقرأ لكم بعضه، انظروا إلى هؤلاء في عشرين يومًا كأنهم تربوا بالجامع خمسين سنة، وهذا رئيس الكهنة لأحد الأديان الثلاثة في اليابان، وعندما كنتُ في اليابان في صحبة أسبوع كانت النتيجة التي رأيتموها، والآن تسمعون مكتوبهم بعد أن رجعوا، يقول
“أنَّه ليصعبُ عليَّ أن أُعبِّر عن فرحي بأن الله تعالى أخيرًا وفَّقنا لزيارة الأماكن المقدسة”.
ولقد ذهبتُ معهم إلى العمرة، وكان معي نزيف في المعدة، وفقدتُ قريباً من نصف الدم، لكن خشيتُ عليهم إن ذهبوا وحدهم أن يصادفوا أمورًا لا يفهمونها، أو أن يُسيء أحدٌ شرحها فيرجعون مسلمين، ولكن على طريقة ذلك الخوري.
في حرب لبنان تقاتل الموارنة مع بعضهم بالمدافع والقذائف، وركضت الناس للملاجئ، وانتشر بينهم الفزع والهلع، فلجؤوا إلى جسر إسمنتي من جملة الملاجئ، فوجدوا أحد الرهبان أو الخوارنة يركض وبأعلى صوته يرفع يديه للأعلى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.. وقد كان الموارنة يتقاتلون مع بعضهم، فعندما رآه المسلمون صاروا يصفِّقون له ويقولون: تهانينا يا أبونا، تهانينا! فقال [بصوت عال وغاضب]: “شَيْء يُكَفِّر! شيء يُكَفِّر! شيء يُكَفِّر!”، يعني أنه كفر بالموارنة وكفر بالكنيسة.. وأيضًا خفتُ أن يَعْلَق هؤلاء بأحدهم فيذهب التعب ضياعًا.
ثم يقول: “وإني أشعر بالامتنان العميق لكم ولأصحابكم الذين تغلَّبوا على الصعوبات الكثيرة للحصول على التأشيرة، ورغم فكرتي المبهَمَة”، لقد فهِمتُ شيئًا كان مبهَمًا عليَّ ولم أكن أعرفه، ولم يكن فكري يدرك حقيقة كانت مبهمة عليَّ.. فما هي هذه الحقيقة المبهمة؟
قال: “وهي عن سبب قدسية مكة والمدينة في جميع أرجاء العالَم الإسلامي”، فهو لم يفهم لماذا مكة والمدينة مقدسة في العالَم الإسلامي، “ولم أكن مستعدًّا بعدُ لذلك التدفُّق الغامر”، كالماء عندما يتدفق، “من تلك الطاقة الروحية الطاهرة والساطعة الباهرة التي تنساب كالشلال عبر هذين المكانَين المقدَّسين”.
انكشفت لهم طاقة وأنوار في زيارة النبي ﷺ، وحَكَوا لنا بشكل تفصيلي، وربما أناس منذ خمسين سنة ملتزمون في الجامع لم يصِرْ لهم كما صار لهؤلاء في هذه المدة القصيرة.
قال: “لم أكن مستعدًّا بعدُ لذلك التدفُّق الغامر من تلك الطاقة الروحية الطاهرة والساطعة الباهرة”، رأوا الأنوار عند ضريح النبي ﷺ وعند الكعبة بما يُذهِلُ العقول.. هذا رئيس كهنةٍ لثلث اليابان وليس شخصًا عاديًّا، وجميع من معه من العلماء وليسوا من العمال في الطرقات.
قال: “التي تنساب كالشلال عبر هذين المكانَين المقدسَين، ولقد شَعرتُ بالتطهُّر الكامل”، أيُّ تطهُّر؟ هل ملابسه أو بدنه أم روحه؟ صار لهم من الحالات الروحية ما لو وُزِنَتْ بالدنيا لَرجَحَت بها.
“ولقد شعرتُ بالتطهُّر الكامل والسمو الروحي عندما زرتُ هذين المكانين المقدسين، ولقد تأثَّرتُ كثيرًا عندما استطعتُ أن أؤدِّي الصلوات لله في أشدِّ الأمكنة قدسية له، وأني استطعتُ أن أُقبِّل الحجر الأسود”.
ثم يقول: “وإني ممتنٌّ للقاءات مع إخوانكم وخصوصًا مع الرئيس حافظ الأسد”، فقد اجتمعوا بالسيد الرئيس في الجامع الأموي وتحدَّث معهم في قاعة الأموي.
“الذي بذكائه الحادِّ وسعةِ رؤيته قد ساعدَتْه على الوصول إلى فهم أفضل للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم الإسلامي”.
ثم يذكر أشياء.. ويقول: “وأشكركم على ما تحمَّلتم من مشاق رغم وفاة زوجتكم العزيزة ووضعكم الصحي المحرِج وفاءً لوعدكم بأن تكونوا معنا في هدايتنا في سوريا والسعودية، ولتحقيق حُلمِنا في أن نحجَّ سويةً”.
الإسلام يحتاج إلى أمم راقية، فالجوهر من يقدِّره؟ الجَوْهَرِيّ، والألماس من يقدِّره؟ بائع الأحجار الكريمة.. والمسلمون اليوم قد يرون الألماس فيعاملونه كزجاج مكسَّر في الشارع، ولذلك يزدادون تخلُّفًا وضعفًا وجهلًا وفقرًا.
بينما أمم العالَم كلها في تقدُّم، والإسلام يرفع سوية الإنسان روحيًّا وحياتيًّا وعقليًّا وعلميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ويجعله سيد هذا الكوكب.. فنسأل الله تعالى أن يُهيِّئ المهندسين الذين يحسنون صناعة الإسلام وتصنيعه في النفوس والقلوب والعقول.
السعادة في السير وراء رأي النبي ﷺ والهلاك في مخالفته
قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:7]، لو استعجل وصدَّق الخبر فكم قتيلًا كان سيُقتَل! وكم نفسًا بريئة كانت ستهلك!
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:7]، ومن جملة إيمانهم أنهم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ولم يستقِلُّوا برأيهم، قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الحجرات:7]، هل يجب أن يطيعكم هو أم أنتم يجب أن تطيعوه؟ هل يجب أن تكونوا أمامه أم هو أمامكم؟
يجب أن تكون وراء إمامك، وإذا تقدَّمتَ على إمامك تبطل صلاتك، أين المسلم الآن؟ لا يعرف الشيخ ولا يعرف النبي ﷺ ولا القرآن ولا الإسلام ولا الدنيا ولا الآخرة، ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:12]، حياتهم ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد:20].
ويأتي الموت يُفقِده كل شيءٍ، ويكون هناك أمام أعماله وذنوبه، ولم يبقَ له لقب ملِك ولا وزير ولا أمير ولا مليونير، ولم تعد له مَصانع إلا حفرة ليدفنوا جيفته، وليت مصير روحه مثل الجيفة، فالجيفة تفنى وتنتهي، لكن هناك إما عذاب الأبد وإما نعيم الأبد.
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ العنت هو الهلاك، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات:7]، ومن الإيمان أن يرجعوا في مشتبهات أمورهم إلى رسول الله ﷺ، فلو سار النبي ﷺ على رأيهم لَهلكوا وأهلكوا، وعندما ساروا على رأي النبي ﷺ سَعِدوا وأسعدوا.
﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، مخالفة النبي ﷺ وتقديم رأيك على رأي النبي ﷺ فسوق وعصيان.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:7] إلى الحق وإلى السعادة وإلى النجاح وإلى النصر وإلى العزِّ وإلى الكرامة.
الإقبال على أهل الفوز والابتعاد عن أهل الخسران
﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، الله تعالى يُعطينا أوامر وإرشادات ووصايا عن علم ومعرفة بالحقائق، ويرشدنا إلى ما فيه السعادة الحقيقة، ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:8]، يُعطي بحكمة، ويمنع بحكمة، ويهدي بحكمة، ويُضلُّ بحكمة.. يُضِل من يطلب الضلال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5]، ويهدي: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:17].
من أقبل على أهل السعادة يُسعده الله، ومن أقبل على أهل الشقاوة يُشقيه الله، ((المرءُ على دِينِ خَلِيلِه)) وصديقه وجليسه، ((فَلينظُرْ أَحدُكم مَن يُخالِلُ)) ، ومَن يصاحب ويجالس.
نسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا هادين مهديين، واجعلنا عالِمين ومعلِّمين وعاملين ومخلِصين.