تاريخ الدرس: 1991/05/24

في رحاب التفسير والتربية القرآنية

مدة الدرس: 01:32:52

سورة الحجرات، الآيات: 1-3 / الدرس 2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، مَن أرسله الله رحمة للعالمين، ولكل الأمم والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى يوم الدين، وعلى إخوانِه جميعِ الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

سورة الحجرات مدرسة الأخلاق

فنحن الآن في تفسير آيات من سورة الحُجرات، والحُجرات جمع حُجرة، وهي الغرفة، والمقصود منها غرف زوجات رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان لكل زوجة من زوجاته ليس بيتًا مستقلًّا، ولكن غرفة ولها باب إلى المسجد.

سورة الحُجرات، أي سورة حُجرات وغرف زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسُمِّيت السورة بالحُجرات بمناسبةٍ ذكرتُها لكم في درسكم الماضي، وسأذكرها الآن أيضًا.

أولًا هذه السورة هي سورة الأخلاق، وسورة التربية والآداب مع مَصْدَرِ الإيمان ومَصْدَر العلم والحكمة والعرفان، وهي سورة الأخلاق القرآنية، وسورة الأخلاق الإسلامية على مستوى الإنسان الفرد، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى العالَم.

وأول الآداب والأخلاق مع مَصْدَر العلم والإيمان والحكمة، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان مَصْدَر علوم هذه الأمة وحكمتها ومجدها وعزها وغناها ووحدتها ونَقْلها من قبائل عشائرية صحراوية إلى أمَّة عالَمية تقود شعوب وأمم العالَم، ولا ينتهي هذا العالَم حتى يصل الإسلام إلى ما وصل إليه الليل والنهار 1 .

ويقول أيضًا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((وَسَيَأتي يَومٌ تَفنَى فِيه الْمِلَلُ والأَديانُ، ولا يَبقَى إلا دِينُ الإسلامِ ومِلَّتُه)) 2 .

صناعة القلب الإيماني

وباعتبار أنّ روح الإيمان الحب، وروحه الأدب، وروحه تكريم وتعظيم وتبجيل المعلم المربي الذي اغترفتَ منه إيمانك، فسقيتَ به قلبك الظمآن العطشان، فأرويتَه بنور الإيمان، وزَيَّنْتَ نفسك بمكارم الأخلاق وفضائلها، فقد كنتَ ميتًا عن العلم فحييتَ به، وميتًا عن مكارم الأخلاق غارقًا في رذائلها، وميتًا عن استعمال العقل وكأنك بعقل ميت، فحييتَ بعقلك وسعدتَ به في حياتك وبعد موتك، ومصدر هذه السعادات هو النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

لو أنقذ إنسانٌ جسدك من عطشه الجسدي، بأن كنتَ في صحراء وأنت عطشان ومشرف على الهلكة، وسقاك فأرواك وأنقذك من هلاكك فكم يجب عليك من محبته ومكافأته والإقرار بفضله وإسعافه إن كنتَ كريم النفس؟ وأما اللئيم فإنه يُنكر الجميل وينسى المعروف، هذا إذا لم يقابل الإحسان بالإساءة، ولم يقابل المكافأة بالنكران وبالجحود، بل وبالأذى، كما فعل كفار قريش في زمن رسول الله ﷺ.

الهوى عمى يحجب رؤية السعادة

ولقد أتى النبي ﷺ ليجعلهم ملوك الأرض وملوك السماء، ويجعلهم أغنياء الدنيا وأغنياء القلوب وأغنياء الأخلاق وأغنياء الحكمة، فقابلوا عطاءه بالفرار والهجران، وحبه بالعداوة والنكران، وعطفه وحنانه بكل أنواع الأذى وبالقتال وبالحروب.

وهم ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فقدوا شعورهم، ¬﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يس:9-10]، لأنَّ الهوى غلب على العقل، ولأنَّ الهوى صار يُعادي الحقيقة، وصاحب الهوى يكون له غرض معيَّن.

زعماء قريش رأوا أن النبوة فيها ذهاب زعامتهم وجاههم ونفوذهم، ولكن لم يفكِّروا أنهم على ضلال وأنهم على جهل، والإسلام علم وهدى ونور، وعز الدنيا وعز الآخرة، فقابَلوا النبوة بأغراضهم الشخصية، يقول أحدهم: لئلا تذهب زعامتي ولا يذهب جاهي، وأنا مسموع الكلمة، وقد أتى محمد ليصير هو الزعيم.

فهذا إنسان يقوده الهوى ولا يقوده العقل الناضج ولا النفس الفاضلة، وإن العقل الكامل والنفس الفاضلة دائمًا تبحث عن الحقيقة، وإذا رأتها تتخلى عن كل ما سواها وتعمل بمقتضى الحقيقة، وإذا عرف أن هذه حَيَّة وليست قِثاءة، وتحقق لديه ذلك ماذا يفعل؟ هل يمسك الحية ويقضمها؟ هذا صاحب العقل.

أما صاحب الهوى فيقول: هذه قثاءة، يقولون له: يا أخي هذا حية، وهو يقول: بل قثاءة.. فهو لا يعرف الحقيقة حتى تلدغه لدغة يكون فيها هلاكه، وحينها يعرف الحقيقة، لكن بعد فوات الأوان، كما عرف فرعون الحقيقة عندما أدركه الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)، فأجابته الملائكة: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ، لكن بماذا؟ هل بحياتك؟ ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:90-92]، ببدن بلا حياة، تحقيرًا له واستخفافًا به كما استخفَّ بأمر الله وبنبي الله موسى عليه السلام.

فذو الهوى والأحمق دائمًا يطالِب بما له ولا يطالِب نفسه بما عليه، وهذا ماذا يسمى؟ أحمق وذو هوى، ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43]، يطالب ويفتش ويصرخ ويصيح فقط بما له، ولكن لا يفكر ولا يذعن ولا يقبل أن يفهم أو يقبل أو يستجيب لِما يجب عليه، هذا ما اسمه؟ أحمق، وماذا أيضًا؟ ذو هوى.

من فهم حقيقة القرآن لن يُعرِّض نفسه للشقاء

أكثر الناس ماذا يفعلون عندما يتشاجرون أو يختلفون مع بعضهم؟ كلٌّ منهم يبحث عمَّا له لا عمَّا عليه، سواء عليه الحق أو لخصمه أو لربه أو لإسلامه، وقد يكون الحق معك، لكن الإسلام يقول لك: اعفُ، وهذا صار واجب، وعليك أن تؤدي العفو.

سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عندما أشاع المنافقون الفاحشة على ابنته عائشة الصديقة رضي الله عنها زوجة رسول الله عليه الصلاة والسلام واتهموها بالزنا، وحتى هذا الوباء أصاب بعض المسلمين لكن ضعاف الإسلام، ويوجد من المسلمين من أخذته المَوْجَة.

[وكان من بين من تكلم في الإفك قريبه مِسْطَح الذي كان يعطيه ويكرمه، فأوقف عنه العطاء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، ولما سمع الآية قال: بلى بلى، وعفا عن مسطح وأعاد له عطاءه].

حقيقة قراءة القرآن

عليكم أن تقرؤوا القرآن لا للقراءة فقط، بل يجب أن تقرؤوه للفهم وللعلم وللعمل وللإخلاص، وفيما ورد: “النَّاس هَلكَى” الناس في تلف وفي هلاك “إلا العالِمِين” 3 ، أي أن العلم فرض على كل مسلم، العلم بماذا؟ هناك العلم بالقرآن، لا أن نقرأه فقط على روح الأموات، ولا أن نقرأه من أجل الحسنات فقط، بل يجب أن تقرأه للعلم والعمل، وهذا كي تصير به مؤمنًا، أما إذا قرأتَه ولم تطبِّقه فأنت لستَ مؤمنًا به، لأنك لم تفهمه، وكيف ستؤمن بما لا تعلم؟ يعني لو قلتُ لكم: في يدي ليرة ذهبية لكم، فإنكم تؤمنون بالليرة لأجل أن تنتفعوا بها، أما لو آمنتم على جهل، أو من أجل أن لا تنتفعوا فهذا ليس بإيمان.

أكثر المسلمين الآن لو قرأ القرآن لا يقرؤه قراءة إيمان، والإيمان لأجل أن تفهم وتعمل وتطبِّق وبإخلاص، ثم تنتقل إلى أن تعلِّم وتبلِّغ وتدعو الآخرين، وهذا كي تصير مسلمًا بهذه الآية.

ومَن سيعلِّمك الإسلام؟ لو أردتَ أن تصبح طبيبًا فإنك تحتاج إلى عشرين سنة، وأنت تسهر وتدرُس لكي تحصل على لقب طبيب، وبعدها إما أن تحصل على أربعة آلاف ليرة أو خمسة أو لا تحصل.

أما سيدنا أبو بكر رضي الله عنه فقد نال لقب مسلم حقيقي، وماذا كانت ثمرات هذا اللقب؟ لقد جعله الله خير أهل الأرض بعد النبيين والمرسلين.

وعمر رضي الله عنه لأنه آمن إيمانًا حقيقيًّا عن علم وعمل وإخلاص قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((لَو كانَ بَعدِي نَبِيٌّ لَكانَ عُمرُ)) 4 .

وأنتم بماذا تنقصون عن عمر رضي الله عنه؟ [هل تنقصكم يد أو رجل أو أذن أو ما شابه؟]، وأنا ماذا أنقص عن أبي بكر رضي الله عنه؟ وهذا لا يعني أن نصير مثلهم أو نسابقهم، ولكن على الأقل أن نمشي في طريقهم، ولو وصلنا إلى ربع أو نصف أو ثلث أبي بكر رضي الله عنه، وصاحب الهمة العالية يصل إلى مراتب عُلْيا.

معنى سنَّة النبي ﷺ

وما معنى السُّنَّة وأن تمشي على سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ يعني أن تفعل أفعاله، وتعمل أعماله، وتتعبَّد عبادته، وتتَّقي الله تقواه، وتجاهد في سبيل الله جهاده.. هذه هي السنة.

وأن تخالف نفسك كمخالفته، وتنصف كإنصافه، وتكون حليمًا كحِلمه، وخلوقًا كأخلاقه.

ولكن عليك أن تقصد، وإلى أين سيوصلك الله؟ سيوصلك حسبما تكون أنت قاصدًا ومصمِّمًا ومريدًا، أما أن تقول: حسبما يوصلني الله.. ولا يوجد لديك عزيمة ولا همة ولا إرادة ولا تفكير ولا علم فهل يوصلك بالأماني؟ بالأماني لا يحصل شيء.

﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ، صحف إبراهيم عليه السَّلام ﴿الَّذِي وَفَّى (37)، وفَّى بعهد الله.. وماذا يوجد في صحف إبراهيم وموسى عليهما السَّلام؟ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)، إذا أذنب الإنسان فهو المسؤول عن ذنبه وليس غيره، وكل إنسان يحمل ذنبه في عنقه.. والذي يقول: “افعل الذنب وضعه في رقبتي”.. فهذا يُوضع في رقبته لأنه أستاذ الضلال، أما نفس المعصية فتبقى في عنق صاحبها.

وفي صحف موسى عليه السَّلام: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)، ليس فقط “ما سعى”، بل: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)، سيُفحَص، هل يوجد إخلاص؟ هل أراد بسعيه وجه الله، أم أراد به حظوظ النفس والهوى والجاه وأن يصير معظَّمًا في نظر الناس حتى يُمدَح ويُحمَد؟ وهذا كله محبِطٌ للعمل.. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) [النجم:39-41].

ما وَجَب للأنبياء من الأدب وجب للأولياء والعلماء

نحن نكاد نخرج من البحث.. نعود إلى سورة الحجرات، أول ما افتُتِحَت السورة افتُتِحت بالآداب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمتعلِّم إذا لم يتأدَّب مع المعلِّم لا ينال من شرف وبركة علمه شيئًا، والمتعلِّم إذا لم يحب المعلم لا ينال من علمه شيئاً، ولا يتعلم منه إلا بمقدار حبِّه، والمعلم الأول والهادي الأول في أمتنا هو سيدنا رسول الله ﷺ.

والله تعالى ذَكَر آداب المسلمين معه في عصره، لأنَّ الإيمان قائم على الحب، فهل أبو بكر رضي الله عنه صار بغير حب؟ وعمر رضي الله عنه هل صار بغير حب؟ وأبو جهل لماذا صار أبا جهل؟ هل لأنه كان محبًّا؟ وأبو لهب لماذا ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]؟ هل لأنه كان محبًّا؟ ((لا إيمانَ لِمَنْ لا مَحَبَّةَ لَه)) 5 .

وكل الآداب التي كان يتأدَّبها المسلمون مع النبي ﷺ بإجماع العلماء وبإجماع الأولياء يجب أن تنتقل إلى وَرَثة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنعظِّم كل ذي علم وكل ذي ولاية، وكل من تابع رسول الله ﷺ بالتعليم وبالحكمة وبتزكية النفس، حتى يتلاقى ذلك مع قول النبي عليه الصلاة والسلام ((العُلماءُ وَرَثةُ الأنبياءِ)) 6 .

وهذا المعنى الذي هو تعظيم ورثة الأنبياء فَهِمه حتى الحيوانات والدواب من غير أن تسمع فضل العلماء أو فضل العارفين بالله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الملائكةَ في السَّماءِ))، هل هناك أقدس من الملائكة؟ ((وَالطَّيرَ في الهَواءِ)) والطير حيوان، ((وَالسَّمَكَ في الماءِ))، مَن أقدس مخلوقات الله المعصومون؟ الملائكة.. والطير والسمك هل هي إنسان أم مَلَك أم حيوان؟ حيوان، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إن أشرف الخلق الملائكة وأحقرهم وأصغرهم، ((لَيُصلُّونَ عَلى مُعلِّمِ النَّاسِ الخَيرَ)) 7 ، يعظِّمونه ويحبُّونه ويدعون له ويستغفرون له.

ضرر معاداة العلماء

وكم من المسلمين اليوم يُعادون العلماء، ويعادون من يعلِّم الناس الخير، وهذه علامة سيئة في الزمان والمكان الذي تحدث فيه هذه الظاهرة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا أَبغضَ المسلمونَ عُلماءَهُم))، لو كنت اليوم في مجلس فيه عشرون شخصًا، فإذا ذُكِر فيه شيخ معروف فمنهم من يُخرج المِقَص، ومنهم من يُخرج الموس، ومنهم من يُخرج السكين، وهذا يقطع من أذنه، وهذا من أنفه، وهذا من شفته، وهذا يقطِّع من أصابع اليدين والرِّجلين بالقدُّوم، ومن لا يملك فبالخنجر على خاصرته، وكأنّ أعدى أعدائِهم مَن يَستَقُون إيمانهم من علمه وحكمته.

عندما مات عبد الوهاب ذُكِر في صحف كل العالم العربي، وكذلك عندما ماتت أم كلثوم، [عبد الوهاب وأم كلثوم: مغنيان مصريان مشهوران]، وكل الصحف والمجلات والأفلام تقول: رضي الله عنها، قدس الله سرها، عظم الله شأنها، وعبد الوهاب ﷺ، وموته الخسارة الكبيرة، والنكبة العظيمة، والفادحة التي لا تُجبَر.. وإذا ذُكِرَ العالِم الوارث لرسول الله ﷺ الذي يُفني شبابه ولياليه وعقله وأعصابه وصحته في خدمة المسلمين فهذا يَضربه بالمقص وهذا بالسكين ومن ليس معه شيء يعضه بأسنانه.

((إذا أَبغضَ المسلمونَ عُلماءَهُم)) هذا حديث النبي ﷺ، ((وَأَظهَرُوا عِمارةَ أَسواقِهِم))، فكل جهودهم لبناء دنياهم، ولا بأس في ذلك، ولكن يجب أن يكون اهتمامك ببناء الدِّين أكثر من اهتمامك ببناء الدنيا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17].

الأعمال مرآة الإنسان

كم تنفق في الشهر على دنياك؟ وكم تنفق على الدِّين؟ احسب حساباتك، إذا كنتَ فقيرًا فأنت معذور، أما لو كنتَ غنيًّا وفي بحبوحة فأنت غير معذور، فلو كان لك زوجتان هل تنفق على الأُولى وتترك الثانية؟ وإن كان لك ثلاثة أولاد هل تنفق على أحدهم وتترك الثاني والثالث؟ وهل حق الدِّين أعظم أم حق الدنيا؟ أين نحن من ذلك؟

ولذلك كيف سيعاملنا الله تعالى؟ ليس الله مَن يعاملنا، بل هي أعمالنا مع الله عزَّ وجلَّ تُعكَس في حياتنا وفي واقعنا، فإذا كنتَ جميلًا فكيف تُعكَس صورتك في المرآة؟ تُعكَس جميلًا، وإذا كنتَ كالقرد والمرآة أرتك صورة القرد، فهل تسب المرآة أم يجب أن تسب نفسك؟

كذلك يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((إنَّما هِي أَعمالُكُم أُحصِيها عَلَيكم، ثُمَّ أُوَفِّيكُم إيَّاها، فمَن وَجَدَ خَيرًا)) رأى صورته في مرآة أعماله جيدة، ((فَلْيَحْمَدِ اللهَ))، لأن الله تعالى قد جمَّل له الأصل وظهر جَمال الفرع، ((ومَن رَأى غَيرَ ذَلكَ فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفسَهُ)) 8 .

الاستجابة لله ولرسوله

وهذه الآيات بإجماع العلماء [ينتقل العمل بها بعد رسول الله ﷺ إلى معاملة ورثة رسول الله ﷺ]، قالوا: عندما نزل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24]، نادى النبي ﷺ أحد الصحابة وكان في صلاته، فقال في نفسه: أُكمل صلاتي ثم أُلبِّي نداء رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وعندما انتهى من الصلاة لبَّى النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال له: ((لمَ لَمْ تُلَبِّني وَأنتَ في الصَّلاةِ؟)) الصلاة مع الله! لكن إذا ناداك النبي عليه الصلاة والسلام، ((أَلَم تَسمَعْ قَولَه تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24])) 9 .

وقال العلماء والمفسِّرون: إذا دعاك أبوك أو أمك وأنت في الصلاة فإن كانت نفلًا يجب عليك أن تستجيب وتقطع الصلاة، وإذا كانت فرضًا فلا، وقاسوا على ذلك الشيخ، فالشيخ أبلغ من أمك وأبيك بمئة ألف مرة، فأمك وأبوك أتيا بك إلى هذه الدنيا وقد تصل بعدها إلى جهنم وتصل فيها للشقاء والتعاسة.

أما الشيخ فهو الذي يجعل لك الوجود الإيماني والقلبي والروحي والأخلاقي والتربوي والعقل الحكيم والصراط المستقيم، أيهما حقه أعظم؟ وأيهما الاستجابة إليه أولى وأسرع؟ ولذلك قال القرآن: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، جَمَع محبة الله مع محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا كنتم تحبون هذه الأشياء ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، كل شيء تملكه في الحياة إذا كان أحب إليك من الله ورسوله ﴿فَتَرَبَّصُوا وانتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي بعذابه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، سمَّى من يفضِّل محبة هؤلاء على محبة الله ورسوله فاسقًا، وهدَّده بالضلال وعدم الهداية.

والعلماء والمفسِّرون قالوا: هذا الحكم ينتقل إلى كل وارث محمديٍّ، وإلى كل مربٍّ حكيم وعالِمٍ بالله وبرسوله وبشرعه، ويقوم مقام النبي ﷺ بتبليغ رسالته.

عاقبة معادة العلماء العاملين

أين المسلمون اليوم؟ إذا ذُكِر الشيخ في مجتمع فكلهم يصيرون “عَنَاتِر” على الشيخ، [جمع عَنْتَر بمعنى قوي وشجاع]، وكلهم يصيرون أقوياء وأبطالاً، وكلهم يجاهدون في سبيل الشيطان حقّ جهاده، لكن لو ذُكِرت أم كلثوم يقولون: “رحمها الله، حقيقة إنها كوكب الشرق، لن يأتي الزمان بمثلها”، وإذا انتقدها شخص في المجتمع يخاف لعله يصيبه خنجر أو سكين.. وهذا علامة ماذا؟

((إذا أَبغضَ المسلمونَ عُلماءَهُم، وَأَظهَرُوا عِمارةَ أَسواقِهِم، وتَأَلَّبُوا))، صار دِينهم ودَيْدَنهم وهمهم وكل قواهم موجهة لجمع المال، ((وتَأَلَّبُوا على جَمعِ الدَّراهمِ، ابتَلاهُمُ اللهُ بِخِصالٍ)) منها: ((القَحطُ مِنَ الزَّمانِ))، أنا أعرف قبل أربعين سنة أو خمسين سنة كان الثلج أمام الجامع وفي الحارات، يبقى أكوامًا ثلاثين أو أربعين يومًا.

وعندما ينزل السيل من الجبل يصير الشارع أعلى من الإنسان، مما يحمل السَّيْل من الرمال والحصى والأحجار التي تأتي من الجبل، فهل نرى هذا الشيء الآن؟ والجبل يصير أخضرَ من الربيع والنبات، وكنتُ أسمع أن طريق بغداد كان يُسَدُّ من الثلج، والآن نرى الثلج فقط على الجبال العالية.

وممَ أصابنا القحط من الزمان؟ مِن ((إذا أَبغضَ المسلمونَ عُلماءَهُم))، إذا بذرتَ الشعير ما الذي ينبت؟ هل البطيخ؟ وإذا زرعتَ القثَّاء ما الذي ينبت؟ هل الإجاص؟

سَيَحصدُ عبدُ اللهِ ما كانَ زارِعًا فَطُوبَى لِعَبدٍ كانَ للهِ يَزرَعُ

((ابتَلاهُمُ اللهُ بِخِصالٍ)) منها: ((القَحطُ مِنَ الزَّمانِ، وَالصَّولةُ مِنَ العَدوِّ)) 10 ، العدو في فلسطين يصول ويجول، وطائراته تتعدَّى حدود فلسطين وتتحدّانا، وفي يوم من الأيام وصلت إلى قناة السويس، واحتلُّوا كل فلسطين رغم أنف العرب والمسلمين أجمعين وهيئة الأمم ومجلس الأمم، وكلّ هؤلاء يقودهم الاستعمار بأيدٍ خفية.

[تتمة الحديث: ((ابتلاهم الله بِأَرْبَعِ خِصَالٍ: بِالْقَحْطِ مِنَ الزَّمَانِ، وَالْجَوْرِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَالْخِيَانَةِ مِنْ ولَاةِ الْأَحْكَامِ، وَالصَّوْلَةِ مِنَ الْعَدُوِّ)) هي أربعة خصال كما قالها النبي ﷺ، والشيخ رحمه الله كان دائماً يذكر منها اثنتين ويسكت عن الخصلتين الباقيتين، وذلك حكمة منه كي لا يؤلِّب القائمين على الحكم عليه وعلى دعوته]

السمع والطاعة

أما في زمن خالد رضي الله عنه فقد كانوا يحبُّون علماءهم، ومن كان أعلم العلماء؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خلفاء النبي ﷺ، وكيف كان حبهم؟

عندما عَزل سيدنا عمرُ خالدًا رضي الله عنهما عن قيادة الجيش العام في معركة اليرموك، وهي أعظم معركة انتصر فيها الإسلام وهُزِمَ فيها الاستعمار، قال: سمعًا وطاعةً لأمير المؤمنين.

هذا هو الإسلام، “بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره”، لو كنتَ نعسانًا أو متعبًا يجب عليك أن تستجيب للأمر، “وعلى أثرة علينا” 11 ، قد يُقدَّم غير الفاضل على الفاضل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يضع أسامة رضي الله عنه أمير الجيش، وفي جيشه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لينتزع الأنا والهوى من نفوسهم، ولو لم يعلِّمنا هذا الدرس لأذهب خالد رضي الله عنه الإسلام كله.. ابنُ عبد النبي، العبدُ ابن العبد هو القائد، ومِن عسكره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وما السُّنَّة؟ ما الكتاب والسُّنَّة؟ أن تمشي على الكتاب والسُّنَّة، الكتاب يقول لك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31]، امشوا على طريقي وعلى سنتي، فإذا كنتَ أميرًا والشيخ قال لك: “انزل عن الإمارة” ووضع عليك أجيرًا.. هل تحافظ على الكتاب والسُّنَّة؟ هذا هو الكتاب والسُّنَّة، والشيخ إذا عمل لا يعمل بهواه، ولا يعمل إلا بالتقوى وما فيه رضاء المولى وما فيه مصلحة المريد.

من أدب المريد مع شيخه

لكن كان شيخنا يقول: أنا لا أُعاملكم كشيخ ومريدين، أنا أُعاملكم كإخوان مع بعضهم، أما الشيخ فكما قيل: إنَّ أحد الشيوخ دخل على شيخه ولعله بلا إذن أو بِخَلَلٍ في أدب الدخول، فطرده الشيخ، فرجع القهقرى ولم يعطِ ظهره لشيخه، ولما تجاوز الباب حفر حفرة أمام باب الشيخ، لكن بجانب الباب ووضع نفسه فيها، وقال: والله لا أخرج منها حتى أموت أو يرضى عني شيخي.. هذا المريد، وعندما رآه الشيخ بهذا الحب وهذا الصدق والإخلاص هل سيرضى أم لن يرضى؟

والآن نحن نسترضي المريد، فالشيخ صار مريدًا والمريد صار هو الشيخ، والشيخ يتحمَّل رحمةً به، لأنه صار شيخه الشيطان، ومن أجل أن يخلِّصه من الشيطان صار الشيخ يجعل نفسه مريدًا، ويداري ويلاطف ويخدم ويساعد ويُسعِد، وقد تنجح العملية وقد لا تنجح، والشيخ يُكتَب له الأجر، ولكن ذلك المسكين يكون.. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يهدينا ويهدي جميع من يخرج عن صراط الله المستقيم.

النهي عن التقدم على النبي ﷺ ووارثه

نعود إلى السورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، لا تتقدَّم في الكلام، ولا تتقدَّم في الرأي، ولا في الرغبات، فإذا رغب النبي ﷺ رغبة وأنت ترغب رغبةً يجب أن تقدِّم رغبة النبي ﷺ على رغبتك، وإذا كره النبي ﷺ شيئًا وأنت تحبُّ يجب أن تقدم كراهة النبي ﷺ على محبتك.

وقد قال معظم المفسرين وكل شيوخ الطريق والتصوف والتربية: يقوم مقام النبي ﷺ في أداء هذا الحق كلُّ وارثٍ محمديٍّ، فيجب أن تتأدَّب معه كما تتأدَّب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1] بماذا؟ بعدم التقدَّم، حتى التَّقدُّم الجسدي، عندما صلى أبو بكر رضي الله عنه إمامًا في مرض النبي ﷺ، وأحسَّ النبي ﷺ بنشاط وأتى ليصلي مع الجماعة، فأفرج له المسلمون الصفوف وهم يصلُّون، فلمَّا صار النبي ﷺ خلف أبي بكر رضي الله عنه أحسَّ به، فتأخر أبو بكر رضي الله عنه حتى صار خلف ظهر رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الإمام، وصار الإمام في الخلف والمقتدي وهو النبي ﷺ في الأمام، وعندما انتهى من الصلاة سأله عن فعله ذاك، فقال له: “ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ” 12 .

الآية تشمل التقدم الجسدي أيضًا

وأبو الدرداء رضي الله عنه رآه النبي ﷺ مرة يمشي أمام أبي بكر رضي الله عنه فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وعنَّف أبا الدرداء رضي الله عنه وقال له: ((أَتَتَقَدَّمُ عَلى مَن هو خَيرٌ مِنكَ في الدُّنيا وَالآخرةِ؟)) 13 ، والآن لا يوجد نبي ولا أبو بكر رضي الله عنه، لكن النبي ﷺ يعلِّمنا أنَّه هكذا المتعلِّم يتأدَّب دائمًا مع المعلِّم، كما ذكر القرآن من أدب موسى عليه السلام مع الخضر.

وهناك أناس لا يفهمون، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فهو يخالف القرآن والسُّنَّة وإجماع الأولياء وإجماع العارفين بالله، ويقدِّم هواه على تقواه.. نسأل الله أن يُلزِمنا طريق التقوى، أما الأنا

بَينِي وَبَينَكَ “إنِّي” لا تُفارِقُني فامحُ بِفَضلِكِ لِي “إنِّي” مِنَ البَينِ

صحبة الأكابر والأصاغر

وقال الشاعر

اغتَنِمْ صُحبةَ الأكابِرِ واعلَمْ أنَّ في صُحبَةِ الصِّغارِ صَغارا

“الأكابر”: ليس في الدنيا، بل الأكابر في الإيمان والتقوى والعلم ومعرفة الله والحكمة.

“الصِّغار”: صغير العقل أو صغير الخُلُق أو صغير الإيمان أو صغير التربية أو من يعبد الهوى والأنا.

“صَغارًا”: ما الصَّغار؟ هو الذل والهوان، تخسر فلا تربح، وتُذَلُّ فلا تُعَزُّ.

وابغِ مَن في يَمِينِهِ لَكَ يُمْنٌ وتَرى في اليَسارِ مِنه اليَسارا

“وابغِ”: ابتغِ وفتش وابحث، “من في يمينه لك يمنٌ”: إذا وضعتَ يدك اليمنى في يده اليمنى تجد اليُمن والخير والبركة، “وترى في اليسار منه اليسارا”: إذا لم يتهيأ لك أن تضع يدك في يمينه فضع يدك في يده اليسار.

وابغِ مَن في يَمِينِهِ لَكَ يُمْنٌ وتَرى في اليَسارِ مِنه اليَسارا

على هذا الأساس امضِ في تعظيم من عظَّمه الله من نبيٍّ أو عالِمٍ أو معلِّمٍ أو مربٍّ أو والِدَين أو مَن أسدى إليك معروفًا أو مَن دلَّك على هدى.

حق الشيخ على المريد

كنتُ أسمع من شيخنا أنه عندما عرف شيخه فكَّر في مكافأة من دلَّه على شيخه، وكان شيخنا فقيرًا، قال: ما كنتُ أملك أغلى من عباءة من وَبَرٍ، فقدَّم العباءة لِمن دلَّه على شيخه، ثم أتى إلى شيخه الشيخ عيسى وقال له: يا شيخي ما حق الشيخ على المريد؟ أي حتى يقوم بأداء الحق، قال له: بالخدمة الصادقة.. فلعلَّ الله مع خدمتنا وصدقنا وإخلاصنا يكافئه عنا.

ماذا نال شيخنا بهذا الصدق؟ وماذا كانت عاقبة كل من صَدَق مع الشيوخ؟ كلما ذَلَّ مع الشيخ يُعَزُّ، وكلما خَدَمَ أكثر يُخدَمُ أكثر، وكلما بَذَلَ أكثر يُبذَلُ له أكثر، لأن الحصاد من جنس البذار.. فنسأل الله أن يُوفِّقنا لِمَا يحبُّه ويرضاه.

﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، أتى وفد من العرب وأراد النبي ﷺ أن يؤمِّر أميرًا، فشاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: فلان، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: فلان، فاختلفا أمام رسول الله عليه الصلاة والسلام وارتفعت أصواتهما، ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، فالإمام يركع أولًا ثم أنت تركع، فأنزل الله هذه الآيات أنه يجب أن تكون دائمًا وراء رسول الله ﷺ 14 ، وذُكِرَ اسم الله تعالى مع رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنَّ رسول الله ﷺ لا يتصرَّف إلا بقلب مملوء من الحضور مع الله، وبالإلهام من الله، وبالتوجيه من الله عزَّ وجلَّ، فعندما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يهاجر استأذن النبي ﷺ، فقال له: ((تَأنَّ لَعلَّ اللهَ أنْ يَأذَنَ لِي في الهجرةِ)) 15 ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يخطو خطوة إلا بإذنٍ ربَّانيٍّ، فإذا تقدَّمتَ عليه فإنك تتقدَّم على أمر الله عزَّ وجلَّ، وهكذا الوَرَثة بعد رسول الله ﷺ، والذين وُفِّقُوا لهذا الأدب معهم نالوا أعز الدرجات، والذين زَرَعوا الشوك بدل القمح، وزرعوا البصل والثوم بدل الزنبق فكما يزرع الإنسان يحصد.

النهي عن رفع الصوت عند النبي ﷺ

﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]، إذا كلَّمتَ النبي ﷺ، أو كان النبي ﷺ في مجلس فلا يصحُّ أن يرتفع صوتك، وكذلك مع والدتك أو والدك أو الصالحين، والإسلام من أركانه تزكية النفس يعني التربية والأخلاق والأدب وإعطاء كل ذي حق حقه.

﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2]، كأنك تجلس في مقهى مع رفاقك، فيرتفع صوتك بوجود النبي عليه الصلاة والسلام أو بوجود المعلم أو بوجود المربي أو المزكي، وهذا يعني أنك لم تؤمن بالقرآن.. وبعد رسول الله لماذا بقيت الآيات؟ لو كانت للنبي ﷺ فقط فالنبي ﷺ انتهى وذهب إلى عالَم الخلود وعالَم النعيم، واللهُ تعالى أبقى هذه الآيات كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، أفلا يجب علينا نحن أن نتَّق الله؟

والشيوخ والمربون وصلوا إلى المقامات العالية بهذه الآداب القرآنية التي تأدَّب بها أصحاب رسول الله مع سيدنا رسول الله ﷺ، وهل خسروا أم ربحوا؟ هل عزوا أم ذلوا؟ هل ارتفعوا أم انخفضوا؟ نسأل الله أن لا يجعلنا من الأخسرين أعمالًا لا في الدنيا ولا في الآخرة.

﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، ومع أن المسألة بسيطة، فليس فيها زنا، ولا فيها ترك صلاة، ولكن فيها قلة أدب في رفع الصوت، قال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ [الحجرات:2]، لأن هذا فيه إشعار بأنك لا تشعر بقيمة النبي، وبقدسية النبي، وباحترام النبي ﷺ، وبالأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام.. وهكذا كل علماء الطريق، وكل علماء التربية، كالإمام الغزالي والإمام الشافعي.

حفظ الصحبة والوفاء بالحقوق من صفات الأحرار

وقد ذكرتُ لكم أن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يُلقي درسه، فمرَّ به غلام أعرابي، يعني بدوي عمره عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة، [تأتي تتمة القصة بعد قليل].. وكان الشيخ بدر الدين رضي الله عنه يروي هذه القصة ويقول في درسه: “أيامٌ تمر، وليالٍ تكرُّ، فأين الحرُّ؟” [الشيخ بدر الدين الحسني: (1267-1354هـ/ 1850-1935م) علَّامة سوري من أكبر علماء دمشق، ومن أصول مغربية، اشتهر بلقب المحدث الأكبر، وهو شيخ شيوخ الشام].

قال

تَمَسَّكْ بِذَيلِ حُرٍّ إنْ ظَفِرْتَ به فَإنَّ الحُرَّ في الدُّنيا قَلِيلُ

الحرُّ من الأنانية، والحرُّ من اللؤم، والحر من الحمق، والحر من الرياء والسمعة.. نسأل الله أن يحررنا من رذائل الأخلاق وقبائح الصفات والأعمال.

فسُئل فقالوا له: ألا يوجد حُرٌّ؟ وهل له صفات حتى نعرفه بها؟ وما هذه الأوصاف؟ قال: “الحُرُّ من يحفظ صُحبة لحظة”، إذا صاحبَ إنسانًا حتى ولو خمس دقائق، ((إنَّ اللهَ يَسألُ العَبدَ عَن صُحبةِ ساعةٍ)) 16 ، والساعة لا تعني ستين دقيقة، فالوقت القليل يُسمَّى ساعة.

يُذكَر عن الحَجَّاج أنه حكم على شخص بالإعدام، وقبل الإعدام قيل له: ماذا تشتهي؟ قال: أن أمشي مع الحجاج من أول “الإيْوَان” إلى آخره، [الإيْوان: قاعةٌ أو رِواقٌ معماريٌّ واسع، مسقوف ومفتوح من جهة واحدة]، قالوا: وماذا تستفيد من ذلك؟ فقال لهم: ألا تعرضون عليَّ؟ هذا طلبي.. فمشى معه الحجاج، قال له: ماذا استفدتَ من ذلك؟

السؤال عن صحبة ساعة

قال له: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ يَسألُ العَبدَ عَن صُحبةِ ساعةٍ)) 17 ، وقد صاحبتُك من أول هذا الإيوان إلى آخره، وسيسألك الله يوم القيامة ماذا فعلتَ بصاحبك؟ وماذا أديتَ له من حقوق الصحبة؟ فإذا قلتَ له: قتلتُه، فهل ستنجيك بين يدي الله؟ فعفا عنه حتى لا يسأله الله عزَّ وجلَّ عن حق صحبة عشر خطوات، وهو الحَجَّاج المشهور بظلمه.

وقيل: مرة اعتقلوا بعض الثائرين عليه وأمر بإعدامهم، فقال له أحدهم: أيها الأمير، ليس لك حق أن تقتلني، قال له: لماذا؟ قال: لأني كنتُ في أحد المجالس قبل أن يأسروني عندك، وقد شتموك فدافعتُ عنك، فهل جزاء دفاعي عنك قتلك لي؟ فقال له: من يشهد لك بهذا؟ إذا أتيتَ بشهودٍ أعفو عنك.

فنادى الأسرى وقال: أنشد الله وأحلِّف بالله كل من سمع دفاعي عن الحجاج إلا أن يأتي فيشهد، فخرج شخص من الجماعة وقال: أنا سمعتُ، فقال: أخبِر الحجاج بذلك، فقال له: في المجلس الفلاني في اليوم الفلاني تكلموا عنك، وقد دافع عنك ذاك الرجل، فقال الحجاج: بما أنك دافعتَ عني فقد عفوتُ عنك، ثم سأل الشاهد فقال له: وأنت لِمَ لَم تدافع عني؟ هذا الحَجَّاج الظالم المشهور بظلمه.

ويقال: إنَّ تيمورلنك سأل جحا فقال له: في زمن العباسيين كان الخلفاء يتلقَّبون بألقاب، كالمتوكل على الله، والمستعين بالله، والواثق بالله.. فأنا لو كنتُ في زمن العباسيين ما اللقب المناسب لي؟ فقال له: لو كنتَ في زمانهم لا يناسبك إلا لقب “أعوذ بالله”. [يضحك الشيخ والحضور للطرفة].

والحجاج أي لقب يستحق؟ لكن انظروا إلى أخلاق المسلمين الأوائل، هذا المشهور بالظلم وسفك الدماء والأحكام العرفية.. إلخ، فقال له: وأنت لِمَ لَم تدافع عني؟ فقال له: لأني أُبغضك.. ماذا كان يجب أن يفعل بهذا؟ القتل أو الخازوق.

يقولون: الديموقراطية، قولوا: عربية أو عروبة، قولوا: إسلام، لكنْ هم محقُّون بذلك، لأنهم يرون الذين ينتسبون إلى الدين والعلم والإسلام لا يفهمون الإسلام ويعملون بالمقلوب، فكيف سيَقبَلون إسلامًا معكوسًا منكوسًا ممسوخًا؟ قال: اذهب فقد عفوتُ عنك أيضًا، فقال أحد أعوانه: كيف عفوتَ عن هذا؟ ذلك الرجل يستحقُّ ولكن هذا؟ فقال: ذاك عفوتُ عنه لإخلاصه ومحبته لي، وهذا عفوتُ عنه لصدقه وعدم كذبه.

لأنه عدو ويصدق ويقول: أنا عدو، ولا يكذب، لذلك عفوتُ عنه، هذه أخلاق الحَجَّاج، فكيف أخلاق من هم أفضل وأرفع من الحَجَّاج؟ إنّ الأخلاق والصدق والعفو عند المقدرة والوفاء والإحسان هي بعض صفات الإسلام.

صفات الحُرِّ

قال: فأين الحر؟ قالوا له: من الحر؟ فقال الشيخ بدر الدين الحسني: “من يحفظ صحبة لحظة، ويعترف بحق من تعلَّم منه ولو لفظة”، معلمك أو أستاذك لو تعلَّمت منه كلمة واحدة صار له عليك حق، فإذا أدَّيتَه فأنت من الأحرار، وإلا فأنت من عبيد الهوى، “ولا ينسى حقَّ المحسن ولو سقاه ماءً مقدار نُطفة”.

ثم قال الشيخ بدر الدين قصة عن الحُرِّ، قال: مرَّ غلام أعرابي بمجلس علم يدرِّس فيه الإمام الشافعي، مثل هذا المجلس، لو أتى ابن بدوي إلى المجلس، والإمام الشافعي يدرِّس، فقام الإمام الشافعي احترامًا للغلام الأعرابي، قام احتراماً لهذا الولد البدوي ووضعه إلى جانبه.

فلما انتهى مجلس العلم سأله الناس عن سبب ذلك، يعني هذا مجلس علم، وعالِم بمقامك، وهو غلام بدوي ثيابه ممزقة، وشعره كالشِّيْحَة الكبيرة، [الشِّيْحَة: نباتٌ بريٌّ عطريٌّ ينبت في البَرِّيَّة، يشبه شيئاً ما شكل الرأس الأشعث] وأظافره كمخالب الحيوانات، وهو طفل، كيف تكرِّمه هذا التكريم في مجلس العلم؟ فقال لهم: لأنَّ لأبيه عليَّ حقًّا، قالوا: وما حق أبيه؟ ومن كان أبوه؟ قال: كان أبوه راعيًا.

ظنوه عالِمًا، فإذا بهذا الطفل بدوي وابن راعٍ بدوي، وليس أميرًا، ولو كان أميرًا فلا بأس، لكنه مجرد راعٍ، قال: وقد علَّمني مسألة وهي: سألتُه متى يبلغ الكلب ويصلح للتناسل والتزاوج؟ فقال: يبلغ الكلب بعد سنة، فأنا أقوم لولده اعترافًا بفضل أبيه عليَّ.

إنكار الجميل من صفات الفُجَّار

وماذا قال القرآن؟ ألم يقل: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]؟ فهل نؤمن بهذه الآية؟ ألم يقل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60]؟ فهل نؤمن بالقرآن؟ جزاء الإحسان لمن؟ “ولو تعلُّم لفظة، أو صحبة لحظة، أو شربة ماء ولو كانت نطفة”.

وهناك من تُحسِن إليه فتربِّيه وتعطيه وتزوِّجه، وتعمِّر له بيتًا، وتبني له جدارًا، وقد يكون المحسِن والدك أو غيره أو أي محسِن، ولكن كما يقولون: “مِلحُه على ذيله”، وكأنك ما أحسنتَ إليه، ويا ليت كأنك لم تحسن إليه! وإذا لا يحسن ولا يسيء فهذا حَسَنٌ، ولكن قد يبدِّل بالشكر الكفر، وبالإحسان الإساءة، وبالتكريم الإيذاء، فأين الإسلام؟ وأين الدين؟

ألا يجب أن نرى القحط من الزمان والصولة من العدو؟ وها هي أمم الأرض كلها تقدَّمت والمسلمون في تخلُّف، لماذا؟ لا تغترَّ بصوَرِ الصلاة، ولا بصوَر العبادة، فإذا لم يكن الإسلام في المعاملة والأخلاق فليس هناك إسلام، والإسلام هو علوم القرآن، والعلم هو الذي يوجب العمل، أما أن يقول ويتكلم ويخطب خطبة بليغة ولا يعمل فـ((أشدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ، عالِمٌ لم يَنفعْه اللهُ بعِلمِه)) 18 .

ودعاء النبي ﷺ: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” 19 ، أليس هذا دعاءً نبويًّا؟ وفي كل صلاة المصلي يستعيذ، وقد استعاذ النبي ﷺ أيضًا وقال: ((أَعوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لا يَنفعُ)) 20 ، العلم إذا لم ينفع يصير صاحبه: ((أشدّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ)).

الآية وقصة ثابت بن قيس رضي الله عنه

نعود لآيات القرآن، لما نزلت كان ثابت بن قيس بن شَمَّاس رضي الله عنه ضعيف السمع وجهوري الصوت، وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ [الحجرات:2]، فيحبط عملك إذا رفعت صوتك فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وهو لم يفعل شيئًا، فلم يسب الدين ولم يقم بأذى لا بقول ولا بعمل، انظروا إلى إيمانهم الحي الحسَّاس، وإلى أي درجة وصلوا في السُّمُوِّ والرفعة وفي علوِّ المقام!

قال: “حبط عملي وأنا من أهل النار”، ليس النبي ﷺ من حكم عليه، بل هو من حكم على نفسه، وهكذا كان المسلم في زمن النبي ﷺ لا يحكمه القاضي ولا النبي ﷺ.

ماعز الزاني رضي الله عنه هو من حكم على نفسه، وأبو لبابة رضي الله عنه هو من حكم على نفسه فربط نفسه في العمود، والثلاثة الذين خُلِّفوا لما سألهم النبي ﷺ: لماذا تخلَّفتم عن تبوك؟ قالوا: ليس لنا عذر، واعترفوا، فعاقبهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن أمر بمقاطعتهم وعدم تكليمهم، لأنهم تخلَّفوا عن اللحاق برسول الله ﷺ في أمر هام، فقاطعهم خمسين يومًا حتى أمر نساءهم أن تعتزلهم.

هذا هو الإسلام، إسلام التربية، إسلام الأخلاق، إسلام المربي، ولكن ترى بعض الناس مع المربي يضرب خمس مئة “جُوْز”، [ضَرْب جُوْز أو جواز: في العامية السورية، هو ضربة الحمار المعروفة، حيث يركل برجليه للخلف، والمقصود عند استعارتها لآدمي أنه يضرب بكل قوة ودون وعي وبحماقة]، ويرى نفسه أنه قد صار قطب الغوث.

هؤلاء الثلاثة كانوا ليلًا ونهارًا يبكون، لم يغمض لهم جفن، ولم تجف لهم دمعة، لأنهم تخلَّفوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحُرِمُوا رضاءه بسبب تخلُّفهم.

أحدهم طرق باب بستان ابن عمه، فلم يفتح له عندما سمع صوته، فقفز من فوق الحائط وسلم عليه فلم يرد السلام، لأن النبي ﷺ أمر بمقاطعته، فهو يقاطعه، ثم أمر نساءهم باعتزالهم، لم يقل لزوجته: تعالي هل النبي يرانا؟ رضي الله عنهم وأرضاهم، كان البكاء ليلًا ونهارًا، وما كان يُفكِّر بزوجته ولا شهوته ولا أنانيته إلا رضاء الله ورسوله، لذلك وصفهم الله عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

العدل والمساواة في الإسلام

بهذه الطاعة وهذا الإخلاص وبهذه الاستجابة هل خسروا أم ربحوا؟ جبلة بن الأيهم داس أعرابيٌّ على ثوبه فضربه على وجهه وسال دمه، فشكاه إلى سيدنا عمر رضي الله عنه، وجبلة بن الأيهم كان من عظماء العرب، فقال له عمر: لطمة بلطمة، كما ضربتَه على أنفه سيضربك، فقال: أنا أمير وهو بدوي، وهل يسوَّى بين العظيم والحقير؟ قال: الإسلام سوَّى بينكما.

أين الديمقراطية؟ أليس من المعيب علينا نحن العرب كعروبة، ونحن المسلمين كإسلام أن نقول: ديمقراطية، ولا نقول: سُنَّة محمدية؟ لكن اللوم علينا نحن المشايخ، نحن قوَّالون، وإذا أحسنَّا القول لا نُحسن العمل ولا نحسن القدوة، وإذا كنا لا نحسن القول ولا العمل فكيف سيقدِّم الناسُ الإسلام على الديمقراطية؟ اللوم علينا نحن المشايخ، نحن مشايخ مزوَّرون.

قال له جبلة بن الأيهم: لا بد من ذلك؟ فقال له: لا بد من ذلك، فقال: أمهلني يومين، فأمهله فهرب والتجأ إلى هرقل، وفي البداية أكرمه هرقل ودلله، ولكن في نهاية الأمر صار يبكي وندم على ما فعل، وأنشد قصيدة مشهورة طويلة.. ولو انقاد للقصاص الشرعي الإلهي هل كان سيربح أم سيخسر؟ وعندما اعتز وانتصر لأنانيته هل ربح أم خسر؟

فيجب أن نصير مسلمين، إسلام العلم والعمل، لا إسلام القيل والقال وقُلْنا وخَطَبْنا ودَرَّسْنا، بل نسأل الله أن يوفِّقنا للعلم والعمل والإخلاص، ((النَّاسُ هَلكَى إلَّا العالِمِينَ، والعالِمُون هَلكَى إلَّا العامِلِين، والعامِلُون هَلكَى إلا المخلِصِين، والمخلِصُون على خَطرٍ عَظيمٍ)) 21 ، فقد يقع في قلبك عُجبٌ أو رؤية نفس، وتقول: “أنا أفهم”، و”أنا أعلم”، و”أنا لا يوجد مثلي”، فيذهب علمك وعملك وإخلاصك، [لذلك عليك أن تبقى طوال حياتك محترساً من الشيطان والنفس الأمارة] حتى تخرج من الدنيا على العلم والعمل والإخلاص، وتلتفت خلفك لترى هل انتهيت أم لا؟ عندها تُؤَمِّن على نفسك.. نسأل الله أن يُآمِنّا في الدنيا، ويثبِّتنا على الهدى في الدنيا وفي الدار الآخرة.

الخوف من إحباط العمل

فذهب ثابت بن قيس رضي الله عنه إلى البيت، ودخل إلى الحظيرة، وأمر زوجته أن تدق المسامير على الباب من الخارج، وظل يبكي ليل نهار، وهو يقول: حبط عملي، وأنا من أهل النار.. والآن إذا تكلمتَ لأحدٍ عن عيبه هل يَقبَل؟ مع أن هذا كان سمعه خفيفاً، وكان يرفع صوته ويظن أن سمع الناس خفيفٌ مثله.

فتفقده النبي عليه الصلاة والسلام بعد يومين أو ثلاثة، فأخبروا النبي بما فعل بنفسه، فقال لهم: ((أَحضِروه))، قالوا له: اخرج، فقال لهم: الباب قد أُغلق من الخارج.. أين حبس نفسه؟ في الحظيرة، هذا لأنه كان يرفع صوته فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، بسبب سمعه الثقيل.

هكذا كانوا يحاسبون أنفسهم، لأنهم كانوا عقلاء وحكماء، والأحمق وصاحب الهوى يحاسب غيره ولا يحاسب نفسه.

لَه حَقٌّ وَلَيسَ عَلَيهِ حَقٌّ وَكُلُّ الحَقِّ حَقٌّ ما يَقُولُ

كل الذي يقوله ويتحامق به ويتسافه به ويتراذل به هذا هو الحق.

هذا في النهاية ماذا يكون؟ هل يصح أمره؟ إذا قلنا عن الليل نهاراً، وعن النهار ليلاً، هل يصير كما نقول أم أنَّ الحقيقة هي التي ستنتصر؟

قال: فأتى ثابت بن قيس رضي الله عنه إلى النبي ﷺ وهو لا يزال سائلَ الدموع باكيَ العينين ويقول: “حبط عملي وأنا من أهل النار”، فقال له النبي ﷺ: ((إنَّكَ تَعِيشُ سَعِيدًا، وَتَمُوتُ شَهِيدًا، وإنَّكَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ)) 22 .

[لام نفسه] واعترف مع أنه لا يوجد خطأ، بل شبه خطأ، ومع ذلك جعل من نفسه مخطئًا، والآن يكون الشخص قد ارتكب خمسين ألف خطأ ويبرِّئ نفسه خمسين ألف براءة، ولا يدافع إلا عن أهوائه وأنانيته وحظوظ نفسه.. فأين الإسلام؟ هل هذا إسلام وذاك إسلام؟ الحمد لله أن الله تعالى يسقينا قليلًا من المطر. [هذه الجملة الأخيرة من أسلوب الكلام في اللهجة العامية، والمعنى المقصود أننا لسنا مسلمين ونستحق أقسى العقوبات من الله تعالى، وشُحُّ المطر الذي نراه هو بسبب أعمالنا وكفرنا، ونحمد الله أنه بفضله ونعمته لا يزال يُنْزِل علينا هذا المطر القليل الذي لا نستحقه].

وحسن الأخلاق يكون مع زوجتك ومع خادمك ومع أجيرك ومع شريكك ومع عدوك، انظر إلى الحَجَّاج، قال له: أنت لِمَ لَم تدافع عني؟ قال: لأني أبغضك.. ومع أنه يعاديه فقد كرَّمه لصِدقه ولم يعاقبه لعداوته، هذا الحَجَّاج الذي يقولون عنه: ظالم.. فكيف سنصير نحن مسلمين؟

تطبيق الصحابة لآيات الله تعالى

أنتم تأتون إلى الجامع، وتسمعون الدرس، وبيدكم مسبحة، وقد تشاهدون الأحوال، [المقصود أحوال أهل التصوف كالكرامات والكشوفات]، وهذا كله ليس عبرة، العبرة بالاستقامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، على الأوامر، وعلى النواهي، وفي الرضى والغضب وفي الحظّ، وسواء كان الأمر على هواك أم لا، فأنت لستَ عبد كَيْفِك وهواك، بل أنت عبد الله.

الطريق والعلم والدين والإسلام أن نكون عند أمر الله وعند نهيه.. عندما اتُّهِمت السيدة عائشة رضي الله عنها في عِرضها وهي ابنة الصديق رضي الله عنهما، وزوجة النبي ﷺ، ولما أنزل الله براءتها كان من جملة المتَّهِمِين لها مسطح ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يقال: “اتَّقِ شَرَّ مَن أَحسنتَ إلَيهِ”، [هذا مَثَل عربي مشهور يُقصَد به الحذر والحيطة والتصرف بحكمة مع بعض الناس الذين قد يسيئون إلى من أسدى إليهم معروفاً حسداً أو طمعاً أو لؤماً، ولا يعني أبداً ترك الإحسان] وكان أبو بكر رضي الله عنه يصرف له مرتَّبًا شهريًّا أو ما شابه، فحلف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أنه لن يساعده بشيء، فأنزل الله تعالى معاتبًا لأبي بكر رضي الله عنه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ من الإيلاء والحلف، يعني لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا مهاجر ومسكين وقريبك، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] 23 .

ما الإيمان بالآية؟ الإيمان بهذه الآية أن تطبِّقها وتنفِّذها وتعمل بها، أما أن تقرأها بالتجويد وعلى السبع والأربع عشرة، وتعمل بعكسها فهذا كفر بالقرآن.

تنقية الإسلام والتصوف مما أُدخل عليه

فزِنُوا أنفسكم بميزان القرآن؛ بالتطبيق وبالعمل، وهل تستطيع أن تطبِّق وتعمل إذا لم تفهم؟ وهل تستطيع أن تعمل وتطبِّق إذا لم يكن لك قلب؟ لأن الله تعالى قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37]، فيجب أن يكون قلبك ممتلئًا بنور الله وبذكر الله وأن يشرح الله صدرك للإيمان، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، من أين أتى الشرح والنور؟ من الذكر، وإذا لم تكن ذاكرًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر:22]، لم يقل: ويل لتاركي الصلاة ومانعي الزكاة، بل قال: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وهذا يسمونه طريق وتصوَّف، بل هذا هو القرآن، ولا نريد إلا القرآن، أما اسم تصوف ونقشبندي وقادري فضعه كله جانبًا، وَلنَعُدْ إلى القرآن، ولكن نحن لا نفهم القرآن ولا التصوف.

وإذا دخل على التصوف بِدَع فكما إذا دخل على الإسلام بدع هل نترك الإسلام؟ الإسلام والسُّنَّة النبوية والأحاديث أَمَا دخل فيها موضوعات وأحاديث مكذوبة؟ فإذا دخلت أحاديث مكذوبة هل نترك كلام النبي ﷺ؟ بل نعزل الموضوعات والمكذوبات، ونحافظ على الأصل وعلى جوهر كلام النبي ﷺ، وكذلك التصوف إذا دخل عليه بِدَع نجرِّد البدع ونعود لكل ما وافق الكتاب والسُّنَّة، وإذا رفعنا اسم التصوف لا يضرُّ.

اسمك “أحمد -أبو قاسم -الدكتور”، يعني: هل يوجد فرق بين الأوصاف الثلاثة وهل يمنع أن تجمع الأوصاف الثلاثة؟ لكن الأصل وجودك الشخصي، الأصل وجود القرآن وإسلام القرآن والسُّنَّة، وما زاد على ذلك أو نقص فهو زيادة في الإسلام أو نقص منه.

إكرام الله لثابت بن قيس رضي الله عنه ووصيته بعد موته

لقد أكرم الله ثابت بن قيس رضي الله عنه بالشهادة في حرب الرِّدة، وبعد موته رآه بعض أصحابه في المنام يقول له: عندما استشهدتُ أتى أحد الجنود فنزع مني درعي وأخذه إلى خيمته وغطَّاه بقِدر، والقِدر يعني الحَلَّة الكبيرة، وأمام هذا القِدر يوجد فرس مربوط بحبل طويل، فقل لخالد بن الوليد أن يأخذ الدرع إلى الأموال العامة وهذا ليس حقًّا لشخص، بل حقًّا للجميع، قال له: وعليَّ دَين كذا وكذا، وعبيدي فلان وفلان وفلان قد أعتقتُهم، فبلِّغ أبا بكر ذلك.. هذا كله في المنام، فعندما استيقظ النائم أخبر سيدنا خالدًا رضي الله عنه، فذهب إلى خريطة الخيمة والدرع فوجد القِدر الكبير مغطى والفرس موجود ورسنها طويل، ورفع القدر فوجد الدرع كما ذكر في المنام، وبلَّغ أبا بكر رضي الله عنه عن الدَّين فظهر صحيحًا والعبيد بأسمائهم.

وقالوا: ما نُفِّذت وصية ميت بعد موته إلا وصية ثابت بن قيس بن شمَّاس رضي الله عنه، وهذا كما حدث مع أخينا أبي أحمد الحناوي بعد وفاته كان قد تعاهد مع أخينا حمدي الشالاتي أبو أحمد أن يموتا معًا، وأن تخرج جنازتهما معًا، وكما تمنَّيا على الله ماتا في يوم واحد، وصلَّينا على الجنازتين في جامع أبي النور، وخرجت الجنازتان معًا رحمة الله عليهما من مؤمنَين ومحبَّين.

وأخبرني أبناء أبي أحمد الحناوي أنه كان قد ادَّخر عشرين ليرة ذهبية، ففتشوا عنها بعد موته، ولكن لم يجدوها، فرآه أحد أولاده في المنام وقال له: أين النقود يا أبي؟ فقال: يا بني أنا وضعتها في درج الطاولة بأسفل الطاولة، وقد ألصقتها بالصمغ، ووضعتُ فوقها ورقة جريدة حتى لا يراها أحد، فافتح الدرج واقلب الدرج تجد هناك الليرات العشرين.

فاستيقظ في الليل من منامه وأيقظ أمه وإخوته وقال لهم: رأيتُ كذا وكذا، فطلب من أمه أن تعطيه المفتاح ففتح الدرج، وقَلَبَه ورأوا خلف الدرج مغطى بورق الجرائد، فأزال الورق وأخرج العشرين ليرة الذهبية.. هل هذه رؤية حق أم باطلة؟ فرضي الله عن المرضيِّين، وتاب الله عن العصاة المخالفين، وأسأل الله أن يتوب عليَّ وعليكم.. وكلنا خطاؤون و((خَيرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) 24 .

عقوق المسلمين لعلمائهم جعلهم آخر الأمم

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ [الحجرات:2] انظروا، رَفْعُ الصوت والجهر أمام النبي ﷺ فيه إحباطٌ للعمل، وهذا ما يقوله العلماء والمفسرون، و((العُلماءُ وَرَثةُ الأَنبياءِ)) 25 ، أيضًا قلة الأدب مع الشيخ تُورِثُ كما تورث قلة الأدب مع رسول الله ﷺ بحُكْم: ((العُلماءُ وَرَثةُ الأَنبياءِ))، وبحكم حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ((لَيسَ مِنَّا مَن لَم يُوقِّرْ كَبِيرَنا، وَيَرحَمْ صَغِيرَنا، وَيُعطِ لِعالِمِنا حَقَّه)) 26 .

وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وبإجماع العلماء والأولياء، وإذا وُجِد أناس يخالفون كلام النبي ﷺ وكلام الأولياء وإجماع العلماء، فما يكون حال هؤلاء المساكين؟ عندما يُذكَر الشيخ في مجلس كل منهم يصبح عنترة، وإذا رأوا شرطيًّا أو موظف بلدية فكلهم يصبحون صراصير.

الرجولة على مَن؟ العنتر ليس على زوجته، بل في المعركة، وعندما تكون المعركة مع العدو هناك تكون العَنْتَرِيَّة، [العَنْتَر والعَنْتَرِيَّة: كلمتان تستخدمان في اللهجة العامية، وهما مأخوذتان من اسم عَنْتَرة بن شَدَّاد، والعنتر بمعنى الشجاع القوي، والعنترية بمعنى الشجاعة والبطولة]، ولذلك ما نتائج المسلمين اليوم وما حالهم؟ أصبح اليهود أعز من المسلمين، وأخذوا فلسطين، والمسلمون مليار مسلم في العالَم، وماذا خرج منهم؟

نحن نترجَّى بوش وغورفاتشوف، [بوش رئيس أمريكا في ذلك الوقت، وغورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي]، وهل هؤلاء الذين يأمرنا الإسلام أن نُعَزَّ بهم ونَسْتَردَّ حقوقنا من طريقهم؟ وهل هكذا فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؟ نحن نريد الإسلام، لكن بالكلام والتمني، وهذا لا يمكن، إذا أردتَ القمح يجب أن تزرع حب القمح، وإذا أردتَ الشعير تزرع حب الشعير، والفجل تأتي ببذار الفجل.

قال: ((تعملون عمل الأشرار وتطلبون من الله منازل الأبرار، أبشروا فكما لا يُنبت الشوك العنب كذلك لا يَنْزِل الأشرار في منازل الأبرار)) 27 .. اللهم وفقنا للهمة وللصدق في النية وللإخلاص في العمل ولمحاربة النفس ومجاهدتها حتى نقضي على الأنانية.

وجوب التوبة من الذنوب

كلمة “أنا” هي الهوى، ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43]، ((أَبغَضُ إلهٍ عُبِدَ في الأَرضِ الهَوى)) 28 ، فإذا أذنبنا يجب أن نعترف بذنوبنا، “الاعتراف يمحو الاقتراف” 29 ، والإصرار على الصغيرة من الخطايا يحولها إلى كبيرة، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران:135-136]، يعترف إلى الله ويتوب، وإذا كان قد أساء لإنسان يقول له: لا تؤاخذني أنا أخطأتُ، وأي شيء تريده مني فأنا حاضر.. فالتوبة وبهذا الاعتراف.. وحتى مع أبويك، أنا أتذكر أحد أرحام الوالدة رحمة الله عليها كان فقيرًا، وطلب مني أن يصير “آذِناً” [مُسْتَخدَمًا] في وزارة التربية، وهذا قبل أربعين أو خمسين سنة، وكان هذا سهلًا في ذلك الوقت، وحاولتُ كثيرًا ولم ينجح الأمر.

وأنا أعرفه كان عاقًّا لأمه.. ونسأل الله أن يحمينا من عقوق الشيوخ، قالوا: “من قال لشيخه: لا، لا يفلح أبدًا”، حتى لو حدثت له أحوال وما شابه، فهذا كله استدراج ومكر خفي، وهذا بإجماع كل الأولياء والعارفين بالله.

ثم أرسلتُ له وقلتُ له: أنت كنتَ عاقًّا ومغضوبًا، وعقوقك لأمك وغضبها حائل دون قضاء حاجتك، اذهب إلى قبرها وابكِ واطلب منها أن تسامحك لعل الله يقضي حاجتك، ففعل.

واللهِ في اليوم التالي ذهبتُ وقدمتُ له قضيته، ولم أتكلم بكلمة، ومباشرة وافقوا.. قلتُ له: هل رأيتَ؟ لقد تبتَ فتاب الله عليك وقضى حاجتك.

نسأل الله أن يتوب علينا سواء مع الله أو مع الناس أو مع الأعداء أو مع الأصدقاء، أو مع الآباء، أو مع الأمهات، أو مع الشيوخ.

وحتى مع الحيوان إذا أسأتَ إليه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((دَخَلَتِ امرأةٌ نارَ جَهَنَّمَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتَّى ماتَت لا هي أَطعَمَتْها، ولا هي تَرَكتْها تَأكلُ مِن خَشاشِ الأرضِ)) 30 ، ((وغَفرَ اللهُ لِامرأةٍ بَغِيٍّ سَقتْ كَلبًا عطشانَ، فَتَقبَّلَ اللهُ فِعلَها فَغَفَرَ لها)) 31 ، قالوا: “أَوَلَنا في البهائم أجرٌ يا رسول الله؟” قال: ((لَكم في كُلِّ كَبِدٍ رَطبةٍ أَجرٌ)) 32 ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8].

معنى الذنوب في حق النبي ﷺ

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وإنِّي لَأَستغفرُ اللهَ وأَتوبُ إلَيهِ في اليَومِ مِئةَ مَرَّةٍ)) 33 ، هذا النبي ﷺ يطلب المغفرة من الذنوب، وما ذنوب النبي ﷺ؟ وهل للنبي عليه الصلاة والسلام ذنوب؟ النبي ﷺ معصوم، لكن إذا لبستَ ثيابك الغالية وهي غير مكوية جيدًا وقابلتَ رئيس الجمهورية هل هذا ذنب أم لا؟

أما عامل النظافة فعندما تكون المكنسة والعصى في يده والغبار فوق رأسه في الطريق هل هذا ذنب؟ ليس ذنباً، ولكن إذا خرج عاريًا بلا لباس وبلا ملابس داخلية فهذا ذنب، فذنب الزّبال [عامل النظافة] شيء وذنبك أمام الرئيس أو الملك شيء آخر، فمَن يعاشر الملوك إذا كان قميصه غير مزرَّرٍ فهذا ذنب، والأنبياء لا يغفلون عن الله طرفة عين، وهم معصومون من كل الذنوب لكن ذنوبهم إذا تركوا الأفضل وفعلوا الفاضل، أو تركوا الأحسن وفعلوا الحسن عن اجتهاد لا عن قصد، وكذلك أهل الكمال ذنبوهم على حسب مقامهم.

سيدنا يونس عليه السلام عندما ترك الدعوة وهداية قومه بعد أربعين سنة وهم معرِضون، عاقبه الله وجعله في بطن الحوت، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)، أي التائبين النادمين، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]، هذا مع الأنبياء، وسيدنا آدم عليه السَّلام ألم يكن نبيًّا؟ أخرجه الله عزَّ وجلَّ من الجنة من أجل أكل تفاحة.. والواحد منا يرتكب مليون ذنب ومليوني معصية ويريد أن ينطح باب الجنة بقَرْنَيْه ويخلعه، وكأنّ الجنة حظيرة وخان وكأنَّه ثور.

هذا منتهى الغرور، وهذا منتهى الأماني، فهل الأنبياء هكذا قالوا؟ وهل القرآن هكذا قال؟ وهل العقل هكذا يقول؟

لقد كانت الجوامع مدراس وكانت مصانع تربي العقل الحكيم والنفوس الطاهرة والأخلاق القويمة والعلم الغزير، وكان المسلم والمسلمة كلهم علماء وحكماء وبأخلاق الملائكة.

وجوب إصلاح الإعلام وبرامجه

والآن أصبحت الجوامع السينمات والتلفزيونات، وأكثر الأفلام لا يوجد فيها نفع، وما أعظم حاجتنا في التلفزيون إلى أن يكون هناك دروس للصحة! كيف تحفظ الأسنان، ودروس للطعام الحي والميت، الضار والنافع، ما أعظم التلفزيون لو كان فيه في كل يوم دروس في الأخلاق والتعامل! ودروس في عدم الإسراف في الماء، هذه السَّنَة قد لا يكفي الماء لآخر العام.

ولكن يُعرَض فيلم مصري، وماذا يعرض فيه؟ شخص يدخل المطبخ وشخص يقلي الباذنجان، هذا ما الفائدة منه؟ ألا نعرف كيف نقلي الباذنجان؟ ألا نعرف كيف ندخل المطبخ؟ فيجب أن تكون كل الأفلام بين علم وأخلاق وتربية، وبين وطنية وأخلاقية واجتماعية وفضائلية.

التلفزيون هذا يُصرَف عليه نفقاتٌ بلا حدود، فيجب أن تكون منافعه وثمراته بلا حدود أيضًا، يكون فيه تاريخنا ورجالاتنا وعظماؤنا وفضائلنا، وكيف امتدت حدود الأمة العربية بمئة سنة إلى الصين وفرنسا، ولماذا استطاعوا أن يوحِّدوا ويحرِّروا نصف العالَم، ونحن خلال خمسين سنة لم نستطع أن نحرِّر فلسطين.

هذا مدرسة، ودروسها لا تضر ولا تنفع، ويوجد كثيرٌ منها يضر، فالأطفال يتعلَّقون به ويتركون دراستهم، فيجب أن يكون هناك دروس للأطفال؛ كيف يجتهدون، وكيف يطيعون والديهم.

قرأتُ كتابًا لأحد العلماء بالمخدرات أنَّ إسرائيل تريد أن تقتل الأمة العربية بالمخدرات، وسمعتُ أنه في مصر دخلت المخدرات إلى المدراس، إذ يضعون الكوكائين في ورود، يبيعه باقة ورد فيشمها، وبتكرار ذلك يصبح مدمِنًا، أولًا يعطيها إليه مجانًا، وبعد ذلك يبيع ثيابه ليشتريها.. وسمعتُ أنّ الانتشار هنا، ولكن لا أعرف إذا كان هذا صحيحًا أو لا، فالمخدرات تنتشر، ويجب أن يُحذِّروا الناس من ذلك في التلفزيون، وأن يعلِّموا الناس ويصحُّوهم ويذكِّروهم.

وهذه الميزانية التي تُصرَف مِن دم الشعب ومن عَرَق الشعب يجب أن تُعطي للشعب -في أقل الدرجات- إن لم تُعطِه الربح أنْ تعطيه رأس المال.. فنسأل الله أن يوفِّق ويُلهِم القائمين على وسائل الإعلام أن يقوموا بالواجب، وأيضًا أن يُلهِمنا نحن أن نقوم بواجب التذكير بالحكمة والموعظة الحسنة.

يكفي إلى هنا.

وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.

Amiri Font

الحواشي

  1. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (16998)، والمعجم الكبير للطبراني، رقم: (1281)، (2/58)، بلفظ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ»، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه.
  2. سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ذكر خروج الدجال (4324)، (2/520)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (9259)، (2/406)، بلفظ: ((ليس بيني وبينه نبي يعني عيسى عليه السلام وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين (الممصر من الثياب الملون بالصفرة وليست صفرته بالمشبعة) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِسْلاَمَ ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، واللفظ لأبي داود.
  3. أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب لمحمد درويش، رقم: (1629)، ص: (309)، بلفظ: ((النَّاس هلكى إِلَّا الْعَالمُونَ، والعالمون هلكى إِلَّا الْعَامِلُونَ، والعاملون هلكى إِلَّا المخلصون، والمخلصون على خطر عَظِيم))، الموضوعات للصغاني، رقم: (39)، ص: (38)، وفي الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، رقم: (123)، ص: (257)، بلفظ: ((موتى، بدل هلكى))، وفي شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (6868)، (5/345)، من قول ذي النُّونِ الْمِصْرِيَّ، بلفظ: "النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إِلَّا الْعُلَمَاءَ، وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ نِيَامٌ إِلَّا الْعَامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ يَغْتَرُّونَ إِلَّا الْمُخْلَصِينَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ".
  4. سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي حفص عمر بن الخطاب، رقم: (3686)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (17441)، المستدرك على الصحيحين للحاكم، رقم: (4495)، عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ رضي الله عنه.
  5. حاشية الصاوي على تفسير الجلالين (1/379)، مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات، محمد المهدي بن أحمد بن علي، (75)، فتح الكريم الخالق في حل ألفاظ الدر الفائق في الصلاة على أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم، علي المكي بن محمد بن أحمد بن حسن مكي، (219)، وفي صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، رقم: (15)، بلفظ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده)).
  6. ذكره البخاري، بَابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ في المقدمة دون سند، سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم: (3641)، سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم: (2682)، سنن ابن ماجه، كتاب المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم: (223)، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه.
  7. سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة رقم: (2685)، (5/50)، والمعجم الكبير للطبراني، رقم: (7912)، (8/234)، بلفظ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وأهل السموات والأرضين حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))، وعند الطبراني: ((وَحَتَّى الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ))، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الباهلي رضي الله عنه.
  8. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب: تحريم الظلم، رقم (2577)، شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (7088)، (5/ 405)، بلفظ: ((يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))، عن أبي ذر رضي الله عنه.
  9. صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، رقم: (4204)، (4/1623)، سنن أبي داود، كتاب سجود القرآن، باب فاتحة الكتاب، رقم: (1458)، (1/461)، بلفظ: ((عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قال: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
  10. المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الرقائق، رقم: (7923)، (4/361)، بلفظ: ((إِذَا أَبْغَضَ الْمُسْلِمُونَ عُلَمَاءَهُمْ وَأَظْهَرُوا عِمَارَةَ أَسْوَاقِهِمْ وَتَنَاكَحُوا عَلَى جَمْعِ الدَّرَاهِمِ رَمَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ: بِالْقَحْطِ مِنَ الزَّمَانِ، وَالْجَوْرِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَالْخِيَانَةِ مِنْ ولَاةِ الْأَحْكَامِ، وَالصَّوْلَةِ مِنَ الْعَدُوِّ))، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
  11. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((سترون بعدي أمورا تنكرونها))، رقم: (6647)، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم: (1709)، بلفظ: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: ((دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)).
  12. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (22859)، والمعجم الكبير للطبراني، رقم: (5986)، بلفظ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قَدْ حَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا، فَأُؤَذِّنُ وَأُقِيمُ، فَتَقَدَّمَ وَتُصَلِّيَ قَالَ: مَا شِئْتَ فَافْعَلْ. فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَنَحَّى، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: مَكَانَكَ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ؟ قَالَ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَأَنْتُمْ لِمَ صَفَّحْتُمْ؟ قَالُوا: لِنُعْلِمَ أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: إِنَّ التَّصْفِيحَ لِلنِّسَاءِ، وَالتَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ.
  13. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، رقم: (135)، (1/152)، المعجم الأوسط للطبراني، رقم: (7306)، حلية الأولياء للأصبهاني، (3/325)، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْشِي أَمَامَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: ((يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَا غَرَبَتْ، عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ)).
  14. صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحجرات، رقم: (4566)، أسباب النزول للواحدي، رقم: (752)، ص: (401)، بلفظ: عن ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ وَقَالَ عُمَرُ بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَرَدْتَ إِلَى أَوْ إِلَّا خِلَافِي فَقَالَ عُمَرُ مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حَتَّى انْقَضَتْ الْآيَةُ.
  15. السيرة النبوية لابن هشام، طَمَعُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ النَّبِيِّ فِي الْهِجْرَةِ، وَمَا أَعَدَّ لِذَلِكَ (1/484)، بلفظ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنَّمَا يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ، وفي المعجم الكبير للطبراني، رقم: (462)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بنحوه.
  16. المدخل لابن الحاج (1/176)، بلفظ: ((إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ))، وفي تفسير الطبري، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾، (8/344)، وفي تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق الكناني، رقم: (104)، (2/313)، بلفظ: ((عن فلان بن عبد الله، عن الثقة عنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في غَيْضِة طرفاء، فقطع قَصِيلين، أحدهما معوجٌّ، والآخر معتدل، فخرج بهما، فأعطى صاحبه المعتدل، وأخذ لنفسه المعوج، فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنت أحق بالمعتدل مني! فقال: "كلا يا فلان، إن كل صاحب يصحب صاحبًا، مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار)).
  17. سبق تخريجه.
  18. شُعب الإيمان للبيهقي، رقم: (1778)، (2/284)، المعجم الصّغير للطبراني رقم: (507)، (1/305)، بلفظ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
  19. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، رقم: (764)، مسند الطيالسي، رقم: (989)، بلفظ: ((عَنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الصَّلاَةَ كَبَّرَ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، قَالَهَا ثَلاَثًا، وَالْحَمْدُ اللهِ كَثِيرًا، قَالَهَا ثَلاَثًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، قَالَهَا ثَلاَثًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ».
  20. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، رقم: (2722)، (4/2088)، وسنن النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، رقم: (5470)، (5/44)، بلفظ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَقَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ وَنَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ».
  21. سبق تخريجه.
  22. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (12422)، (3/137)، مسند الشاميين للطبراني، رقم: (2582)، (4/11)، بلفظ: ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوْا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: لاَ، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الاِنْكِشَافِ ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وفي رواية أخرى: ((جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَسَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا؟» فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ))، وفي المعجم الكبر للطبراني، (2/67)، بلفظ: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.
  23. صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة النور، رقم: (4473)، بلفظ: ((فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي" فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا))، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
  24. سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب، رقم: (2499)، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم: (4251)، بلفظ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه.
  25. سبق تخريجه.
  26. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (22807)، نوادر الأصول للحكيم الترمذي، رقم: (1/73)، بلفظ: ((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))، عَنْ عُبَادَةَ بن الصامت رضي الله عنه.
  27. حلية الأولياء للأصبهاني، (10/31)، بلفظ: عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكما لا يجنى من الشوك العنب، لذلك لا ينزل الأبرار منازل الفجار فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله»، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر (67/260)، عن أبي ذر الغفاري قال سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم: ((كما لا تجتنى من الشوك العنب لا ننزل الفجار منازل الأبرار وهما طريقان فأيهما أخذتم أدتكم إليه)).
  28. المعجم الكبير للطبراني، رقم: (7502)، (8/103)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (2/301)، السنة لابن أبي عاصم، رقم: (3)، (1/8)، بلفظ: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْ إِلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ»، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه.
  29. أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي، (1/279)، بلفظ: أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل: "الاعترافُ يمحُو الاقتراف"؟، وفي التبصرة لابن الجوزي، (1/78)، بلفظ: "نِيرَانُ الاعْتِرَافِ تَأْكُلُ خَطَايَا الاقْتِرَافِ"، وفي لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي، ص: (56)، بلفظ: "الاعتراف يمحو الاقتراف" كما قيل: "فإن اعتراف المرء يمحو إقترافه ... كما أن إنكار الذنوب ذنوب".
  30. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، رقم: (3140)، صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم قتل الهرة، رقم: (2242)، بلفظ: ((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وفي رواية أخرى عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)).
  31. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾، رقم: (3280)، (3/ 1279)، صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، رقم: (2245)، بلفظ: ((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
  32. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب المساقاة الشرب، باب فضل سقي الماء، رقم: (2234)، (2/833)، صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، رقم: (2244)، بلفظ: ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
  33. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم: (2702)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (17883)، بلفظ: عن الْأَغَرَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ))، وفي صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اليوم والليلة، رقم: (5948)، بلفظ: ((وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
WhatsApp