تبرؤ الناس من بعضهم يوم القيامة
كان درسنا الماضي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:40]، المولى يُطلَق على الأب وعلى الأخ وعلى الصديق وعلى الأمير وعلى العظيم وعلى المناصِر، فيوم الفصل الذي هو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الظالم والمظلوم، وبين الضعيف وعدوان القويِّ على الضعيف الذي لم يجد من يدافع عنه ولا من يقتصُّ له من ظالمه القوي.
يوم الفصل يفصل الله فيه بين الكافرين والمؤمنين المتقين الذين جاهدوا في الله حقَّ جهاده وجاهدوا بدمائهم وأرواحهم ليحرِّروا العالَم ويوحِّدوه ويحضِّروه ويجعلوا منه أسرةً وعائلةً واحدة، ويمحوا فوارق الألوان واللغات واللسان والعنصرية، ((كُلُّكُمْ مِن آدَمَ، وَآدَمُ مِن تُرابٍ)) .
يوم الفصل يفصل الله فيه بين المتقين والفاسقين، وبين الأبرار والأشرار، وبين المؤمنين على اختلاف درجاتهم، ((إنَّ في الجَنَّةِ مِئةَ دَرجةٍ، ما بَينَ كُلِّ دَرَجةٍ ودَرَجةٍ مِئةُ سَنَةٍ)) ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8].
الفصل بين العباد يوم الفصل
يوم الفصل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:106].
يوم الفصل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾، يهوي في جهنم، ليس برجليه ورأسه إلى الأعلى، بل رأسه إلى الأسفل ورجليه إلى الأعلى، يعني يقفز “مِقَص”، [وضعية من يقفز إلى المسبح حيث يكون رأسه إلى الأسفل ورجلاه إلى فوق، وهذه القفزة تسمى “مِقَصّ” في اللهجة الدمشقية]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:7-12].
يوم الفصل: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ المشؤومون ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ يوجد أصحاب اليمين، ويوجد السابقون، ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:8-14]، في زمن النبي ﷺ كانوا فئة كبيرة، وفي الآخرين يصبحون فئة قليلة، وهؤلاء هم السابقون.
وجوب التفكير بحياة يوم القيامة
ونحن عندما نقرأ القرآن أو نسمع القرآن هل انطبع فينا معنى هذه الآية؟ هل فكَّرتَ أنت في مصيرك الأبديِّ الخالد؟ بل إن كل تفكيرك لا يتعدى خمسين أو ستين أو سبعين سنة، ثم لا تفكر بما وراء ذلك، وكل يوم ترى الجنائز غاديات ورائحات، والمقابر بشواهد وبلا “شَوَاهِد”، [الشواهد: العلامات التي تُوضَع على القبور للتعريف بصاحب القبر أو للدلالة على موضعه]، والنعي في الجرائد والإذاعات.
رأيتُ مجلةً رسموا فيها أغنى رجل في العالَم، وهو رجل يونانيٌّ وهو أغنى أغنياء العالَم، مات وعمره سبعون سنة، وما كان يدع شيئًا من المتع إلا تمتع بها، وبعد كل هذا الغنى قال: “رأيتُ أنَّ الغني مثل الفقير، فمعدة الغني بحجم معدة الفقير، وكلاهما لهما عينان ولا تكون لأحدهما عين ثالثة”، ومات وعمره سبعون سنة، فأين صارت الثروة وما نفعها؟ منام وانتهى، والحياة: “النَّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا” .
بالأمس كنا أطفالًا نلعب “بالدَّحَاحِل والكِعَاب والكُرَة” في الشارع، [ألعاب يلعب بها الأطفال]، واليوم أصبحنا رجالًا وشُيَّبًا، وغدًا نصير جنائز وفي القبور، وفي القبور يأتي المحقِّق الأول أنكر ونكير، والقبر إما روضةٌ من رياض الجنة وإما حفرةٌ من حفر النيران، وليس المقصود من القبر مكان القبر والجثة، فالجثة تراب وقد صارت حَطَبة، بل إن القبر كناية عن الروح وحياة الروح بعد مفارقة الجسد، وهناك لا يبقى غنيٌّ وفقير، ولا يبقى بوش وغُورْباتشُوف وستالين ولينين، [بوش رئيس أمريكا في ذلك الوقت، وغُورْبَاتشُوف آخر رئيس للاتحاد السوفييتي، وستالين ولينين زعماء في الاتحاد السوفييتي سابقًا]، ولا يبقى ملوك وسلاطين ومشايخ وغير مشايخ لا يوجد سوى العمل، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، الله تعالى يُحاسب الأنبياء، ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:109]، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:6]، ويُحضِر الله عزَّ وجلَّ النبي ويقول له: هل بلَّغتَ؟ يقول له: بلَّغتُ، وأنتم هل بَلَغَتْكم الرسالة؟ بَلَغَتُكم، وهل نفَّذتموها؟ يقولون: ما معنى “نفَّذتموها”؟ لقد كنا نقرأ القرآن.. يقول: إنّ القرآن رسالة من عندي فهل فهمتموها؟ لا، ولكن كنَّا نسمعها نغمًا.. وهل فكَّرتم في يوم الفصل مع أيِّ فئةٍ تُفصَل؟ هل مع أهل الشمال أم مع أهل اليمين؟ هل مع أصحاب الميمنة أم مع أصحاب المشأمة؟ هل مع المتقين أم مع الفاسقين؟ هل مع المؤمنين أم مع الكافرين؟
والدنيا ذهبت، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ:19]، فُتِح الباب لتمشي إلى عالمٍ آخر، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:20]، كنا نرى جبل الهِيمالايا، بعد ذلك أين صار؟ لا بقي هِيمالايا ولا بقيت كرة أرضية.
أصل الإنسان قبل ولادته
﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة:61-62]، ولما كنتَ ذرةً كان موطنك الأصليُّ في خصيتَي والدك، وفي المبيضين عند أمك، فأمك تبيض بيضة صغيرة لا تراها العيون، وأبوك أيضًا يلد حيوانًا مَنَويًّا لا تراه العيون، وكيف انتقلتَ؟ وكيف جمع الله البويضة مع الحُوَين المنوي في الرحم وفي طريق اسمه طريق فالوب؟ وقد كان الحيوان المنَويُّ يبحث عن البويضة، والبويضة تبحث عن الحيوان المنَويِّ، حتى يمتزجا ويعلقا في جدار الرحم.. وإلخ.
فهل فكَّرتَ ماذا كان أصلك، وبعد ذلك ماذا سيكون مصيرك؟ لا نصدق بالمصير، لأنه لا يوجد إيمان، والإيمان لا أن تقول: آمنتُ، “الإيمانُ ما وَقَرَ في القَلبِ وصَدَّقَهُ العَملُ” ، أما بالقول فقط: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:8]، أنت تقول: أنا مؤمن، والله يقول لك: لستَ مؤمنًا، وأعمالك تقول لك: لستَ مؤمنًا، ((لا يَكونُ المؤمِنُ حَقُودًا، ولا حَسُودًا، ولا لَعَّانًا، ولا صَخَّابًا بِالأَسواقِ)) ، حين يتكلم لا يصرخ في السوق، وإذا حَدَّثَ صَدَقَ، وإذا وَعَدَ وَفَّى، وإذا اؤتُمِنَ أدَّى، وإذا قال: إنّ عنده إيمان وعنده خمس مئة ألف صلاة وصوم، ولكنّه إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر [فهو منافق] ، وما معنى فجر؟ أي يخاصم بالباطل ويخاصم بالبهتان وبالكذب وبالعدوان، ولا يخاصم بالحق ويطالب بحقه، بل يخاصم بباطل وبظلم وبتعدٍّ وبشكلٍ غير إسلامي وغير شرعي.
عقاب المجرمين في جهنم
الآن في الدنيا تستطيع أن تغشَّ نفسك وتغشَّ الناس فيك [وتُخَبِّئ قبيح فعالك]، ولكن يوم الفصل أين ستُخَبِّئ؟ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:41]، شعرك كله يرجع لك ويصل إلى ركبتيك، فيمسكونك من ناصية شعر رأسك مع رجليك ويربطونك بشعر رأسك، فتكون كالكرة، فيضربك الملَك ضربةً واحدةً كضربة الكرة فتصل إلى قعر جهنم، ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ الكُبَّة ألا تكون كُرةً؟ [الكُبَّة: طعام معروف يصنع من البرغل المطحون واللحم وتُكَوَّر كالكرات]، ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:94-97]، وهناك يؤمن، لأنه وصل إلى عين اليقين، وفرعون أيضًا آمن لكن عندما أدركه الغرق، وما فائدة الدواء إذا أحضرنا للإنسان الدواء عندما تخرج روحه؟ ما فائدة “الإطفائية” [سيارة الإطفاء] إذا أتت بعد أن احترق المنزل؟ وعندما طلعت الشمس أتى الكهربائي وأصلح لنا الكهرباء [لتُنير المصابيح]، فما فائدته؟
“حاسِبُوا أنفسَكم قَبلَ أن تُحاسَبُوا، وزِنُوا أَعمالَكُم قَبلَ أنْ تُوزَنُوا” ، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:14]، الآن تمشي على رِجليك وغدًا تمشي محمولًا على الأكتاف في النعش، فلا مالُك يفيدك ولا أولادك ولا نياشينك [أوسمتك] ولا وظائفك ولا غناك ولا علمك ولا مكتبتك ولا شهاداتك، شهاداتُك كلُّها يستخدمونها لتسخين الماء التي سيغسلونك بها على المغتسَل، وإذا حرقوها على المغتسل يكون منها فائدة، وإلا فلا يوجد فيها فائدة لأحد، والأفضل أن يرسلوها معك، [يقول سماحة الشيخ هذه الجملة “الأفضل أن يرسلوها معك” على سبيل الطرفة والعِظَة، وهي جملة بليغة تُبَيِّن أن الشهادات التي كنت تفتخر بها انتهت، ولم تعد لها فائدة أبداً].
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)﴾، لكلِّ الخَلْق من آدم عليه السَّلام إلى قيام الساعة، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، أبوك تولَّاك في الدنيا، وأمك تولَّتك ورئيسك تولَّاك، وإذا كنتَ عبدًا فسيدك تولَّاك، وصديقُك تولاك، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:41-42]، ولكن إذا حَكَمَتْ عليك المحكمة الإلهية فلا يوجد من ينقذك.
الحياة الحقيقية هي الحياة الأبدية
هناك مِن الحشرات مَن يَدَّخِر في الصيف للشتاء، وهناك أناس من بني آدم لا يفكِّرون إلا بساعتهم، ويريد الآن أن يستمتع، وبعد ساعة ماذا يحدث؟ [لا يفكِّر بذلك]، هذا قصير العقل، والعاقل كلما كان نظره أبعد يكون عقله أكبر، فالعاقل الحقيقي هو الذي ينظر في دنياه إلى أبعد حدود الحياة، ويعيش في كرامةٍ ومكانةٍ واستقامةٍ وسعادة، ويعمل بجِدٍّ وبهمَّةٍ، ويفكِّر في الدار الآخرة، ويرى أن هذه خطوة في خطوات الحياة الأبدية التي لا نهاية لها.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:41]، فإذا كان الله خصمك فمَن ينصرك على الله؟ وقد قال تعالى: ((مَن آذَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بحَربٍ)) ، إذا ظلمتَ يتيمًا فاليتيم ضعيف لا يستطيع أن يقاومك، ولكن من سيكون خصمك عنه؟ الله عزَّ وجلَّ ومحكمة الله والمدَّعي العام الإلهي، فالله يكسر الرقاب، ويذلُّ الأعزَّاء، ويقصم ظهور الجبابرة، ويسلب أصحاب الملايين ويجعلهم لا يَصِلون إلى لقمة الخبز، ويربطك في أرضك، فيشلُّ لك رجليك، ويربطك من غير حِبال، ويعميك من غير أن يقلع عينيك، ويَشُقُّك نصفين، فَيُمِيتُ نصفك ويقول لك: احمل النصف الميت على النصف الحي، فلا يستطيع أن يحمل، فيبقى في الفراش، وهذا في الدنيا.
فكيف تريد أن تناطح الله؟ وكيف تريد أن تعادي الله عزَّ وجلَّ؟ وهل أحد يستطيع أن يعادي الله؟ ولكن تتعدى على الله تعالى بتعدِّيك على حدود الله وارتكابك لمحارم الله وتعدِّيك على أيِّ بريء في قولٍ أو كلمةٍ أو نيَّة حقدٍ، والمؤمن لا يكون حقودًا، والناس اليوم كلها تحقد على بعضها، وكلها حاسدة لبعضها ومغتابةٌ لبعضها ومتمزقة مع بعضها، ولا يوجد تواصل ولا يوجد مؤمنون كالجسد الواحد، والجسد ليس بثلاث مئة عظمة، بل العظم مطحون، وصار مثل ذَرَّات الطحين، فهل هؤلاء مسلمون؟
وصية النبي ﷺ بأهل مصر الأقباط
سيدنا أبو ذر رضي الله عنه يروي حديثًا عن النبي ﷺ وقد كان سيدنا أبو ذر رضي الله عنه جالسًا في مجلس فقال ﷺ للصحابة: ((سَتفتَحُونَ مَصرَ، فَاستَوصُوا بأَهلِها خَيرًا))، عند الفتح كانوا أقباطًا ونصارى، يعني حتى ولو اختلف دينكم عن دينهم فلا تؤذوهم وكرِّموهم واعملوا الخير معهم، ((استَوصُوا بِهم خَيرًا، فإنَّ لَهم ذِمَّةً وَرَحِمًا)) ، يُقال: إن هاجر أم إسماعيل عليه السَّلام من مصر، وهذه هي الرحم، ونحن ألسنا من أولاد إبراهيم عليه السلام، والنبي ﷺ أليس من إسماعيل عليه السَّلام؟ وهذه هي الرحم، وأما الذِّمَّة فإنّ الملِك المقوقس أهدى مارية القبطية رضي الله عنها للنبي ﷺ.. قال: من أجل هذه الهدية يجب أن تحافظوا على مكافأةٍ مَن صدرتْ من بلده، وليس المقوقس فقط، بل كل القطر المصري يجب أن تكرموه، لأن شخصًا واحدًا منهم أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام هديةً.
فما هذه الأخلاق! هذا هو الإسلام، ومن هو إمامنا في الإسلام لنقتدي به؟ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31]، وهذه هي السُّنَّة النبوية.. اللحية عملٌ سهلٌ، ومن الناس من يرخي لحيته ويقيم عليها مَذْهَبًا علنيًّا، وكلما أتى شخص ليس له لحية يأتي ليحاسبَه مثل أنكر ونكير، ولكن أرنا حسابك أنت.. أليس من سنَّة النبي ﷺ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:191]، ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:30]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:1-2]، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:2]؟ أليست هذه سُنَّة؟ أليست أخلاق النبي ﷺ سُنَّة؟ أليس تعليم النبي ﷺ سُنَّة؟ أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سُنَّة؟ بل هذه فريضة واجبة.
فهل أنتم مستعدون ليوم الفصل؟ ومَن ليس مستعدًّا يكون مثل النعامة التي عندما يأتيها الصياد تُخبِّئ رأسها وراء شِيْحَة، [الشِّيْحَة: نباتٌ بريٌّ عطريٌّ ينبت في البَرِّيَّة] باعتقادها أنها ما دامت لم ترَ الصياد فهو لا يراها، وتظن أنها تنجو إذا خبَّأت رأسها، فيأتي الصياد ويُمسكها من رقبتها، فإذا كنتَ لا تهتم فإن عزرائيل يهتم ويبحث عنك، وكل يوم ينظر في دفترك خمس مرات، كم ذهب من عمرك وكم بقي من أجلك؟ ولكن الإنسان يقول: ومَن هذا عزرائيل! خَسِئ! أنا فلان وأنا وزير وأمير وأنا قائد وأنا شيخ وأنا صِدِّيق.. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، توفون أجوركم بعد الحساب، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:185].
عقوبة عدم نصرة المظلوم وعدم الطهارة
وما الذي شغلك عن الجنة وجعلك ترمي نفسك في النار؟ تمتُّعُك بملاذ الحياة، هذا يبحث عن النساء، وهذا عن اللهو، وهذا عن الرقص والخمر، وهذا عن القِمار، وهذا عن الظلم والجور، ولكن لا يسأل عن الله تعالى، وقد ورد في حديث أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أُدخِلَ رَجلٌ في قَبرِهِ، فنَزَلَ الملائِكةُ عَليهِ، وقالوا له: إنَّا جالِدُوكَ مِئةَ جَلْدَةٍ))، مئة سوط، وليست كسياط الدنيا والخيزرانات، بل سياط الزبانية من نار، ((فَبَقِيَ يَستَغِيثُ ويَتوَسَّلُ حتَّى خُفِّفَ عَنه إلى جَلْدَةٍ واحِدةٍ، فَضَرَبُوهُ بِها فاشتَعَلَ قَبرُهُ عَليه نارًا، قال: فِيمَ ضَرَبتُمُونِي؟))، ما ذنبي؟ قولوا لي حتى أعرف؟ كم معصية كان قد عمل يا شيخ عمر؟ [الشيخ عمر الصباغ يجيبه: ثلاثة]، يا شيخ رجب، [الشيخ رجب ديب يجيبه: اثنتين] اثنتين، الأُولى: ((قالَ: إنَّكَ مَرَرْتَ عَلى مَظلُومٍ فَلم تَنصُرْهُ))، شخص ظلمه مُعَلِّمه [المعلم: يُقْصَد به صاحب العمل باللهجة السورية]، أو زوجها ظلمها، أو هي ظالمة لزوجها أو “لكَنَّتها أو حماتها أو الصَّانِعة”، ودائمًا يكون الظالم قويّاً ويتعدَّى على ضعيفٍ. [الكَنَّة: زوجة الابن، والحمايَة: أم الزوج أو أم الزوجة، والصَّانِعَة: الخادمة أو الأجيرة]
((قالَ: إنَّكَ مَرَرْتَ عَلى مَظلُومٍ فَلم تَنصُرْهُ)) والثانية يا شيخ رجب؟ ((صَلَّيتَ صَلاةً بِغَيرِ طُهُورٍ)) ، يعني بغير وضوء، ولكن هل الطهور لا يكون إلا بالوضوء؟ وهل الطهور فقط هو الوضوء؟ لا، فهناك طهورٌ ثانٍ، فيجب عليك أن تدخل في الصلاة وأنت طاهرٌ من قَذَرَين ومن وَسَخَين ومن نجاستَين، القذر والنجاسة المادية على ثوبك أو على بدنك أو على مُصلَّاك، وإذا كانت على جُبَّتك تخلعها وإذا كانت على ثوبك تخلعه، وتستر العورة بأي شيء، وكذلك الأرض إذا كانت نجسة تصلي في مكان آخر.
الطهارة والنجاسة الروحية
ولكن هناك نجاسةٌ أخلاقيةٌ ونجاسة روحية، مرة سمع النبي ﷺ السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن ضرتها: “إنها قصيرة”، فقال لها: ((يا عائشةُ، لَقد قُلتِ كَلِمةً لو أُلقِيَتْ في بَحرٍ لَأَنْتَنَتْهُ)) ، الجيفة هل تُنتن بحراً؟ قالت: يا رسول الله ما قلتُ إلا الصحيح، فهي قصيرة، ما قلتُ إلا حقًّا، قال: ((لو قُلتِ غَيرَ ما فِيها لَبَهَّتِها))، إذا كان كلامك كذبًا وليس صحيحًا فهذا اسمه الإفك والبهتان، وإذا كذبتَ على غيرك إفكاً وبهتاناً لتنقِّصه وتذمَّه وتشهِّر به، فهذه ليس لها توبة إلا أن يسامحك وتستسمح منه.
ولكن المسلم جاهلٌ، وهو جاهل حتى بالعلم السماعي، وأين العلم حتى يدخل في القلب؟ علمك بالحَنَش أو الثعبان وسمِّه ماذا يقتضي؟ هل يقتضي أن تضع إصبعك في فمه؟ وهل هذا علمٌ؟ وإذا قلتَ: هذا حَنَش وفيه سمٌّ قاتل، ووضعتَ إصبعك في فمه فهل هذا دليل العلم أم الجهل؟ هذا أسوأ من الجهل، والولد الصغير إذا فعلها لا أحد يلومه وكل الناس ترحمه، ولكن الذي يفعلها يقولون عنه: قاتله الله! إنّه يستحق ذلك، وهذا مُنتَحِر، والمنتحِر ماذا يفعل الله عزَّ وجلَّ به؟ يضعه في نار جهنم مخلَّدًا ويعذِّبه من نوع ما انتحر به، فإذا كان انتحاره بحنش يُسَلِّط عليه حنشًا في جهنم ويضع إصبعه في فمه فيموت، ثم يعيده الله، وهكذا خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، وإذا كان بلحس السم بإصبعه، فيبقى السم في إصبعه، فيلعق ويتسمم، ثم يذهب الألم، ثم يعيده خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا.
قال: ((صَلَّيتَ صَلاةً بِغَيرِ طُهُورٍ)) فهل طهَّرتَ نفسك؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14]، ما معنى تزكَّى؟ التزكية تطهير النفس من الكذب ومن الغش ومن الخيانة ومن الرياء، وأن تطهِّر نفسك ولسانك من السمعة فلا تعمل حسنةً لتُسمِع الناس بها أو ليراك الناس، وإذا لم يروك ولم يسمعوا بك لا تفعل الخير، إذن أنت تعمل لا لله، بل أنت تعبد الناس.. وكل هذا يجب أن تتزكى منه، والإسلام هو تزكية النَّفْس مِن كل نقائص الأخلاق مع المخلوقات ومع خالق المخلوقات.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى:14-15]، فيجب عليك أن تدخل في الصلاة وقد طهَّرتَ نفسك بالتوبة الصادقة، وبمجرَّد أنْ تبتَ تكون قد وضعتَ عجلتك على السكة فيمشي قطارُك، والفاسق هو الذي خرجَتْ عجلته عن سكة الصراط المستقيم، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:7]، وهذا ماذا يحدث به؟ يحرق مليون طن من المحروقات ويحرق نفسه ويبقى في أرضه وينزل إلى الأسفل في الأرض.
طهارة القلب شرط لقَبول الصلاة
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾، بعد ذلك ﴿فَصَلَّى﴾ [الأعلى:15]، وهذه لا يُعلِّمها الفقهاء لطالب العلم في المدارس الدينية وفي الأزهر وكليات الشريعة لا عمليًّا ولا فكريًّا، فضلًا عن تربويًّا وأخلاقيًّا وعن ربانيًّا، فيصير يعبد الله كأنه يراه، ولا يعبد الله كأنه يراه حتى يصير مقدَّسًا، وعند ذلك يُؤذَن له بدخوله في الحضرة القدسية، ولا يدخل الأماكن المقدسة إلا القلوب والأرواح والنفوس المقدَّسة.. ((قالَ: إنَّكَ مَرَرْتَ عَلى مَظلُومٍ فَلم تَنصُرْهُ، وصَلَّيتَ صَلاةً بِغَيرِ طُهُورٍ)) ، فهو يصلِّي وهو كذَّابٌ، يصلي وهو آكلٌ للحرام وهو ظالمٌ وهو مغتابٌ وحسودٌ وعاقٌّ وقاطع رحم ومسيء للجيران وظالم للضعفاء، فهل هذا طاهر؟ كلمةٌ واحدة لو أُلقِيَت في بحر لنجَّسته، وأعماله هذه ألا تنجِّس بحرًا؟
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:104]، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:8]، هنا التَّعْتِير [الشقاء]، فهو يأكل السمَّ ويظن أنه “بَقْلاوَة”، ويأكل الكَعْ، [أي البراز، وهي كلمة تقال للأطفال، وقد يقولها الكبار في مجلسهم مراعاة لأدب المجلس]، ويظنُّ أنّه “كِنافَة”، [البقلاوة والكِنافة: نوعان من الحلوى المشهورة]، ولو سِئل: ماذا تفعل؟ يقول: “الضَّرْب عند المُسْتَطْعِم”، [مثل شعبي، بمعنى أن العَتَب واللوم على المُستَطْعِم الذي يشعر بالطَّعْم]، فهو لا يُحِس، لأنه جرذ، وهل يفرِّق الجرذ بين البقلاوة والكَعْ؟ نسأل الله أن يحمينا وأن لا تكون صورتنا بشرية وحقائقنا غير بشرية وغير إنسانية.
يوم الفصل: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59]، بيض الوجوه إلى اليمين وسود الوجوه إلى اليسار، والمتقون مع المتقين، والفاسقون مع الفاسقين، والمغتابون مع المغتابين، والإباحي الذي لا يحلل ولا يحرم؛ لا بلسانه ولا ببطنه ولا بمعاملته ولا ببيعه ولا بشرائه ولا بسهراته ولا عند غضبه، ومتى غضب فلا يوجد عنده حلال ولا حرام، ومتى صار له مطمَع فلا حلال ولا حرام، مثل القطط، فالقطُّ إذا حصل على لحم “الكُبَّة” هل يترُكُه؟ [الكُبَّة: من الأكلات المشهورة في سوريا، واللحم الذي يكون فيها خاص وغالي الثَّمَن]، وإذا قلتَ له: هذا حرامٌ.. هل يردُّ أو يفهم أو يرتدع؟ ومنهم من يصلِّي ويصلي صلاة التراويح ويصوم، ثم يأكل حراماً أو ينطق حراماً أو يجلس في مجلس حرام؛ في مجلس الغيبة والنميمة ومجلس هتك أعراض المخلوقات في كرامتهم أو في مكانتهم، فأين هذا!
ما السبب لخروج أبي ذر رضي الله عنه من مصر بعد فتحها؟
وأبو ذرٍّ رضي الله عنه كان في مجلس النبي ﷺ فقال ﷺ: ((سَتُفتَحُ لَكُم أو سَتَفتَحُونَ مِصرَ، فَاستَوصُوا بِأَهلِها خَيرًا، فإنَّ لَهم ذِمَّةً وَرَحِمًا))، والذِّمَّة يعني الكرامة، وهي هدية المقوقس مارية القبطية رضي الله عنها للنبي ﷺ، والرحم أُمُّنا هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام، ثم قال ﷺ لأبي ذرٍّ رضي الله عنه -وهنا الشَّاهِد: ((إذا رأيتَ رَجُلَينِ يَتنازَعانِ على مَوضِعِ لَبِنةٍ فَاخرُجْ مِنها))، ما هذا! هل هذا خيالٌ أو قصة روائية؟ معنى ذلك أنّ المجتمع الإسلامي لم يكن فيه اثنان يتنازعان، ولو حتى على ليرة أو على رغيف، فكلُّهم كالجسد الواحد، وفي اليرموك أربعة أو خمسة جرحى -كان منهم عكرمة رضي الله عنه- كان يُقدَّم الماء لواحد منهم فيرى رفيقه عطشان وهو جريح فيقول له: أعطِ رفيقي، فمات الخمسة ولم يشرب واحدٌ منهم، هذا هو مجتمَع الإسلام، أما اليوم فمجتمعُ حسد وحقد وجور وظلم الأخ لأخيه والأب لابنه والمرأة لزوجها والجار لجاره والمُعَلِّم [صاحب العمل] لأجيره.
لذلك فإننا إذا انتسبنا إلى الإسلام نشوِّه الإسلام ونَدَعْ الناس تنفر من الإسلام، وهم يظنون أن أعمالنا هي الإسلام، فإذا قلتَ: نجار.. فما معنى نجار؟ يعني عمله كلّه بالنجارة، ويعمل بشكلٍ صحيحٍ، وإذا قلتَ: مسلم، فيعني أنه يعمل بالإسلام وإسلامه صحيح.
قال النبي ﷺ لأبي ذرٍّ رضي الله عنه: ((إذا رأيتَ رَجُلَينِ يَتنازَعانِ على مَوضِعِ لَبِنةٍ فَاخرُجْ مِنها))، وبعد ذلك يقول أبو ذرٍّ رضي الله عنه: “فرأيتُ اثنين من أبناء الصحابة يتنازعان في موضوع، قال: فخرجتُ من مصر” .
واجب العلماء بعد رسول الله ﷺ
ما هذا الإسلام! وأين الإسلام اليوم؟ وأين مَن يصنعه؟ وأين مُعَمله ومَدْرَسته وأساتذته؟ وأين ورثة رسول الله؟ ((العُلماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ)) ، والوارث يجب أن يكون مثل المورِّث، ويرث من كل شيء؛ من الدكان والبستان والسيارة، وأنت هل ورثتَ من أخلاق النبي ﷺ ومن أعمال النبي ﷺ ومن حِراء النبي ﷺ ومن تهجُّد النبي ﷺ ومن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ليلًا ونهارًا، ورجوعه من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؟ وغدًا يفصلك اللهُ عز وجل عن النبي ﷺ لأنك ما كنتَ ماشيًا على طريق النبي ﷺ، ويقال لك: ابتعد.. مع من أنت؟ أنت مع المغتابين ومع الحاسدين ومع الزناة ومع الشاذِّين الذين يسمونهم لوطيِّين، وأنت مع شاربي الخمر ومع الملاحدة.. ((يُحشَرُ المرءُ مَع مَنْ أَحَبَّ)) .
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:22]، ما معنى أزواجهم؟ يعني الذين هم على شاكلتهم، “أولاد حْنِيْكِلْ” مع أولاد حنيكل، [مصطلح شعبي يعني أولاد الشوارع السيِّئين الطائشين]، الذاكرون مع الذاكرين، والأتقياء مع الأتقياء، فإنْ كنتَ مع المتقين فأنت من أزواجهم، وإنْ كنت تلعب مع لاعبي القمار تصير زوجًا لهم.. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ﴾ دُلُّوهم إلى جهنم فربما لا يعرفون الطريق فيخطئوا ويتخلصوا من العذاب أو يهربوا، ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ﴾ [الصافات:24]، قبل أن تأخذونهم، ﴿إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25)﴾ لماذا لا تُدافعون عن أنفسكم [وينصر بعضكم بعضاً]؟ ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:25-26]، القاتل إذا أمسكوه والخنجر بيده والدم يقطر منه، وأمامه القتيل هل يستطيع أن ينكر؟
تبرؤ أهل جهنم من بعضهم
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:26-28]، أنت الذي منعتَني أن أكون من أصحاب اليمين والميمنة، وأنت الذي قطعتَني عن طريق التقوى، وأنت الذي قطعتَني عن الشيخ والعلم والهداية، وما الفائدة حينها إذا قال له: أنت.. وأنا؟ ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)﴾، وبماذا يجيبهم أولئك؟ يقولون لهم: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:27-29]، ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سبأ:32]، وإننا قد دَعَونا غَيرَكم وما لَبُّوا دعاءنا ولا مشوا معنا، ولكن الذُّباب أين يقف؟ إما على المزابل أو على الجِيَف أو على الكَعْ.. والنحل أين يقف؟ على الزهور والورود، وماذا يصنع؟ يصنع العسل، والجرذان ماذا تفعل؟ تأكل كَعْ وتصنع كَعْ وتعيش في الكَعْ.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ هذا في يوم الفصل ﴿يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:27-29]، كان إيمانكم إيمانَ الكاذبين والمنافقين ولم تكونوا مؤمنين، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات:30]، هل قلنا لكم بالعصا: تعالوا إلى أماكن الفسق والضلال والسهرات والمعاصي؟ ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:30-34]، بالضالِّ والْمُضِلِّ، وبالأستاذ والتلميذ، وبالإمام والمقتدي.
نسأل الله أن يجعلنا للمتقين إمامًا، وأن لا يجعلنا للمجرمين إمامًا، وأن يجعل أساتذتنا الذين نتلقَّى العلم منهم أحباب الله وورثة رسول الله ﷺ، ولا يجعل أساتذتنا وأئمتنا الضالِّين المضلِّين المجرمين الذين لا يؤمنون بالله، ولا يخشون الله ولا يخافون الله، ولا يقفون عند حدود الله، ولا يؤدُّون فرائض الله ولا يبتعدون عن محارم الله.
تحريم موادَّة من يعادي الله تعالى
“قل لي من تصاحب ومن تجالس وأنا أقول لك من أنت”، إذا مال قلبك إلى فاسق ولو كان أباك فلا خير فيك، ولو كان ابنك فلا خير فيك، وهذا لستُ أنا مَن قاله، بل الله تعالى يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:22]، هو يحارب اللهَ والنبي ﷺ، ويعصي الله والنبي ﷺ، ويخالف الشرع، ويرتكب الحرام، ويترك الفرائض وأوامر الله وراء ظهره، ويقول: لبيك يا إبليس لبيك، بدلًا من لبيك اللهم لبيك، مع أنه قالها في الحج بلسانه، لكن ما فهمها ولا لبى بأعماله.. ثم أنت تكون في السهرة معه وفي الذهاب معه وفي الطعام معه وفي الشرب معه وفي الصحبة معه، فأنت لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
وهكذا القرآن يقول ولست أنا: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:22]، يوادِدُه ويحبه وهو يحادد ويعادي الله عزَّ وجلَّ والنبي ﷺ، ويعادي أولياء وأحباب الله، ويعادي ورثة رسول الله ﷺ، حتى لو كان أباه! فليذهب، وماذا يغني عنه أبوه؟ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس:38]، ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:31-35]، إذا قلت له: عليك أن تخاف من الله واتَّقِ الله، يقول لك: أنا الله، “بَلا الله بَلا بَلُّوْط”، [بَلا بلوط: كلمة من اللهجة الشامية تقال للاستخفاف بالشيء، وهي بمعنى أنه لا يهتم بالله ولا يبالي به، كما لا يهتم بالبلوط ولا يبالي به.. والبلوط شجر معروف]، فالله والبلوط عنده سواء، ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:36]، هل نترك الأصنام لأجل محمد هذا الشاعر؟ فانظر إلى الكذب على النبي ﷺ! والنبي ﷺ ما كان يعرف النطق بالشعر: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس:69]، وهم كذبوا عليه.
والآن كم يكذبون على ورثة رسول الله ﷺ! فإذا كذبوا على الله فقالوا: “ثالثُ ثلاثة”، وكذبوا على الأنبياء، ألا يكذبون على الشيخ! احذروا واصحوا وانتبهوا وتيقَّظوا، فشيطان الجن أمره بسيط، وببسم الله الرحمن الرحيم يهرب، أما شيطان الإنس فإنك إن دفعتَه بخمسين وِنْش لا يذهب، [الوِنْش: آلة ميكانيكية تُستعمل لرفع الأحمال الثقيلة أو سحبها، وهو لفظ شائع ومعرّب من الإنكليزية].
وجوب الاستعداد ليوم الفصل
نعود ليوم الفصل، هل عرفتم يوم الفصل؟ وهل أنتم مستعدون ليوم الفصل؟ هل تكونون بأعمالكم عند غضبكم ورضائكم وأهوائكم وشهواتكم وعند الأذان وعند الصلاة وعند الزكاة وفي رمضان وفي معاملاتكم على أساس أنّ هناك يوم الفصل؟ الله تعالى سيفصل أعمالك عن بعضها.
﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:40]، لا يوجد استثناء، كلُّهم، الملوك والأباطرة والخلفاء الراشدون والأنبياء، وكلُّ واحد مسؤول، لذلك كان النبي ﷺ يقول: ((أَلَا هَل بَلَّغْتُ؟)) يقولون: نعم، يقول: ((اللَّهمَّ فَاشَهَدْ)) ، فالنبي ﷺ يخاف من يوم الفصل الذي هو ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:41] ولقد قال النبي ﷺ: ((يا فاطمةُ بنتَ مُحمَّدٍ))، هل هناك أقرب من فاطمة؟ ((اشتَرِي نَفسَكِ مِنَ اللهِ، أَنا لا أُغْنِي عَنكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) ، القرآن عظة فهل نتعظ؟ وعبرة فهل نعتبر؟ ونرى الموت والجنائز غاديات ورائحات، وبالإذاعة والمآذن، وهذا مغرور بمتاع الدنيا وشبابها وهذا بلهوها وهذا بمالها وهذا بحكمها وسلطانها وهذا بصوته وهذه بجمالها وهذه بشبابها وهذه بقَصْرِها ومَصْيَفها، والآخرة ذهبت وتكاد تُمحَى من الأذهان بعد أن مُحِيت من الأعمال ومن ميادين الحياة.
الإنسان عبرة وعظة
يقول بعض الشعراء
وإذا نَظَرتَ تُريدُ مُعتَبَرًا
فانظُرْ إلَيكَ فَفِيكَ مُعتَبَرُ
أنتَ الذي يُمسِي ويُصبِحُ في الدْ
دُنْيا وَكُلُّ أُمُورِهِ عِبَرُ
“تريد معتبرًا”: لتتَّعظ وتمشي عجلتك بشكل صحيح، وحتى تصل في القطار إلى الحج أو حيث تريد، “فانظر إليك”: وادرس نفسك وفكِّر في نفسك، وقد كنت نطفةً: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:77]، هل تفكِّر؟ الله تعالى يقول لك: فكِّر.. بالأمس كنتَ “مَخْطَة”، [مُخاطًا، والشيخ يقول هذه الكلمة العامية لأخذ العبرة، حيث أنّ المني يشبه المخاط الذي يخرج من الأنف، وتتقزز الناس من رؤيته] وليتك كنت مَخْطَة! وهل كنت ربعها أو نصف ربعها أو عُشرَها؟ على رأس الدبوس كان خمسون ألف واحد مثلك، هكذا كان مستواك، والآن تُفَتِّل شاربيك على الله! وتتحدى الله ودينه! قال
وإذا نَظَرتَ تُريدُ مُعتَبَرًا
فانظُرْ إلَيكَ فَفِيكَ مُعتَبَرُ
أنتَ الذي يُمسِي ويُصبِحُ في الدْ
دُنْيا وَكُلُّ أُمُورِهِ عِبَرُ
كلُّها دروس، لكنْ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:80]، إذا مات القلب لا تعد تؤثِّر فيه موعظة الله عزَّ وجلَّ ولا موعظة الأنبياء ولا موعظة الشيوخ، والقِطّ إذا أكل لحم “الكُبَّة” وقلتَ له: حرام وحلال وجهنم.. فإنه لا يسمع ويستمر بالأكل، ما مذهبه؟ هل شافعي أم حنفيُّ أم قطَطِيّ؟
أنتَ المُصَرَّفُ كانَ في صِغَرٍ
ثُمَّ استَقَلَّ بشَخْصِكَ الكِبَرُ
“في صِغَرٍ”: لما كنتَ “واع ويع، امبو”، [واعْ وِيْع: كناية عن بكاء الطفل الوليد، وامبو أو ما شابه: كناية عن الصوت الذي يصدره هذا المولود] هل يأتي لبالِك عندما كنتَ تقول: “امبو”؟ هل يأتي إلى تفكيرك الآن عندما كانت أمك تُلبِسك الحفاض وتنظِّفك وتغسل حفاضك؟ [هل نسيت؟] والآن أصبحتَ لا أمي ولا أبي ولا من رباك وكَبَّرك وقد صار عجوزًا وصار بحاجة إليك! وأنت تهتم بزوجتك ومشوارك ولهوك ومعاصي الله تعالى.. “ثُمَّ استَقَلَّ بشَخْصِكَ الكِبَرُ”: أتَت الشيخوخة والهرم وتحكَّم فيك وفي عقلك وفي ذهنك وذاكرتك.
جسم الإنسان ينعاه
أنتَ الذي تَنعاهُ خِلْقَتُهُ
يَنعاهُ مِنهُ الشَّعرُ والبَشَرُ
أليس الشيب نعيًا؟ وما النعي؟ حين يعلنون عن موت الإنسان، وكذلك الشيب صعد إلى أعلى المئذنة ويقول لك: حضِّر نفسك، وهذا بَيرَقُ الموت قد صار في أعلى قمم وجودك، فهل تتَّعظ بهذا الواعظ؟ كان سيدنا عمر رضي الله عنه قد كتب على خاتمه: “كفى بالموت واعظًا يا عمر” ، والنبي ﷺ كان يقول: ((أَكثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الموتِ، فَإنَّه ما ذُكِرَ في قَلِيلٍ)) ، أي إذا كانت أعمالك الصالحة وإيمانك وتقواك قليلة فاذكر الموت واذكر كَفَنك.
كان أحدهم إذا قسا قلبه ولم يعد يتأثَّر بالموعظة وقَصَّر في طاعته كان يذهب إلى المقابر ويبحث عن قبر مهجور وينزل فيه ويتمدَّد ويلاحظ كأنه مات، ويقول: “يا قُبَير” [قُبَيْر: تصغير قبر]، لم يقل: قبراً، يعني أنه لا يستحق قبرًا، بل نصف قبر.. “أتاك دُبَير” المعرض عن الله، والمدبِر عن طاعته، والآن تراه أستاذ كيمياء وفيزياء ولغة إنكليزية وجامعة، ولكن عند عزرائيل وأنكر ونكير لا يوجد هذا الشيء، ولا يوجد سوى السياط “والمزْرَبَّات” [العِصي].
أنتَ الذي تَنعاهُ خِلْقَتُهُ
يَنعاهُ مِنهُ الشَّعرُ والبَشَرُ
“تنعاه خِلْقَتُهُ”: وجهك تجعَّد، وأسنانك قُلِعت، وهذا كله إنذار بالموت، وهو موت بالتقسيط؛ قسطٌ وراء قسط، “ينعاه منه الشعرُ”: شعرُك يشيب، “والبَشَرُ”: وجلدك يتجعَّد.
أنتَ الذي تُعطَى وتُسلَبُ لا
يُنجِيهِ مِن أنْ يُسلَبَ الحَذَرُ
“أنتَ الذي تُعطَى وتُسلَبُ”: تعطى الشباب ثم يُسلَب منك، وتعطى الحياة ثم تُسلََب منك، والغنى يُسلَب منك، فلا تملك من أمرك شيئًا يا مسكين، فالتجئ إلى الله، يعني التجئ إلى صراط الله وإلى أحكام الله وإلى مخطط الله عزَّ وجلَّ، وامشِ على مخطط الله في حياتك تنتقل من عزِّ الدنيا إلى عزِّ الآخرة.
الحذر لا ينجي من مكر الله تعالى
“لا ينجيه من أن يُسْلَبَ الحَذَرُ”: الفاسق يرى أنَّ عمله صحيح، وهو منتَبه وصاحٍ وحَذِر، ولكن حين تأتي سياط الله عزَّ وجلَّ لا يُغنِي حَذَرُه من قَدَره، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:14]، إذا ترصَّد الله لك واختبأ لك.. الله تعالى يكلِّمنا بِلُغَتنا، وليس المعنى أن الله يختبئ، لكن نحن محجوبون عن مراقبة الله، وما معنى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]؟ وما معنى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:43]؟ وما معنى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:234]؟ وما معنى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]؟
إنك تستطيع أن تمكر بضعيف، ولكن الضعيف وكيله الله تعالى، والله يمكر فيك، وإذا مَكَر فيك يجعل رأسك إلى الأسفل ورِجليك إلى الأعلى بلحظة واحدة، ستالين بعد موته نبشوا قبره وأخرجوه ورموه في القمامة، وهذا في الدنيا قبل الآخرة، وهم يرون بذلك أنهم نزعوا منه اعتباره، وهذا لا يهم لأنه صار جيفة، أما حقيقته وشخصيته وإحساسه وعقله الذي هو روحه، فهناك عند الله التعتير، وهناك إمَّا تَعْتِير أو تَعْطِير، فهل أنت مُعَطَّر أم مُعَتَّر؟ [تَعْتِيْر: كلمة عامية بمعنى شقاء وتعاسة، والمُعَتَّر: الشقي التعيس.. وتعطير من العِطْر، وهي هنا كناية عن السعادة والنعيم].
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:2]، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:22].
أنتَ الذي تُعطَى وتُسلَبُ لا
يُنجِيهِ مِن أنْ يُسلَبَ الحَذَرُ
أنتَ الذي لا شَيءَ مِنهُ لَهُ
وأَحقُّ مِنهُ بما لَه القَدَرُ
“أنتَ الذي لا شيء منه له”: هل عيونك ورِجلاك وأذناك لك؟ هل تملكها؟ قد يأخذ سمعك أو بصرك أو رجلك أو يدك أو عقلك أو روحك، أنت لا تملك شيئًا.. “وأَحقُّ مِنهُ بما له القَدَرُ”: [مَن له وبيده القَدَر]، إنّ المُتَصَرِّف وصاحب الْمُلْك الحقيقي هو الله وهذه أقدار الله وأفعاله.. إذا كنتَ بهذا الفقر ألا يجب أن تُظهِر افتقارك إلى الله تعالى بحُسن طاعتك إذا لم تكن مطيعاً، وبصدق توبتك، وبصدق استقامتك! وإنك لا تعرف ما اسمك غدًا، هل اسمك فلان بيك أو جنازة أو قبر أو مات إلى رحمة الله؟ المؤذن يقول: إلى رحمة الله، [المُؤَذّن في كثير من المساجد في سوريا يُذيْع بمذياع المسجد خبر وفاة من تُوُفِّي، ويقول حينها: انتقل إلى رحمة الله وعفوه فلان الفلاني]، ولكن إذا قال الله: إلى لعنة الله، فأيُّهما أصدق، كلام المؤذن أم كلام الله عزَّ وجلَّ؟
يومَ القيامة لا مناصر للإنسان
قال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:41]، فإذا حكم الله عليك من سيناصرك على الله؟ وإننا نرى ذلك في الدنيا قبل الآخرة، وها هم المسلمون ألم يحكم الله عزَّ وجلَّ عليهم بالذل والمسكنة؟ لماذا؟ وهل ظَلَمَنا الله؟ لا واللهِ، واليهود والاستعمار أتوا فهل ظَلَمَنا الله؟ لا، بل هذا بذارنا وهذا حصادنا.
سَيَحصُدُ عَبدُ اللهِ ما كانَ زارِعًا
فطُوبَى لِعَبدٍ كانَ للهِ يَزرَعُ
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:42]، ورحمة الله عزَّ وجلَّ لها شروطها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:72]، إيمان القلب بأن يَدخُل النور في قلبك، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:22].. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال:72]، كان المسلم يهاجر من مكة إلى المدينة لأجل المعلم المربي المزكي لا من أجل جامع النبي ﷺ، فجامع النبي ﷺ صار له شرف بوجود النبي ﷺ، أما إذا لم يوجد فيه نائب للنبي ﷺ فهو رخام وبلاط وسجاد، وهذا موجود في كل مكان، ويبقى مسجدًا وله حرمته، ولكن الأصل وجود المربي، وإذا وُجِد المربي هنا ولم يكن موجوداً هناك فالأوجب عليك أن تكون هنا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال:72]، هناك أناس يهاجرون من الظلمات إلى النور، وهناك أناس يهاجرون من النور إلى الظلمات، وهناك أناس يهاجرون من رحمة الله إلى غضبه، وأناس من غضب الله إلى رحمته، وأناس يهاجرون من أحباب الله إلى أعدائه، وأناسٌ من أعداء الله إلى أحبابه.. نسأل الله أن يرزقنا الهجرة التي ذكرها القرآن، ((وَالمهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عَنهُ)) ، ((فَمَن كانَتْ هِجرَتُهُ إلى اللهِ ورَسولِهِ فهِجرَتُهُ إلى اللهِ ورَسولِه)) .
غفلة المسلمين اليوم عن الإسلام
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:72]، سواء جهاد النفس والهوى، أو جهاد العدو والمستعمِر.
﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:71]، والمسلم اليوم يقول: “غفور رحيم”، مثل الحشَّاشين.
مرةً كان أحد الحشَّاشين جالساً على طرف “نهر يَزِيْد” هنا عندما كنا صغارًا، [نهر يَزِيْد: نهر صغير، وهو فرع من نهر بردى، ويَمُرّ محاذياً لجامع أبي النور]، فمرَّ به أحد الأشخاص، وكان هذا الحشَّاش كلما مر في النهر شيء يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فمرَّت ورقة خس فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرَّت ورقة جوز فقال: أهلًا وسهلًا ومرحبًا، ومرَّت ورقة جريدة فقال: يا مراحب بأهلنا.. وهكذا كلما مرَّ به شيء، وبعد ذلك ما رآه إلا وقد رمى نفسه في النهر والوقت شتاءً، ومن البرد صار يقول: لعن الله هذا الكَيْف يعني الحشيش، فأنقذه الرجل وسأله: ما لك؟ قال له: كان يُخيَّل لي أن المَلِك رئيس الجمهورية جاء ليزورني، “شكري القوتلي أو حسني الزعيم” أو غيرهما، [رئيسان من رؤساء سوريا في أواسط القرن العشرين]، قال: فرأيتُ زينة كبيرة، وعلى ورقة الخس كان قدوم أول العسكر، ثم على ورقة الجوز رأيتُ الضباط، وبعد ذلك رأيت الملِك يركب سيارة وقال لي: تفضل.. وما هو الملِك الذي رآه؟ هو “حفاض” [فوطة] طفل صغير مهترئ من كثرة الفضلات التي به.. رأى الملك يركب هناك في “الكَدِلَكْ”، [سيارة من السيارة الحديثة الفخمة]، وقال له: تفضل اركب معي. [سماحة الشيخ يروي القصة وهو يضحك ويضحك معه الحضور].
هذا الحشاش صحا في النهر، ولكن نسأل الله أن يحمينا من أن لا نصحو إلا في جهنم، ونحشِّش بتحشيش الدنيا؛ تحشيش الشباب والغنى والجاه، وهذا كلُّه غرورٌ.
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:77]، إنك ستأخذ حقك لو بقي لك عند الله فَتِيْل، والفتيل هو الذي في داخل النواة في الشقّ.. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8]، أعمالك تُسجَّل على موازين الذر، وخفاياك وأسرارك ونواياك، فكيف أعمالك وكيف جهرك! ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:148]، فإذا كنتَ تجهر بالسوء من الأعمال بلا حياء من الله ولا من الخَلق وبعد هذا هل يرحمك الله؟ ثم تقول: “غفور رحيم”، فهل أصبحتَ إلهَ الله؟ يعني أنت من يحكم عليه! هذا الغرور والجهل والشقاء.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾، القوي القاهر القادر الذي يُنفِّذ حكمه حسب قانونه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:42] بمن يتَّصف بصفة مَن يستحقُّ الرحمة، ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) .
طعام أهل جهنم
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:43]، فإذا كان ممَّن لم يرحمهم الله فأين مصيره؟ إلى الغداء، وأين الغداء؟ الغداء مِن شجرة الزقوم، وشجر الزقوم في بادية الجزيرة العربية شجر شائك له ثمر مرٌّ مثل العلقم، والله تعالى يخاطبنا بحسب عقلنا وحسب لغة الدنيا، أما جهنم فكل شيء في الآخرة لا يتشارك مع الأمور الدنيوية إلا بالاسم، أما حقائق الجنة والنار فهي غير حقائق الدنيا، والفاكهة في الجنة اسمها فاكهة لكن الحقيقة مختلفة: ((ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سَمعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ)) ، فما أعظم جنون من يبيع عمر الأبد وسعادة الأبد بعمر خمسين وستين وسبعين سنة! يبيعه بالجهل والجاهلية والمعصية ومحاربة الله، وهو يريد أن يناطح الله ويناطح أحكام الله، فيرسل الله له كلبًا من كلابه ويضعه تحت أقدام البغال، وهذا إذا عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أخَّره فألعن وأشقى شخص من يؤخِّره الله، وكلما أخَّر عذابه أكثر يكون دليلًا على غضب الله عليه أكثر.
وأعظم من أخَّره الله هو إبليس، وهل هذا التأخير علامة التكريم أو أن الله نسيه؟ بل يتركه يصعد المئذنة درجة درجة، ويريد أن يرميه، وهل إذا سقط من أول درجة أفضل أم من الدرجة السابعة؟ وهو حين يصعد يقول: انظروا إلى الله كيف يُعزُّني ويرفعني ويُكرمني.. خير لك أن يرموك من الدرجة الثانية، وهو يقول: لا أحد يرميني، والله يرفعني.. ويصل إلى الدرجة السابعة والدرجة العشرين والدرجة السبعين، وهكذا حتى يصل إلى هلال المئذنة العالية، ويقول: هل هناك مَن هو أعظم مني؟ ومِن فوق يأتي سيدنا عزرائيل ويضربه ببُسْطارِه، [البُسْطار: حذاء عسكريّ ثقيل، وهي كلمة معرَّبة من التركية] فيهوي هَوْياً، ولا يصل إلا لحمًا مطحونًا بعظمه، وهذا سواءٌ في الدنيا أو عند الموت أو في الدار الآخرة، أما أن يبقى بلا حساب فهذا مستحيلٌ.
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:43]، هل منكم من يشتهي هذا الطعام؟ واللهِ إن أكثر الناس يشتهونه، لأن النبي ﷺ يُبَيِّن أن هذه الوليمة لأهل الإثم والمعاصي وللذين يرتكبون محارم الله ويتركون فرائض الله ويهجرون كتاب الله، والذين هم بلا علم ولا عمل ولا فقه ولا استقامة، هذه مائدتهم وهذا مصيرهم.
شراب أهل جهنم
وما هو طعم هذه الشجرة؟ قال: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:45]، المهل هو عَكَر الزيت إذا غليتَه وغليته كثيراً.. يقال: مَن يحبُّ زوجته يشرب كأس الشاي بنفَس واحد.. مَن منكم يحب زوجته؟ [يقول سماحة الشيخ هذا الكلام على سبيل الطرفة وهو يضحك.. وأحد الحضور يقول: أنا، فيقول له:] ولكن هل تشرب هكذا؟
هذه القاعدة غير صحيحة بأن يشرب كأس الشاي مرة واحدة بنَفَس واحد، وحتى الماء العادي أو الليمونادة [شراب الليمون]، فقد نهى النبي ﷺ أن يُشرَب بنَفَسٍ واحد، بل بثلاثة أنفاس، حتى يأخذ قلبك الأوكسجين بالنَّفَس، فانظر إلى رسول الله ﷺ ما أجمله! أمرك أن تشرب الماء ثلاثة أنفاس، لأنه إذا كان بنَفَسٍ واحد يُقطَع الأوكسجين عن القلب، ولكن دع قلبك دائمًا يأتيه الهواء والأوكسجين ولا يُقطَع حتى يعيش طويلاً في قوةٍ ونشاط.
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله! ونحن أصبحنا أعداءه، وصار الناس أعداء النبي ﷺ، والآن نُسمِّي وائل، من هذا وائل؟ وإياد، ومن هذا إياد؟ جاهليٌّ عابد للأصنام، أما اسم محمد فيقول لك: عيبٌ وهذا اسم رجعي، وعمر وعثمان وسعد يقول: أعوذ بالله.. خصوصًا النساء، فهذه اسمها كوكو وهذه بوبو وهذه صوصو وهذه عوعو وهذه نونو وهذه نونية، [سماحة الشيخ والحضور يضحكون لأن كلمة نونية باللهجة العامية تعني الوعاء الذي يقضي به الطفل حاجته]، ويأتون بأسماء لا أحد يعرف ما معناها.
هذا مثل شيخ تركي سأله أحدهم قال له: ما معنى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:7]؟ فقال له: السماء نعرفه نحن وأنتم، أما الحبك فلا نعرفه لا نحن ولا أنتم.. وما معنى كوكو؟ اسم سعد فيه معنى، ومحمد له معناه بقطع النظر عن اسم النبي ﷺ، وخالد له معنى، ولكن كوكو وكيكي ونونو ونونية.. نونية لها معنى، فإذا كان لها معنى على كل حال فيها فائدة.. نسأل الله أن يُصحِّي عقولنا من التحشيش الذي حشَّشنا به في جاهليتنا ونسميه إسلامًا.
ما المُهْل؟ عكر الزيت المغلي، هل تشربونه؟ مَن الذي يشربه؟ ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:44]، مِن أين هذا المهل؟ مِن الزقوم، والشراب من أين؟ قال: لشدة حرارة الزقوم يصير كالمُهل: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:46]، الحميم هو الماء حين يغلي ويفور، قال: هكذا المُهْل يغلي ويفور وهو عكر الزيت.. ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)﴾، ضعوا الغِلَّ في رقبته، ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)﴾، إلى جهنم، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:30-32]، يضعونها في مُؤخِّرته وتخرج من رأسه مثل سيخ اللحم، وهذا هل نؤمن به؟ وهل يستقرُّ في ذهننا دقيقة واحدة؟ هذا هو الإيمان بالقرآن، ونحن إلى أين سنصير على ضوء أعمالنا؟ ورد في الأثر: “الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين”، أنت حين تسمع فقد صار عندك عِلمٌ بما سمعت، وإذا لم تحوِّل العلم إلى عملٍ فأنت هالكٌ، وإذا حوَّلته إلى عمل كي تغشَّ به الناس وتجعل نفسك في نظر الناس إنسانًا جيدًا فأنت أيضًا هالكٌ، “والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم” .. يا مقلِّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان:47]، وما العتل؟ العتل أن يمسك أحدُهم شخصاً من بين كتفيه ويرميه بكل قُوَّته في بئر أو في هاوية.. وأنتم هل فعلتم تأمينًا بأن لا يكون لكم عتل؟ هذا على ضوء أعمالنا يا بنيّ.
أثر ترك المسلمين لإسلامهم
لقد كانت حياتهم كلُّها لله، وأموالُهم وجهادهم وتهجدهم، وما كانوا يعرفون المعصية حتى في أفكارهم، ومع ذلك كانوا خائفين من الله عزَّ وجلَّ، ونحن نعمل كل شيء من معاصي الله ونترك كل شيء من فرائض الله، ونحكم على الله بأننا سنخلع باب الجنة خلعًا، وهو “سيخلع رقبتك”، [سيَخْلَع رقبَتَك: في اللهجة العامية، وهي بمعنى: سيعذِّبك عذاباً أليماً].. ومع كل هذه الأشياء التي صارت بنا فإننا لا نعتبر، لا من عبر الأرض ولا من عبر السماء.. لا من تسلُّط العدو ولا من تخلُّف العالِم الإسلامي الذي صار عدده ملياراً.. الدانمارك دولة راقية ومتقدمة علميًّا أكثر من كل دول العالَم الإسلامي، وغنية وسعيدة، وفيها تراحم وتحابب، وعندهم الإيمان بالله، لكن يخلطون معه، والآن هناك منهم من رفض ألوهية عيسى عليه السَّلام بعقلهم وتحرُّرهم من الكنيسة، ونحن لم يبقَ عندنا لا جامع ولا غيره.. الحمد لله، إن المفلسين في أمان الله، [الجملتان الأخيرتان من أسلوب اللهجة العامية، وهما تعبير عن الألم من الواقع وشكوى منه واستهزاء به، ولا يُقْصَد معناهما الحرفي أبداً]، لا دنيا ولا دين، مثل فقراء اليهود، إلا من رحم الله.. ونسأل الله أن يشملنا برحمته نحن والعرب والمسلمين وكل مخلوقات الله تعالى.
﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:47]، ما معنى سواء؟ يعني ضعوه في وسط جهنم، سواء: أي في الوسط، ﴿ثُمَّ﴾ هذا إذا أكل وشرب ماذا يلزمه؟ يلزمه حَمَّام، قال: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:48]، الماء التي غَلَت في نار جهنم، وماء الدنيا تتبخَّر، أما ماء جهنم فلا تتبخر مثل الحديد إذا ذاب.
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:48-49]، أنت كنتَ ترى نفسك في الدنيا أنك العزيز الكريم وأنت العظيم وأنت الكبير وأنت وأنت.. فذق يا عزيز يا كريم من شجرة الزقوم ومن عكر الزيت المغلي والحَمَّام فوق رأسه من عذاب الحميم، ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:20]، جلده وأمعاؤه تسقط، وهذا كلام الله، بعض الناس يقولون: شيخي لماذا تشدِّد علينا؟ هذه الدروس هي التي خَلقت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهي التي خَلقت اليرموك والقادسية، وهي التي أوصلت الفتوحات إلى منتصف أوروبا وإلى حدود الصين، وعندما يتكلم الناس هكذا [بمنطق لا تُشَدِّد علينا] أين نصير وإلى أين وصلنا؟ لم يبقَ عندنا شيء من الإسلام، وما بقي مِن الإسلام نهدمه ونقول: هذا رجعيُّ، لأنه هكذا أوحى إلينا المستعمر.
بقاء الاستعمار في قلوب المسلمين وعقولهم
والآن تحرَّرت الأرض بقوانين هيئة الأمم، ولكن انتقل الاستعمار إلى القلب والعقل والفكر والأخلاق، ومِنَ الناس مَن لا يعرف النبي ﷺ إلا من لسان المستشرقين والمبشِّرين والمستعمرين للقلوب والعقول والأفكار، تراه أعدى الأعداء لسيدنا محمد ﷺ، بئس ما تفعل! ثم بعد ذلك تقول: “قومية عربية وعروبة”! [هذا هو شعار الحكومة في سوريا في زمن هذا الدرس].. وعلماء الغرب البعيدون عن العروبة قالوا عن محمد ﷺ: أعظم رجل وطئت قدماه الأرض.
فالأعداء الأعاجم الغرباء يعرفون محمدًا ﷺ وأنت أجهل الناس بمحمد ﷺ، فهل أنت عربيٌّ؟ أنت “كَعْ” العرب، وهناك نصارى لهم قصائد عظيمة في حق النبي ﷺ، فقط لأجل القومية العربية، ومنهم من آمن وألَّفوا الرسالات في شخصية النبي ﷺ مثل اللورد هدلي، وهو من أكبر اللوردات في إنكلترا، وله كتاب اسمه: محمد المثل الأعلى.. وهو شيءٌ أحلى من العسل، وترى أحدَهم اليوم أخذ شهادته وخَطُّه لا يُقرأ بعدُ، ولو كان في الصف الرابع الابتدائي في زماننا لا ينجِّحونه، ويريد أن يعترض على النبي ﷺ وأن النبي ﷺ لا يفهم وهو الذي يفهم، وهذا الغرور! ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:8].
﴿إِنَّ هَذَا﴾ ما “هذا”؟ هذا الوطن والمصير في جهنم وفي الجحيم وبهذه المائدة وبهذه الحفلة وبهذا الحَمّام، ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:50]، هذا الذي كنتم تَشكُّون به وتكذبون به وتستهزؤون به، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود:8].
مقام المتقين في الجنة
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:51]، الذين اتقوا الله واتقوا معاصيه، وأقاموا فرائضه، وبنوا دينه وإيمانهم بالبنيان المتين، ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، في دارِ إقامةٍ ودارِ وطنٍ وأمن من الموت ومن المرض ومن الجوع ومن الذل ومن الحزن ومن الهَمِّ ومن الحسد ومن الحقد ومن الكلام الفارغ، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة:25]، هل هم ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ [الدخان:52] أم في سواء الجحيم؟ هل هناك فرقٌ؟ يعني هل هناك فرق بين “الأُوْزِي” والتِّبْن؟ [الأُوْزِي طعام دمشقي فاخر يُقَدَّم في المناسبات الراقية، فيه اللحم والرزّ ومُغطًّى بقطعة رقيقة من العجين]، أيهما تأكلون؟ وإذا أكل التبن ماذا يكون؟ يكون حمارًا، وهناك حمير بأذنين طويلتين، وأَحْمَرُ [أكثر حمارية] منهم من آذانهم صغيرة، كما أن هناك حميرًا بذيل، وأحمر منهم الذين ليس لهم ذيل، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:179]، غافل عن الله وعن الدار الآخرة وعن ذكر الله، ويعجَب بنفسه، وغدًا
سَتَعلَمُ حِينَ يَنكَشِفُ الغُبَارُ
أَبَغْلٌ كانَ تَحتَكَ أمْ حِمارُ
لباس أهل الجنة
﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ السندس هو الحرير الناعم، ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الحرير الثخين، “فالطُّقُوْم” كما تريد، [الطُّقوم: جمع طَقم، وهو اللباس الأنيق لكامل الجسم]، ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:53]، وليس هذا يدير ظهره لهذا، وهذا يعبس في وجه هذا، بل كلهم مُقبِلِين متعانِقِين.. ﴿كَذَلِكَ﴾ أكلٌ وشربٌ وفوقها ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:54]، الحوراء: شديدة البياض، والعيناء: كبيرة العين شديدة سوادها وشديدة بياضها، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:55]، لا يوجد زقوم، بل كل ما يشتهي، والشجرة تتدلى إليه: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:23]، إذا اشتهى العنب لا يرى إلا الغصن تدلى إليه أوتوماتيكيًّا حتى يأكله، ويرمي “العَرْمُوْشَة” فترجع إلى مكانها، [العَرْمُوْشَة: العنقود الذي يحمل حبات العنب]، وترجع حبات العنب كما كانت، فما رأيكم؟
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان:56]، حياة ولا موت، وشباب ولا هرم، وصحة ولا مرض، ونعيم ولا بؤس، فالذي يبدِّل تلك بهذه هل يفهم بالتجارة والحياة؟ هل له عقلٌ؟ والحياة منامٌ يا بني، يقولون: فلان بالأمس كان بيننا ولا يوجد به شيء واليوم مات، قال لي أخ: إنهم كانوا يضحكون ويلعبون، فخرج حتى يشرب وأمسك الكأس، ولما عاد رأى أخاه ميتًا.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:57]، هذا العطاء الذي يعطينا الله إياه في الجنة لا يتناسب مع أعمالنا، فإننا نعمل سبعين سنة لنملك منزلًا من اللَّبِن، وهناك أقل شخص في الدنيا يعطيه الله بقَدْر الدنيا عشر مرات، فهل هذا استحقاقٌ أم فضل؟
حفظ القرآن للغة العرب وقوميتهم
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان:58]، أنزلنا القرآن بلغتك العربية لأجل العرب ولأجل القومية العربية، فهؤلاء مدللون، وقد أنزلنا القرآن الخالد ونحفظ به لغتهم ونرفع من شأنهم، [سماحة الشيخ يقول هذا الكلام مخاطباً به بأسلوب غير مباشر القوميين العرب، الذين يرفعون شعار العروبة ويحاربون الإسلام بكل قوتهم.. ولم يكن الشيخ أبداً متعصباً لقومية دون أخرى]، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، وإذا لم يتذكروا ﴿فَارْتَقِبْ﴾ سننصرك، ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:59]، يظنون أنهم سينتصرون، ولكن لن ينتصروا، وهل صدق الله أم صدق أبو لهب وأبو جهل؟
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
كتاب عن الصوم الطبي ترجمة الدكتور طاهر إسماعيل
أخونا الدكتور طاهر رضي الله عنه عمِل لنا كتابًا جديدًا عن الصوم الطبي، وهو حائزٌ على شهادة دكتوراه دولة من فرنسا في التحاليل الطبية، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب قسم الأحياء الدقيقة، والحمد لله أصبحتم علماء بشؤون الدنيا ومع التقوى، وهل ضرَّته تقواه؟ ورضي الله عن والده أيضًا، وهو من كبار العلماء والصالحين، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
[الدكتور طاهر إسماعيل كان من تلامذة سماحة الشيخ، ومواظباً على حضور دروسه، ويترجم له للغة الفرنسية].