السور المكية وبناء التوحيد وإيقاظ العقل
إنَّ سورة الجاثية سورة مكية، والسور المكية تركز وتدور كلها حول وحدانية الله ونبذ عبادة الأصنام، وحول إثبات أن مُحمَّدًا رسول الله، وحول الإيمان بالبعث بعد الموت، أي الإيمان بالآخرة، فيوم الحساب يوم يُكافَأ فيه المحسنون على إحسانهم والمؤمنون على صالح أعمالهم، ويُعاقَب ويُجازَى فيه الكافرون على كفرهم، والمجرمون والظالمون على فجورهم وظلمهم.
كما كانت تدور وتحث وتُؤكِّد أيضًا على مكارم الأخلاق والعدالة، ومحاربة الخرافة وإحياء العقل واستعماله بالتفكير، ومحاكمة الأشياء بغير طريق التقليد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:22].
فكان خطابها إلى العقل النائم لإيقاظه، وإلى العقل المعوجّ لتقويمه، وإلى العقل المهمَل الميت لبعثه وتحريكه.
والكتاب صنع السماء، وهو ليس لشعب معين أو أمة محددة، بل هو لكل أنواع الأمم والبشر، لا فرق بين عربيّهم وعجميّهم ولا بين أبيضهم وأسودهم ولا بين مَلِكِهم وعبدهم ولا بين غنيّهم وفقيرهم، بل كلهم في الواجبات سواء وفي الحقوق سواء.
وربّى الكتاب النفس تربية أخلاقية لا بما يظهر منها في أعمالها وأخلاقها مما تراه العيون وتسمعه الآذان فحسب، بل ربّى النفس تربية داخليَّة باطنيَّة أيضًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:33]، ومن الفواحش الباطنة: الحقد والعجب والحسد -إذا لم يظهر إلى العلن- وقساوة القلب.. فيجب أنْ يكون ضميرك ووجدانك وقلبك وشعورك طاهرًا، كما يكون جسمك طاهرًا ولسانك طاهرًا ونظرك طاهرًا وكذلك أذنك وما تسمعه.. فهكذا كانت الآيات المكية تبني أساس العقيدة والأخلاق والعقل.
القرآن يدعوك لاستعمال عقلك في فهم الكون
بعد أنْ حرَّك الله العقلَ في أول السورة ليعرّف الإنسان بالله من طريق العقل فقال له: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية:3]، والآيات هي الدلائل والبراهين الموضِّحة للحقائق.. فكما يبيِّن لك القرآن الحقائق يبين لك كذلك ضرورة استعمال عقلك في بحث الكون: علويّه وسفليّه، سمائه وأرضه، جباله وحيوانه، بل ونفسك، فكل ذلك دلائل على وجود الصانع العظيم العليم الحكيم الذي يعلم سرك ونجواك: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]، ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة:99].. ما معنى أنّه يعلم؟ أي أنك ستُحاسَب على ما تظهره للناس وعلى ما تخفيه عنهم، في حضورهم وفي غيابهم، أمَّا عند الله فلا يوجد غيب وشهادة، فبالنسبة له كل شيء مشهود، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الحشر:26] أي الذي غاب عنا، ولذلك لما قال بعضهم: إنَّ الله لا يعلم الغيب، فأنكروا عليه، فقال لهم: وهل يغيب عن الله شيء؟ ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:3] فهو يعلم غيبنا لا غيبَه.
دلائل عظمة الخلق في نظام الكون الدقيق
معنى النظر في الكون هو النظر في خلقه وقوانينه وسير كواكبه، فكل الكواكب تسير كأنها طائرات، فأيهما أكثر عدد الكواكب التي تسبح في السماء أم عدد طائراتنا التي تطير؟ فإن كانت عندنا مليونا طائرة أو ثلاثة ملايين فمجرتنا وحدها فيها مئة مليار نجم مع كواكبه وأقماره، وكلها تسير بسرعات هائلة، فأرضنا تسير في الساعة بسرعة مئة وثمانية آلاف كيلومتر، فأي طائرة تستطيع السير بهذه السرعة في الساعة؟
فالسيارات مع كل نظام السير وإتقان صناعة السيارات تبقى حوادث السير قائمة، أمَّا قوانين العوالم [فتسير وفق نظام بالغ الدقة].. وأرضنا ذرة بالكون، والشَّمس أكبر منها بمليون وثلاث مئة ألف مرة، وعدد الشموس كعدد حبات الرمل في الأرض أو قد تكون رمال الأرض أقل منها، وكلها تسير بسرعات مرتفعة ونظام، ففكر فيها.
فالذي اخترع الكهرباء عظيم والذي اخترع الطائرة عظيم، والذي اخترع التلفون عظيم، أليس الذي خلق عينك عظيمًا؟ والذي خلق كبدك أليس عظيمًا؟ والذي خلق لك “الرِّيْق” [اللعاب] في فمك الذي تسميه بُصاقاً، والذي لا تعيش من دونه، أليس عظيمًا؟ جعل لهذا اللعاب ستة ينابيع ليرطب لسانك وحلقك، وكأنه الزيت الذي يستخدم للآلات، ثم تأتي فتكذب وتغتاب وتنطق بما يغضب الله! ألهذا خلقهم الله لك أم لتستعملهم كما أمر الله عز وجل؟ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:24] فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقول الصدق وتنطق بالعلم بما يرضي الله.
الإيمان بالله حقيقةٌ عمليةٌ لا لفظًا مجردًا
فالشاهد أنَّ الآيات السابقة كلها أدلة علمية وعقلانية وإقناعية على وجود الله تعالى بصفاته: العظيم القادر الذي يعلم السر وأخفى وهو الحكَم العدل.. فإذا آمنت بالله على هذا الوجه فهذا هو الإيمان بالله، وهذا معنى لا إله إلا الله، فهو إله له هذه الصفات، أمَّا إنْ آمنت بالله بلا صفات وبمجرد اللفظ فلست مؤمنًا، لذلك فأنت تكذب وتغتاب وتنمّ وتحقد وتحسد وتؤذي وتظلم وتأكل الحرام ولا تمتثل أوامر الله ولا تقف عند حدوده وترتكب محارمه، فهل أنت مسلم أو أنت مسلمة؟ بل أنتَ منافق وأنتِ منافقة، وقد قال النبي ﷺ: ((ثلاث من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا)) -مئةً بالمئة، مثل علبة السمن التي تكتب عليها نسبة الزبدة مئة بالمئة- ثلاثة أشياء إذا كانت موجودة فيكَ فأنتَ منافق، وكذلك إن كانت موجودة فيكِ فأنتِ منافقة: ((من إذا حدَّث كذب)).. نادت أم ابنها فلم يأتِ، فأرادت حثَّه على القدوم وقالت له: تعالَ حتَّى أعطيك تمرًا، فقال لها النبي ﷺ: ((أستعطينه حقًّا؟)) قالت: نعم يا رسول الله، فقال: ((أمَا لو لم تريدي أنْ تعطيه لكُتِبَت لك عند الله كذبة)) ، هذا مع طفل صغير، فكيف بمن يكذب في بيعه وشرائه، ومعاملاته وعهده ووعده! أو يكذب على الله في إسلامه وعلى النَّاس في دينه ثم ينسب نفسه للإسلام! فهل الله أِجْدَب [أحمق] أو أنه لا يفهم؟ والذي يفعل ذلك لا يؤمن بالله ولا بلقائه ولا يؤمن بالله الذي ﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:7]، فالسرّ قبل أنْ تسره وقبل أنْ تعلم به فالله يعلم بماذا ستسرّ، [وهذا معنى: أخفى من السر].. وما الذي أنتجه هذا المعهد وهذا المصنع من أخلاق وعقول ونفوس وأبطال وعظماء؟ هذا الذي حُرِمناه نحن رغم جامعاتنا ومعاهدنا وشهاداتنا وألقابنا وغير ذلك
ألقاب مملكة في غيرِ موضِعِهَا
كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولة الأسَدِ
مثل القط حين يقف شعره وينفخ نفسه ويقفز كقفزة الأسد، لكن حين يرى جرواً صغيراً تجده يقفز على الشجرة أو يختبئ في أي بيت.
فنسأل الله أنْ يجعلنا من المسلمين حقًّا.. الإسلام أعظم شيء في هذا الوجود، والقرآن أعظم كتاب، لكن البذار الجيد يلزمه أرضًا خصبة، فإذا كانت الأرض سَبْخَة فمهما بذرتَ فيها من بذار جيد فكله يذهب إلى ضياع، ونحن نقرأ القرآن لكنه ضَياع، ونسمعه لكنه ضَياع، وعندما نشتريه نشتري كتاباً مُجَلَّداً، نشتري ورقاً وكرتوناً ودِهاناً، ولا نأخذ كتاب الله ورسالته وشرعه وأحكامه والأخلاق التي أمرنا أنْ نتخلق بها.
حال المجتمع قبيل البعثة النبوية واليوم
فعلى أساس أنَّ السورة مكية وكان المسلمون ضعفاء وليس الإسلام، فالإسلام لا يكون ضعيفًا، لكن كان المسلمون في ذاك الوقت قليلي العدد وفقراء وكان بعضهم من العبيد، وكان المجتمع كله وثنياً كافراً، ويريد الإسلام أنْ ينقلهم من الظلمات إلى النور، ومن الخرافات إلى الحقائق، ومن التقاتل والتحارب إلى الحب والإخاء، ليصيروا كالجسد الواحد.. فلا غنيَّ وفقير، بل سيجعل الكل في رفاه وبحبوحة، ولا ظالم ومظلوم، فالعدل عامٌّ، والضعيف الذي لا يستطيع أن يأخذ حقه يصير حقّه مُؤَمَّناً كأقوى الأقوياء، ولم ينقل شخصًا واحدًا، بل نقل أمة كاملة، وأي أمة؟ أمة متخلفة جاهلة؛ يجتمع عشرة رجال على امرأة فإذا حبلت وولدت، لمن المولود؟ تحدد هي الوالد، فمن أحبَّته أكثر تنسب الولد له، وإذا رفض يكون قد خالف القانون.
مجتمع إذا أراد أحدهم السفر سأل الحجر هل يسافر أم لا؟ وكذلك يسأله هل يقاتل أم لا؟ وكذلك هل يتزوج أم لا؟ كأنَّ الحجر هو العاقل وهو لا عقل له، فهكذا كانت عقولهم.. وكانوا من الفقر يأكلون الجَيَف ويقتلون أولادهم حتَّى لا يأكلوا على موائدهم وسُفَرِهم.
فمن الذي يستطيع أن يصنع ما صنعه الإسلام؟ من الذي يستطيع توحيد جزيرة العرب؟ كان الابن يقتله أبوه، وكانت البنت يدفنها أبوها وهي حية، وقد قال النبي ﷺ لعدي رضي الله عنه: ((لتدركنَّ زمانًا تأتي فيه الظعينة -أي المرأة المسافرة- من الحيرة إلى مكة لا تخاف في طريقها أحدًا إلا الله والذئب)) .. ألا يخاف أحدكم الآن في “سوق الحَمِيْدِيَّة” إذا أراد شراء شيء أن يَغُشُّوه؟ [سوق الحميدية: من أشهر الأسواق في دمشق]، وإذا أراد أحدكم أن يُقرِض آخر فهل عنده ثقة بأنَّه سيرد المال له؟ وتخشى أيضًا إذا زوجتَ رجلاً.. فقبل الزواج يتظاهر بأنه شاب صالح، ولكن بعد الزواج قد يبدو خلاف ما يظهر، وكذلك إذا تزوّجتَ فتاة فإنها قد تتظاهر بالصلاح، ثم بعد الزواج يبدو منها خلاف ما أظهرته.. لقد صار كلّ النَّاس في زمن النبي ﷺ ملائكة؛ صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، عظيمهم وحقيرهم.
الطاقة الإيمانية الحقيقية هي التي تصمد
نزلت الآيات في حال من الضعف، فكان بلال رضي الله عنه يُكَتَّف من قِبَل المشركين ويلقونه على ظهره ويضعون صخرة على بطنه في مكة التي تصل الحرارة فيها إلى الستين أو السبعين درجة مئوية فوق الصفر، ويقولون له: أو تكفر بمُحمَّد وبدين مُحمَّد.. فمن الذي يستطيع أن يصبر ويتحمل هذا العذاب؟ فالطاقة البشرية لا تتحمل، أما الطاقة الإيمانية الحقيقية فهي التي تصمد، وبالإيمان الحقيقي يصيّر لك وجود غير هذا الوجود، وشعور غير هذا الشعور، وطاقة غير هذه الطاقة، وفهم غير هذا الفهم.. فكان بلال رضي الله عنه يجيبهم ويقول: “أحدٌ أحد، فَردٌ صمد” .
وعمار بن ياسر رضي الله عنهما مات أمه وأبوه تحت التعذيب بالنار، أما هو فكانوا يربطونه ويلقونه على بطنه ويضعون الحديد المحمّى والجمر على ظهره حتَّى ينطفئ بشحم بدنه.. فهل تظنون أنَّ الإسلام هكذا صار؟
هل أخذت الإسلام من معلِّمه؟
وهل نحن اليوم نأخذ الإسلام الحقيقي؟ نحن لا نأخذ الإسلام، لأنه هل تصير “المُجَدَّرَة” من غير طبَّاخ؟ [طعام سوري مشهور يُصنَع من البرغل والعدس]، وهل يُجَلَّد هذا الكتاب دون مجلِّد؟ وهل يطبع من غير مطبعة وطابع؟ وهذا الثوب هل يصير جُبَّة أو طَقْماً بنفسه؟ [الطَّقم: ثوب أنيق لكامل الجسم يتكون من عدة قطع]، والمسلم اليوم يخرج من بطن أمه مسلمًا، ويموت وهو لم يشم رائحة الإسلام بعد، ويأتي إلى الجامع ويصلي وهو لم يفهم الإسلام، لأنَّ الصَّلاة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت:45]، إنَّها التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ما الكهرباء التي في المصباح؟ هي التي تطرد الظلام، أليس كذلك؟ ما الراديو؟ هو الذي يغني ويذيع الأخبار، وإذا شَغَّلته فلم يغنِّ ولم يُذِع فماذا يكون؟ راديو ميت، يُلقى في المزبلة.. أين صلاتنا التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؟
أين الصوم يا بني؟ قال رسول الله ﷺ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ)) تجد الصائم يتكلم زورًا ويسمع زورًا، يتكلم فاحشًا ويسمع فاحشًا، ((والجهل)) فتراه يترك العلم ومجالسه إلى الجهل ونواديه، ((والعمل به)) ، تجده يَقْبَل قول الزور قولًا وعملًا، فهل يكون هذا صائمًا؟ هذا الشخص لم يصم طوال عمره لا شهرًا ولا يومًا ولم يعرف معنى الصوم، لأنه لم يتعلم الإسلام من عالم حقيقي.. إذا تعلم شخص الطيران من “طُنْبَرْجِي” [سائق طُنْبُر، والطنبر عربة يجرها الحمار أو غيره من الدواب]، أو أراد تعلم قيادة السيارة من سائق “البسكليت” [الدراجة الهوائية] فهل سيكون سائقًا؟ فمن أين تعلمت إسلامك؟
المهندس تعلم الهندسة في كلية الهندسة، والطبيب أخذ طبَّه في كلية الطب، والمسلم أين تعلَّم؟ فأبو بكر رضي الله عنه أين تعلّم؟ أستاذه النبي ﷺ، وعمر رضي الله عنه كان أستاذه النبي ﷺ، وكذلك كافة الصحابة.. والآن ممن تعلمت بعد النبي ﷺ؟ فالنبي ﷺ قد رحل، وقد قال: ((الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)) ، فأين العالم الحقيقي الذي يرث مهنة صناعة الإنسان؟ فيصنع عقله بالحكمة، ونفسه بمكارم الأخلاق، وروحه بنور الله تعالى، وحقيقته بعلوم القرآن حتَّى يصير قرآنًا عمليًّا، فالقرآن الذي بين أيدينا قرآن خَطِّيّ، وهناك قرآن فهمي وعلمي، ولما يصير القرآن فيك قرآن العمل حينها تصير مسلمًا.. فإذا لم تأخذ القرآن علمًا ولم تأخذه تربية فكيف سيظهر فيك عملًا وأخلاقًا وسلوكًا؟
الإيمان يورِث الصبر ويكشف حقيقة العمل
مرّ النبي ﷺ على عمار وأبيه وأمه رضي الله عنهم وهم يُحرَّقون بالنَّار، فقالوا له: يا رسول الله إلى متى؟ ادعُ الله لنا أنْ يفرِّج عنا، فكان جوابه صلى الله عليه وآله وسلم: ((صبرًا آل ياسر، إنَّ موعدكم الجنة)) ، أي ستستشهدون في سبيل الإسلام.. فهل عندك إيمان تتحمل به شيئًا من الصبر في سبيل الإسلام؟ بأن تقوم بالدعوة إلى الله، وتأتي إلى الجامع في الشتاء والثلج والبرد، أو يكون عندك عمل فتترك دنياك لأجل إسلامك ودينك؟
لكل شيء ثمن، إذا دعاك شخص إلى صُرَّة “مُلَبَّس” تُلَبِّيه، وتقول: إذا لم آتِ سيَحزَن، [المُلَبَّس: حَبَّات لوز مغطاة بالسُّكَّر، يُوضَع منها قرابة عشرة أو أكثر في صُرَّة، وتوزع عقب المناسبات الاجتماعية للحاضرين]، وإذا كان الله تعالى يدعوك “حيَّ على الصَّلاة”، أليست هذه دعوة لك؟ ثم يقول لك: “حي على الفلاح” حتى تفلح وتنجح وتربح وتُعَزَّ وتُكَرَّم، لا الصَّلاة التي ليس فيها فَلَاح كصلاتنا، فهي ليس فيها فلاح ولا نجاح، صلاتُنا كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ [الماعون:4-5] وعن وصاياها وعلومها وتربيتها ﴿سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:5-6] أي ليراهم النَّاس ويسمعوا بفعلهم، لكن هذه لا تَمُرّ [لا تنطلي] على الله يا بنيَّ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ فالله له “مُخَابَرَات”، [تعبير مجازي عن الملائكة الذين يكتبون ما يعمله الإنسان، والمخابرات باللهجة السورية هم رجال الأمن الذين يعملون في الخفاء]، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد:11]، فهم يسجلون الكلام الذي تتكلمه، ويسجلون أعمالك، وكذلك كذبك وغيبتك وغشّك ونفاقك، فكل ذلك مطلع عليه الله، وليس فقط الملائكة، ألا يعلم الله عز وجل كل ذلك؟
المسلم مُطالَب بما هو فوق مقام الصبر
((صبرًا آل ياسر، إن موعدكم الجنة))، ففي هذا الحال ليس المطلوب الصبر فقط، فالصبر أنْ تتحمل الأذى مع التألُّم، وقد تصير عند المتألم ردة فعل متمثلة في الحقد على عدوه وعلى من يؤذيه، لكنّ الله طالبنا بما هو فوق مقام الصبر فقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14]، هؤلاء يفعلون بكم هذا لأنهم غير مؤمنين بأيام الله وقصاصه وعقوبته ويوم القيامة، فقال سبحانه سامحوهم.. سبحان الله! لم يقل اصبروا، فبأمر “اصبروا” نحن نتحمل، ولكننا سنطالب بحقنا، قال: لا، حتَّى حقكم اغفروه لهم.
فهل تقبلون أنتم هذه الآية؟ أليس الإيمان أنْ نؤمن بالله وملائكته وكتبه؟ قبل أن تؤمن بكل الكتب، هنا القرآن وهو كتاب واحد، ومن هذا الكتاب هذه الآية، فتِّش نفسك هل فكرت يومًا من الأيام أنْ تؤمن بها؟ أتقبلها أم ترفضها؟ وإذا ادَّعيت قبولها وكنت كاذبًا في داخلك فهل يمكنك الكذب على الله؟ مَن يقبل هذه الآية منكم يرفع يده.. الآن قد نقول ما نقول وقد ترفع يدك، وهو كلام بكلام، أما إذا صفعك مسلم أو دفعَك فسقطتَ، أو سقطت وتمزَّق ثوبك، فهل تطبق عندها قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُوا﴾؟ وهذا الذي صفعك هو مؤمن، أما الصحابة الذين طبقوا هذه الآية، فكانوا يغفرون للذين لا يرجون أيام الله.. فأين نحن من الإسلام! وأي إسلام هذا الذي عندنا! إنما هو كذب، ونحن نكذِب على أنفسنا.
لا يُدرَك فَهْمُ الدِّين بلا قلب حيّ وشيخ مُربٍّ
فإذا أخذت ورقة الجريدة بدل الكمبيالة [السَّنَد] التي قيمتها مليون، في ظنك أن القيمة حسب الحجم، وأراد أن يعطيك الكمبيالة وقلت له: أنت غشاش هذه صغيرة أعطني الجريدة لأنها أكبر، وأنت ترى أنّه إذا كانت الكمبيالة فيها مليون فإن الجريدة فيها مئة مليون، ونحن بهذا العقل نفهم الإسلام.
وهذا حال من يصلي ويصوم ويأتي إلى الجامع ويَحْضُر الدرس، لأنَّه ليس عنده قلب ولا فكر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في القرآن ﴿لَذِكْرَى﴾ تربية وعظة وتزكية نفس ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:37].. فهذا القلب لا يُنال ولا يُبنَى إلا بمادة ذكر الله وبأستاذ الذكر ومادة تزكية النفس، ولكنك لا تعرف قلبك ولا ذِكرَك ولا تزكية نفسك ولا تعرف الأستاذ، ولو تعرف قيمة هذا الأستاذ وتفديه بحياتك لوجدت أنَّ حياتك رخيصة أمام ما تأخذ منه، وإن صرت من أهل القلوب وبذلت روحك ومهجتك ووجودك لما كافأته، كان الرجل يضع صدره أمام صدر النبي ﷺ والنّبال تأتي كالمطر ويقول: “صدري لصدرك وقاء، وروحي لروحك فداء”
امرأة في غزوة أحد فقدت زوجها وابنها وأخاها وأباها، وكلما يأتيها خبر أحدهم تسأل: “ورسول الله؟” يقولون: “بخير”، فتقول: “كل مصيبة دون رسول الله جَلَل” .
سَكرة الجهل بالله
مَن يعرف الجوهر والألماس؟ هل يعرفها الأطفال؟ الطفل يعرف “السُّكَّرَة” والصافرة والكرة، [السُّكَّرة: واحدة من السكاكر، وهي قطعة من السُّكَّر فيها نكهة لذيذة، وتُمَصّ بالفم]، والذي لا يعرف الإسلام هل لأنه عاقل؟ بل بسبب طفولته وجنونه، مر مجنون على مجلس النبي ﷺ فقالوا: مجنون، فقال ﷺ: ((لا تقولوا مجنون، بل قولوا: مريض))، والآن علميًّا هل يسمونه مجنونًا أم مريضًا؟ مريض وله مشفى، ((المجنون من يعصي الله)) .. فهل تظن معصية الله بشرب الخمر فقط؟ هناك خمر أبلغ من هذه الخمر، يقول النبي ﷺ: ((ستصيبكم السكرتان))، يوجد خمر يُسكِر وهو الذي يشترى بالمال، وبعد ساعتين أو ثلاث يصحو شاربه، لكن هناك خمر لا تصحو من سكرته إلا بجهنم أو حتَّى تنزل بك عقوبة الله في الدنيا قبل الآخرة، وهناك أناس مثل الحمير، تأتيهم عقوبة الله ولا يفهمون لماذا أتتهم، فالحمار إذا ضربته هل يفهم لماذا ضربته؟ بل لا بد أن تسوقه بالرَّسَن يميناً وشمالاً.
((ستصيبكم السكرتان: سكرة الجهل)) عندما تعصي الله لا تعرف عاقبة معصيتك، ومتى وقت معاقبتها، وكيف ستكون العقوبة.. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8]، شرًّا، سواء بلسانك أو بعينك أو بأذنك أو بيدك أو برجلك أو بمؤامراتك أو بنفاقك أو بكذبك، فكله مسجل عليك بالفيديو الإلهي والتلفزيون الرباني.
((ستصيبكم السكرتان: سكرة الجهل)) الجهل بماذا؟ الجهل بالله، فأنت تجهل بأنَّ الله معك عندما تتكلم الكلام الذي يغضبه، وتجهل لمّا تسمع الكذب فتقبله، وحين تسمع الغيبة وتفتح لها أذنيك، وحين تسمع النميمة وتصدقها -بأن ينقل لك أحد كلامًا عن غيره- فكما أنَّ النطق بالنميمة حرام فالسماع لها حرام كذلك، فلا الناطق يعلم الحرام ليجتنبه [ولا المستمع كذلك]، يسمع أن الغيبة حرام لكن الحكم لم يدخل في قلبه، لأنه ليس له قلب، فإذا استأصلوا لأحدهم معدته وأمعاءه ثم غديناه أو عَشَّيْناه، فهل يستفيد شيئًا؟ لا يستفيد، ولا يوجد عنده قابلية للأكل، لأنه ميت، وهل يكون حياً إذا كان من دون معدة وقلب وجهاز هضمي؟
سَكْرَة الجهل هي سكرة الجهل بالله، والجهل بالإسلام، والجهل بفقه الأخلاق، والجهل بفقه الحكمة، والجهل بالفقه القلبي.. والفقه بالله وعن الله هو الذي يغيِّر كل أخلاقك وكل صفاتك.
كنت أسمع من الوالدة عن الوالد عليهما رحمة الله أنَّه كان من النَّزَق وسرعة الغضب كالنَّار المشتعلة، فإذا غضب يرمي كل ما يصل لِيَدِه، رغم أنه كان شيخًا وعنده علم وحافظاً للقرآن ويُدَرِّس في الجامع، لكنه كان بلا قلب، قالت: فلما أخذ الطريق على شيخه الشَّيخ عيسى -عالم القلب- فخلال أسبوع أو أسبوعين انقلب إلى مَلَك نازل من السماء، وصار فيه الحلم وسعة الصدر والأخلاق الفاضلة.. رضي الله عنه وأرضاه.
الانشغال بالدنيا والغفلة عن الله
قال النبي ﷺ: ((أصابتكم السكرتان: سكرة الجهل)) تقول لأحدهم: تعال إلى الجامع، فلا يذهب، ولكن إنْ قلت له: يوجد فيلم ظريف، أو دعوتَه لحضور مباراة كرة قدم أو مشاهدة تلفزيون فيستجيب ويُسَرّ، أمَّا إنْ دعوته ليَقْعُد مع الله ساعة أو نصف ساعة فيقول لك: أما زلتَ مجنونًا رجعيًا! لقد تركتَ المشايخ يلعبون بعقلك، أليس كذلك؟ أو يقول: ليس عندي وقت.. فأين أنت من: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:37]؟ أنت لست هنا، إذن، أين أنت؟ أنت: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:11]، يقول: ادعُ لنا يا شيخنا.. لماذا لا تأتي إلى الجامع؟ يقول: ليس لدي وقت، لماذا لا تأتي إلى مجلس العلم؟ يتحجج بأنّ عنده شغل، أمَّا وقت أكله وشربه وزوجته وبيته ودُكَّانه فينشغل بهم عن الله، ولا ينشغل بالله عنهم، فهو لم يؤمن بالقرآن ولم يفهمه فضلًا عن تطبيقه، فلما يناديك الله عليك أنْ تترك كل شيء من زوجتك وابنك ومالك، فالمهاجرون الأوائل ماذا تركوا؟ تركوا إقامتهم وأهلهم وأموالهم وديونهم وبيوتهم وخرجوا بإيمانهم فقط، هذا الإسلام يا بني.
حب الدنيا المذموم
((أصابتكم السكرتان: سكرة الجهل)) قل لأحدهم: أيهما يفضل مجلس علم أم مجلس جهل وجاهلية؟ أيهما يفضل صحبة جاهل أم صحبة عالم؟ أيهما يفضل مجلس علم وذكر أم مجلس غفلة ولهو ومعصية وقيل وقال “وفلان وعِلْتَان”؟ [أي الانشغال بأحاديث الناس وأسمائهم بدل الانشغال بالحق والعلم].. يفضِّل مجالس الإثم ومجالس المعصية.. هل تجلسون في مجلس يُشرَب فيه الخمر؟ [لا تجلسون]، ولكنّ مجلس الغيبة والنميمة أبلغ من شرب الخمر، فشرب الخمر يؤذيك وحدك، أمَّا مجلس الغيبة والنميمة فتؤذي به النَّاس كلهم.
((سكرة الجهل وسكرة حب الدنيا)) حب الدنيا هو الحب الذي يحجبك ويقطعك عن طاعة الله وعن مجالس العلم والحكمة وتقوى الله.. إنْ أردت حب الدنيا فلا بأس بحبِّها، لكن ينبغي أنْ يكون الله والنبي ﷺ أحب إليك مما سواهما، أحب إليك من مالك، فحب ولدك ومالك من الدنيا، ولا بأس أن تحبهما، لكن إن قالوا لك: الله أم مالك؟ ينبغي أن تقول: الله، أو قالوا: الله أم ابنك؟ ينبغي أن تقول: الله.. الله أم صديقك أو قريبك؟ ينبغي أن تقول: الله.. الله أم امرأتك؟ تقول: الله.
معيار الصحبة الصالحة
قال النبي ﷺ: ((ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان)) هذا يكون قد ذاق برأس أصبعه، وهل يكون قد تناول الغداء؟ فإن وضع أحدهم أصبعه في “الفَتَّة” فهل يكون قد تناول وجبة الغداء؟ [الفَتَّة: طعام شامي مصنوع من الحُمُّص والطحينة فوق الخبز، ويوضع فوقها السمن].. ((أنْ يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأنْ يحب المرء)) إنْ صاحبت إنسانًا أو صادقته أو مشيت معه ((لا يحبه إلا لله))، إمَّا أنْ يكون أقوى إيمانًا منك لتنتفع من إيمانه، أو يكون ضعيف الإيمان وأنت أقوى منه فتصحبه لتقوِّيَ إيمانه.. أمَّا النَّاس في عصرنا فهل يصاحب بعضهم بعضًا على أساس الإسلام أم على أساس الجهل؟ وهذا تجده أيضاً في سهراتهم وذهابهم وصداقاتهم.. وكم دعا النبي ﷺ إلى الجليس الصالح وكم حذَّر من جليس السوء! فهل تعرف من تصاحب؟ إنَّك تشرب من أخلاقه وعقله وفكره وسَيْرِه واتجاهه ويُؤَثِّر فيك من حيث لا تشعر.. ((وأنْ يكره أنْ يعود في الكفر كما يكره أنْ يُقذَف في النَّار)) .
سَكرة حب الدنيا وترك الأمر بالمعروف
قال: ((أصابتكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب الدنيا)) فما سكرة حب الدنيا؟
أكثير على المسلم أنْ يخصص في كل أسبوع ساعتين أو ثلاثاً للتفقّه في دينه؟ ليضع بذلك رصيدًا له في بنك الآخرة، وعند الموت هل تأخذ معك ما تبذل له عقلك وجهدك وشَطَارَتك [دهاءك]؟ وهل تستفيد منه شيئًا؟ فأصحابك وأصدقاؤك يوصلونك إلى القبر، وهل تستفيد منهم شيئًا؟ لكن الذي سيذهب معك وينزل معك ويسافر معك إلى الآخرة هو إيمانك وعملك أو كفرك ونفاقك وفسقك وضلالك.
قال: ((أصابتكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب الدنيا، فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف))، إذا رأيت إنسانًا تاركًا لواجب من واجباته أو تاركًا صلاته أو صيامه أو عاقًّا لوالديه فعليك أنْ تأمره بالمعروف، أمَّا إذا كنت تعينه على العقوق فأنت كافر بالقرآن، وكافر بآية: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:71]، والله يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:125] وأنت تدعوه إلى سبيل الشيطان، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:1] وأنت تعمل “أفسدوا ذات بينكم”.. هناك خمسون آية أنت كافر بها، وخمسون آية تخربها، وأنت تهدم القرآن والإسلام مع أنك تصلي وتصوم وتقرأ القرآن، لأنَّ قراءتك للقرآن كقراءة السكارى، فهل يفهم السكران شيئًا إذا قرأ؟ فنسأل الله أنْ يعفو عنا، وأنْ يصحينا من سكرتنا، ومن الخمر الذي يقتل صاحبه.
((أصابتكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب الدنيا، فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر)) ، إذا رأيت إنسانًا ظالمًا أو خارجًا عن طريق الله ثم سكتَّ له فأنت شريكه، وإذا آزرته وحَمَّيته فذلك أبلغ.. تخاف من الطرف الثاني أن يدري ويعلم لأنه موجود، والله تعالى: هل قطعتَ رقبتَه؟ أليس موجودًا؟ أليس سميعًا؟ أليس بصيرًا؟ أليس شهيدًا؟ أليس وهو معكم؟ وأنت تكفر بكل هذا، فأنت لست مؤمنًا ولست مسلمًا، وأنتِ لستِ مسلمة.
حقيقة الإسلام
المسلم هو الذي يظهَر الإسلامُ في أعماله وفي أخلاقه وفي شعوره وفي حسه وفي واقعه وفي حياته، وهذا المسلم -يا بنيَّ- أغلى من الجوهر وأغلى من الألماس، وكذلك صحبة هذا المسلم ومجالسته والذهاب إليه، ولو بذلت روحك كان كما قال ابن الفارض
لو أنَّ روحي في يدي ووهبتها
لمبشري بقدومكم لم أنصفِ
إذا جئتَ إليَّ وبشَّرني أحد النَّاس بقدومك وقَدَّمتُ له روحي، فقد قَدَّمتُ له الرخيص مقابل الغالي، فالبشارة أغلى من روحي.
ما لي سوى روحي وباذل روحه
في حبّ من يهواه ليس بمسرِفِ
فلئن قبلت بها فقد أسعدتني
يا خيبة المسعى إذا لم تسعِفِ
فلو قبلت روحي وحياتي فأنا مستغنٍ عنها “فقد أسعدتني”، ويا خيبتي إذا رفضت روحي.. فإذا كان يقدِّم روحه ويرى أنها رخيصة فكيف بما هو دون الروح! ولكن نرى النَّاس لا يُقَدِّمون شيئاً، ولا حتى الكلمة الطيبة، ثم يقولون: إنهم محبون.
فهل تخفى على الله خافية؟ أتحسب الله صغيرًا أو بَدَوِيًّا؟ يحكى أن بدويًّا ذهب إلى “لَحَّام” [جَزَّار] ودفع إليه ثمن أضحية، وقال: اذبحها عن روح أبي، ثم ذهب، فقال اللَّحّام: ما دام قد ذهب ولا يراني فسأذبحها عن روح أبي، فسمعه أحد الحاضرين وذهب إلى البدوي فأخبره، وقال له: هذا اللحام ضحك عليك [استغلَّك] وذبح الأضحية عن أبيه، فقال البدوي: يا أخي هل أنت مجنون؟ ألا يعلم الله من الذي دفع المال؟ [يضحك الحضور للطرفة].
[أنت ترى أنّ الله غائباً عنك وغيرَ واعٍ، وتراه كما رأى هذا الجزار البدوي]، أإلى هذا الحدّ صار الله في نظرك بدوياً! فإنْ كان البدوي يفهم الأمر ألا يفهمه الله؟ وأنت ترى أنّ الله أحقر من البدوي، وإذا أردت أن تحقّر الله بأعمالك بهذا الشكل فسوف يريك أيامًا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14] أيام العقوبات والقصاص، فالله يمهل ولا يهمل: ((إنَّ الله يُمهِل الظالم ولا يهمله، إذا أخذه لا يفلته)) .
الإنسان في ميزان القرآن
ورغم ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الصبر، فقد رفع مستواهم فوق الصبر وأمرهم بالسماح والمغفرة، فأي مستوى للنفس بأن تقابل عدوها بهذه المقابلة؟ وأي ثقافة ارتقت بالنفس حتَّى وصلت إلى هذا المستوى! وأي قوة روحية وتربوية وحكيمة تستطيع أنْ تصنع إنسانًا مثل هذا! هذا هو القرآن وهذا هو الإسلام، ولكن هل تطير الطائرة بلا طيَّار؟ وهل تمشي السيارة بلا سائق؟ وهل تعطي المزرعة تفاحاً وإجاصاً بلا مزارع؟ وكذلك القرآن والصَّلاة، فإن لم يكن لك شيخ فاذهب وابكِ على نفسك، ولو أعطوك جبل قاسيون ذهبًا فهذا خسارة، لأنّك ستُحاسَب عليه كلّه من أين أخذته وفيمَ أنفقته، أمَّا ما تأخذه من الشَّيخ من علم وحكمة وإيمان فحسابك عليه أنْ تَرْتَفع به درجاتُك ويُسْعِدك في الدنيا قبل الآخرة: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل:122] إنّك تأخذ بإسلامك ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، تأخذ الحياة الحسنة والمكانة الحسنة والعيشة الحسنة، وكل أمورك تكون حسنة.
قال الله تعالى عن اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة:61]، فالذّلّ هو تسلط العدو، يعني الاستعمار، والمسكنة تعني الفقر.. يعني أنّ المسلم الحقيقي الذي رضي الله عنه لا يقع في ذلّ الاستعمار ولا في مسكنة الفقر والحاجة والجوع.. وإلى آخره.
فأين نحن؟ نقرأ القرآن لكن لا نقرؤه للفهم، بل نقرأه للتلاوة ونقرأه للنغم، أمَّا أن نقرأه للعلم والفهم والتطبيق فلا.. فهل تعاهدونني على أنْ تقرؤوا القرآن للفهم والعلم؟ وإذا سمعتموه هل تسمعونه للمعنى أم للمغنى؟ وإذا درّستُم -أنتم المشايخ- فهل لأنفسكم أم لغيركم؟ يقول الشيخ: لا تغتابوا الناس، فتراه يغتاب، ويقول: لا تتكلموا عن الناس حرامًا، فتراه يخوض فيهم
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14].. دخلتُ مرةً على شيخنا وكان النَّاس يتكلمون عليَّ في حياته، وكنت شابًّا، فأخبرته، فضحك وقال لي: يا ولدي كان بعض الأولياء إذا سمع من يتكلم عليه وينتقصه يقول: “اللهم اغفر لي ذنبي الذي بسببه تكلم النَّاس عليَّ”، ثم قال لي: “يا بنيَّ الحق علينا نحن، فلو لم نكن مذنبين لما سلطهم الله علينا”، وهذا تطبيق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14]، يسامحون المسيئين الذين يسيئون إليهم، لأنهم “لا يرجون” يعني لا يتوقعون “أيام الله” أي عقوباته وساعة المحاكمة، ففي بعض الأوقات يحاكمك الله ويجعل القاضي عليك ويحكمك بالإعدام بقطعة “بَقْلاوَة”، فتأكلها وتموت مباشرة، [بَقلاوَة: حلوى فاخرة مشهورة]، وفي بعض الأوقات يجعل محكمتك والقاضي عليك سيارتك الحديثة “موديل 90″، فتركبها وتأخذك مباشرة إلى الإعدام، [موديل 90: إنتاج سنة 1990، وهي السنة التي كان فيها هذا الدرس، والمعنى المقصود: أحدث سيارة]، وقد يكون عن طريق زوجتك أو شبابك.
فلا تغتر يا بنيَّ! ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي الحياة الحقيرة، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:33] المُغَرِّرُون، سواء من رفاقك أو أقاربك أو جلسائك أو أهلك أو من الشيطان، فهناك شياطين الإنس وهم ألعن [من شياطين الجن]، فشيطان الإنس يقعد معك ويقول لك: لن أدعك تذهب إلى الجامع، وأزعل منك وأخاصمك وسأخرج من بيتك، بينما شيطان الجن لا يفعل بك هذا، يقول: إن ذهبت فبئس ما تفعل.
فقه المغفرة
قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا مُحمَّد ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية:14]، والمغفرة هنا لا تعني أن يصبروا فقط، بل أن يصبروا ويسامحوا، يصبروا وهم راضون، يصبروا وهم مُتَثَبِّتُون لا جزعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج:19]، هل هناك أبلغ من التحريق بالنَّار؟ ورغم ذلك لم يكن الصحابة جزوعين، لماذا؟ لأنَّهم كانوا مصلّين، فهل يُدَرِّسونكم في الكلية الصلاة هكذا يا بنيَّ؟ هذا هو فقه الصَّلاة.. ولذلك قال رسول الله ﷺ: ((الصَّلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين)) يُقِيم كلَّ فرائضه وتَنْهَدِم كلُّ محرماته، ((ومن تركها فقد هدم الدين)) ، ونحن نصليها والدّين مهدوم، فالمعنى أنَّنا لم نقم الصَّلاة، فقد صلينا لكنها صلاة غير مُقَوَّمة، بل معْوَجَّة مكسَّرة محطَّمة.
قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14]، هذه الآية مكية على اعتبار أن السورة مكية، لكن قال بعض العلماء: إنَّ كل الآيات في هذه السورة مكية عدا هذه، لأنَّ الإسلام في المدينة سمح للمسلمين بالمقاومة، لأنَّه صارت لهم دولة.
وكان سببها أنَّ النبي ﷺ كان مع الصحابة في بعض الغزوات فنزل في الطريق قرب بئر، فذهب غلامٌ -عبدٌ- لسيِّدنا عمر رضي الله عنه ليستقي الماء وذهب معه غلام لرئيس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول.. وكان النبي ﷺ يأخذ رئيس المنافقين معه إلى الحرب ويستشيره في أمورها، وهو ألعن كافر، لكن بما أنه يظهر الإسلام فإنّ النبي ﷺ كان يعامله بالظّاهر، لكن هل يعامله الله عز وجل بالظاهر عندما يذهب إليه؟
فلما وصل الغلامان إلى البئر كان غلامُ عمر رضي الله عنه أقوى، فغلب غلامَ ابن أبيّ، وملأ القِرَب قبلَه، فلما رجع غلامُ ابن أبيّ بن سلول إلى سيده أخبره بما حصل، وزعم أنَّ غلام عمر رضي الله عنه قد سبه وضربه وأنه ملأ قربة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما قبل قرْبته.
فقال ابن أبيّ بن سلول: “ما مَثَلُنا ومثل أصحاب مُحمَّد إلا كما قال الأُوَل: سمِّن كلبَك يأكُلْكَ”، فشبّه النبي والصحابة بالكلاب بأنهم تقوّوا وشبعوا، ويريدون الآن أن يَتَعَدُّوا عليهم.
فانظر -يا بنيَّ- إلى عدم التوفيق! كان يرى النبي ﷺ كلبًا، فهل له عين أو عقل أو توفيق؟ وهل هناك أعظم من مقام النبوة؟ من نظر إلى وجه النبي ﷺ وأراد الله به خيراً كان يرى النور، وكان بعضهم يأتي إلى النبي ﷺ وهو كافر، وحين يتكلم النبي ﷺ كان يرى النور يخرج مع كلامه.
يوجد منكم في الجامع من يرى هذا المعنى -بفضل الله وكرمه- [توضيحاً لهذا الكلام أقول: كان يحدِّثنا بعض إخوان الشيخ ممن زكت نفوسهم وتطهَّرت قلوبهم أنهم كانوا يرون نوراً يخرج من فم الشيخ أحمد كفتارو عندما يتكلم، بل رأيتُ أعجب من ذلك: عالماً من هؤلاء أصحاب القلوب، كان يَحْضُر الدَّرْس ويَشْخَص ببصره إلى الشيخ، ولم يكن يسمع، حيث كان في أذنيه ضعف شديد، وكان بعد انتهاء الدرس يحدثنا بما كان يقول الشيخ، ولما سألناه عن ذلك أجاب بأنه لم يكن يسمع الصوت، لكنه كان يرى نوراً يخرج من فم الشيخ فيفهم ما يقول]، وهناك أيضاً مَن حاله: ﴿صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:18].. فإذا لم يعرفوا النبي ﷺ فهل يكون النبي ﷺ غير نافع أم هم ليس فيهم نفع؟ إذا انتفع كل النَّاس من الشَّمس وضوئها إلا الأعمى، وصار يسبها لأنه شعر بالحر، وهو لا يريد الشمس، فهل سيعمل الله وفق هوى العميان أو وفق هوى المجانين؟
كذب المنافقين
لم يكتف ابن أبيّ بن سلول، بل قال لغلامه: اصبر، “وإذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”، هؤلاء اللؤماء الحقراء الفقراء الجوعى الذين أتوا إلينا سنخرجهم بمجرد وصولنا.. فأنزل الله فيه سورة المنافقون -اسمها “المنافقون” ولكن لا مانع من أنْ نقول: “سورة المنافقين”- وذَكَر القصة وفيها: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:8]، وأول السورة قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:1].. ولما أحضره النبي ﷺ قال له: بلغني أنك قلت كذا وكذا، فصار يحلف الأيمان المغلظة أنه لم يتكلم، وكان النبي ﷺ واسع الصدر حليمًا يتحمل، لكن الله يريد أن يكشف ما حدث فأنزل سورة أسماها سورة المنافقين، وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ في علم البلاغة “إنَّ” للتأكيد، و”اللام” في “لرسول” للتأكيد، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ هل يحتاج الله لشهادتهم؟ ألا تصير رسول الله حتى يشهدوا لك؟ يعني: بقي الحمقى السَّفَلة حتى يشهدوا أنّ محمداً رسول الله! وإذا لم يشهدوا لن يصير رسول الله! ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:1] فاحذر أن يقول الله عنك: كذاب أو أن يقول عنك منافق.
ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ يحلفون أيمانًا ﴿جُنَّةً﴾ ليستروا بها نفاقهم وكفرهم، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:2] يريدون قطع النَّاس عن النبي ﷺ وعن الإسلام، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:8] ومن يستطيع أن يطفئ نور الله! إذا بصقت باتجاه الشَّمس فهل تُطفئها أم ترجع بصقتك عليك يا مسكين؟ وهكذا كان أناس في زمان النبي ﷺ، ولا يزالون في زماننا كذلك، وسيبقون إلى يوم القيامة.. فعلوا ذلك مع النبي ﷺ ويفعلونه مع ورثته: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:62].
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يعني ستارًا، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [المنافقون:2-3]، أي أظهروا الإيمان، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:3]، فلم تعد تُؤَثِّر فيهم موعظة النبي ﷺ ولا حديثه ولا القرآن، وكانوا يسخرون ويهزؤون، وفي أيامنا ألا يوجد أمثالهم؟ فإذا لم يُصَدِّقوا الشيخ ولم يحبوه ولم يطيعوه فهل لأنَّ الشَّيخ ليست فيه أهلية؟ مع أن أهل الأرض من مشارقها إلى مغاربها قد عرفوه، ورغم ذلك يوجد أناسٌ هنا يجهلونه.. فنسأل الله أنْ لا يخزِينا ولا يخذلنا ولا يشقِينا، وأنْ يتوب علينا جميعًا ويهدينا إلى سواء السبيل.
وماذا قال ابن أبيّ؟ كما ذكر الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:8]، قال له: اصبر، ومتى ما رجعنا إلى المدينة سنطردهم كلهم خارجها، ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، فنحن الأقوياء الأعزة ونحن أهل المدينة أمَّا هؤلاء الأغراب فليرجعوا لبلدهم، هؤلاء “الفاعلون التاركون”، [الفاعلون التارِكُون: مصطلح في اللهجة السورية، وهو قول مأدَّب بدلاً من ذكر الشتيمة، وهي توحي أنّ ابن أبيّ قال شتائم بحق النبيّ ﷺ والمهاجرين]، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:8]، ﴿يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حتَّى يَنْفَضُّوا﴾ يقول: أشبعتموهم مع فقرهم، ولذلك بقوا بجانب النبي، ولكن لو قطعتم عنهم ذلك سيتركون النبي، فقال الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:7]، فالله يغنيكم إنْ لم يعطكم هؤلاء.
الخلاصة: أحضر النبي ﷺ ابن أبي بن سلول فحلف خمس مئة يمين وحلف بالطلاق أنه لم يقل ما نُقِل عنه، [الشيخ هنا يتحدث باللهجة العامية، وقوله: “حلف خمس مئة يمين وحلف بالطلاق” يعني حلف أيماناً كثيرة ومتنوعة].. وفي زماننا هناك أناس يحلفون بالطلاق، ويحلفون بالله، ومن يسمعهم يصدقهم.. يُقال: ما علامة الأحمق؟ أنْ تحدثه الخبر ثم تروي له نقيضه، فإن صَدَّق الأمرين فهذه علامة انعدام عقله.
فأحضره النبي ﷺ فحلف خمس مئة يمين أنَّ ما نُقِل عنه كذب، ولما نزلت سورة المنافقون فأيهما كان كلامه صدقاً: الله تعالى أم ذاك؟
ولما وصلوا إلى المدينة كان له ابن من المسلمين الصادقين، فجاء إلى النبي ﷺ وقال له: “يا رسول الله قد بلغني عن أبي أنه قال ما قال”، انظر إلى مجتمعهم يا بنيَّ ترى إسلامهم، هل إنسان يسب النبي ﷺ ويتركونه! “وأخاف أنْ يقتله أحد المسلمين، وقد عرف النَّاس بأنِّي أبرُّ النَّاس بوالديَّ، وأخاف ألّا أستطيع رؤية قاتل والدي”، حيث إنني بطبيعتي بار بوالدي، “فإنْ رأيتُ قاتل أبي أخاف أنْ اقتله فأدخل نار جهنم، فإنْ كنتَ تريد قتله فأذَن لي فأنا أقتله”.. لماذا صار هكذا؟ هذا الذي صار مسلمًا، وأخذ الإسلام من النبي ﷺ.. وابن أبيّ بن سلول كان أيضاً في الجامع عن يمين النبي ﷺ لكن هل استفاد شيئًا؟ لم يستفد شيئًا.. فبمَ أجابه النبي ﷺ؟ قال له: ((لا تفعل، ولكن نحسن صحبته ما صحبنا)) -صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله- هذا الإسلام يا بنيَّ: منافق وكافر وحاقد وعدو لكنَّ النبي ﷺ يحسن صحبته.
العفو خلق النبوة
قال بعض المفسرين: إنَّ السورة كلها مكيَّة إلا هذه الآية فهي مدنية، وسببها قصة ابن أبي بن سلول بقوله: “سمن كلبك يأكلك”، وبعضهم قال: إنها مكية.. وعلى كل حال فالمعنى لا يتغير، يعني أيها المؤمن كن حليمًا، وكن واسع الصدر وكن عفوًّا.. ((إنّ أفضل الصدقةِ الصدقةُ على ذي الرحم الكاشح)) : أنْ يكون من أقاربك وتحسن إليه وتساعده ثم يؤذيك ويفعل ما يفعله الحمار من الرَّفْس ويعضّك ويلدَغك.. قال: إنَّ هذه أفضل الصدقة، لأنَّه لا حظَّ للنفس لك فيها، فلا تنتظر مدحاً ولا مكافأة ولا أي شيء، وحينها تكون خالصة لوجه الله تعالى.. ونسأل الله أنْ يجعل أعمالنا خالصة لوجهه سبحانه وتعالى.
فإذا عفوتم، قال: أنا أتولى الحساب، ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سأنتقم منهم أشد انتقام، كما قيل: “من سكتَ عن خصمه يصير الله خصمَ خصمِه”، فإذا كففت لله فالله لن يكفّ.. وهنا قال: ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ فأنت غفرت، أمَّا الله فقال عن نفسه: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:14].
يُحكى أن امرأة حمقاء جاهلة دخلت على أحد الشيوخ فسبَّته، فقال لأحد الإخوة أنْ يخرجها من الجامع ويلطمها.. فقام المريد وأخرجها، ولكنه استنكر في نفسه ضرب امرأة، فأمرها أنْ تذهب ولا تعيدها، وعاد للمجلس فسأله الشَّيخ: أضربتها؟ قال: نعم ضربتها.. فلم تمرّ ثوانٍ حتَّى سمعوا ضجيجًا من الشارع، فخرجوا ليروا، ورجعوا وأخبروا الشيخ: إن المرأة التي سبّتك ماتت فجأة، فالتفت الشَّيخ إلى المريد وقال: الظاهر أنك لم تضربها، أليس كذلك؟ قال: نعم ما ضربتها، فقال: الله يهديك يا بنيَّ، فهل تظن أنَّ فيك مروءة وشهامة وأن شيخك لا يوجد عنده مروءة وشهامة؟ فعندما أمرتك بضرب امرأة هل لأثبت رجولتي؟ وإنما خفت أنْ يضربها الله إنْ لم أضربها، فضربة الله ليست كضربتي، ولمّا لم أضربها وآخذ حقي فأخذه الله لي.. وإذا أخذ الله الحق لمن يغار عليهم فيضرب ضربة نسأل الله أنْ يحمينا.. ونسأل الله أنْ يوقظنا ويصحينا ويتوب علينا، ولا يستطيع أحد أنْ يغشَّ الله أو “يَلْعَب عليه” [يخدعه]، فالله لا أحد يستطيع أن يخدعه.
ثمرة العمل الصالح
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية:15]، أي إنك إذا صليت الصَّلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وصليت الصَّلاة وأنت خاشع القلب فيها الواعي لكلام الله فيها، فمردود ذلك لمن؟ وإذا صمت الصوم الحقيقي فمردوده لمن؟ وإذا قرأت القرآن للعلم والعمل والسلوك والمعاملة والصدق والتقوى فمردود ذلك لمن؟ هل الصحابة رضي الله عنهم بتقواهم نفعوا الله أم نفعوا أنفسهم؟ ولولا الإسلام هل كان خالد رضي الله عنه ليُذكَر في التاريخ؟ ولولا الإسلام من سيكون أبو بكر؟ فمثل أبي بكر رضي الله عنه الكثير، ومَن عمر رضي الله عنه؟ كان سمسار جمال في سوق الجمال والحمير، فماذا صار؟
هذا الإسلام هو إسلام العلم والعمل، وإسلام الهجرة والمعلم، وإذا لم تجده في بلدك وكان في حمص فعليك أن تذهب إلى حمص، وإن كان في حلب فعليك أن تذهب إلى حلب، وإن كان في الحجاز فعليك أن تذهب إلى الحجاز.. تقول في هذه الأيام أنّك مهاجر إلى المدينة، وما هي المدينة؟ وماذا تعطيك حيطانها؟ وماذا يعلمك رخام حرمَي مكة والمدينة؟ عليك الهجرة للمعلم للمربي الحكيم النائب عن رسول الله ﷺ الذي يعلمك الكتاب والحكمة ويزكيك.. وهذا يا بنيَّ شبه مفقود وإنْ وجدناه نظلمه.
قصة إسلام صحفي ألماني
ألم أحدثكم الجمعة الماضية عن القاضي الممتاز “زهير عبد الحق”؟ قال لي: في اليوم الثاني من الندوة التي أقيمت على التلفزيون في السابع والعشرين من رمضان أتاه صحفي ألماني يتقن اللغة العربية الفصحى، وأعلن إسلامه في المحكمة الشرعية وطلب شهادة الإسلام، فسأله: ما الذي دفعك إلى الإسلام؟ ولأي شيء أسلمت؟ فقال: سمعتُ البارحة ندوة المفتي على التلفزيون.. هو صحفي، وهل هو سوقيًا أو بدويًا أو من أهل القرى؟ مع أنَّ من أهل القرى اليوم من تعلم وصار من أهل العلم، ولم يعد قرويّاً، لكن كان قُرَوِيّاً لأنه كان بعيداً عن العلم، فالذي تعلم ليس قروياً، ومن في المدينة إذا لم يتعلَّم فهو قُرَوِي، ويجب أن يكون عنده علم وعمل وأخلاق وسلوك.. فقال الصحفي: سمعت ندوة في التلفزيون فاقتنعت بالإسلام، ولذلك جئت أعلن إسلامي، فمن التلفزيون وبعشر دقائق ينتقل من دين لدين! [كان التلفزيون السوري يجري لقاءً قصيراً أو ندوة في السابع والعشرين من رمضان بمناسبة قدوم ليلة القدر مع سماحة الشيخ أحمد كفتارو وهو في منصب المفتي العام لسوريا]، وأنت تقعد مع الشَّيخ عشرين سنة، وربما تولد في الجامع وتموت فيه ولا تستفيد شيئًا، لأنك لم تذكر الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ أي ميت القلب ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:122]، يحيا بذكر الله وبالتوبة النصوح وبصحبة الذاكرين والبعد عن الفاسقين.
فصاحب تقيًّا عالمًا تنتفِع بِهِ
فصُحبة أهل الخير تُرجَى وتُطلَبُ
وإيَّاك والفسَّاق لا تصحبنَّهمْ
فقربهُمُ يُعدِي وهذا مُجَرَّبُ
إذا جلست مع الحشَّاش ستحشِّش، ومع الجَرْبان ستجرب، ومع السكِّير ستسكر، ومع شارب السجائر ستشربها، وهذا مؤَكَّد.. ومع الذاكر ستذكر، ومع التقي ستصير تقيًّا، ومع العاقل الحكيم إنْ كان عقلك صغيرًا يقوِّمه لك.
من ذاق عرف
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية:15] فلا تمنَّ على الله ولا على الشَّيخ، بل المنة لله ورسوله علينا، وفضلُ الله بصحبة الشَّيخ لا يعرفه إلا الذي ذاقه.
أكثركم يعرف “أبا مصطفى الخرفان” و”أبا مصطفى الدمشقي” رحمهما الله، كانا من إخوان شيخنا، وأحيانًا يكونان عندي فيبكيان كالأطفال ويقولان: نحن بالآخرة إذا غفر الله لنا وخيَّرنا بين صحبة شيخنا وبين دخول الجنة سنقول له: يا رب لا نريد الجنة ونريد فقط أن تجمعنا مع شيخنا، وهذه هي جنتنا.. فالذي بلغ التسعين وهو يبكي بعد وفاة شيخه بأربعين سنة وصاحب شيخه أربعين سنة، وقارب عمره على مئة سنة أهو ولد صغير؟ [هل هو قليل الإدراك والمعرفة حتى يقول مثل هذا الكلام؟ لقد أدرك الحقيقة وعرفها فقال ذلك].
ولكن نسأل الله أنْ يذيقنا العسل، فمن ذاق العسل عرف، ومن ذاق عرف، والذي يكون أعمى وأطرش يسمع بشكل سطحي ولا يدخل ما يسمعه في قلبه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، فالأمر يحتاج لذكر وتقوى وصحبة، وإذا صرت صاحب قلب فما ضاع عمرك سدى، وإذا ملكت الدنيا وما صار لك قلب ولم يتحول القرآن فيك من تلاوة إلى علم وعمل فليتك لم تُخلَق! لأنَّ أمامك حساب وعذاب، ولا تغتَرّ بأنَّ الله أجَّلك: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاس بِمَا كَسَبُوا﴾ أي حالًا، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [فاطر:45]، فيؤخِّر أحدهم يومًا وآخر شهراً وآخر سنة وآخر عشر سنين وآخر يؤخره لبعد الموت.. لذلك حين زنا ماعز رضي الله عنه جاء إلى النبي ﷺ وقال له: احكم عليَّ بالإعدام والرجم.. وحاول النبي ﷺ أربع مرات أنْ يصرفه عن ذلك فلم ينصرف حتَّى قُتِلَ رجمًا.. فهذا إنسان بدوي هكذا إسلامه، فكيف إسلام من كان بشكل دائم مع النبي ﷺ؟ أين إسلامنا؟ نحن كما قال الشاعر
تضع الذنوب على الذنوب وترتجي
درج الجنان وطيب عيش العابِدِ
ونسيتَ أنَّ الله أخرج آدمًا
منها إلى الدنيا بذنب واحِدِ
“ونسيتَ أنَّ الله أخرج آدمًا منها”: من الجَنّة.
لَمّا أعرض النبي ﷺ عن الأعمى واشتغل عنه بالأغنياء، عاتبه الله تعالى حالًا وآخذه وقال له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:1-2]، لأنَّ الله تعالى لا يؤخِّر عقوبة أحبابه، بل يأتي بها حالًا، أمَّا أعداؤه فقد يؤخِّرهم رحمة بهم، لكن لاحقًا إنْ ضربهم ضربة واحدة يجعلهم هشيمًا تذروه الرياح.. فنسأل الله ألّا يغرَّنا به وألّا يجعل التغرير سلطاناً علينا، وألّا تغرنا حياتنا أو شبابنا أو مالنا أو ذكاؤنا، فأمام الله هل يوجد ذكاء وفهم؟ والذكي هو من يفهم عن الله، والعاقل هو الذي يعقل عن الله، أمَّا إذا كان المرء ذكيًّا مع الشيطان وعاقلًا معه فالحيوان أحسن منه.
سُنن التمكين
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:15] فالمرجع إلى الله تعالى، يعني إلى محكمته وقضائه وحسابه على مثاقيل الذرّ: ((أدخل الله امرأة نارَ جهنَّم في هرة حبستها حتَّى ماتت، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)) و((بغيّ سقت كلبًا من العطش فغفر الله لها)) .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أي كتاب السماء التوراة، وآتى الله المسلمين الكتاب القرآن فيه التوراة والإنجيل وما زاد عليهما.
﴿وَالْحُكْمَ﴾ [الجاثية:16]، جعلهم ملوكًا كداود وسليمان عليهما السَّلام، وفي التوراة هناك “سفر الملوك” أي سورة الملوك، فبعد أنْ كانوا مستعمَرين عبيدًا عند فرعون في مصر، ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة:20]، والعرب جعل الله فيهم سيِّدنا مُحمَّداً ﷺ وهو أفضل من كل الأنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتانا النبوة أيضًا: نبوة سيِّدنا مُحمَّد ﷺ.
قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، كان العرب يغمسون الشعر بالدم ويجففونه ليأكلوه شتاء وقت القحط، وكانوا يأكلون الجيَف من الجوع.. فجعلهم ملوك الشرق والغرب، ألم يرزقنا من الطيبات؟ ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:16] أي على عالَم زمانهم.
شروط خيرية هذه الأمة
وكذلك قال الله فينا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أليس هذا تفضيل؟ كان سيِّدنا عمر رضي الله عنه يقول: “نكون خير أمة إذا أتينا بشروط الآية” ، أي إذا طبقنا شروطها، وشروطها هي: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فإذا رأيتم رجلًا ترك فرضًا أو واجبًا أو خُلُقًا فتأمرونه بما ترك، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:110]، وإذا رأيتم من يأتي بالمنكرات والمعاصي والآثام مع الله أو مع عباد الله، فعليكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكما تصلي عليك أن تأمر بالمعروف، وكما تصوم رمضان عليك أن تنهى عن المنكر.. لقد ذكر الله صفات المؤمنين والمؤمنات فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71] أي يحبون بعضهم، فهل المسلمون اليوم يحبون بعضهم؟ وهل العائلة والأسرة والإخوة والجيران والأصحاب يحبون بعضهم؟ يكون صاحبه عندما يكون معه، ولكن ما إن غاب ذهبت الصحبة.. ولا تظنّ أنّ ما يحدث لا يصل منه شيء، بل كل شيء يصل للذي تتكلم عنه وسيقاطعك.. إلى آخره.
ألا يصل لله أيضًا؟ ألا يصل لله مع جود الملائكة عن يمين وشمال؟ فهل آمنت بكل هذا وأنت تقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه؟ لم تشم رائحة الإيمان، وقد قيل: لم يعرف من العشق والغرام إلا كلمة “أَوْحَشْتَنا”، فهل تنفعك عند الموت كلمة “أوحشتنا”؟
سقوط الأمة بالمعصية
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية:17] آتيناهم أحكامنا واضحة كلها ومفهومة لا فيها لبس ولا غموض، ((أتيتكم بشريعة سمحاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)) ، لا ينحرف عن دين الله إلا من أراد الله هلاكه، فإمَّا أنْ يهلكه في الدنيا كما سلب الله العرب عزّهم ومجدهم وملكهم، فقد كانوا يحكمون الأرض من الصين إلى فرنسا، ولما تركوا أمر الله وهجروا دينه سلبهم الله ما أعطاهم.
لما تركوا البِذار حُرِموا الحصاد، ولما تركوا غراس الأشجار حُرِموا ثمارها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11].. يقول بعضهم: الله هكذا يريد.. فهذا يتكلَّم بجهل، هل هذا ما يريده الله لنا؟! يريد لنا: “خلقتُ الخلق ليربحوا عليّ لا لأربح عليهم” ، خلَقَنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، تسأل أحدهم: لِمَ تشرب الخمر؟ فيقول: “إن الله يريد ذلك”، إنْ كان الله يريد لك شرب الخمر فلم حرَّمه؟ هل حرَّمه لأجل أنْ تشربه؟ وإن سألت أحدهم: “لِم تزني؟” يقول: “هكذا يريد الله”، فإذا كان الله يريد أنْ تزني فلم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء:32]؟ لم يقل “لا تزنوا” وإنما قال: لا تقربوا الزنا ولا تصاحب الزناة ولا تمش في المكان الذي فيه زنا، ((ومن حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه)) ، [قوله إنّ الله يريد تلك المعصية] كلام جهل، وهو جهل بالعقيدة، ولا يوجد عنده دين، ولا يعلم الإسلام لا علمًا ولا عملًا ولا فكرًا ولا إيمانًا ولا عقيدة، وقد يصلي ويصوم.. رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي فلما انتهى قال له: ((قم فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ)) ، أعادها فأمره بإعادتها، وفي المرة الثالثة علَّمه كيفية الصَّلاة، وفي الحديث القدسي: ((ليس كلُّ مصلٍّ يصلِّي)) هكذا الله قال: ((إنما أتقبل الصَّلاة ممن تواضع لعظمتي وكفَّ شهواته عن محارمي وأطعم الجائع وكسى العريان وآوى الغريب، يفعل كل ذلك من أجلي)) ، لا لأجل غرض أو هدف شخصي أو طلباً لمدح.. ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتَّى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)) .
سنن الله في الجزاء والهداية
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية:17] فلما آمنوا إيمانًا صحيحًا واتَّبعوا سيِّدنا موسى عليه السَّلام أنجاهم الله تعالى من عذاب فرعون ومن استعماره، وأعادهم إلى فلسطين.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5]: لما رفضوا هداية الله وقعوا في الضلال.. وكل بذار له حصاده، وكل عمل له جزاؤه، ومعنى القضاء والقدر: علم الله القديم الأزلي، فالله يعلم من قبل أنْ يخلقك أنَّك ستعمل كذا وكذا بمحض إرادتك واختيارك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:149] فلا يسلبك إرادتك ويجبرك على شرب الخمر بأن يُوَجِّه فوهة المسدس على ظهرك، ويقول: إن لم تشرب سأطلق النار عليك، هل هكذا الله في القرآن يقول؟
﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ أحكاماً واضحة صريحة تدل كل الدلالة على النجاح والفلاح والنصر والوحدة والعز والمجد والغنى، فهل هناك شيء في القرآن يُفْهَم عكس ما كُتِب أو بعكس ما أُنزِل؟ بل هو واضح: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:17].
فالذين آمنوا ربحوا، والذين أتوا من بعدهم اختلفوا وخالفوا وعصوا وتمرَّدوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية:17] أي علم؟ علم اللسان، فعلم اللسان وعلم القراءة لا يهذب النفس ولا يبني الأخلاق ولا يُشعِل نار الإيمان، فمن عنده هذا العلم اسمه قارئ وليس بعالم، وقد بَيَّن النبي ﷺ أنّ من علامات قرب قيام الساعة ((أنْ يقلَّ العلماء ويكثر القرَّاء)) ، فاليوم يوجد شهادات كثيرة، وقد كثرت كليات الشريعة، ولكن ما الإنتاج؟ هل الإنتاج قراءة أم علم؟ قراءة، ((أنْ يقلَّ العلماء ويكثر القرَّاء))، ((وأنْ يؤمَّن الخائن)) يُظهِر الخائن أنه أمين فتأمنه، فتكتشف أنه خائن، ((ويخَوَّن الأمين)) يكون المرء أمينًا، فيقول النَّاس إنه خائن.. إلى آخره.
إنّ العلم اللساني لا يكفي وحده، فمع العلم اللساني اختلفوا وتفرَّقوا وخالفوا أوامر الله وتحيّلوا على دين الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ﴾، “ذلك”: لكل هذه العقوبات أسباب وبذار، وهذا هو الحصاد، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:61] يقرأ أحدهم التوراة ويسمعها، ولكنه عمليًا يكفر بها، وعمليًّا يخالفها، وعمليًا يعمل بعكسها، فهل هناك كفر أكبر من هذا؟ هل المقصود من القرآن أن تطبِّقه أم لا تطبقه؟ والمقصود من الإيمان به أنْ تفهمه لتعمل به وتعلِّمه لغيرك، وما الكفر؟ أنْ تُعرض عنه وتعمل عكسه وتصدَّ النَّاس عن طريق القرآن والإسلام، فإذا رأيت مَن يريد أن يهتدي تصده وإنْ كان مهتديًا تضلُّه، ومن يعمل هذا أيكون مسلمًا أو مسلمة؟ لكن حال المجتمع كما ترى، نسأل الله أنْ يعفو عنَّا.
الحسد أصل التفرّق والانحراف عن الحق
ولماذا اختلفوا؟ قال تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:17] أي عدوانًا، مثل الحاسد، وهل يؤذي الحاسد المحسود بظلم أم بعدل، بحق أم بغير حق؟ بغير حق، فذاك عَمِلَ وهذا لم يعمل، وذاك زرع وردًا وهذا زرع شوكًا، ثم يسأل: لماذا عندي شوك وعندك ورد؟ وهل الحسد يحوِّل الشوك إلى زنبق؟ فإخوة يوسف عليه السَّلام حسدوه على منام -فانظر يا بنيَّ إلى أي مستوى ينحطُّ الحاسد- فعلى منام حسدوه وهو صغير لا يتجاوز اثنتي عشرة سنة، لكن الحاسد أيمكنه تغيير تخطيط الله؟ فأين إيماننا بالله؟ وأين الإسلام؟
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف:9] على ماذا؟ على منام، وسورة يوسف ينبغي أن تسمى سورة الحسد، ففيها فقه الحسد، وتُبَيِّن كيف تكون نتيجة الحاسد الذي يتجاوز حدود الله والمحسود الذي يمشي على صراط الله.. ومن يقرؤها هل يفهم منها أنْ يتوب من الحسد؟
والحسد من الكبائر، وسمَّاه النبي ﷺ “الحالقة”، فقال: ((لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)) ، لأنَّ الحاسد يظلم ويكذب وينمّ ويتعدى ويأكل الحرام ويفعله، وسبب ذلك كلّه جرثومة الحسد، وهو يريد بحسده الوصول إلى النعمة، هذا مراده، لكنّ طريق النعمة هو العمل، اعمل كعمل المحسود.. وهناك أمور كالنبوَّة لا تُنال بالعمل، بل هي من هبات الله، فحارِب الله إذًا ولماذا تحارب المحسود؟ إذا خلق الله امرأة قبيحة وجعل ضرَّتها جميلة ألا تحسدها؟ تلك جميلة الأنف والفم والعينين، فتحسدها وتكذب وقد تضرُّها أو تسمّمها، فما ذنب المسكينة؟ إنْ أرادت أن تحارب فلتحارب الذي فعل، ومن الذي فعل؟ هو الله، ولكن لا يوجد عقل ولا دين ولا إيمان ولا مجتمع يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإذا لم ينتهِ المرء عن المنكر فحكم الإسلام يأمرك أنْ تهجره، وإنْ لم تهجره فهذا خروج منك من الإسلام في هذا الموضوع، فإمَّا أنْ يرجع عن غيّه وبغيه وعدوانه أو تقول له: هذا فراق بيني وبينك، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:140].. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء:32] تقرّ بأنَّ الزنا حرام، وقوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:140] ألا يفيد الحرمة أيضاً؟ فهذا نهي وهذا نهي، وهذا حرام وهذا حرام، ولكننا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، نأتي إلى الجامع ونصلي التراويح ونصوم رمضان، وهل هذا يكفي؟ هذا حسن، وعليك أنْ تكمل عملك، فإذا صنعت إبريقًا من غير سِفْل، هل تستفيد منه؟ أو استأجرت سيارة من دون “بنزين” [وقود] أو بطارية، فهل تمشي معك؟ أكمل عملك وأتمَّه، وقد بدأت فتابع، وكما يقال: إذا حُسِب الطعام عليك فكله وأكثِر من الأكل.
يقول: يغضبوا مني.. هنا يَظهَر الإيمان، فالمؤمن يقول: ليغضب أهل الدنيا كلهم وليرضى الله، والنبي ﷺ يقول: ((من أرضى الله بسخط النَّاس رضي الله عليه وأرضى عليه النَّاس، ومن أرضى النَّاس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه النَّاس)) .
الكفر العملي بترك تطبيق آيات الله
﴿بَغْيًا﴾ أي حسدًا، لقد اختلفوا وتفرقوا وتمزَّقوا بدافع الحسد والتعدي والعدوان والبغي، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:17] فغدًا يوجد القضاء الإلهي يوم القيامة، مع أن الله قضى عليهم في الدنيا قبل الآخرة فقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، بأي شيء رجعوا؟ هل بالأرباح أم بالغضب الإلهي؟ بالغضب الإلهي، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:61]، فإذا سمعتم هذه الآيات ولم تطبقوها فهذا كفر بها.. فالشَّيخ يتعب، وأنا أعطيكم قلبي، وكل الأطباء لا يقبلون أن أطيل الدرس، لأنَّه على حساب قلبي، ولكني أفعل ذلك لسعادتكم، فإذا قمتم -مع كل تعبي وعمل النبي ﷺ ورسالة جبريل عليه السَّلام ونزول القرآن وأمر الله- برمي كل ذلك وراء ظهوركم، فواللهِ من فعل ذلك [رمى الإسلام وراء ظهره] سيرميه الله على رقبته يهوي في جهنم سبعين خريفًا.. هذا في الآخرة، أمَّا في الدنيا فهل ترك الله عز وجل اليهود؟ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ سلَّط الله عليهم من أذلَّهم، ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أفقرهم، ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هذا للآخرة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، أفلا يوجد الآن من يبغض العلماء؟ وبُغْض العلماء سبب لنزول البلاء.
والنبي ﷺ يقول: ((إذا أبغض المسلمون علماءهم وأظهروا عمارة أسواقهم وتألَّبوا على جمع الدراهم: ابتلاهم الله بالقحط من الزمان والصولة من العدو)) ، وهناك صفات أخرى.. [هي أربعة خصال كما قالها النبي ﷺ، والشيخ رحمه الله دائماً يذكر منها اثنتين ويسكت عن الخصلتين الباقيتين، وذلك حكمة منه كي لا يؤلِّب القائمين على الحكم عليه وعلى دعوته، والخصلتان هما: ((وَالْجَوْرِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَالْخِيَانَةِ مِنْ ولَاةِ الْأَحْكَامِ))] هي عقوبات متتالية بعضها وراء بعض، وهذا كله نشهده، ونرى البذار ونرى الحصاد، وهل الذي يزرع شجرة “الصَّبَّار” يحصد بطيخًا؟ [الصَّبَّار: تين الصبار الشوكي]، وهل الذي يزرع الجوز يحصد الملفوف؟
سيحصُدُ عبد اللهِ ما كانَ زارعًا
فطوبى لعبدٍ كان لله يزرَعُ
هناك ما يختلف في وقت حصاده، فالبَقْلَة في أربعين يومًا تزرعها وتحصدها، والقمح يبقى ستة أشهر، “والجانِرِك” والدرَّاق يحتاجان سنتين إلى ثلاث، [الجانِرك أو الجنارِك أو الجارِنك أو البرقوق الأخضر أو الشاهلوج، هو نوع من الخوخ الأخضر ومن فواكه الربيع الموسمية، ويتميز بطعمه الحامض]، والزيتون يعيش كثيرًا، لكنه يحتاج إلى حوالي عشر سنوات ليحمل الثمر، وببطئه يطول عمره، وتجد شجرة الزيتون تعيش مئتين إلى ثلاث مئة سنة.
اتباع الشريعة شرط النجاة من الاختلاف والعذاب
قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، فلماذا اختلفوا؟ قال: ﴿بَغْيًا﴾، تنازعوا وتعادوا وتحاسدوا بدافع البغي والعدوان والخروج عن الحق، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية:17]، عاقبهم في الدنيا بالذلة والمسكنة، وهل انتهى عذابهم؟ ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:21]: فالعذاب في الدنيا تنبيه كشَدَّة الأُذُن حتَّى يرجع، فإنْ لم يرجع فأمامه العذاب الأكبر.. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:17].
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ لم يقل: اقرأها، بل اتبعها ونفِّذْها وطبِّقْها، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:18].
إلى هنا يكفي.