الردة عن الإسلام بعد معرفة الحق
كان درسكم الماضي والذي قبله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [مُحمَّد:25]، فبعدما كانوا مقبِلِين باتجاه وجوههم، رجعوا باتجاه أدبارهم على أعقابهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد:25]، ارتدوا من بعدما ظهرت لهم الحقائق واعترفوا بها، وأعلنوا بها.
وهذا يلتقي مع قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:8]، ومع قول النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ))، قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما أُنزِل عليك أفتخشى علينا؟ قال: ((إنَّ القَلبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهُ)) ، وكثير من النَّاس في حياة النَّبي ﷺ ارتدوا، منهم العاديون ومنهم غير ذلك.
والردة أنواع وأشكال، فهناك مثلًا من يُعْلِن بالشرك وبالوثنية وبجحد النبوة، وهناك من يَظهر منه غير ذلك، مثل الذي قال للنَّبيِّ ﷺ: “إنَّ هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه الله تعالى” ، فاتِّهام النَّبيِّ ﷺ بأنَّه يحكم بغير الحق يُعتبَر ردة، ولذلك كان يُعتبَر هذا الإنسان من المنافقين، الذين يُظهِرون الإيمان وحقيقتهم الكفر، وهم كافرون.
أنواع الردة
ولذلك ذكر الفقهاء بابًا خاصًّا بالردة، وجعلوا لها أنواعًا منوعةً، والردة تكون بعد الإيمان، أمَّا الكافر الأصيل فلا يقال له: مرتد.. والمرتد هو الذي يدخل في الإيمان ثم يخرج منه، وهو أقبح أنواع الكفر، يعني الكافر الأصيل كافر، أمَّا الذي هو أقبح منه وأردأ منه فهو كفر الردة.
قال الفقهاء: كفر الردة: هو قطع استمرار الإسلام بنية كفرٍ، أو فعلٍ مُكَفِّرٍ أو قولٍ مُكَفِّرٍ، أي سواء بالنية أو بالعمل أو بالقول، وسواء كان قوله استهزاءً أو اعتقادًا أو عِنادًا، ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:65-66].
أو إذا استخفَّ بسنَّةٍ من سنن الرسول ﷺ، فإذا قيل له مثلًا: المسواك أو قص الأظافر من السُّنَّة، فقال: “لا أفعل وإنْ كان سُنَّةً”، فقد حكم الفقهاء بردَّته.
انتبهوا يا بني، فإن كثيرًا من مِثل هذه الأشياء واقعة بين المسلمين، ومن جهلهم بالأحكام الفقهية لا يعلمون ما يقولون، مثل أنْ يقولوا لشخص: لِمَ لا تستعمل المسواك لأسنانك، فيقول: لن أستاك به ولو كان سُنَّةً، قال الفقهاء: هذا ردة إذا قصد الاستهزاء.
أو لو قال: لو أمرني الله ورسوله بها ما فعلتُها، فيحكم هذا أيضًا بردته.
أو إذا كفَّر مسلمًا، بأن قال لمسلم: يا كافر، أو إنْ قال له: يا مرتد أو يا زنديق، وكذلك كل الألفاظ التي تدلُّ على الكفر وينسبها إلى مسلم، فهذا النَّاسب أو السابُّ أو الشاتم إذا نسب الكفر إلى مسلم يُحكَم كذلك بردَّته.
أو لو ألقى مصحفًا بأن أمسك مصحفًا وألقاه، أو كتابًا من كتب العلم والدين أو الحديث أو كتابًا فيه اسم الله عزَّ وجلَّ، إذا ألقاه استهزاءً أو استخفافًا أو عِنادًا فيُحكَم بردَّته.
ما يترتَّب على الردَّة
ويترتب على الردَّة أن أعماله تُحبَط، فصلاته التي صلاها، وصيامه الذي صامه، وكل الأعمال الصالحة صارت بحكم اللاغية، وهناك قول ثان بأنَّ الأعمال لا تحبط، ولكنْ يحبط ثوابها، وما الفرق بين إحباط العمل وإحباط الثواب؟ إذا أُحبط العمل ثم رجع إلى الإسلام فيجب إعادة صلاته كلها، ويجب إعادة الحج، ويجب إعادة الصيام، أمَّا إذا أُحبط الثواب فليس له ثواب في الآخرة، ولكنْ لا تجب عليه إعادتها.
حتَّى قالوا: لو أنَّ معلم الصبيان ضرب الصبيان باللوح الذي يُكتِّبهم به، وعليه اسم الله عزَّ وجلَّ أو آية قرآنية، فيُحكَم بردة المعلم، لأنَّ اللوح فيه اسم الله عزَّ وجلَّ أو آية قرآنية أو حديث نبوي، وهذا يُعتبَر تحقيرًا للإسلام.
استتابة المرتد
وإذا ارتد الإنسان مثل “سلمان رُشْدِي” يُستتاب، [سلمان رشدي وُلد من أبوين مسلمين من أصول هندية، وكان يعيش في بريطانيا، وفي عام 1988م أصدر روايته “آيات شيطانية” التي تطاول بها على الرسول ﷺ وزوجاته، وقد كَفَّرَه بعد ذلك كثير من المسلمين، وأصدر الخميني في إيران فتوى بردة رشدي ووجوب قتله، وعلى أثر ذلك رصدت حكومة إيران جائزة قدرها مليون دولار لمن يقتل رشدي، فقابل الغرب ذلك بموجة من السخط ضد إيران، وقامت حينها ضجة عالمية]، وإذا كانت هناك دولة إسلامية فلا تقتله مباشرة، بل يُحكَم بقتله بعد استتابته ثلاثة أيام، فيُسجَن ويُرسَل إليه العلماء ليحاوروه وليستتيبوه ليتوب، فإنْ تاب وإلَّا قُتِل مرتدًا، فلا يغسَّل ولا يصلَّى عليه ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ويَفْسُد عقد نكاحه، لأنَّه لا يجوز له أنْ يقترب من زوجته، لأنَّه لا يجوز للكافر أنْ يتزوج مسلمة.
وفي مذهب سيدنا عليٍّ رضي الله عنه يُستتاب شهرين وليس ثلاثة أيام، وفي بعض الأقوال يُستتاب مدى العمر، فيُبقونه في السجن، ويُرسلون له من يحاوروه، ولكنْ لا يُحكَم بقتله، هذا من جهة الأحكام الشرعية.
وقوع الردة في زمن النَّبيِّ ﷺ
أمَّا من حيث الوقائع فقد ارتدَّ كثير من النَّاس في زمن النَّبي ﷺ، والقرآن يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد:25]، ارتدوا فعل ماض، فهذا يعني أنهم ارتدوا، إذن يوجد مرتدون.
فقد ارتد جماعات عاديون بسبب تشويش عقائدهم، وارتد بعضهم بسبب ضياع بعض مطامعهم، مثل الذي قال عندما قسم النَّبيُّ ﷺ في حنين، وجعل معظم الغنائم في المؤلَّفَةِ قلوبُهم، فقال بعضهم: “إنَّ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله عزَّ وجلَّ” ، وبعضهم كان يقول: “اعدل يا مُحمَّد” ، وكاد الصحابة يهمون بقطع عنقه.
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ((لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ ممَّا أُوذِيتُ فَصَبَرَ)) ، فكان عليه الصلاة والسلام يعفو ويصفح.
أمَّا الكبار الذين ارتدوا، والذين كان لهم زعامة في حياة النَّبيِّ ﷺ فهم ثلاثة: الْأَسْوَد الْعَنْسِيِّ، وكان في اليمن، وقد ارتد في حياة النَّبيِّ ﷺ ، وقتله فيروز الديلمي مع زوجة الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ [التي ساعدته في قتله] ، وليلة قتله نزل الوحي على النَّبيِّ ﷺ، وبشَّر النَّبيُّ ﷺ الصحابة رضي الله عنهم بأنَّ هذه الليلة قُتِل الأسود العنسي، وقال عن قاتله: ((قَتَلَهُ الرَجُلُ المُبَارَكُ)) .
قصة فيروز الديلمي مع عمر رضي الله عنه والشّاب
وبمناسبة المبارك، “أتى فيروز في خلافة عمر رضي الله عنهما للجهاد، فلمَّا أراد الدخول على عمر رضي الله عنه زاحمه أحد الشباب، وكان هو ملك اليمن، فغضب ولطمه على أنفه فأدماه”، يعني خرج الدم من أنفه، “فشكاه لسيِّدنا عمر رضي الله عنه فاستدعى فيروزًا رضي الله عنه، وقال له: القصاص”.. هو مَلِك وأمامه أجير، لكنَّ النَّاس في الإسلام سواء، فقال له فيروز: لا بُدّ؟ فقال له عمر: لا بُدّ، “فقال فيروز: “سمعًا وطاعةً لله ولرسوله، وجثا على ركبتيه ليقتص الشاب منه”، ويضربه لَكْمَة على أنفه.
ما هذا الإسلام! لا يحتاج إلى محامٍ ولا إلى سَنةٍ ولا يحتاج إلى “تأجَّلت القضية لخمسة أشهرٍ”، بل حالًا، ولذلك لم توجد محاكم.
قال: “فلمَّا همَّ الشاب أنْ يقتص قال له عمر: على رِسْلك”، انتظر قليلًا، وقال له: لَمَّا قَتَل فيروزٌ الأسودَ العنسي، قال عنه النَّبيُّ ﷺ: ((قَتَلَهُ الرَّجُلُ المُبَارَكُ))، أفتسمح نفسك أنْ تضرب رجلًا قال عنه النَّبيُّ ﷺ: ((إنَّه الرَّجُلُ المُبَارَكُ)) ؟ ليس أمرًا، بل رجاءً، فما أعظم الإسلام دولةً وأخلاقًا ودعوةً وصحبةً وأسرةً وغضبًا ورضاءً وخطأً وصوابًا!
العودة إلى الصواب من أخلاق الإسلام
وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: ((إنِّي إذا حَلَفتُ عَلى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَها خَيرًا مِنها))، ليس: أرى غيرها صوابًا وسابقتها خطأ، بل أنا فعلتُ الخير، لكنْ وجدتُ ما هو أفضل، ليس: فعلتُ الخطأ وتبيَّن لي أنَّه خطأ لأعود إلى الصواب، فهذا من باب أولى.. قال ﷺ: ((لا أَحلِفُ عَلى خَيرٍ)) وهو يفعل الخير ((فَرَأَيتُ غَيرَه خَيرًا مِنهُ إلَّا فَعَلتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)) ، والآن كثير من المسلمين يقولون لك: هل أنا أرجع عن كلامي؟! خسئوا.. [يقول كثير من الناس ذلك في وقتنا الحاضر بسبب الغضب والكبر، ويرى أن رجوعَه عن الباطل والشَّرّ الذي تكلم به قدحٌ في شخصه وضعفٌ وهوان، ويرى أنه أكبر وأعظم من أن يرجع عن كلامه] وهذا ليس إسلاماً.. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31].
وكان من أخلاق الإسلام ما كان يقوله عمر رضي الله عنه: “رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي” ، أرجوكم إنْ رأيتم فِيَّ عيبًا دلُّوني على عيوبي، هذا وقد أعطاه النَّبيُّ ﷺ شهادةً فقال: ((لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَر)) .
ومرةً ألحَّ على سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقال له: لا بدَّ أنّ فِيَّ عيوبًا، فقال له: نعم فيك، قال له: وما هي العيوب؟ قال: تلبس حُلَّتين، أي عندك ثوبان، وتأكل إدامَين، مثلًا رز وشاكرِيَّة، أو كوسا ويبرق، [الشَّاكِرِيَّة: طعام مكون من اللحم واللبن المطبوخ، ويُقَدَّم عادة إلى جانب الرز.. ويَبْرَق: ورق العنب الملفوف والمحشو بالرز واللحم، وكلاهما من الأطعمة الشعبية والمُفَضّلة في سوريا]، فقال له: “مِن بعدها لن آكل إلَّا إدامًا واحدًا” ، وهذه الحلة لابني عبد الله بن عمر وليست لي .. ما هذا الإسلام؟!
أخلاق الإسلام المتمثلة في عمر رضي الله عنه
هذا قاهر كسرى وقيصر ولا يوجد عنده “أنا”، ولا يوجد هوى، وإذا دُلَّ على خطأ فلا يتهرب، بل هو من ينادي: “دلوني على أخطائي”، ولَمَّا حدد مهور النساء وأجمع الصحابة كلّهم معه، قالت امرأة: “أخطأتَ يا عمر، أما سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء:20]؟ أتدري كم هو القنطار؟” فقال: “أَصَابَتِ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَرُ” .
هذا هو الإخلاص في الإسلام، وهذا هو الفناء في الله عزَّ وجلَّ عند أهل التصوف، فتفنى أنانيتك في رضاء الله، ورغباتك في رغبات الله، ومحبوباتك في محبوبات الله عزَّ وجلَّ، فنفسك وأناك وغضبك ومحبتك لا يعود لها وجود، وتحذر غضب الله، وتحب محبوب الله، وترضى برضاء الله، وتحكم بحكم الله عزَّ وجلَّ، أمَّا أنت فلا تُبالي بنفسك مُدِحتَ أو ذُمِمتَ، رُفِعتَ أو خُفِضتَ، أُعطيتَ أو مُنِعتَ.
هذا هو الإسلام بكماله، لا يبقى فيه للإنسان حظٌّ من حظوظ الدنيا، لا في مال إلَّا ضمن رضاء الله عزَّ وجلَّ، ولا في جاه ولا في رئاسة ولا في مدح، ولا يخشى ذمًّا، فإذا كان الله عزَّ وجلَّ يرضى فليَذمَّه النَّاس كلهم ولا يبالي، ولا يطمع في رضى النَّاس إذا كان الله عزَّ وجلَّ ساخطًا.
الإسلام هو هذا، وهذا الذي وعد الله عزَّ وجلَّ أصحابه بالنصر وبالتمكين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:55].
ترك حظ النفس في سبيل الله
قال له: “أتلطم رجلًا قال عنه النَّبيُّ ﷺ: ((إنَّه الرَّجُلُ المبارَكُ))؟ فقال له الشاب: لا والله يا أمير المؤمنين، قال له: لقد عفوتُ عنه، ما دام النَّبيُّ ﷺ قد قال عنه الرجل المبارك” .
انظر إلى تربيتهم الإسلامية، فبعفوه عنه صار له معروف ومنة عليه، فإنْ صنع شخص معك معروفًا، فيجب عليك أنْ تكافئه ، وعليك أنْ تقابل الإحسان بالإحسان والكلمة بالكلمة، والعمل بالعمل، والمال بالمال، والتكريم بالتكريم، وأعظم شيء العلم والهداية، فإنْ هداك الله عزَّ وجلَّ على يد إنسان أو علَّمك على يد إنسان فهذا لو كنتَ له طول حياتك.. خصوصًا إذا ربَّاك ظاهرًا وباطنًا فلن تستطيع أنْ تخرج عن أداء حقه ولو عشت عمر نوح.. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يثبِّتنا بقوله الثابت.
ادعاء مسيلمة الكذاب النبوة
مسيلمة الكذاب أتى إلى النَّبيِّ ﷺ وأسلم، ثمَّ بعدما أسلم كتب إلى النَّبيِّ ﷺ وطلب منه أنْ يشاطره الجزيرة العربية نصفين إذا مات، أو إذا مات أنْ يجعله خليفته، فقال له: ((الأَمرُ بِيدِ اللهِ يَضَعُهُ حَيثُ يَشاءُ))، أنا لا أستطيع ذلك، وبعد ذلك كتب له كتابًا: “أمَّا بعد، فإنَّ لنا نصف الأرض ولكم نصف الأرض، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ”، قال: هذا قرآنه، وختمها بـ”من مسيلمة رسول الله إلى مُحمَّد رسول الله”، فادَّعى النبوة، فأرسل له النَّبيُّ ﷺ: ((مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى مُسَيْلمَةَ الْكذَّابِ: أمَّا بعد ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:128])) .
الكذابون الثلاثة في زمن النبي ﷺ
والأسود العنسي ادعى النبوة في حياة النَّبيِّ ﷺ، لكنَّه قُتِل قبل وفاة النَّبيِّ ﷺ بيوم واحد ، وبعد عشرين أو ثلاثين يومًا من وفاة النَّبيِّ ﷺ أتى الخبر.
ومسيلمة الكذاب قُتل في معركة بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه واشترك في قتله نُسَيْبَة وولداها ووحشي الحبشي، وقال: “قتلتُ بهذه الحربة أحب النَّاس إلى رسول الله، والآن أقتل أبغض النَّاس إلى رسول الله، وأرجو أنَّ الله يمحو بحسنتي هذه سيئتي تلك” .
والثالث هو طُليحة الأسدي، وقد هُزِم والتجأ إلى الروم، ثمَّ أسلم في خلافة الصَّديق رضي الله عنه، وقَبِل الصديق إسلامه، ولكنَّه أَمر أن لا يؤمَّر في قيادة جيش، فعزله عن الإمارة وعزله عن الاستشارة، فلا يؤمَّر ولا يُستشار .
من آثار الإيمان
ويوجد خوف بعد الإيمان، إلَّا إذا استقرَّ الإيمان في القلب، ودخل الإيمان في القلب، قال ﷺ: ((إنَّ الإيمانَ إذا دَخلَ في القَلبِ انفَسَحَ لَه الصَّدرُ وانشَرَحَ)) فقالوا: هل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: ((الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ))، يصير قلبه وعقله وفكره كله في بناء الآخرة، لا يهتم لمال أو جاه أو رئاسة أو مدح أو ذم، ولو وضعوه في صدر المجلس أو لو وضعوه عند العتبة، أو صار مَلِكًا أو صار أجيرًا، ففي كل هذا أين همته؟ ولو أراد النَّبيُّ ﷺ الدنيا لصار أعز من كسرى وقيصر.. ((وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ)) ، فلا يبقى تعلُّقٌ لقلبه بمظاهر الدنيا، وإذا غَلَبها ومَلَكها يستعملها في بناء الإيمان والدين، والنبي ﷺ يقول: ((نِعمتِ الدُّنيا مَطِيَّةُ المؤمِنِ)) ، ((والاستِعدادُ لِلمَوتِ قَبلَ نُزُولِ الموتِ))، فهذه علامةٌ على شرح الصدر، وعلامةٌ على دخول الإيمان، وعمارة القلب بالإيمان.
الإيمان هو إيمان القلب
نسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يجعلنا من مؤمني القلب، فإذا آمن القلب ظهر في الجوارح و”ما رجع من رجع إلَّا من الطريق، ولو وصل لا يرجع” ، ولو نضج لَمَا ارتد، أمَّا الواصل فلا يرتد ولو قُطِّعَ إربًا إربًا، مثل أصحاب الأخدود، فقد حُرِّقوا بالنَّار فلم يَهِنوا ولم يتراجعوا.
أحد الصحابة رضي الله عنهم علَّقوه ليصلبوه، وقالوا له: أتريد أنْ يكون مُحمَّد مكانك؟ فقال لهم: والله لا أرضى أنْ أكون في أهلي ويصاب مُحمَّد بشوكة في أسفل قدمه” .
ما هذا؟ هذا الإيمان الحق، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هؤلاء صاروا في أمان الله عزَّ وجلَّ، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وأيضًا: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال:2-4]، ربما يقعون في الخطيئة، لكنَّهم يستغفرون فيُغفر لهم، ويتوبون فيتوب الله عزَّ وجلَّ عليهم،”ولا مغفرة مع الاستكبار، ولَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار” ، فإذا تكبَّر العبد لا تُغفَر الخطيئة، وإذا استغفر وطلب المغفرة بالقول والعمل والندم وتبديل الحسنات بالسيئات، فهذه هي شروط التوبة [لتصح التوبة]، كما أنّ هناك شروطاً للصَّلاة، بأن تكون ساترًا للعورة، ومستقبلًا القبلة وعلى وضوء حتَّى يصح دخولك في الصَّلاة.. لذلك نسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يحمينا من الردة.
الحذر من تكفير المسلم
وكذلك إذا كفَّر مسلم مسلمًا، فقال له: “يا كافر” يُحكَم بردة الشاتم، أو إذا قال له: “يا مرتد”، ((مَنْ كَفَّرَ مُسلِمًا فَقَدْ كَفَرَ)) ، كيف تقول له: يا كافر أو يا مرتد؟
ورد في هذا المعنى حديث نبوي صحيح رواه الديلمي بإسناد جيد، يقول عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ أَخوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي مِنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ)) ، كانوا في زمن النَّبيِّ ﷺ إنْ قرأ المسلم القرآن يصير عالِمًا، لأنَّهم كانوا يقرؤون بفهم وبعلم وبعمل، لكنْ لا وجود للعصمة، فلا توجد عصمة، أنا أخاف على نفسي، وأبو بكر رضي الله عنه كان يخاف على نفسه، وكان النَّبيُّ ﷺ يخاف على نفسه، وقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:74]، نعذِّبك عذابًا مضاعَفًا في الحياة، وعذابًا مضاعَفًا بعد الممات، فإذا كان الله عزَّ وجلَّ يخاطب النَّبيَّ ﷺ هكذا، فأنت وأنا وأنتم ماذا نكون إذن؟
الحذر من الوقوع في الردة
وفي الحديث الصحيح: ((إنَّ أَخوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي رَجُلٌ قَرَأَ القُرآنَ)) لكنْ لم يدخل الإيمان في أعماق الأعماق، ((وَكَانَ رِداؤُهُ الْإِسْلَامُ))، صار مظهره مظهرًا إسلاميًّا، هذا كلام النَّبيِّ ﷺ يحذرنا!
فمسيلمة والأسود العنسي والكثير من زعماء العرب، وكل العرب دخلت في الإسلام، بل إن بعض كُتَّاب الوحي الذين كان النَّبيُّ ﷺ يؤمِّنهم على كتابة وحي القرآن ارتد .
واللهِ إن هذا شيء مخيف، وما دام في الروح نَفَس واحد لا تؤمِّن، حتَّى ولو كانت رجلك الأولى داخل الجنة والثانية خارجها فلا تؤمِّن حتَّى تصير الاثنتان في الجنة، وحتى إذا كانت الاثنتان في الجنة.. فسيِّدنا آدم عليه السَّلام كانت رجلاه الاثنتان في الجنة، ومع ذلك أخرجه الله عزَّ وجلَّ من الجنة، بمخالفة واحدة بأكلة تفاحة أو إجاصة أو الله تعالى أعلم بها، وليس المهم جنس الشجرة، بل المهم نوع المخالفة، وإبليس خالف أيضًا.
قصص الأنبياء عليهم السَّلام دروسٌ وعِبَرٌ لنا
لقد ذَكَر الله القصة ليست لتسليتنا أو ليكون كالحكواتي، بل ذَكَر قصص الأنبياء عليهم السَّلام دروسًا لنا وعِبرًا لنا، لنمشي على هدي الأنبياء والصالحين، ولنتجنَّب سِيَر الكافرين والفاسقين والمارقين وأعداء الله عزَّ وجلَّ وأنبيائه والمرسلين عليهم السَّلام.
ولقد ذَكَر الله تعالى مخالفتَين ومذنِبَين هما آدم عليه السَّلام وإبليس، آدم عليه السَّلام أخطأ، وإبليس أخطأ، فآدم عليه السَّلام اعترف بذنبه، و”الاعتراف يمحو الاقتراف” ، و”الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة” ، الصغائر من الذنوب تُمحى بالصَّلاة وبفعل الخير والصدقات، أمَّا الكبيرة فلا تمحى إلَّا بالتوبة الصادقة، بأن تتركها وتندم على فعلها، وتعزم على أن لا تعود إليها، وإنْ كان يوجد مال تُرجعه إلى صاحبه، فإنْ عجزتَ تنتظر الفرصة والإمكان لتردَّه إلى صاحبه.. “الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة”.
آدم عليه السَّلام عصى فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف:23]، والإنسان يخطئ ولا بأس بذلك، فكلنا خطاؤون، “وَرُبَّ معصيةٍ أورثت ذِلَّةً وانكسارًا خيرٌ من طاعة أورثت عِزَّةً واستكبارًا” .
الاستغفار من الذنوب
وفي حديث نبوي: ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَأَتَى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ)) لكنْ ((وَيَستَغفِرُونَ وَأَغفِرُ لَهُم)) ، ليس يستغفرون ويصرُّون، ليس يذنبون ويزيدون في الذنوب، ليس يذنبون ويتعالون بذنوبهم، هكذا فعل إبليس: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:34]، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:12]، ثم صار يتحدى الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:39].
نسأل الله العافية، سببه أنَّه تكبَّر على صفي الله آدم عليه السَّلام، وذنبه ليس مع الله عزَّ وجلَّ، فلو قال الله عزَّ وجلَّ له: “اسجد لي”، فهو ساجد له منذ خمسين ألف سنة، ولكن رآه ابن يوم وهو ابن خمسين ألف سنة، فكيف يسجد الكبير للصغير!
الاستجابة لله ورسوله في كل ظرف
إنْ أَمَرَك الله عزَّ وجلَّ فهل تقدِّم عقلك على الله، ورغبتك على مراد الله، وهواك على دين الله عزَّ وجلَّ؟ لمَّا أرسل النَّبيُّ ﷺ جيشًا، وأمَّر على الجيش قائدًا هو أسامة بن زيد رضي الله عنه، وهو ابن عبده وكان أسود أفطس الأنف غليظ الشفتين، وفي جيشه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فهذه مثل قصة آدم عليه السَّلام وإبليس، ماذا فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؟
((لو وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بإيمان النَّاس لَرَجَحَ)) ، هل قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا إيماني أعظم من إيمان كل الناس حسب كلامك، كيف تجعل هذا العبد أسود اللون أفطس الأنف وغليظ الشفتين قائدًا عليَّ؟
في الإيمان لا يوجد هوى: “ألا تعلم أنَّ هواي تبع لهواك” ، ((أنَّ يَكونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْه مِمَّا سِوَاهُمَا)) ، ((حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)) .
الاستخفاف بشعائر الله تعالى
((إنَّ أَخوَفَ مَا أَخافُ على أُمَّتِي مِن رَجُلٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ))، كان قارئ القرآن في زمان النَّبيِّ ﷺ يُعدُّ عالِمًا، ((وَكَانَ رِداؤُهُ الإسلامَ))، وظهر بالمظهر الإسلامي، ((حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ)) وصار مزيَّنًا بزينة الإسلام، وظهر عليه جَمال الإسلام ((اعتَراهُ ما شاءَ اللهُ أنْ يَعتَرِيَهُ، وَأَصابَهُ اللهُ بِما يَشاءُ أنْ يُصِيبَهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ))، انسلخ من القرآن ومن الإسلام ((وَرَماهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)) ، يقال له: اعمل بالقرآن، والقرآن لا يقول هكذا، يقول: أنا أريد هكذا، “بَلا قرآن بَلا بَلُّوْط” [بلا بلوط: كلمة من اللهجة السورية تقال للاستخفاف بالشيء، فيُذكَر المُستخَفّ به أولاً مع “بَلا”، ثم يُذْكَر “بلا بلوط”، والمعنى الحرفي هنا: “لا قرآن ولا بلوط”، والمعنى المقصود: لا يهتم بالقرآن ولا يبالي به، كما لا يهتم بالبلوط ولا يبالي به.. والبلوط شجر معروف]، أو لا يذكر القرآن أساسًا، ومتى قامت نفسه وأنانيته عليه لا يتذكر الله عزَّ وجلَّ ولا القرآن ولا النبي ﷺ ولا الحكم الشرعي، بل يقوده هواه وشيطانه: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:8].
الكشف والاستقامة
فلا تغترُّوا حتى ولو حدث لكم كشوف، وهذه الكشوف عند أهل الله يسمُّونها الجوز واللوز، ولعبة الأطفال الصغار، ولكن الكلام للاستقامة على الشريعة المطهَّرة وللسلوك، حتَّى يصل إلى نور الذات -ولا يسع المقام أنْ أشرح نور الذات- وبنور الذات يكون دائمًا مع الله عزَّ وجلَّ: ((وَالَّذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ)) .
وَلَو خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ
عَلى خاطِرِي سَهوًا حَكَمتُ بِرِدَّتِي
“سواك”: ذِكرًا وشهودًا وطاعةً وامتثالًا وإقبالًا، “سهوًا” السهو غير مؤاخذ به، لكن هل أنت تسهو عن غَدائك؟ هل تسهو في المساء عن بيتك فتنام في بيت جيرانك؟ الشيء الذي يهمك لا تنساه، وإذا وضعتَ أموالك في الدُّرْج الفلاني هل تنسى أين وضعتَ أموالك؟ لكنّك تنسى الأشياء التي لا تهمك.
الكريم يتذكَّر ولا يجحد
نسأل الله تعالى أن يجعل الله أحب إلينا من كل محبوب، وكذلك رسولَه ﷺ، ومشايخَنا الذين بهم عرفنا الله ورسوله وبهم عرفنا الإيمان والإسلام، وقبلهم لم نكن شيئًا مذكورًا.. فنسأل الله أن لا يُنسينا فضل أهل الفضل، ويجعلنا من كرام النفوس الذين قيل فيهم
أَرى الإحسانَ عِندَ الحُرِّ دَينًا
وَعندَ النَّذْلِ نُكرانًا وَذَمًّا
“عند الحر”: الذي تحرَّر من عبودية نفسه وشيطانه وأهوائه وأنانيته، “النَّذْل”: الأنذال: ضعاف النفوس وصغار النفوس والعقول، الذين تستولي عليهم أهواؤهم ورغباتهم وشهواتهم ومصالحهم وأنانياتهم، “نكرانًا وذمًا”: فقد يَذُم المُحسِنَ، وقد يَتَنَقَّص المُحْسِن.
كَقَطرِ الماءِ في الأَزهارِ عِطرًا
وَفي جَوفِ الأَفاعِي صارَ سُمًّا
المطر إذا نزل على الياسمين والفل يصير عطر الفل وعطر الياسمين، “وفي جوف الأفاعي صار سمًا”: الحَيَّة “والحَنَش” [الثعبان الأسود] إذا شربت الماء ماذا يخرج؟ يخرج السُّمّ.. نسأل الله العافية.
الخوف من تقلُّب القلوب
أسأل الله عزَّ وجلَّ أن لا يجعلكم أفاعٍ، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يثبِّتَني، فلا توجد عصمة، وكما كان أبو يزيد البسطامي يقول: “أنتم تخافون على أنفسكم من المعاصي، والبسطامي يخاف على نفسه أنْ يَشدُّ الزنار ويضع الصليب في رقبته”، والنَّبيُّ ﷺ يقول: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ)) .
وسيِّدنا عمر رضي الله عنه كان يخاف، وسيِّدنا أبو بكر رضي الله عنه كان يخاف، والإمام الرباني مجدد الألف الثاني صاحب “المكتوبات” يقول: “المريد الصادق هو مَنْ كاتِبُ سيئاتِه لا يكتب عليه سيئة واحدة في عشرين سنة”.. وكلَّما ازداد مقام الإنسان في الإيمان ازداد تواضعًا وتلاشت نفسه وأنانيته، وشك في أعماله الصالحة بأنَّها قد تكون غير مقبولة.. ثمَّ يقول هو عن نفسه: “وأمَّا أنا فإني قد أتعبتُ كُتَّاب سيئاتي عشرين سنة ليل نهار يكتبون في سيئاتي، وكُتَّاب حسناتي معطَّلون لا يكتبون لي حسنة واحدة”، ثمَّ يقول: “لا أقول هذا تكلُّفًا، لا أقول واللهِ إلَّا حقيقةً وشعورًا”.
أين نحن! نحن ما نزال لا نعرف “ألف باء”، ويظن الواحد منا نفسه أنه سيصير فيلسوفًا أو شيخ الغوث أو شيخَ المشايخ، فيا حسرتي علينا عندما نوضع في ميزان الذين يَزِنُون! أما عندما تضع نفسك في ميزان نفسك الأمارة بالسوء فإنك تزكي نفسك، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:32]، ((اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا)) .
الحذر من العُجب بالنفس
نرجع للحديث: ((أَخوَفُ ما أَخافُ عَلى أُمَّتي مِنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَكانَ رِداؤُهُ الإسلامَ، حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ))، وصار عليه المظهر الإسلامي، وأقبل النَّاس عليه ((اعتَراهُ اللهُ وَأَصابَهُ ما شاءَ اللهُ أنْ يُصِيبَهُ وَيَعتَرِيَهِ))، يأتيه أمر داخلي بسبب ذنب أو خطيئة وخاصَّة الخطايا الداخلية، من كبر أو عجب أو رؤية نفس أو مِنَّة على الله ورسوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ هل نمنُّ على النَّبيِّ ﷺ أنْ أسلمنا؟ ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات:17] لم يقل: “الرسول” لأنَّ مِنَّةَ الرسول ﷺ منةُ الله عزَّ وجلَّ، ومنةَ الله عزَّ وجلَّ منةُ الرسول، فلولا الرسول هل كنا سنعرف الله عزَّ وجلَّ؟ ولولا شيخنا هل كنا سنعرف الإيمان الذي وصلنا إليه؟
قال: ((اعتَراهُ اللهُ وَأَصابَهُ ما شاءَ اللهُ أنْ يُصِيبَهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ)) يا ربي لطفك! ((وَرَماهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ))، إيمانُه وتقواه وأخلاقه وحبه وعقيدته يُجَرَّد منها كلّها.
((وَسَعَى عَلَى إخوانِهِ وجَارِهِ بِالسَّيْفِ وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ)) ، فيقول: “فلان مرتد، وفلان دجال، وفلان منافق”، وهذا لا يصح، ((هَل شَقَقتَ عَن قَلبِه؟)) ، وقد ورد أن كافرًا حاربه صحابي، ولمَّا وضعه ليذبحه قال: “لا إله إلَّا الله”، فتركه، ثمَّ غدر الكافر وقاتله مرةً أخرى، وغلبه الصحابي مرةً أخرى، فلما أراد ذبحه قال: “لا إله إلَّا الله”، فتركه، ثمَّ غدر به فتقاتلا مرةً ثالثةً، فغلبه الصحابي، ولمَّا أراد ذبحه قال: “لا إله إلَّا الله”، ولكنَّ الصحابي هذه المرة ذبحه، فلمَّا أتى إلى النَّبيِّ ﷺ، وقصَّ عليه غضب النَّبيُّ ﷺ وقال: ((ما تَقولُ في لا إلَهَ إلَّا اللهُ، إذا جاءَتْكَ يَومَ القِيامةِ تُسائِلُكَ عَن دَمِهِ؟))، واستمر النَّبيُّ ﷺ كلما رآه يؤنِّبه ويوبِّخه قال: “حتَّى وددتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل هذه الحادثة” ، أي أن يكون إسلامي بعدها ليمحُها الإسلام ويَجُبّها.
وهذا الإنسان حتى الحمار يعرف أنه كذاب وغدار وملعون، ومع ذلك لأنّه قال: “لا إله إلَّا الله” قال: يجب أنْ تعتبره مسلمًا.. وإذا رأيت إخوانك من المصلين الذاكرين والدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ فهم إخوتك، وربما تنزعج من أحدهم، وإذا انزعجت فلا بأس، فكل الناس ينزعجون، لكنْ يجب عليك أنْ يكون انزعاجك ضمن حدود الله عزَّ وجلَّ، وضمن الأحكام الفقهية، وضمن أحكام الشريعة.
تعامل الأفاضل الحسن وأخيه محمد
سيِّدنا الحسن رضي الله عنه وقع جفاء بينه وبين مُحمَّد بن الحنفية وكانوا إخوة لأب، مَن أبوهما؟ علي رضي الله عنه، ومن أمهما؟ الحسن أمه ابنة النَّبيِّ ﷺ، أمَّا ابن الحنفية فأمه بدوية من بني حنيفة، وانظروا إلى الأخلاق، كتب محمد ابن الحنفية إلى الحسن أو الحسين: أما بعد، فالمشكلة التي بيني وبينك معروفة، والنَّبيُّ ﷺ يقول بمعنى الحديث: ((إذا اختَصَمَ المسلمانِ فَأَحبُّهُما إلى اللهِ وأَقرَبُهُما الذي يَبدَأُ صاحِبَهُ بِالسَّلامِ)) ، فلا تتأخَّر عن مجيئك إليَّ وسلامك عليَّ حتَّى آتيك فأكون أفضل منك، ولكن أنت أفضل مني، لأنَّ أمك بنت رسول الله ﷺ، فهذه المكرمة لا تليق بي، بل تليق بك، فإذا وصل إليك كتابي فتعال فصالحني، حتَّى يثبت أنَّك أفضل مني، وأنَّك ابن بنت رسول الله ﷺ” .
هؤلاء هم الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ، ونحن “تَقْلِيْد”، [تَقْلِيْد: هنا باللهجة العامية، وفي هذا السياق تعني: نحن دعاة مُزَيَّفون وغير حقيقيين]، أسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يعيننا ويعفو عنا، وأنا أتكلم عن نفسي، لكنْ “من قلة الخيل شَدُّوا السروج على الكلاب”، وأسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا، والحمد لله أن مشايخنا قَبِلونا، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لكنْ نحن.. وهذا من وصية شيخنا بخط يده كما أظن، أو بإمضائه، يقول: “المريد الصادق هو الذي يرى نفسه على مائدة شيخه في الدنيا والآخرة”، “يرى” وليس “يعتقد”، بل يرى بعين عقله، وبعين رأسه وبعين قلبه.. فأسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يُثَبِّتَنا بقوله الثابت.
عاقبة من رمى مسلمًا بالشرك
قال: ((وَسَعَى عَلَى جَارِهِ وأخيه وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ))، فقال حذيفة رضي الله عنه: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ؛ الرَّامِي أَوِ الْمَرْمِيُّ؟ أي المتهَّم أم المتهِّم؟ قال: ((بل الرَّامِي)) .. رواه أبو يعلى بإسناد جيد في سورة الأعراف، في تفسير ابن كثير من الجزء الأول، الصحيفة مئتان وتسع وستون.
وبالنسبة للآية نسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يحميكم من الردة.. فإذا عقَّ شخص مثلًا أباه وقال له شخص آخر: حرام هذا لا يجوز، الله عزَّ وجلَّ أمر ببر الوالدين.. فإنْ قال له: “بلا الله بلا بلوط”، فهذا الكلام يُعَدّ ردة، لأنَّ هذا استهانة واحتقار لحكم الله ولكتاب الله ولشرع الله عزَّ وجلَّ، فإذا قال له: أنا ذاهب إلى الشَّيخ، فقال: بلا شيخ بلا بلوط، وهل هؤلاء مشايخ؟ هؤلاء كذا وكذا، قالوا: إنْ قال عن العالم: “عُوَيْلِم”، يُحكم بردَّته، وإنْ رمى شيخُ الكُتَّاب اللوحَ الذي يعلِّم عليه الطلاب وفيه اسم الله أو آية أو حديث، فهذا يُحكَم بردَّته، لأنَّ فيه استهانةً باسم الله عزَّ وجلَّ.
والإنسان إذا سبَّ الدين، وسبَّ دينه ودين ربه ودين الملائكة ودين العرش، [يقول سماحة الشيخ هذا السبّ بشيء من التفصيل، لأن الواقع أسوء من ذلك بكثير، فقد انتشرت عادة الكفر أو شتم الله تعالى كثيراً بين الناس في سوريا، حيث كنا نرى من يغضب منهم لا يشتم الله والنبي والملائكة والدين فقط، بل يتَفَنَّن بتلك الشتائم وبما يسيء إلى هذه المقدسات، ولا ينطفئ غضبه إلا بتلك الشتائم، ثم لا يرى نفسه قد عمل شيئاً سيئاً، وتصير هذه عادة عنده، وقد يكررها في اليوم مرات ومرات.. نسأل الله الحماية والهداية].. فما حكم هذا؟ يُحكَم بطلاق زوجته، ولا يجوز لامرأته أنْ تقربه ولا أنْ يقربها، وإذا اقتربا وأتى ولد فيكون ابن حرام، حتَّى يجدِّد إسلامه، ويُعاد عقد نكاحه حسب الأصول.. فكم من النَّاس يقعون في الردة دون أنْ يشعروا؟
وإنْ قيل له: صلِّ، فقال: “بلا صلاة بلا بلوط”، أو قيل له: لِمَ لا تذهب إلى الحج؟ فقال: وهل الأمر بالحج؟ بلا حج بلا بلوط.. هذا كله استهانةٌ بحُكمٍ من أحكام الشرع أو بشعيرةٍ من شعائر الدين، وهل شعائر الدين والكعبة أعظم أم النَّبي ﷺ؟ وهل الكعبة أعظم أم المؤمن؟ سيِّدنا عمر رضي الله عنه عندما طاف بالكعبة قال: ((مَا أَعْظَمَكِ، وأعظم حرمتكِ عند الله، غير أنَّ المؤمن أفضل عند الله منكِ)) .
الانتباه للردة دون شعور
درسكم اليوم ضروري جدًّا، لأنَّه وقع فيه أكثر النَّاس، وكل واحد منكم يأخذ الكلام لنفسه ولا يوجِّهه لغيره، يأخذه لنفسه وإنْ رأى غيره واقعًا في شيء فلينصحه سرًّا ورفقًا ومحبةً وعطفًا، فإنْ قَبِل فحَسَن، وإنْ لم يقبل فإنه يكون قد أدَّى واجبه، ويترك أمره إلى الله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:26-27].. فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن لا يجعلنا منهم، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يحميني ويحمي الشيخ رجب والشيخ عمر ويحميكم كلكم؛ الحاضرين والغائبين.
عقوبة المرتد
من جملة ما ذكر الله عزَّ وجلَّ عن المرتدين قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [مُحمَّد:30]، كانوا يُخفون كفرهم وردَّتهم ويُظهرون الإسلام حقنًا لدمائهم، لأنَّ الإسلام انقلب وتحوَّل إلى دولة، فكان المرتد يُقتَل.
ومَن دفع أهل الردة إلى الردة؟ دولة الفرس ودولة الروم، ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) ، لأنَّه مَن يبدل دينه يكون عميلًا للاستعمار الفارسي أو الروماني، ويريد أنْ يوهن ويخرِّب بناء وحدة الأمة العربية الإسلامية التي وحَّدت نصف العالَم بقرآن العلم وقرآن العمل وقرآن القلب الحي بالله عزَّ وجلَّ، والمطهَّر عن أرجاس الأنانية والأهواء والأغراض والمطامع والرئاسة والزعامة.
الثبات على الإيمان أمام هوى النفس
فلو كان عند سيِّدنا أبي بكر رضي الله عنه ذرة من زعامة لكَفَر بالنَّبيِّ ﷺ، ولقال: أنا ومالي لك وروحي وحياتي وابنتي، ولم أفارقك ليلةً، وهذا عبدٌ عمره سبعة عشر سنة تجعله أميرًا عليَّ!
ولمَّا عزل سيِّدُنا عمرُ سيِّدَنا خالد بن الوليد رضي الله عنهما، لو كان فيه أنانية ولو واحدًا من المليون لكان قام عليه بانقلابٍ، ولضاع الإسلام، ولكنْ صلَّى الله وسلَّم على المعلم المربي.
وأسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يثبِّتكم بالقول الثابت، وإنْ شاء الله أكثركم ثابتون، وإنْ رأيتم في بعضكم مرضًا وكان واحد منكم طبيبًا، ويعرف كيف يتحاشى ولا يُعدَى فلا مشكلة [أنْ يقترب منه]، أمَّا إنْ لم يكن طبيبًا ولا مختصًّا، فيجب أنْ يبتعد عن المريض خوفًا من أنْ يُعدى من مرضه، ((لا يَدخُلَنَّ صَحِيحٌ عَلى مَريضٍ)) .
فَضْح الله تعالى للمنافقين
قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾، يمكننا أن نجعل لهم علامات ليعرفهم كل النَّاس، وتعرفهم أنت بالشكل الواضح، لكن مِن ستر الله عزَّ وجلَّ سَتَرهم، ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:30]، ثم شاء الله عزَّ وجلَّ فعرَّفه بهم.
ولكنْ كان مِن ستر النَّبيِّ ﷺ أيضًا أنه لم يذكر أسماءهم، وكان يعطي أسماءهم لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فكان يقول: فلان منافق فأضفه إلى القائمة، وفلان منافق.
وفي خلافة عمر رضي الله عنه الذي زكَّاه النَّبيُّ ﷺ بقوله: ((لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَر)) ، وهو من العشرة المبشرين بالجنة بشهادة النَّبيِّ ﷺ، وماذا تريد أكثر من ذلك؟ و((إنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مُحَدَّثُونَ)) من يحدِّثهم؟ [الله يُحَدِّثهم، وحديثهم] مع الله، ((فمِنهُمْ عُمَرُ)) ، ومع كل هذه الشهادات اتَّهم نفسه، فكيف إذا لم يكن مع الشخص أية شهادة ثم يزكي نفسه ويجعل نفسه فوق الفوق! وكلما صعد إلى فوق يُخشى عليه إذا سقط أنْ يصير سقوطه مُهلِكًا، فلذلك إذا كان الإنسان هكذا فلا يعلُ، وليبقَ في الدرجة الأولى حتَّى إذا وقع تكون وقعته خفيفة، أمَّا إنْ ارتفع ووقع على رقبته فيذهب هَرْساً.. نسأل الله عزَّ وجلَّ بفضله وإحسانه أن لا يَغرَّنا بأنفسنا، ولا يجعلنا ممَّن نزكي أنفسنا، ونسأله أنْ يحمينا من الكبر ومن العجب ومن الغرور ومن تزيين الشيطان ومن المخالفة التي يوسوس بها الشياطين.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:30]، فعندما يتكلم لا يقول عن النَّبيِّ ﷺ: هو ليس رسول الله، لكنْ “مِنْ تَحت لِتَحت” [أي بالسر والخفاء] يطعن بالنَّبيِّ ﷺ، لا بصريح العبارة بل بالإشارة وبالخداع وبالسر، وهذا اسمه لحن القول، لكنَّه سينكشف بعد ذلك، فلحن القول لا يبقى إلى الأبد، وفي الحديث النبوي: ((مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَها، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ)) ، “وأبداها عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ” .
قصة حكيمة في التغلب على الغضب
ذكرتُ لكم في الجمعة الماضية قصةً ولم أكملها لكم، أن ذلك النَّبيَّ أو الولي في بعض مكاشفاته رأى شخصًا يقول له: إذا خرجتَ من دارك فأول شيء تصادفه كُلْهُ، والثاني فاستره، والثالث فأعرض عنه، فلمَّا خرج رأى جملًا كبيرًا، فأول ما رآه فكر كيف سيأكله، ولكن هناك أمر؟ كان شيخنا يقول لنا: إنْ أمركم الله عزَّ وجلَّ أنْ تطيروا ماذا تصنعون؟ قلنا له: ماذا نفعل؟ قال: اقفزوا وحرِّكوا أيدكم كحركة الجناح.. يعني افعلوا ما يمكنكم.
فَتَشَبَّهوا إنْ لم تَكُونُوا مِثلَهُم
إنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرامِ فَلَاحُ
وهذا الرجل فتح فمه، ألم يقل الله عزَّ وجلَّ له: كُلْه؟ فتح فمه، فإنْ دخل بفمه دخل، وإنْ لم يدخل بفمه فهو معذور، وإذ صغَّر الله عزَّ وجلَّ له الجمل، فصار تفاحة فأكلها، وإذا بها ألذ فاكهة وأكلة أكلها في حياته، ثمَّ مشى فرأى وعاءً من ذهب، فأخذه وجعله تحت الجُبَّة، ولم ير إلَّا وقد ظهر من أسفل الجبة واستبان، فعاد وغطاه بالجبة، ثم عاد وغطاه واستمر بالظهور، وتابع المسير فرأى مزبلةً، فأعرض عنها.
ثمَّ رأى مَلَكًا أو كذا، فقال له: ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال له: إنّ الجمل هو الغضب وحِدَّة النفس، فعندما تَحتَدُّ نفسُك وتَنْزَق وتغضب ترى غضبك إذا أردتَ أن تقاومه مثل الجمل، لكنْ إذا استشعرتَ أنَّ الإسلام يأمرك بكظم الغيظ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:134]، لم يقل: لا يغتاظون، ألم يكن النَّبيُّ ﷺ عندما يسيء إليه بعضهم يحمر وجهه غضبًا؟ لكنْ: ((الرَّجل الَّذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ)) .
فإذا ملكتَ نفسك عند الغضب، فحَلِمتَ فصفحتَ فعفوتَ، وأعلى من ذلك أنْ تقابل السيئة بالحسنة، وما الأعلى من ذلك؟ هل يوجد أعلى من ذلك؟ قال: أن تقابل السيئة ليس بالحسنة، بل إذا وجد الأحسن تقابلها بالأحسن.
قصة أخ ذُكِر سماحة الشيخ أمامه بسوء
ذَكَر لي أحد إخوانكم من اللاذقية رضي الله عنه أنه كان في مجلس، وذَكَر شخصٌ الشَّيخَ بحسب ما يسمع من النَّاس، [أي ذَكَر شخصٌ الشيخ أحمد كفتارو بسوء، حيث كان الناس يحاربون الشيخ بالشائعات والأكاذيب والإفك والتكفير، وكان هذا منتشراً في كل سوريا، وفي بلاد غيرها أيضاً.. وما رأينا ولا سمعنا في حياتنا عن شخص أوذي من قِبَل المسلمين كما أوذي الشيخ أحمد كفتارو، رحمه الله ورفع مقامه في عليين.. ومما يجدر ذكره أنّ كثيراً من هؤلاء الناس أتوا إلى الشيخ ليؤذوه متأثرين بتلك الأكاذيب، فما كان منهم عندما رأوه إلا أن تابوا إلى الله وصاروا تلامذة للشيخ ومن أخص محبيه]، وهذا كله من الأُمِّيَّة في الإسلام، فالمسلمون اليوم أميون، يوجد شخص أمي في القراءة والكتابة، ويوجد شخص أمي في النجارة، ويوجد شخص أمي في الهندسة، ويوجد شخص أمي في الطب، وقد يكون أميًّا في الطب، ولكنَّه مثقَّف في الهندسة، ويوجد أيضًا من هو أمي في الإسلام، وقد يكون دكتورًا ومعه خمسون بوردًا في الطب، لكنَّه لا يفهم شيئًا في الإسلام، و”ألف باء” الإسلام لا يفهمها.
فهذا الأخ كان مثقفًا بـ: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:22]، وقد تَكَلَّم شخص أمامه عن الشَّيخ حتَّى انتهى، فلمَّا انتهى.. قال لي: فتَّشتُ نفسي، وكان معي زجاجة عطر، فعطَّره بها وعطَّر نفسه، ثمَّ قال له: هذه هدية مني لك، فقال له: ولماذا؟ فقال له: لأنَّ الذي تكلَّمتَ عنه هو شيخي، وأنت أسأتَ له، وقدمتَ له السيئة، وشيخي علَّمنا والقرآن علَّمنا، وشيخنا بلَّغنا عن القرآن أنْ نقابل السيئة بالحسنة، ولذلك فأنا امتثالًا لأمر الله عزَّ وجلَّ، وتجاوبًا مع تعاليم شيخي، سأقدِّم لك هذه الحسنة مقابل هذه السيئة، قال: فركض إلي وقبَّل يدي، وقال لي: واللهِ إنَّ كلّ هذا الكلام الذي يتكلم به الناس على شيخك كذب، واللهِ إن شيخك صادق.. والخلاصة أنَّه صار من خلَّص المحبين.
إن رجولة الرجل وشجاعة الشجاع وعظمة العظيم لا أن تغلب عدوك وتقهره، بل تغلب عداوته، وتتغلَّب على أحقاده، ولا تتغلَّب على اللئيم، بل على لؤمه.
الفهم الحقيقي للقرآن
هذا هو الإسلام، فماذا فهمنا نحن من القرآن؟ هل تقرؤه؟ إنّ الحديد يقرأ القرآن، [أي آلة التسجيل] وشريط التسجيل يقرأ القرآن أفضل من قراءتك وأحسن من تجويدك، وصوته أحلى من صوتك، وترتيله أفضل من ترتيلك، ويقرأ على السبعة، لكنَّه لا يفهم شيئًا، فأنت لا تعادل واحدًا من المئة من الحديد.
وإذا كنتَ أيضاً لا تفهم شيئًا فإنّ الحديد أفضل منك والجماد أحسن منك، فاحفظ هذه الآية، وليست آيةً، بل هي جزءٌ من آية: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:22]، وتوجد آية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:96]، وآية: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي هذه المكرُمة وهذه الصفة العالية ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:35].
“صبروا”: هذا للذي لم ينضج بعد، فتأتي نفسه لتغضب، وتنازعه وتتشاجر معه وتخاصمه، ويخاصمها ويقاتلها وتقاتله فيتغلب عليها، فهذا ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ فهو يقابل السيئة بالحسنة، ولكنْ بعد معركة مع نفسه وهوى نفسه، حيث تقول له نفسه: اضربه أو سبه أو اصنع به، فيقول لها: خسئتِ! ومرةً يكاد أنْ يفعل ومرة لا يكاد يفعل.. و”مَن ضحك أخيرًا ضحك كثيرًا”، وهل النصر لمن يكسب المعركة الأولى أم الأخيرة؟ لكنْ بعد ماذا؟ بعد صبر ومصابرة، وهناك الأعلى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:35]، فهناك شخص يُجبَل على الحِلم ويُجبَل على مكارم الأخلاق.
كانت “الحاجَّة” فقيهتُنا مفطورةً على هذا رحمة الله عليها، [الحاجَّة أو الحَجَّة: يُقصَد بها في هذا السياق زوجة الشيخ، والمتكلم من أهل العلم ومن حولهم في سوريا يعبِّر بهذه الكلمة عن زوجته]، وما سمعتُ منها غِيبةً لإنسان، وما سمعَتْ كلمةً مكروهةً وبلَّغَتْها إلَّا بعكس ما سمعَتْها، فتبلِّغ السوء بالحسن، والكلام القبيح بالكلام الجميل، وكانت كل ما يصل إلى يدها تُنفقه في سبيل الله عزَّ وجلَّ، وهذا ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:35]، وأعتقد أنَّ هذا كان ببركة خدمتها لشيخها رضي الله عنها وعنه، وعنكم جميعًا وعن زوجاتكم “أمهات المؤمنين”، [أمهات المؤمنين: الشيخ هنا يتكلم باللهجة العامية، ومن العادة المنتشرة في المجتمع أن يُكَنُّوا زوجاتهم بهذه الكلمة على سبيل الملاطفة والمؤانسة، ولا يُقصَد بها أبداً في هذا السياق زوجات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهن جميعاً]، وعن آلكم وأصحابكم أجمعين، والحاضرين والغائبين، ومن يسمعنا بالفيديو أو بالصوت السماعي.
فعلينا أنْ نقرأ كل الآية لا للقراءة ولا للتجويد ولا للغنة ولا للمدود، بل نقرؤها للعلم وللعمل، وهذا لا يمكن ولن يمكن إلا ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:37]، ولا يمكن أنْ تصل إلى القلب حتَّى تَدْفُن نفسك وشهواتك ليس تحت قدميك، بل تدفنها بالأرض تحت مئة متر حتَّى لا يبقى لك هوًى إلَّا رضاء الله عزَّ وجلَّ
وإنْ قِيلَ لِي: ماذا تُحِبُّ وما الذي
تَهواهُ مِنهُ لقُلتُ: ما هُو آمِرِي
النصيحة لا الفضيحة
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [مُحمَّد:30]، وشاء الله عزَّ وجلَّ، ومع ذلك سَتَرَهُمُ النَّبيُّ ﷺ.
إذا رأى المؤمن على أخيه المؤمن سيئةً أو نقيصةً فلا يجوز أنْ يُشهِّر بها أو يُعلن بها، فالنصيحة في السر نصيحة، وفي الجهر فضيحة، وكان الصحابة رضي الله عنهم إنْ عمل أحدهم سوءًا لا يقول له النَّبيُّ ﷺ: يا فلان لماذا فعلتَ هكذا؟ بل يقول: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يفعلون كذا وكذا)) .
ولم يذكر الله عزَّ وجلَّ في القرآن إلَّا أقواماً، ولكنّ بعض أشخاص ذكرهم مثل آزر أبي إبراهيم عليه السَّلام، لئلا يغترَّ أحدٌ بالنسب إلى آبائه، وذَكر ابن نوح حتَّى لا يغترَّ أحد بنسبه وحسبه، وذَكر إخوة يوسف لئلا يغترَّ أحد بأخيه ولو كان نبيًّا أو بأبيه يعقوب إسرائيل، وامرأتَي نوح ولوط عليهما السَّلام، ذَكرهما الله عزَّ وجلَّ بالتنصيص حتَّى لا تغترَّ الزوجة ولا الابن ولا الأخ ولا العم، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
خشية عمر رضي الله عنه أن يكون من المنافقين
فأتى عمر إلى حذيفة رضي الله عنهما، وقال له: “أنشدك بالله هل ذكرني رسول الله في المنافقين؟” لأنَّه مَن الذي يخاف من الوسخ؟ صاحب الثوب الأبيض، فكلَّما كان ثوبه أغلى، وكلَّما كان ثوبه أبيضَ [يظهر عليه الوسخ أكثر]، فلو وقع عليه وسخ ذبابة أو لو سقطت نقطة حبر بحجم رأس ذبابة، يقول لزوجته: غيِّري لي القميص.. وأمَّا ثوب الزَّبَّال [عامل النظافة] فلا يشعر أنّ عليه وسخاً، وحتى لو غمروه “بالبئر المالح” [الماء النجس القذر]، لا يرى أنّه تَوَسَّخ، ويقول: لا بأس، نَفْرُكُه ويَجِفّ وينتهي الأمر.
لذلك لَمَّا عاتب الله عزَّ وجلَّ النَّبيَّ ﷺ في ابن أم مكتوم ظل يبكي حتَّى وصل إلى بيته، ولم يصل حتَّى رمد، ولم يصل إلَّا وهو متمسِّك بالجدران.
أمَّا الذي في قلبه مرض أو على قلبه سبعون ألف حجاب، ويقترف سبعين ألف ذنب لا يشعر بنفسه بأنه فعل أي ذنب، يقولون له: ماذا فعلت؟ وماذا صنعت؟ يقول: لم أفعل شيئًا.
هؤلاء: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحمَّد:24]، وهؤلاء: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل:80-81]، فمع عظمة النبوة ومعجزات النبوة، وأخلاق النبوة وحِكَم النبوة، وعلوم النبوة وأنوار النبوة هناك أناس كانوا ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:18].
ضرورة اختيار الجليس الصالح
ويوجد أناس: ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [مُحمَّد:25-26]، خالطوا المرضى فمرضوا، وخالطوا الموتى فماتت قلوبهم.
إنك تختار الحذاء جيدًا، وعندما تذهب إلى بائع الأحذية تريد أنْ تشتري نعلًا، فهل تشتري أي نعل تراه؟ وإنْ كانت المرأة تريد أنْ تشتري لأبنائها ما تنظِّفهم به [وتزيل القذر] تختار لهم “الماركة” المشهورة، أليس كذلك؟
فكيف إذا كنتَ تريد أن تختار صاحبك وجليسك الذي سيكون عقلُك مع عقله وقلبك مع قلبه؟ فلو كان أبوك أو أمك وكانت غير مستقيمة على الشرع وعلى الإيمان وعلى تقوى الله عزَّ وجلَّ، فأعط أمك حقها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ لكن ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:15].
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ذاقَ طَعمَ الْإِيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْه مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)) ، يدلك على الله عزَّ وجلَّ، ويحبِّبك في الله عزَّ وجلَّ، ويدلك على أحباب الله.
كراهية العودة إلى الكفر بجميع أنواعه
((وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ إلى الْكُفْرِ)) أو إلى المعصية أو إلى الفسق أو القهقرى إلى الوراء أو إلى الجفاء بعد الصفاء، أو الانقطاع بعد الاتصال، وهذا كله من لوازم ورشحات الكفر.. فيوجد كفر بالله عزَّ وجلَّ، وهناك كفر برسول الله ﷺ، ويوجد كفر بالنعم، ويوجد كفر بالمنعم، والشكر مقابل الكفر، ((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ)) .. ((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)).
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [مُحمَّد:30]، قال: بلحن القول بأن يصير يتكلَّم “مِنْ تَحت لِتَحْت” [بالسر والخفاء]، كما يقولون: “يُلَخِّم” [يخدع ويُحَيِّر] مثل اليهود، فلا يبيِّنها بصريح العبارة، لكنَّ الفَهِيْم: “إنَّ اللبيبَ من الإشارةِ يَفْهَم”، وإنْ كان لا يفهم إلَّا بالمَصْطِيْجَة [العصا الطويلة] فهذا دابة، والنَّبيُّ ﷺ يَعلَمُهم.
فراسة المؤمن
يقال: وقع نظر رجل على امرأة أجنبية، فدخل على سيِّدنا عثمان رضي الله عنه، فقال له عثمان رضي الله عنه: “يدخل عليَّ أحدكم وأثر الزنا بين عينيه؟” لأنَّ زنا العينين النظر، فقال له: أَوَحيٌ بعد رسول الله؟ قال: لا ، ولكنْ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ)) ، فنسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يجعلنا ذلك المؤمن.
وكان الإمام أبو حنيفة يَحْدُث معه مثل هذا، ثمَّ دعا الله عزَّ وجلَّ أنْ يَحجبه عن رؤية ذنوب الخلق، حتَّى لا تتكشَّف له نقائصهم، فكيف إذا كان الإنسان يذكر أهل الكمال بالنقص، أو يذكر المؤمن بالفسق، أو يذكر المؤمن بالردة! ويتهم بهواه وأنانيته المؤمنين! إنّ أيّ كلمة تقولها أو تسمعها يجب أنْ تسأل القائل: من أين علمتَ صحة هذا القول؟
الدعوى بالبينة وليس بالهوى
وقال النَّبيُّ ﷺ: ((أَرَأَيتُمُ الشَّمسَ في رَابِعةِ النَّهارِ لَيسَ دُونَها سَحَابٌ؟)) قال: ((فَعَلَى مِثلِها فَاشهَدْ، أَو دَعِ الشَّهادةَ)) ، هذا إذا كان شاهدًا، وإنْ كان مدَّعيًا فعليه أن يُحضِر البَيِّنَة.
أمَّا بالغضب أو بالهوى أو بالأنانيات أو بحظوظ النفس، ويوزِّع الاتهامات ويُشهِّر بها يمينًا ويسارًا فهذا ليس من خُلق المسلم فضلًا عن خلق الداعي، فضلًا عن خلق الإنسان العادي الأجنبي، والأجانب.. يقولون عنهم: “كفار”! فيهم أخلاقٌ أكثر من كثيرٍ من الذين يُصلُّون ويصومون، لأنَّ هذا الأجنبي لو آمن بالله عزَّ وجلَّ تمام الإيمان فإنه سيقف عند حدود الله عزَّ وجلَّ، أما إيماننا فيوجد منا مَن إيمانُه إيمان القول وإيمان الهوى وإيمان الضعيف، وبأقلِّ هزة لا تراه إلَّا وقد سقط إيمانه وشُعَب إيمانِه وأخلاقُ إيمانه، وصار إلهُهُ هواه، وصارت طاعته لهواه وغضبه لهواه وحبه لهواه.
فأسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يرزقنا الجليس الصالح، ويحمينا من الجليس السوء، ويصلحنا ويصلح بنا، ويتوب على مذنبنا وعلى خاطئنا، ويردنا إلى صراط الله عزَّ وجلَّ ردًّا جميلًا، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يثبِّتنا بقوله الثابت، وأنْ يفرِّج الله عزَّ وجلَّ عن المسلمين عمومًا، ويجمع كلمة العرب، وإن الرسالة التي أرسلها رئيسنا “لِصَدَّام” من أروع الرسالات وفيها من الحكمة والنصح والصدق والواقعية، [صدام حسين رئيس العراق في ذلك الوقت، وكان وقتها حرب العراق والكويت]، ومع ذلك فليس في أيدينا غير الدعاء، فندعو الله عزَّ وجلَّ بأنْ يطفئ نار هذه الحرب، ويصلح بين العرب والمسلمين، ويبعد عنهم أعداءهم، ولا يشمت بنا أعداءنا.