تاريخ الدرس: 1990/02/23

في رحاب التفسير والتربية القرآنية

مدة الدرس: 01:35:15

سورة الزخرف، الآيات: 74-80 / الدرس 11

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه، ويزيدنا من فضله وكرمه، وأُصلِّي وأسلِّم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، والمبعوث رحمةً للعالمين، وعلى أبيه سيدنا إبراهيم، وأخويه سيدنا موسى وعيسى، وجميع الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآلِهِم وأصحابهم وأتباعهم وأحبابهم، وبعد:

أثر القرآن في إحياء العالَم

نحن الآن في تفسير بعض آيات من سورة الزخرف، وهذا القرآن العظيم ونبينا الكريم، كتاب واحد وإنسان واحد أحيا بمدرسته نصف العالم القديم، وبأقل من مئة سنة، وحوَّلهم من أميين أشقياء إلى حكماء وملائكة أولياء، ومن جهلاء إلى عارفين وعلماء، ومن متعادين متقاتلين إلى إخوة متحابين متعاونين، ولا تزال مدرسته ورسالته صالحةً لكل أمم العالم وشعوبها ولأن تُحقِّق فيهم ما حقَّقه المسلم الأول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا، وطبَّقوه تطبيقًا عمليًّا، فإنّ الحروب والمآسي تنتهي، ولا يبقى جائعٌ ولا عارٍ ولا مريض لا يجد دواءً أو مشفى أو.. إلخ، بل لا يوجد متخاصمان؛ لا شخصان ولا زوجان ولا أخوان.

والحلقة المفقودة في تحقيق رسالة السماء صنفان من الناس

النوع الأول: العلماء بهذه الرسالة؛ العلماء بالإسلام لا كدين فقط بمفهوم الناس، ولكن دين ودولة، ودولة عالمية وإخاء عالمي وحب عالمي وسلام عالمي وتقدم وحضارة عالمية، دولة لا يوجد فيها قضاة، لأنه لا توجد خصومة ولا أعداء، ولا سجون، لأنه لا يوجد قَتَلة ولا أشقياء، ولا جائعون ولا فقراء، لأنه لا يوجد أغنياء بخلاء.

والمسؤولية على العلماء، ولكن لا مسؤولية عليهم، لأن العالِم الحقيقي مثل الشجرة الحقيقية، فشجرة التين مثلاً تُثمِر التين ولا خيار لها في ذلك، والعلم الحقيقي هو الذي يُثمر هذه المعاني، فمَن كان عنده هذا الثمر فهو عالِم، وعلمه بمقدار ما يُثمر.

والنوع الثاني: الحاكم، فالإسلام مركَّبٌ من شيئين: دِين له رَجله، ودولة عالمية لها رَجُلُها، والآن العالِم ترك المشيخة لأنه ما رأى عِزَّةَ شخصِه، ولأنه ما حمل حقيقة العلم، والحاكم أيضًا هرب من الإسلام، لأنه يرى الإسلام الذي يُعرَض ممن ينتسبون إليه غيرَ الحقيقة التي نزل بها دين السماء، فصار الدين مجهولًا للعلماء وللأمراء، وضاع العرب وضاع الناس وضاع الإنسان، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11]، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا [الإسراء:18].

أهمية الإرادة والمعلم

إنّ الإرادة تختلف عن التمني، فالإرادة رغبة مقرونة بعزمٍ وبتحقيقِ الأسباب والوسائل لوجود المراد، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ.. الإرادة غير التمنِّي وغير التشهِّي، وهي عزم وقوة ومُباشَرة بِقَدْرِ ما تَمْلِك، ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19].

وآباؤنا المسلمون الأُوَل والعرب الأُوَل لَمَّا دخلوا في مدرسة الإسلام، وكان أستاذهم الأستاذ الأول سيد المرسلين اخترقوا حدود الصين بأقل مِن مئة سنة، وكانوا في جنوب ألمانيا، وبعد أن زالت دولة الإسلام قامت دولة الدعوة، فوصل الإسلام إلى سيبيريا وإلى شواطئ اليابان، وفي الشمال إلى البحر المتجمد الشمالي، والآن الإسلام يتغلغل في أوروبا وفي أمريكا وفي كل القارات على ضعف وسائله وإمكاناته.

المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل الله

نرجع الآن إلى التفسير وإلى المدرسة، فبعد أن مرَّ معكم في الدرس السابق ذِكر عاقبة المسلمين الحقيقيين المؤمنين المتَّقين الصالحين المجِدِّين العلماء الحكماء المحسنين، وما أعدَّ الله لهم في الدنيا، وقد أخذوا منها نصيبهم، فكان أعز ما في الدنيا وأقواها كسرى وقيصر، وكانا يمثِّلان الظلم والاستعمار وقهر الإنسان، فنصرهم الله عليهما، وأذلَّ كسرى وقيصرَ بين أيديهم، وجاهدوا في سبيل الله، يعني في سبيل نشر العلم لكل الشعوب، ونشر الحكمة التي هي إيقاظ العقول لكل الشعوب، ونشر التزكية ومكارم الأخلاق لكل الشعوب.

هذا معنى “في سبيل الله”، وهذا هو سبيل الله، فقد جاهدوا من أجل هذه الأهداف.. أما إنكلترا وأوروبا وأمريكا ففي سبيل أي شيء حاربوا؟ هل في سبيل نشر العلم لكل الشعوب والعدل لكل الشعوب والرحمة والتآخي لكل الشعوب والأخلاق لكل الشعوب؟

هم يَشكُون ويتحيَّرون ويعجزون عن مقاومة أبسط الأشياء التي قضى عليها الإسلام، فقد عجزوا عن مكافحة المسكِرات، والآن يصرخون بالويل والثبور من المخدرات ومن أمراض الزنا؛ من الإيدز وأمثاله، ولا يجدون مَهْرَبًا ولا مَخْلَصًا ولا مَنْجَاة.

بينما الإسلام بأبسط الأسباب وبكلمة واحدة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91]، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، قالوا: انتهينا يا رب.. فلا خمر ولا مخدرات ولا إيدز، بل مجتمع طاهر جسدًا وروحًا وعقلًا وفكرًا ونفسًا وأخلاقًا وعدالةً للجميع.

حال الذين رفضوا هداية الله عزَّ وجلَّ

بعدما ذكر الله المؤمنين وما أعدَّ لهم من مكافآت وجوائز، وقد أخذوا القسط الأول منها في الدنيا نصرًا وعزًّا وغنى ووحدةً وتاريخًا ومجدًا وخلودًا.. الآن يذكر وضع الذين أعرضوا وعارضوا ووقفوا في طريق هذا المدِّ الإلهي وحجبوا النور الرباني وروح القدس التي تُحيي روح الإنسان وعقله، وكانوا يستعملون كل الوسائل ليصدُّوا الناس عن سبيل الله، يعني عن العلم والحكمة ومكارم الأخلاق، وهذا هو السبيل الذي كانوا يجاهدون من أجله.. فاستعمَلوا كل الوسائل ولم يكتفوا بضلالهم، بل انتقلوا إلى إضلال غيرهم، فصاروا ضالِّين ومضلِّين، ويريدون أن يبقى الإنسان في تخلُّفه وفي عداواته وفي إجرامه وفي جهله وفقره ومرضه وفي موت روحه في قبر جسده وقبر شهواته وأنانياته.

والدولة لا تقوم ولا تنجح إلا بمكافأة المحسنين وبمعاقبة المجرمين، فإذا أهملَتِ الصالحين المصلِحين والمحسنِين المستقيمين، وشجعَتِ المجرمين والمخرِّبين والمفسدين، فيفسد المجتمع وتفسد الأمة والدولة.

وكذلك دولة الله ودولة الإسلام تعطي المحسن أحسن المكافأة على إحسانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)، كما أنها مع المجرم الظالم المعتدي: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، فمعنى ذلك أنها قضت على الشر ولو كان بمثاقيل الذر، وقضت على الشر ولو كان في القلب أو النفس والفكر، وقضت على الشر سواء في الجهر أو في السر، وشجعت الخير قلَّ أو كثر خفي أو ظهر.

هذا هو الإسلام المجهول لأبنائه، المجهول في مجتمعه، المجهول لعلمائه وحكَّامه.. والله عزَّ وجلَّ يناديهم هلموا إلي؛ إلى السعادة، والنبي ﷺ يناديهم هلموا إلى السعادة وإلى النصر وإلى الوحدة وإلى الثروة وإلى الغنى.

﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [الزخرف:40]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ [يونس:42]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ [يونس:43].. فنسأل الله عز وجل أن يحيينا جميعًا وأن يفتح بصائرنا مع أبصارنا، ويفتح آذان قلوبنا مع آذان رؤوسنا.

إضلال المجرم لغيره

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، المجرم هو الكافر الذي كفر بالله وبوجوده، لأنه إذا كفر بوجوده يكفر برسالته وبمدرسته التي تحوِّله من وحش إلى ملَك ومن حيوان إلى إنسان، ولا يكتفي بذلك ولا يكتفي بضلاله، بل يريد أن يُضِلَّ الآخرين أيضًا، لا يكتفي بهلاكه بأنْ يشرب السُّمّ، بل يريد أن يسقي السم للآخرين أيضًا، لا يكتفي بالعمى، بل يريد أن يُعمي الآخرين، هذا ماذا نفعل له؟ هل نضرب له تحية ونعطيه وسامًا وقلادة؟

﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، لأنّ نيته في دنياه أن يكون خالدًا في شقائه، وأن يكون غير منقطع عن ظلمه وغيِّه وأذاه، ولا يفيد ولا يستفيد، ولا يَسعَد ولا يُسعِد، ويَشقى ويُشقي، ونيته عدم التراجع، [ونيته البقاء والخلود على ذلك]: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:57]، والله تعالى أيضًا يهيئ له الحصاد على حسب البذار، [ويكون حصاده كما زرع]، فإذا زرع الشوك ماذا سيخرج له؟ سيخرج الشوك، أليس ﴿خَالِدِينَ فِيهَا [البقرة:162]؟ وإذا زرع الزنبق ماذا سيخرج؟ سيخرج الزنبق، وهل بصل الزنبق مرة يُخرِج الزنبق ومرة يُخرِج الثوم أم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا [البقرة:162]؟

فنسأل الله أن يرزقنا حقائق الإيمان، والإيمان ليس قولًا، والقول ترجمة عن حالة قلبية وروحية وشعورية تظهر ثمراتها في الأعمال والأخلاق، لذلك فإن الله تعالى ما ذَكر الإيمان إلا قرنه بعمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا عملوا ماذا؟ هل عملوا السيئات؟ هل عملوا المخازي؟ هل عملوا العار؟ بل: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277].

والمجرمون أين سيضعهم الله عزَّ وجلَّ؟ هل في الشيراتون؟ إذا قتل الإنسان قتيلًا فهل تضعه الحكومة في الشيراتون أو في المريديان؟ [الشيراتون والمريديان من أفخم الفنادق في دمشق]، أين تضعه؟ تضعه عند “جَدَّته خالة جد أبيه” [أي في السجن ويُحكم عليه بالإعدام.. الشيخ هنا يتكلم باللهجة الشعبية التي يستخدمها الناس، والناس في سوريا عندما يسأل شخصٌ عن إنسان موجود في السجن: أين فلان، يقولون: “في بيت خَالَتِه”، يعنون بذلك: في السجن.. ومن هنا جاءت كلمة الشيخ هذه، مشيراً أنه ليس في بيت خالته فقط، بل عند خالة قديمة ماتت من زمن بعيد].

﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ [الزخرف:74] مثلما عذَّب الخَلْق.. الرجل نائم هو وزوجته، وهو فوق رأسهما وسحب المسدس عليهما، أين المفتاح؟ فالمرأة أجهضت من رُعبها، والرجل صار معه جلطة، واللص أخذ المال، والذين قاوموا قَتلهم.. أين سيضعه الله؟ هل في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها؟ وإذا فعلها معك أين تضعه؟ وماذا تحكم عليه؟

﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ [الزخرف:75]، يعني لا يتوقَّف عنهم العذاب لحظة، ولماذا شدَّد الله في العقوبة؟ لِيعقِّم الجريمة في أعماق نفس الإنسان، حتى لا يفكر بها، ولا تمر على خاطره، وهكذا كان نتاج مدرسة القرآن والإسلام ببركة المعلم الأول الذي علَّمهم بأقواله وحكمته وسلوكه وأعماله، فكان لهم إمامًا بكل شيء من الخير والفضائل ورفعة الدرجات.

عدل الله عز وجل في عقاب المجرمين

﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75]، الإبلاس: هو اليأس مع الحيرة، ليس له أمل أن يخرج، وما معنى مؤبَّد؟ يُفَكِّر: هل يوجد طريق للخلاص؟ لا يوجد.. فيقع في الحيرة مع اليأس، وهذا اسمه الإبلاس، يعني هم متحيِّرون يائسون، وإذا وقع إنسان في حالة الحيرة والثبوت لا يعد يتكلم، ويتوقف عن الكلام من يأسه ومن حيرته.. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [الزخرف:76]، ما عاقبناهم بأكثر مما يستحقون، لأنه لو عاش ألف سنة سيبقى حَنَشًا [ثعبانًا]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا [النساء:57]، ولو بقي مئة سنة سيبقى كلبًا مريضًا بداء الكَلَب، وذئبًا يأكل الغنم، فالذئب ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:57] أليس جزاؤه أيضًا أن يموت ويكون ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:57].

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [الزخرف:76]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40]، الآن اعمل ما شئتَ، والآن ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ [فصلت:40]، اليوم عمل وغدًا حساب، وهذا إذا لم يحاسبك الحساب الأصغر في الدنيا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ [السجدة:21]، هنا ربّما يَشُدُّ لك أُذنك كي تصحو، فإذا صحوتَ فبها وإلا فبعد ذلك يوجد قطع رأس: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ [فصلت:16]، وليس عذابًا فقط، بل مقرونًا بالخزي وبالعار، يصير يخجل من أن يراه الناس، لأنه يشعر بسوء ما فعل.. هذا هو الخزي، وفوق ذلك العذاب.

عذاب الله للمخالفين

ثمود قوم صالح عليه السَّلام أنزل الله عزَّ وجلَّ عليهم صيحةً، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف:78]، جثثًا لا حراك بها.. وقوم لوط عليه السَّلام قلب الله تعالى بهم أرضهم، وأنزل عليهم حجارةً من السماء رجمتهم.

وهذا الإيدز الذي يقولون: إنه بنهاية قرن العشرين سيجرف عشرة ملايين إنسان، وبعض الدول سيذهب ثلث أو ربع سُكَّانها.. لكن ليس موتًا سهلًا، بل يبقى ثلاث سنوات يرى من الآلام والأوجاع ما لا دواء لها، وهو مرض ليس له دواء، كما إذا فُقِئت العينان الاثنتان هل هناك دواء من أجل أن يستطيع الرؤية؟ وكذلك الإيدز يدمِّر جهاز المناعة في الإنسان، ذلك الدرع الذي يقيه من الأمراض والجراثيم، والهواءُ والماءُ كله مليء بالجراثيم، ولقد وضع الله عزَّ وجلَّ فيك جهازًا يقضي على الجراثيم إذا استنشقتَها في هوائك أو شربتَها في مائك أو طعامك.

وإن عذاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، هذا في الدنيا! وهذا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً يعني إذا صدر حكمنا بالهلاك فلا نُهلِك بلا سبب، بل قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا نبلِّغ أوامرنا للمترَفين وللبطرانين وللسكرانين بنعم الله عليهم من غير شكر، الذين يقابلون النعمة بالكفران والجحود، ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا بدلًا مِن “أَمَرْنا فاتَّقَونا وعملوا الصالحات ابتغاء مرضاتنا”، هم جحدوا وكفروا وفسقوا، ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ يصدر الحكم الإلهي بالإعدام، ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].

البصيرة في الروح تميِّز بين الخير والشر

في سورة الأعراف يذكر الله عزَّ وجلَّ عن اليهود: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [الأعراف:163]، فقد حرم الله تعالى على اليهود العمل يوم السبت ليتفرَّغوا يومًا في الأسبوع مع الله عزَّ وجلَّ، فلا عمل ولا شغل، بل يتفرغ مع الله، لماذا؟ لأنك تأكل وتشرب وتلبس وتغتسل وغير ذلك، وكل هذا من أجل جسدك، وأمّا روحك فميتة، جسدك يشم رائحة اللحم ويشم رائحة العطر والأشياء الكريهة، وروحك هل فيها هذا الشم؟ عينك ترى الجبل والجدار والطريق، وعين قلبك وبصيرتك هل تنظر وترى الصراط المستقيم؟ هل تميِّز برؤيتها بين الخير والشر والحق والباطل وبين ما يُرضي الله وما يغضبه ويسخطه؟ فإذا لم ترَ فأنت أعمى القلب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

فلمَّا حرَّم الله ذلك على اليهود أرادوا أن يقوموا بحِيَل على الله، فهم يريدون أن يلعبوا حتى مع الله، وكانوا في العقبة، فابتلاءً من الله عزَّ وجلَّ كان السمك يظهر على وجه الماء يوم السبت: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ظاهرة وواضحة، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163]، فالله تعالى يفحصهم ويفحصك بأن يضع المعصية أمامك من مال أو زنى أو ظلم أو تعدٍّ وأنت قوي.. افعل ما شئت وهذا يكون فحصًا لك، فإذا نجحتَ يضع لك وساماً، وإذا فشلتَ يضربك الله “فَلَقَةً” من الخزي ومن العار ومن الهوان ومن العذاب ومن الشقاء ومن التعاسة في الدنيا قبل الآخرة.. والله موجود. [الفَلَقَة: عقوبة، وهي الضرب بالعصا على أسفل القدمين].

واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف:164]، هؤلاء لا يوجد فائدة منهم، قال: حتى ولو لا يوجد فائدة عليك أن تتكلَّم، ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف:164]، الله عزَّ وجلَّ سيسألنا: هل نصحتموهم؟ هل أمرتموهم بالمعروف ونهيتموهم عن المنكر؟

وهذا فرض وهو مثل الصلاة، فإذا رأيتَ منكرًا ولو من أكبر شخص فعليك أن تنصحه بقدر استطاعتك، وربما تعرفه أنه لا يَقبَل، ولكن على كل حال هو عليه واجب أن يترك المنكر وأنت عليك واجب أن تأمر وتنهى وتبلِّغ، فأنت أدَّ واجبك، وليفعل هو ما يشاء، وهو مسؤول عن ترك واجبه.

وهذا من الإسلام، فالأم مع ابنتها والأخت مع أختها والعم مع ابن أخيه والأب مع ابنه والابن مع أبيه.. وأنتم الذين في الجامع هل تشعرون بهذا الفرض الإسلامي؟ تأمرون وتنهون بالحكمة والموعظة الحسنة، أنت ليس عليك أن يزول المنكر لكن عليك البلاغ، قل له: أخي أنا أنصحك وأنا ليس لي غرض، ولكن إسلامي يفرض عليَّ ذلك، أولًا لأتخلَّص من المسؤولية بين يدي الله، ولأُنقذك من عذاب الله، فإذا قبلتَ مني فالسعادة لي ولك، وإذا لم تقبل فأنا أكون قد خلصت من المسؤولية، وأنت تتحمَّل المسؤولية يوم القيامة.. لماذا لا تصلي؟ لماذا لا تصوم؟ لماذا تشرب الخمر؟ لماذا تؤذي؟ لماذا تغش؟ لماذا تتعدى؟ وهذا فرض مثل الوضوء للصلاة.

فإذا صليتَ بلا وضوء ما حكم صلاتك؟ وإذا كنتَ تقول: أنا مسلم، ولا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، وإذا رأيتَ شخصًا يعمل المنكر تضحك له وتسهر عنده وتجلس معه وقد تشجِّعه، فأنت شريكه وأنت لا تشعر.. ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، حتى إذا سألَنا الله عزَّ وجلَّ نعتذر له ونقول له: يا ربي بلَّغناهم ولكن هم ما أطاعوا وما تراجعوا، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164]، وربما يتوبون، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا لَمَّا أصرُّوا وبقوا متمرِّدين ولا يوجد توبة ولا تراجع، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، مسخهم الله قرودًا، ﴿فَجَعَلْنَاهَا أي هذه الضربة والبطشة الإلهية ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا عبرةً للناس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:66]، درس للذي عنده تقوى، فإذا رأيتَ منكرًا عليك أن تأمر وتنهى، تأمر بالمعروف لأداء الواجب وتنهى عن فعل المعصية.. فينقلب المجتمع كله إلى شرطة ومُخَابَرَات إلهية، لكن مخابرات لعمل الخير واجتناب الشر، ولِمَا يُرْضِي الله وللخلاص من غضب الله، فتصير رجل مخابرات رباني لِمَا ينفع الناس ولدفع الضرر عنهم. [المخابرات: رجال الأمن الذين يعملون في الخفاء ويراقبون الناس، ومنهم سيئون، وكذلك منهم صالحون يعملون لخدمة المجتمع وحمايته من المجرمين.. والشيخ يقول: لتكن مصحِّحاً ومقوِّماً ربانياً لأفراد المجتمع].

بهذه المدرسة التي هذا جزء من دروسها وتربيتها وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه، نساءً ورجالًا صغارًا وكبارًا، وقد كانوا في أسفل السافلين فصاروا في أعلى عليين، وكانوا في باطن الأرض فصاروا في السماء قمرًا يُضيء في ليل الأرض وشمسًا تُضيء أرض النهار ونهار الأرض.

الخنساء مثال على تأثير الإسلام

وكمثال مصغَّر: الخنساء رضي الله عنها هل تسمعون بها؟ مَن الخنساء هذه؟ كانت امرأة شاعرة في الجاهلية، وأدركت النبي ﷺ وكانت من الشاعرات الفصيحات، وكثيرًا ما كان النبي ﷺ يقول لها: أسمعينا قصائدك ويقول لها: ((هِيه يا خَنساءُ)) 1 ، أسمعينا، فكانت تُنشد له وتُسمعه قصائدها، وكان لها أخ اسمه صخر، مات بحادث قتل حين كان عدوان العرب على بعضهم في ظل أخلاق الجاهلية، وقد كان العرب في حروب وعداوات وغارات وقتل ونهب وسلب.. فقُتِل أخوها في ذاك الوقت، وبقيَت عشرين سنة، وما تركَت واديًا ولا جبلًا ولا صخرةً إلا تندب عندها وتبكي أخاها صخرًا.. ومن جملة ما كانت تقول

يُذَكِّرُنِي طُلوعُ الشَّمسِ صَخرًا
………………………

عندما تطلع الشمس لا أنسى أخي، وأتذكره فأبكي عليه، وهذا حقُّ الأخوة، والآن هل المسلمون هكذا مع بعضهم؟ ترى الأخ يحسد أخاه والجار يحسد جاره والابن عاق لأبيه والمرأة ناشزٌ والرجل يسعى لمتعته.. لأنهم هربوا من مدرسة الإسلام، وقد يأتون إلى المدرسة التي هي الجامع، ولكن لا يوجد فيها أستاذ، فإذا أتى طلاب الابتدائي إلى المدرسة ولا يوجد أساتذة ماذا يحدث؟ يكسرون المقاعد ويُمَزِّقون الدفاتر ويهربون، مثل “الحمَّام بلا ماء”. [مَثَل شعبي يُستَخدَم كثيراً في سوريا، يُعَبَّر به عن الفوضى العارمة.. والمقصود بالحَمَّام الحَمَّام العام الذي كان منتشراً بكثرة في بلاد الشام وتركيا، فإذا لم يعد هناك ماء فجأة صار الصياح والصراخ وعمت الفوضى فيها].

يُذَكِّرُنِي طُلوعُ الشَّمسِ صَخرًا
وأَذكُرُه بِكُلِّ مَغِيبِ شَمسِ

بعد عشرين سنة ما نسيَت وفاءها لأخيها، هؤلاء أهل الجاهلية هكذا كانوا مع بعضهم، والآن المسلمون، كيف حال الأخ مع أخيه والأرحام مع بعضهم؟ هم في أجهل أجهل الجاهلية، ترى الحسد والجهل والحقد والغيبة والنميمة والطعن أشكالًا وألوانًا، ونقول: نحن مسلمون! ونقول: اللهم أمتْنا على الإيمان.. أيُّ إيمان؟ هل يُمِيْتُنا على إيمان المنافقين؟

يُذَكِّرُنِي طُلوعُ الشَّمسِ صَخرًا
وأَذكُرُه بِكُلِّ مَغِيبِ شَمسِ

فَلَولا كَثرةُ الباكِينَ حَولِي
………………………

لو كنتُ أبكي وحدي ولا يوجد من يبكي معي لِيُعزِّيني ببكائه ويسلِّيني.

فَلَولا كَثرةُ الباكِينَ حَولِي
عَلى إخوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

أنا وحدي لا أستطيع تحمُّل فَقْدِ أخي، لكن أرى الذين فقدوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم يبكون بجانبي فيؤنسونني.

فَلَولا كَثرةُ الباكِينَ حَولِي
عَلى إخوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وما يَبكُونَ مِثلَ أَخِي ولكن
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنهُ بِالتَّأسِي

“وما يَبكُونَ مِثلَ أَخِي”: هؤلاء يبكون ابنهم أو أخاهم أو أباهم، ولكن مثل أخي لا يوجد، “ولكن أُعَزِّي النَّفْسَ عَنهُ بِالتَّأسِي”: وعزائي أنهم مثلي فأصبر.

فلمَّا أسلَمَت، ومعنى أسلَمَت أن الإسلام علم؛ علم بالنفس وبالأخلاق وبالفضائل وبالله وبالقرآن علمًا لا تلاوةً، وليس على القبور، والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يقرؤون الخَتمات على القبور، ولا كانوا يقرؤون القرآن للتعازي، بل كانوا يقرؤونه للعلم وللعمل وللتعليم، فكانوا قرآنًا مجسَّمًا، وكانوا قرآنَ عملٍ وقرآنَ أستاذٍ وتعليمٍ وإرشادٍ أينما وُجِدوا، وأينما وُجِدوا كانوا هم القرآن، لكنه القرآن الناطق، وقرآن العمل وقرآن الدعوة وقرآن التربية وقرآن الإرشاد وقرآن الحكمة وقرآن الأخلاق.

قال: فلمَّا أسلمَت الإسلام الحقيقي، وكان لها أربعة أولاد أبطال، وفي معركة القادسية استُشهد أبناؤها الأربعة، وهل الابن أغلى أم الأخ؟ وليس وَلَدان أو ثلاثة، بل كل أولادها وفي يوم واحد وساعة واحدة! فلمَّا أخبروها قالت: “الحمد لله الذي أكرمني بشهادتهم، وأرجو مِن ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته” 2 ، فهل كانت صخرة ثابتة وصارت ضعيفة أم كانت ضعيفة وصارت أقوى وأثبت وأرسخ من الجبال؟ هذا هو الإسلام.. أيُّ مصيبة وأيّ كارثة أكبر من هذه! [ومع ذلك واجهتها الخنساء بكل هذه القوة]، وحتى الأطفال كانوا يتسابقون إلى الشهادة ليستشهدوا في سبيل الله.

أثر الإيمان في النساء والأطفال

أتت أم سلمة رضي الله عنها ووفد من النساء إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول إنَّ الرجال يُجاهدون ويستشهدون ويحضرون الجنائز 3 ، وصارت تذكر الأعمال التي من خصائص الرجال.. وقد أعفى الله عزَّ وجلَّ المرأة منها رحمةً بها ونظير ما تتحمَّله من أعباء الحمل والولادة وتربية الأولاد، وأعفاها من القتال، لأنها لا تستطيع أن تتحمَّل العبأين والثقلين، ولكن الإيمان في المرأة مثل الإيمان في الرجل، والإيمان في الكبير مثل الإيمان في الصغير، والإيمان الحقيقي يجعل الطفل الصغير حكيمًا فيلسوفًا.

أحد الأولياء مرَّ في يوم عيد على أطفال يلعبون، ووجد بينهم طفلًا قد اعتزلهم جانبًا يبكي، فظن أنه فقير ولا يوجد معه “عِيْدِيَّة” ليشتري اللُّعب ويركب بالألعاب، [العِيْدِيَّة: مبلغ مالي يُقدِّمه الأقارب الكبار للأطفال الصغار يوم العيد]، فقال له: يا فتى لماذا لا تلعب معهم؟ إذا كان لا يوجد معك دراهم فأنا أُعطيك لتشتري الألعاب وتشاركهم باللَّعِب، قال: فنظر فِيَّ نظرةَ شَذَرٍ واحتقار، وقال لي: يا قليل الأدب.. من هذا؟ الطفل الذي عمره سبع سنوات، والرجل عالِم كبير وشيخ عظيم من الأولياء، قال له: يا قليل الأدب أَوَلِلَّعِب خُلِقنا!

الولد مخلوق لِلَّعب، لكنه لَمَّا دخل مدرسة الإسلام انتقل من اللعب إلى الجِدِّ ومن البطالة إلى العمل ومن الإهمال إلى الإنتاج.. فهل هذا أفيون الشعوب؟ هذا روح الشعوب، وهذا مُثير الشعوب إلى الأعمال وإلى الإنتاج وإلى الفضائل وإلى الحضارة.

قال: أَوَلِلَّعِب خُلِقنا! قال: فدُهشت من جوابه وحكمته، فأردتُ أن أُسائِله لأرى إلى أيِّ حدٍّ وصل تفكيره، فربما خرجت هذه معه صُدفةً، قال له: يا ولدي هذا يوم عيد، وأنت صغير لستَ مكلَّفًا ولا يوجد عليك مسؤولية عند الله فخذ حرِّيَّتك، قال له: أَوَمِثلُك يقول مثل هذا الكلام؟ كيف تقول لي: إنني لستُ مكلَّفًا وأنا صغير؟ رأيتُ أمي عندما تُشعِل الحطب تُشعِل الحطب الكبار بالحطب الصغار، فأخاف أن يُشعِل اللهُ جهنم بي وبأمثالي؛ يُشعل الكبار بالصغار أمثالنا.. هذه أطفالهم وهذه نساؤهم.

الفرق بين الصحابيات ونساء زماننا

أم محمد الكِلابِيَّة أين كانت؟ في الاتحاد السوفييتي تُقاتل مع زوجها في الهجوم الليلي، وأم حِرَام رضي الله عنها أين دُفِنت؟ وُلِدت في المدينة ودُفِنت في قبرص، وأم سلمة رضي الله عنها والنساء لماذا أتينَ؟ وماذا تمنينَ؟ والآن نساؤنا ماذا يتمنين؟ وماذا يشغل فِكْرهنَّ؟ وماذا يشغل عقلهنَّ؟ خصوصًا إذا كنَّ مِن المترَفات يكون عندهنَّ ثياب اشتُرِيت بالآلاف، ولما بَطَلَت “المُوْضَة” صارت حراماً [حسب زعمها] ولم تعد ترتديها، وهمُّها لهوها ولعبها ومكياجها وحذاؤها.. وإلخ. [المُوْضَة: النمط الحديث السائد المنتشر في المجتمع، وتكون في أشياء كثيرة من أهمها اللباس، ومنها بعض العادات وأساليب العيش والمظاهر.. ولا ريب أن النساء أكثر من يتبعون الموضة حتى تصل بهن إلى حدِّ العبودية].

المرأة في الإسلام التي كانت في الجاهلية، ولم يكن هناك إعدادي ولا ثانوي ولا ليسانس ولا دكتوراه، بل كانت أُمِّيَّة لا تقرأ ولا تكتب، لكنها قرأت شيئًا من كلمة ﴿اقْرَأْ [العلق:1]، وكتبَتْ شيئًا في صفحات قلبها وروحها ووجدانها ومشاعرها.

قالت: يا رسول الله الرجال يجاهدون ويستشهدون ويحضرون الجنائز ويفعلون كذا وكذا، وهذا لا تفعله النساء، فلو أذنتَ لنا أن نجاهد كما يجاهدون لنستشهد كما يستشهدون.

الآن من أجل العسكرية يقول: خذ هذه خمسين ألفًا أو عشرين ألفًا ودعني لا أذهب إلى العسكرية، وماذا عن إسرائيل؟ إسرائيل أخذت جزءًا من لبنان وسوريا، وستأخذ من البلاد العربية كلها ومنابع البترول، والأمراء وأصحاب القصور لن يدعوهم في قصورهم، فعلينا أن نربِّي جيلًا من الآن إلى عشرين سنة بتربية الإسلام، لكن الإسلام الحقيقي والجوهري، لا إسلام التعصُّب ولا الإسلام المذهبي ولا إسلام الجمود ولا إسلام الأنانيات والأهواء والمصالح والمنافع والمتاجرة.

قال: هي تريد أن تذهب إلى العسكرية، لماذا؟ هل من أجل أن تأخذ “النِّيْشَان” [الوسام] أو لتأخذ من الغنائم؟ لا، بل لتُقتَل وتُستَشهَد لتُحشَر مع الشهداء يوم القيامة، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:94]، وهذه صفة من صفات المسلم والمسلمة، وقد سَرَت في كلِّ المجتمع صغارًا وكبارًا.

سَعْيُ كبار السن من الصحابة إلى الجهاد في سبيل الله

وهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه حضر معركة أحد، وكان عمره خمسًا وتسعين سنة، وكان أعرج، فأتى أولاده يطلبون من النبي ﷺ أن يأمر أباهم أن يرجع.. تخيلوا عمره خمس وتسعون سنة وهو أعرج؟ فقال له النبي ﷺ: ((إنَّ اللهَ رَفعَ عَنك الحَرجَ، وَالجُهادُ لَيسَ مَفروضًا عَليكَ))، فصار يبكي ويرجو النبي ﷺ ويقول له: يا رسول الله، لا تمنعني من دخول الجنة، إني أطمع أن أطأ الجنة بعرجتي هذه 4 ،

الآن هل يأخذون الأعرج إلى العسكرية؟ الأعرج بالإسلام معفِيٌّ لكنه ما عفا نفسه، والآن الدولة لا تعفيه وهو يهرب، ليس كلهم.

هذا هو الإسلام، كيف كان أغنياؤهم؟ وكيف كان عظماؤهم؟ وكيف كان خلفاؤهم؟ وكيف كانت نساؤهم؟

ولكن إذا ذهبَت النساء كلهن إلى الحرب من سيُربِّي الأولاد؟ ومن يطبخ للرجال ويغسل لهم ويؤمِّن لهم حياتهم؟

جهاد المرأة في عنايتها بزوجها وأسرتها وأولادها

في سورة النساء: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، الرجال عليهم واجبات ولهم ثواب بحسب عملهم واكتسابهم، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، واسألوه رضاه، وليس شرطًا أن يكون رضاه بالجهاد على المرأة، فلها أعمال أخرى قد تُعادل ثواب الجهاد، فقال ﷺ للنساء: ((إنَّ طاعةَ المرأةِ لِزَوجِها، وحُسُنَ تَبَعُّلِها له)) أي حُسْن تودُّدها له بأن تُدخِل السرور دائمًا إلى قلبه، وإذا رأته حزينًا متكدِّرًا متضايقًا واقعًا في هَمٍّ تأتي وتُفْرِحه وتُزيل همومه وتُذهب أكداره، ((إنَّ تَمامَ طاعةِ المرأةِ لِزَوجِها وَحُسْنَ تَبَعُّلِها له)) بأن تتزيَّن له وتُضحِكه وتُفرِحه وتسره، ((يَعدِلُ ثَوابَ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ)) 5 .

هذا الإسلام هل نسمعه؟ وهل نراه بأعيننا؟، هذه المرأة تريد الجهاد وتريد الموت، والنبي ﷺ قال لها: اهتمي بزوجك وأسرتك وأولادك، مثل زوجة عمر فرُّوخ عندما ربَّت ابنها فكان من تلامذته الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي.. وابن تيمية كان من جملة أستاذاته أستاذة أظن اسمها مَكِيَّة، وهو ابن تيمية وما أدراك ما ابن تيمية في علمه وجهاده!

ليس منَّا أحد إلا وسيموت

نعود لموضوعنا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [الأحزاب:76]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:8]، سواء في الدنيا والآخرة، أو في الدنيا ويُعْفِيْه الله في الآخرة، أو يُملي له في الدنيا كما أملى لإبليس، وتكون عقوبته في الدار الآخرة، وهناك أُناس لا يصدِّقون حتى يروا بأعينهم مثل فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ [يونس:90]، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91]، الآن؟ فاليوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

أخبرني أحد أصدقائي أنه كان في سهرة عند أخيه، قال لي: عمره أربعون سنة، وهو قوي مثل هذه الأعمدة لا يشكو من شيء، قال لهم: أحضروا لي كأس ماء، فذهبوا وأحضروا له كأس ماء، ولما رجعوا إليه رأوه جثةً هامدة.. وغيره يموت بشكل آخر.

وعلى كل حال هل يوجد أحد لن يموت؟ الذي لن يموت يرفع لي إصبعه، والذي ما مات أبوه وجده وجد جده إلى آدم عليه السَّلام يرفع لي إصبعه، فكيف سنلقى الله؟

كيف حارب الإسلام المخدرات

يا بُني، بمعزل عن لقاء الله والآخرة، في الدنيا، هل معيشة المسلمين هذه جيدة؟ حكوماتهم بالعشرات، وفرائض الله مُضاعَة، ومحرمات الله مستباحة، ولا يوجد أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، والمسجد مدرسة، ولكن لا يوجد فيه علم ولا تعليم ولا إرشاد ولا تربية، وصلة الرحم مقطوعة، وعقوق الوالدين منتشر، وأسمع الآن أن المخدرات تنتشر بين النساء، ولقد كنا قبل أربعين أو خمسين سنة نعرف في “حارة الأكراد” يوجد حشاش أو اثنين، [حارة الأكراد: حي من الأحياء الصغيرة في دمشق، ويقع على سفح جبل قاسيون]، وأين يُحشِّشون؟ إما في المغارات أو بين البساتين ولا يُظهِرون أنفسهم للناس، والآن أسمع أنه انتشر التحشيش والمخدرات في معامل الثقافة وبين المثقفات، هكذا أسمع، فهل هذا صحيح؟

أمريكا رصدت ثمانية مليارات وزادت مليارين فأصبحت عشرة مليارات سنويًّا لمكافحة المخدرات، والإسلام كم وضع ميزانية للقضاء على المخدرات؟ لم يضع قِرْشًا واحدًا، بل بآية واحدة: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، لا يوجد مسلم لديه جرة خمر أو وعاء خمر إلا سكبه، حتى إن أزقة المدينة صارت كلها مثل السواقي وانتهى الأمر، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91]، قالوا: انتهينا يا رب.. بكلمة واحدة، لكن بعد أنْ ربى إيمانهم.. السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: “لو أن الله في أول الإسلام قال: لا تشربوا المسكرات لَشربوها ولم يدخلوا الإسلام” 6 ، فما حرَّمها عليهم إلا بعد أن تمكَّن الإيمان في قلوبهم.

ولكن أين مربِّي الإيمان؟ من منكم يلبس “كرافة” [ربطة عنق] فليرفع إصبعه؟ فقط أنت؟ يوجد عدد لا بأس به.. لو أحضرنا لكم حَنَشًا [ثعبان أسود] هل تجعلونه ربطة عنق؟ وهو حنش أسود وأجمل من ربطة العنق، هذه يذهب لونها، أما الحنش فلا يذهب طلاؤه وصباغه أبدًا، وهو مَرِن كيفما تريده، ومن غير أن تلفَّه على رقبتك هو يلف بنفسه [سماحة الشيخ والحضور يضحكون]، ومجانًا، وفيه روح وهذه ميتة، هل تضعه؟ لماذا؟ للعلم، لأنكم تعلمون أن هذا قاتل مُهلِك.. هذا هو الإيمان.

إذا أعطاك أحد حنشًا هل تأخذه؟ وإذا عطاك رُزْمَة نقود من فئة الخمس مئة وفيها ألف قطعة يعني خمسين ألفًا هل تأخذها؟ لماذا؟ لماذا رفضتَ تلك وأخذتَ هذه؟ مِن الإيمان بأن هذا نافع وهذا ضار.. وكذلك هل أنت مؤمن بأن الحرام ضار، سواء في الدنيا أو الآخرة، وفي الحال أو في المستقبل؟ هذا هو الإيمان، والذي يرتكب الحرام: ((لا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ، ولا يَسرقُ السَّارقُ حِينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، ولا يَشربُ الخَمرَ حِينَ يَشربُها وهو مُؤمِنٌ)) 7 ، لو أنه آمن بِعَظَمة الله وبقدسية الله وبمحبة الله وبألوهية الله لا يشربها، لو آمن علميًّا بضرره وأنه سموم وأنه في يوم من الأيام سيقتله لا يشرب أيضًا.. وهذا بقطع النظر عن الإيمان.. فهو ليس عنده إيمان ديني ولا عنده علم بالصحة ولا معرفة.. فهذا خاسر للدنيا والآخرة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].

بذار الظلم في الدنيا ستُنبت عذابًا يوم القيامة

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ، من هذا مالك؟ هذا المدير المطلَق لجهنم، ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، لأن العذاب لا يتوقَّف عنهم لحظة، وهم كانوا يعذِّبون الناس لا يفتِّرون عنهم العذاب لحظة، وهذا البذار ألا يوجد وراءه حصاد؟ شخص يُعذِّب مظلومًا، وآخر يعذِّب ضعيفًا، والآخر يعذِّب زوجته، والآخر يعذِّب أمه، والآخر يعذِّب أباه، والآخر يعذِّب الذي صنع معه معروفًا وأنقذه أو ساعده أو أقرضه أو زوَّجه أو شَغَّله، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60]، لكنه يقابل الإحسان بالإساءة، والمعروف بالسوء.

هذا هو البذار الذي زرعه، وقد زرع شوكًا فخرج الشوك، والآخر زرع زنبقًا فخرج الزنبق، ثم يأتي ليحسد من زرع الزنبق ويريد أن يخرِّب عليه ويسبه ويشتمه، لماذا لم تزرع؟ لا يزرع ولا يريد غيره أن يزرع، ويريد كل الناس أن تزرع الشوك حتى يرضى عنهم.. وهذا نسأل الله العافية من الشقاء والخذلان ومن غضب الله وسخطه.

تمني أهل النار الموت من شدة العذاب

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، يتمنَّون الموت، لكن الموت لا يأتي

أَلا مَوتٌ يُباعُ فَأَشتَرِيهِ
………………………..

وهل الموت يأتي لكل طالب؟ هناك حياة يُتمنَّى فيها الموت للخلاص منها، ويوجد حياة لا يَتمنى أحد فَقْدَ صاحبها، لأنه ليس فقط يعطِّر نفسه، بل يعطِّر نفسه وكل الأجواء التي حوله.. اللهم اجعلنا ممن يتمنى طول الحياة في رضائك ومرضاتك وفي عشق العلم والمعرفة وطاعتِك وطاعة رسولك ونفع عبادك.

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فليُنْهِنا، ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ [الزخرف:77-78]، لقد قدَّمنا لكم الحقيقة لتَصِلوا إلى الجنة التي مضى ذِكرها، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف:71] فرفضتموها، أعطيناكم بذار الياسمين والفل والزنبق فرفضتموه، ولكنكم تريدون القُرِّيص والشوك.. وهؤلاء كما يقولون: “هوا الكَلْبَة تحت ذَنَبِها”، [“هوا الكلبة تحت ذَنَبِها”: مثل شعبي، والمعنى المجازي له: كما أن الكلبة تحرّك ذنبها فيبدو أنّ الهواء يأتي من تحته، فكذلك المشكلة أو الخلل الحقيقي صادر من الشخص نفسه وليس من الخارج.. فأنتم أهلكتم أنفسكم بأيديكم] أنتم زرعتم بأيديكم، لذلك ستحصدون الذي زرعتموه.

سَيَحصدُ عَبدُ اللهِ ما كانَ زارِعًا
فَطُوبَى لِعَبدٍ كانَ للهِ يَزرَعُ

﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78] “اللهم أرنا الحق حقًّا” هل: وارزقنا كراهيته؟ بل “اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه” 8 ، هناك إنسان يرى الحق، ولكن لا يتَّبعه، وهناك إنسان لا يرى الحق ويعمى عنه ولا يتَّبعه.. وهذا.. نسأل الله العافية، هذا ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40]، الشيء الذي لا يمكن لأحد إلا أن يراه هو لا يستطيع أن يراه، فلا يرى الشيء القريب إلى العقل ولا الشيء البعيد، وهذا اسمه موت القلب، واسمه ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [النحل:108].

قصة الشبلي مع طبيب الخليفة النصراني

يقولون عن الشبلي، وهذا كان مشهورًا من الأولياء: إنه مرض وكان له منزلة وكرامة عند الخليفة، فأرسل الخليفة له طبيبه الخاص ليعالجه فلم يُشفَ، واجتهد الطبيب كثيرًا وكان الطبيب نصرانيًّا، اجتهد ليُبيِّض وجهه عند الخليفة، قال له: والله لو أستطيع أن أقطع من لحمي وأُطعمك إياه لتشفى لفعلتُ حتى يَبْيَضَّ وجهي عند الخليفة، قال له: إذا تريد أنا أدلُّك على شيء أسهل لأُشفى؟ قال: ما هو؟ قال: اقطع زنارك وأسلم وأنا أُشفى، قال له: هل تُشفى؟ قال له: نعم أُشفى، فقطع الزنار وتشهد الشهادتين، وإذا بالشبلي ينهض من الفراش ولا يوجد به شيء، فبلغ الخليفة ذلك فقال: “أرسلنا طبيبًا إلى مريض ليعالجه، وما علمنا أننا أرسلنا مريضًا إلى طبيب ليداويه” 9 ، فمَن الذي عالج مَن؟ هذا هو المؤمن، في مرضه وفي موته لا يهمُّه إلا رضاء الله عزَّ وجلَّ، في صحته وفي حياته وفي كل أموره لا يهتم إلا بالله

……………………….. وَكُلُّ الذي فَوقَ التُّرابِ تُرابُ

وجوب اتباع الحق

﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78]، المؤمن دائمًا يُذعن للحق ويطيع الحق سواء أحبَّتْه نفسه أم كرهَتْه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ بالعدل وبالإنصاف وبالتقوى، ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ عليك إذا أردتَ أن تشهد شهادة، أو تتكلم كلامًا أن تكون تحت طاعة الله، ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ إذا أخطأتَ تشهد على نفسك وتقول: أنا أخطأتُ، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ أبوك وأمك تشهد عليهما، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ قد تقول: هو فقير، مسكين، وإذا شهدنا عليه يُسجن، قال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى والعاطفة، أو أن تقول: مسكين ضعيف! [وتنظر إليه بعين الشفقة]، أو هذا أبي أو من أجل خاطره أو هل أنا أضرُّ نفسي؟ ﴿أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا إذا حرفتَ الشهادة أو غيرتَها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135].

هذا هو الضمير الحي، هذا هو الوجدان الطاهر، هذا هو الإيمان، ونحن حذفنا الإيمان وقلنا: وجدان، أيُّ وجدان؟ ما هو الوجدان؟ الوجدان هو التربية، والوجدان هو العلم، والوجدان هو المعلم والحكيم.. فخَلَطوا علينا وعرضوا علينا ألفاظًا لنستبدلها بالإسلام.

ما أحسنّا عرض الإسلام ولا فهمه ولا العمل به

والذين يعرضون الإسلام، والذين هم نحن المشايخ، ما أحسنَّا فهمه ولا عرضه ولا العمل به، وإلا فلا يوجد أجمل مِن الإسلام، ولا يوجد أرقى من الإسلام، ولا يوجد أعدل من الإسلام.

التقدمية في الإسلام، العرب هل كانوا رجعيين قبل الإسلام أم تقدُّميين؟ وكيف صاروا بالإسلام؟ هل كانوا قبل الإسلام مثقفين أم أميين؟ مَن قضى على الأمية؟ هل كانوا في فوضى أم كانوا منظَّمِين؟ هل كانوا متعادين أم موحَّدين؟ هل كانوا فقراء أم أغنياء؟ هل كانوا ضعفاء أم أقوياء؟ هل كانوا مستعمَرين أم متحرِّرين؟ كل هذه المعاني الشريفة مَن أعطاهم إياها؟ الإسلام، حتى جعلهم أسياد العالم، وهي ليست سيادة ظلم واستبداد وتعدٍّ ونهب واستعمار، بل سيادة تعليم ورفق، وسيادة أُبوَّة ورحمة وحنان ومحبة وأُخوَّة.

هذا الإسلام هل يوجد من يستطيع أن يكفر به أو يرفضه على وجه الأرض؟ إلا إذا كان شيطانًا أو ميت القلب وميت الضمير حيوانًا، بل الحيوان خير منه.

قبول الحق والإذعان له

﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ [الزخرف:78]، عندما حدَّد سيدنا عمر رضي الله عنه مهر النساء وبإجماع الصحابة، يعني البرلمان ومجلس الشورى، قالت له امرأة واحدة بدوية: ليس لك ذلك يا ابن الخطاب، أما سمعتَ الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [النساء:20]؟

﴿جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ [الزخرف:78]، فهل كره عمر رضي الله عنه الحق؟ قال “أصابت امرأة وأخطأ عمر” 10 .

ولما رأى النبي ﷺ الصحابة يُلقِّحون النخل الأنثى بالذكر قال لهم: ((ما أَظُنُّ بِأنَّها تُغنِي مِن اللهِ شَيئًا))، ما قال لهم: أنا على يقين وعلى علم ولا تلقحوا.. قال: أنا اجتهادي أنه إذا أراد الله أن لا تحمل لا تحمل.. فتركوا التلقيح، وفي تلك السنة كان الموسم ضعيفًا، فكلموا النبي ﷺ، فرجع النبي ﷺ للحق وقال: ((أَنتُم أَعلَمُ بِأَمرِ دُنياكُم)) 11 ، المسلم يَقبَل الحق متى ما ظهر، سواء كان له أم عليه، شديدًا أو خفيفًا، قاسيًا أو لطيفًا، فيَقبَل الحق ولو كان فيه ضرر.

وماعز رضي الله عنه عندما زنى عَرَض نفسه للإعدام بالرجم، قال: لأنجو من عذاب الآخرة، لأن عذاب الدنيا لا شيء أمام عذاب الله عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة، هذا هو الإيمان، وهذا راعيهم وأعرابيُّهم، هكذا كان إيمانه! والآن نحن نفعل ألف ذنب ولا نشعر بما فعلنا، ونقول: ما فعلنا شيئًا، ونحن أفضل من كل الناس! ويريد أن يضرب الجنة بحوافره ويخلع باب الجنة خلعًا، وهو لا يعرف أن سيدنا مالك عليه السَّلام سيَخْلَع له رقبته.

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18]، والآن نحن سبَقْنا اليهود، لم نقل: أبناء الله، بل نحن نريد أن نناطح الله، وإذا لم يفتح باب الجنة فبرأسنا وبقروننا نكسِّر له باب الجنة.. ما هذا الحال! إلى أين نصل؟ وأين وصلنا اليوم؟

الاعتراف يمحو الاقتراف

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ، قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)، لماذا؟ قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78]، يا ترى هل أنتم مؤمنون بهذه الآيات؟ إذا أظهر شخص لك الحق أنك مخطئ هل تَقبَل وتعترف؟ هل تقول: أنا مخطئ، أنا أخطأتُ، وأنا تائب من خطئي، وأنا أرجع عن زللي؟

“الاعتراف يمحو الاقتراف” 12 ، والإصرار على الذنب وعلى الخطيئة الصغيرة يحوِّلها إلى خطيئة كبيرة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران:135-136]، طريق المغفرة والعفو هذا: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ[آل عمران:135]، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135]، صار عنده علم بخطئه، قال الله عن هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران:136]، والآن المسلم هل يفهم؟ هو أُمَِّيٌّ، مثقَّف بالطب وبالهندسة وبالحقوق وبالطبخ وبالخياطة وبالزراعة، لكنه أُمِّيٌّ بالقرآن، يقرأ ولكن لا يفهم، يقرأ لا ليعلم، وإذا كان لا يعلم فإنّه لا يذهب إلى المعلم.

ولقد كان من جملة الكبائر التَّعرُّب، يعني أن يترك الهجرة إلى المدينة، ويجلس في البادية مع الأعراب، يعني لا يدخل مدرسة الإسلام التي أستاذها النبي عليه الصلاة والسلام.

مكر الكفار بالنبي ﷺ

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [الزخرف:79]، كانوا يُقيمون المؤامرات والاجتماعات والمكر والدعايات ضد النبي وتشويهًا للنبي وكذبًا على النبي ﷺ وإيذاءً له، حتى بلغ بهم الأمر أن تآمروا على قتله ليلة هجرته.

وكانوا يقولون: دعونا نتفق أن نقول عنه: مجنون، ومرة يقولون: نتفق أن نقول عنه ساحر، ومرة يقولون: نتفق أن نعمل كذا.. وهذا كله بالتآمر والتفكير والاجتماعات وتداول الأفكار.. قال: إذا كانوا هم يدبِّرون هكذا بحقك فنحن أيضًا ندبِّر بحقهم، ونحن وكلاؤك، وإذا كنتَ غائبًا فنحن حاضرون، وإذا كانوا يمكروا مكرًا فنحن نمكر مكرًا، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54].

فإذا كنتَ مع الله عزَّ وجلَّ وعدوك يريد أن يمكر بك، وأنت ضعيف ولا تعرف، فالله يمكر بهم بالنيابة عنك.

قصة “لله درُّ الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله”

يقال: كان هناك مَلِك وكان له وزير وله أحد الجلساء وكان من الصالحين ومن الفضلاء ومن الحكماء، وكل مدّة كان الملك يعطي جائزة لهذا العالِم، فحسده الوزير، وكلما يرى الملك أعطاه جائزة يكاد ينفجر.

لماذا؟ اعمل مثله، وإذا كنتَ لا تعرف فقل: يا ربي ارزقني، وإذا لم تكن فيك أهلية فهو يُعطَى لأهليته، وأنت لا يوجد فيك أهلية، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء:54-55]، يوسف عليه السَّلام رأى منامًا وإخوته خرجت عيونُهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا [يوسف:9]، و﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، ومكروا، ألم يمكروا؟ واللهُ عزَّ وجلَّ ألم يمكر؟ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا [النمل:50].

وهذا الوزير ماذا يفعل؟ استشار الشيطان والشياطين فكانت المؤامرة على الشكل الآتي، في اليوم الذي كان لهذا الجليس لقاء خاص مع الملِك قال له: تعال وتغدَّى عندي.. ووضع له غداءً، وماذا كان الغداء؟ “مُتَبَّل” مليء بالثوم، وما الطعام الذي يضعون فيه الثوم؟ “بابا غَنُّوْج”، أيضًا فيه الثوم ليس مَطْبوخاً، [المُتَبَّل والبَابا غَنُّوْج: طعام شعبي مكون من الباذنجان وبعض التوابل، ويوضع فيه الثوم بكثرة]، وماذا أيضًا؟ ملُوْخِيَّة، وكل الطعام الذي يحتوي على الثوم والبصل الأخضر.

وذهب إلى الملِك وقال له: هذا الشيخ الذي تقرِّبه وتكرمه هل تعرف ماذا يقول عنك؟ يقول عنك: إنك أَبْخَر، يعني فمك منتن، قال له: ما سمعتُ ذلك أبدًا؟ قال له: عندما يأتي إليك اليوم انظر كيف سيضع يده على أنفه حتى لا يشمَّ رائحتك، وهو ماذا أطعمه؟ عشرين أكلة كلها ثوم، ودخل الجليس إلى الملِك وهو يعرف أنه أكل الثوم، ولَمَّا جلس مع الملِك وضع يده على أنفه -وكان الملوك مجرمين- وكان الملِك إذا غضب على أحد أو أراد أن يكافئ أحدًا يكتب ورقة للمُحَافِظ [للوالي] الفلاني، أنه إذا جاء فلان أعطه كذا أو احبسه أو اضربه، على حسب ما يريد، فكتب مكتوبًا: إذا أتاك حامل كتابي فاذبحه واسلخ جلده واملأه بالتبن وأرسله لي مَحْشُوًَّا بالتبن.

وبعدما انتهى الطعام كتب الملِك ورقة للشيخ أو لسميره وجليسه، وخرج الجليس فرِحًا، فهو حسب العادة لا يكتب له إلا بجائزة، فسأله الوزير: كيف؟ قال له: واللهِ كتب لي ورقة على حسب العادة، إلى محافظ حلب مثلًا، فصار الوزير بقلبه يشتم الملك والشيخ “أشكالًا وألوانًا” [كثيراً وبأقوال متنوعة]، لكن ماذا يفعل! قال له: في كل مرة يدفع لك! وهل هذا كلّه لك! أعطِنا ولو مرة واحدة! كم يُعطيك الجائزة؟ ألفًا؟ قال له: أنا أعطيك خمس مئة، ودع الخمس مئة الأخرى لي، وأعطني الورقة، فأعطاه خمس مئة دينار وأعطاه الورقة، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران:54]، ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا [الزخرف:79]، إذا كانوا يسهرون ويدبِّرون المؤامرات فالله حاضر معهم، ويجعل كيدهم في نحرهم، وبياض الوجه يجعله سوادًا، والعز يجعله ذلًّا، والقوة يجعلها ضعفًا، والنعمة يجعلها محنة.

إذا كنتَ تُريد أن تمشي على غير خط الله فكيف ستخبِّئ عن الله؟ وكيف ستعمل تلبيسًا على الله؟ وكيف ستكذب على الله؟ إنّك على الناس تكذب، وتُظهِر خلاف ما تُبطن، لكن هل تستطيع ذلك على الله؟

فجليس الملك الحكيم بكل بساطة أعطاه الورقة ليجبر خاطره، فأخذ الوزير الورقة ومباشرةً إلى المحافظ، والمحافظ قرأ الورقة فاصفرَّ وجهه وتَغَيَّر لونه، قال له: خيرًا إن شاء الله! قال له: أيُّ خير؟ قال له: الملك يقول لي: أن أذبحك وأسلخ جلدك وأحشوك تبنًا وأرسلك إليه، فقال له: أرجوك، والله هذه الورقة ليست لي، هذه الورقة لفلان، وأنا أريد أن أراجع الملِك، قال له: القانون أن الملِك لا يُراجَع، فأحضروه وذبحوه وسلخوه وحَشَوْه تبنًا وأرسلوه إلى الملِك.

ولما رأى الملكُ الوزيرَ طار عقله، فاستدعى الشيخ والمحافظ، فقال له: هذا أَمرُك نفَّذناه كما ترغب، وفي التاريخ الفلاني والرقم الفلاني، فقال الملِك للشيخ: ماذا فعلتَ بالورقة التي أعطيتُك إياها؟ قال له: والله يا سيدي لَمَّا خرجتُ من عندك بقي الوزير يضغط عليَّ حتى أخذها مني ليأخذ الجائزة، ولَمَّا سمع الملِك قال: واللهِ إنّ هذا المسألة ليست طبيعية، هذه المسألة فيها يد ربانية، وهذا لا يحدث هكذا، قال له: عندما دخلتَ عليَّ لماذا كنتََ تضع يدك على أنفك؟ قال له: الوزير رحمه الله يعرف أني في ذلك اليوم سألتقي بك، فحضَّر لي غداء كلُّه ثوم بثوم، ولَمَّا أتيتُ إليك ورائحتي ثوم وضعتُ يدي على فمي وأنفي حتى لا تشمَّ رائحتي، قال له: لعنة الله عليه، هو قال لي عنك: إنك تقول عني: إن فمي مُنْتِن، وأنت وضعتَ يدك على أنفك حتى لا تشمَّ إنتاني، قال له: لا والله يا ملِك الزمان، وحقيقة القصة كذا وكذا.

كيف يحميك الله من مكر الماكرين

﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل:50-51]، كم مكروا في حق النبي ﷺ؟ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ [الأنفال:30]، وهل كان النبي ﷺ يشعر أو هل كان لديه علم؟ لكن الله عزَّ وجلَّ لديه علم، والله معهم ويراهم ويسمعهم، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، هم يبرمون الأمور ويريدون أن ينفِّذوا، ونحن أيضًا نبرم: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا [الزخرف:79] بمحاربتك ومعاداتك والصدّ عنك وعن رسالتك، ونحن أيضًا نُبرِم أمرًا ونَقطع رقابهم.. الله هو الذي يقول ذلك! وهذه الآية في مكة والنبي ﷺ ضعيف، والأعداء كلُّهم متكالِبون عليه، قال له: لا تخف مهما مكروا ومهما تآمروا ومهما دبَّروا فنحن معك، ونحن ندبِّر ونحن نمكر فيهم أكثر مما يمكرون فيك.

وكذلك أنت أيها المؤمن، وهذا الكلام إلى يوم القيامة مع كل من يمشي على خط رسول الله ﷺ إذا كان صادقًا مخلِصًا عاملًا متيقِّنًا، فلا يخف.. وهذا الكلام له إذا كان يمشي بالعلم وبالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالحقيقة، وعلى طريقة النبي ﷺ، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:196]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا [الزخرف:79]، لا تخف مهما أرادوا أن يبرموا ويمكروا ويدبروا.. فإذا كنتَ أنت مع الله فالله معك، أمَّا إنْ كنت مع الشيطان ومع نفسك وتنتظر النجدة من الله، فلا، ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119].

تَضَعُ الذُّنُوبَ عَلى الذُّنُوبِ وتَرتَجِي
دَرَجَ الجِنانِ وَطِيبَ عَيشِ العابِدِ

ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أَخرَجَ آدَمًا
مِنها إلى الدُّنيا بِذَنبٍ واحِدِ

تملأ البحر بذنوبك، فكيف تريد أن ينصرك الله ويؤيِّدك ويمكر بأعدائك؟ ولكن كن مع الله يكن الله معك، وإذا كنتَ مع الشيطان ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16]، الآن صار يخاف الله، لماذا لم تَخَفْ عندما دفعتَه إلى غضب الله؟ يريد أن يجعل لنفسه عذرًا أنه هو صاحب ورع ومن ورعه سيتبرأ منه، كان يجب عليك أن تخاف من الله قبل أن ترميه بالهاوية، هذا الخوف الشيطاني وخوف النفاق.

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:80]، النجوى عندما يسهرون ويتآمرون على النبي ﷺ، هذه هي النجوى، وتكون النجوى والمؤامرة سرية وهم يظنون أننا لا نطَّلع على مؤامراتهم وعلى أسرارهم وعلى جلساتهم السرية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ولو كنتَ وحدك ﴿وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، أين ستذهب؟

((مَن آذَى لي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِحَربٍ)) 13 ، ((وإنَّه لا يَذلُّ مَن والَيتَ، ولا يَعزُّ مَن عادَيتَ)) 14 ، والعرب لَمَّا والوا الله عزَّ وجلَّ ولاءً صادقًا مخلصًا حقيقيًّا استطاعوا أن يحاربوا أعظم أباطرة العالم، وانتصروا عليهم، وهزم الله أعداءهم، ولَمَّا أعرضنا عن الله أعرض الله عنا، ومهما فعلنا فإن أعداءنا ينتصرون ويكونون أقوى منا.

ضرورة الرجوع الحقيقي إلى ديننا

يقول النبي ﷺ: ((إذا تَبايَعتُم بِالعِيْنَةِ)) العِيْنَة: يعني التحايل على إباحة الربا، فيصير طعام الناس حرامًا؛ من ربا أو غير ربا لا يهمهم، المهم أنْ يأخذوا المال.. ((ومَشَيتُم خَلفَ أَذنابِ البَقرِ))، يعني صرتم أُمَّةً زراعية لا صناعية، ((وَتَركْتُمُ الجِهادَ))، جهاد النفس وجهاد العدو، ((سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُم ذُلًّا لا يَنزعُهُ إلَّا بِالرُّجوعِ إلى دِينِكُم)) 15 ، لكن أيُّ دين؟ ليس التعصُّب والجمود والتَّزمُّت والمذهبية، هذه كلها أمراض أضعفتنا وأضعفت إسلامنا الذي ندعي أننا ندين الله به، وليس هذا الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدين اللهَ به، وليس هو ما أنزله الله عليه وسُجِّل في القرآن وحوَّله النبي عليه الصلاة والسلام إلى أقواله وأفعاله وحياة مجتمعه.

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ [الزخرف:80]، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16]، ماذا يعني؟ يعني سنحاسبك على وساوس نفسك، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، إذا كنتَ تنوي الغدر أو المكر أو أن تتحايل أو تنافق فكله ظاهر على الله، ولا يوجد حيلة ولا سِرّ ولا نفاق، بل كله مكشوف عند الله تمامًا، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، أخفى من السِّرّ: قبل أن تُسِرّ يعلم أنك ستقوم بِسِرّ، وبعد ذلك هو سيحاسبك وهو سيحاكمك وهو سينفذ الحكم وهو الشاهد وهو القاضي وهو المنفِّذ، كيف ستنفُذ؟ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، ولن يستطيعوا هربًا، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ [هود:20]، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22]، إذا أراد الله أن يلاحقك فلا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تنجيك من ملاحقة الله عزَّ وجلَّ، دعونا كلنا نتوب إلى الله، وكل واحد يعرف ماذا فعل بينه وبين الله، هل تتوبون معي؟ وأنا أتوب معكم أيضًا.. نسأل الله أن يتوب علينا من أعمالنا الماضية والحاضرة والظاهرة والباطنة، وأن يتوب على كل الأمة، وعلى كل الناس، وعلى كل عباد الله أجمعين.

لا تجعل الله أحقر الناظرين إليك

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:80]، هل تستطيع بعدها أن تعمل شيئًا يُغضب الله ولو بالسر؟ لا يوجد سرٌّ على الله، بل كله جهر.. وكان بعض العارفين يقول وهو يحيى الرازي: “مَن ستر عن الناس ذنوبه”، الآن عندما تفعل عملًا سيئًا تحب أن لا يراك أحد، أليس كذلك؟ وتعمله سرًّا، لكن لو جهرَت به ربما كل الناس يبصقون في وجهك، فأنت تُخفي عن الناس، وهل بصقة الناس أبلغ أم بصقة الله عزَّ وجلَّ؟ وهل احتقار الناس لك أبلغ أم احتقار الله؟ وهل غضب الناس عليك أبلغ أم غضب الله؟

قال: “من ستر عن الناس ذنوبه”، فإذا سترها عن الناس هل يستطيع أن يسترها عن الله؟ لا، فعند الله كلها ظاهرة وواضحة ومكشوفة.

قال: “وأبداها لِمن لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض”، يخفيها عن الأولاد الصغار وعن المجانين، ويبيِّنها أمام القاضي وأمام الحاكم العسكري، فهذا ما هو؟ هل هو عاقل أم مجنون؟ يخفيها عن الناس ولا يخفيها عن الذي خلق سِرَّه وقلبه وعقله وتفكيره.

قال: “مَن ستر عن الناس ذنوبه، وأبداها لِمن لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض”، هذا ماذا يكون؟ قال: “فقد جعل الله أحقر وأصغر الناظرين إليه”، هذا يحتقر الله، فلو رآه ولد صغير يقول: هذا يفضحني، وإذا رآه رجل يقول: هذا يكشفني، واللهُ عزَّ وجلَّ ألم يحسب حسابه؟ فهو يرى الله أصغر من كل الناس، ألا تخاف أنْ يراك جرذ أو كلب أو قِطّ؟ قال: فأنت تعتبر أن الله أحقر مخلوق ينظر إلى عملك، وتستحي من الخَلق ولا تستحي من الخالق.

قال: “وهو من علامات النفاق”، فأنتَ لستَ مسلمًا، وأنتِ لستِ مسلمة، ويجب علينا أن نخاف من الله عزَّ وجلَّ.

إذا ما خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلا تَقُلْ:
خَلَوتُ ولَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ

الملائكة مُخَابَرات ربانية

قال: هل نحن فقط نسمعهم ونسمع نجواهم وسرهم؟ بل: ﴿وَرُسُلُنَا أيضًا ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80]، معهم ملائكة يكتبون كل شيء، الآن ألا يوجد مخابرات هنا يكتبون؟ [المُخابَرات: رجال من سلطات الأمن في الدولة تعمل في الخفاء وتسجِّل أعمال الناس.. وقول سماحة الشيخ: الآن ألا يوجد مخابرات هنا يكتبون؟ كان النظام الحاكم في سوريا حينها يقبض على حرية الناس بقبضة من حديد، وذلك من خلال هذه الأجهزة الأمنية، وكان من البدهي أن أي درس أو خطبة أو نشاط في أي مسجد أن يكون فيه واحد أو أكثر من هؤلاء المخابرات، وكان الشيخ يعلم ذلك يقيناً، ويعلم أن كل تحركاته وكلماته مراقَبَة من تلك الأجهزة الأمنية]، ومخابرات الله ألا تكتب عليهم وعليَّ وعلى القاضي وعلى الكبير؟ لا يوجد أحد ينفذ، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:16-17]، أحدهما للحسنات والآخر للسيئات، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ [ق:18]، ينتظره ما الذي يتكلمه ليسجل، ﴿عَتِيدٌ يعني حاضر لا يذهب، فلو كان يذهب إلى الخلاء فربما في أثناء ذهابه إلى الخلاء تكلم وما كتب عليه، فهو لا يذهب إلى الخلاء، وإذا دخلتَ إلى الخلاء أيضًا هو حاضر معك، وأينما ذهبتَ في نومك وفي يقظتك وفي سفرك وفي حضرك وبالليل وبالنهار، وسواء كنت وحدك أو مع الجماعة: ﴿لَدَيْهِ رَقِيبٌ [ق:18].. هل نحن مؤمنون بالقرآن؟ هذا هو القرآن، فإذا آمنتَ بهذه الآيات فهل تستطيع أن تتكلم بكلمة تُغضِب الله، أو تجلس بمجلس فيه معصية الله عزَّ وجلَّ، أو تجلس في مجلس لغو؟ ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، يُكَرِّم نفسه أن يجلس في مجلس البطَّالين والعطَّالين: “فلانٌ وعِلْتَان” وأكلنا وشربنا وفلان ذهب وفلان أتى.. إلخ، [فُلانْ وعِلْتَانْ: مصطلح في اللهجة الشعبية، وفي اللغة الفصحى: “فلان وعلّان”، وفلان: تطلق على الشخص المبهَم، وعلّان: من العلانية، ويقصَد به العَلَم المعلوم، وقولهم: “قال فلان وعلان” أي قال المجهول والمعلوم من الناس.. والمقصود العام من استخدام الشيخ هنا لهذا المصطلح هو: كثرة الكلام عن الناس]، هذا ليس من صفات المؤمن، المؤمن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3].

الخجل من نسيان الله عند المعصية

فإذا وقفنا غدًا بين يدي الله عزَّ وجلَّ، وكنا نعمل الأشياء بالخفية عن الناس، وقال لنا الله عزَّ وجلَّ: لقد استحييتم من الناس، ألستُ أحق بأن تستحيوا مني؟ لقد حسبتم حساب الناس ولم تحسبوا حسابي، هل كنتُ صغيرًا إلى هذه الدرجة في نظركم؟ هذه فقط إذا حاسبَنا الله عليها، وقال لنا: لن أحاسبكم على المعصية، أحاسبكم فقط على استهانتكم بي، لا تحسبون لي أيّ حساب وأنا معكم أينما كنتم، أنا خلقتكم من ماء مهين، من ذرة لا تراها العيون، وأنعمتُ عليكم بالسمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون، وهبتُكم الحياة والصحة والبدن والرجولة والمال وكل شيء، وأرسلتُ إليكم جبريل أشرف ملائكتي إلى أشرف أنبيائي مع أشرف كتبي، وهذا كله رميتموه خلف ظهوركم، وقلتُ لكم: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61] فلبَّيتم الشيطان وعصيتم الرحمن.. فكيف سنجيب الله عزَّ وجلَّ؟

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80] نقف هنا.

واجب تبليغ الدرس للآخرين

عودوا إلى هذه الآيات واقرؤوها حتى تبقى المعاني التي سمعتموها ثابتة في أذهانكم، وبلِّغوها لغيركم، ولقد كان النبي ﷺ يقول: ((نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها، فَبَلَّغَها كَما سَمِعَها، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوعَى مِن سامِعٍ)) 16 ، فقد يستفيد غيرك منها أكثر مما استفدتَ أنت، فيكتب الله لك ثوابك وثوابه، والمرأة تبلغ المرأة، والرجل يُبَلِّغ الرجل، وهكذا.

وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.

Amiri Font

الحواشي

  1. أسد الغابة لابن الأثير، ترجمة خنساء بنت عمرو، (6/89)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، (8/110)، بلفظ: ((قال أبو عمر: قدمت على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم مع قومها من بني سليم، فأسلمت معهم، فذكروا أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يستنشدها ويعجبه شعرها، وكانت تنشده، وهو يقول: «هيه يا خناس»، ويومئ بيده)).
  2. الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، (4/1829)، أسد الغابة لابن الأثير، (6/90)، بلفظ: حضرت الخنساء بنت عَمْرو بْن الشريد السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال...، فبلغها الخبر فقالت: "الحمد للَّه الَّذِي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم فِي مستقر رحمته". وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي اللَّه عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد مائتي درهم حتى قبض رضي الله عنه.
  3. سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، رقم: (3022)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (26779)، بلفظ: ((عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَغْزُو الرِّجَالُ، وَلاَ نَغْزُو، وَلَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
  4. السيرة النبوية لابن هشام (4/3)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، ترجمة عمرو بن الجموح (4/194)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب السير، باب من اعتذر بالضعف والمرض والزمانة والعذر في ترك الجهاد، رقم: (17821)، (9/42)، ((عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، قَالُوا كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَى أُحُدٍ، قَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً فَلَوْ قَعَدْتَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الْجِهَادَ. فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ أَنْ أَخْرُجَ مَعَكَ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُسْتَشْهَدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الْجِهَادَ ". وَقَالَ لِبَنِيهِ: "وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلَّ اللهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ". فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا)).
  5. شعب الإيمان للبيهقي، رقم: (8743)، (6/420)، تاريخ دمشق لابن عساكر (29/66)، بلفظ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ، وَاعْلَمْ - نَفْسِي لَكَ الْفِدَاءُ - أَمَا إِنَّهُ مَا مِنِ امْرَأَةٍ كَائِنَةٍ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ سَمِعَتْ بِمَخْرَجِي هَذَا أَوْ لَمْ تَسْمَعْ إِلَّا وَهِيَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، إِنَّ اللهَ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَآمَنَّا بِكَ وَبِإِلَهِكَ الَّذِي أَرْسَلَكَ، وَإِنَّا مَعْشَرَ النِّسَاءِ مَحْصُورَاتٌ مَقْصُورَاتٌ، قَوَاعِدُ بُيُوتِكُمْ، وَمَقْضَى شَهَوَاتِكُمْ، وَحَامِلَاتُ أَوْلَادِكُمْ، وَإِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الرِّجَالِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ، وَالْحَجِّ بَعْدَ الْحَجِّ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا أُخْرِجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَمُرَابِطًا حَفِظْنَا لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَغَزَلْنَا لَكُمْ أَثْوَابًا، وَرَبَّيْنَا لَكُمْ أَوْلَادَكُمْ، فَمَا نُشَارِكُكُمْ فِي الْأَجْرِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِوَجْهِهِ كُلِّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ سَمِعْتُمْ مَقَالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مَسْأَلَتِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا مِنْ هَذِهِ؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا ظَنَنَّا أَنَّ امْرَأَةً تَهْتَدِي إِلَى مِثْلِ هَذَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: ((انْصَرِفِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبَهَا مَرْضَاتِهِ، وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ)) قَالَ: فَأَدْبَرَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ اسْتِبْشَارًا)).
  6. صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، رقم: (4707)، (4/1910)، عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بلفظ: ((إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا)).
  7. متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب إثم الزناة، رقم: (6425)، (6/2497)، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، رقم: (57)، بلفظ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
  8. تفسير روح البيان لإسماعيل حقي، (6/294)، وفي تفسير ابن كثير، (2/281)، قال: " وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور "اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اِتِّبَاعه وَأَرِنَا الْبَاطِل بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اِجْتِنَابه وَلَا تَجْعَلهُ مُتَلَبِّسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"، وفي شرح منتهى الإرادات للبهوتي، (3/497)، عزاه لسيدنا عمر رضي الله عنه، فقال: ((وَكَانَ مَنْ دُعَاءِ عُمَرَ اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَوَفِّقْنِي لِاتِّبَاعِهِ وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَوَفِّقْنِي لِاجْتِنَابِهِ)).
  9. البداية والنهاية لابن كثير، (15/185)، بلفظ: وَلَمَّا مَرِضَ الشِّبْلِيُّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ طَبِيبًا نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: فَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ قَطْعَ بَعْضِ جَسَدِي يَشْفِيكَ لَقَطَعْتُهُ. فَقَالَ لَهُ: يَشْفِينِي قَطْعُ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قَطْعُ زُنَّارِكَ. فَقَطَعَهُ وَأَسْلَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ، فَقَالَ: بَعَثْنَا طَبِيبًا إِلَى عَلِيلٍ، فَإِذَا هُوَ عَلِيلٌ إِلَى طَبِيبٍ.
  10. مسند الفاروق لابن كثير، (2/573)، السنن الكبرى للبيهقي، رقم: (14114)، بلفظ: ((عن مصعب بن عبد الله عن جدي قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القُصة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيتُ الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس ما ذاك لك قال ولِمَ قالت لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فقال عمر رضي الله عنه: "أَصَابَتْ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَرُ".
  11. صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي، رقم: (2363)، (4/1836)، بلفظ: ((عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ مَا لِنَخْلِكُمْ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)).
  12. أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي، (1/279)، بلفظ: أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل: "الاعترافُ يمحُو الاقتراف"؟، وفي التبصرة لابن الجوزي، (1/78)، بلفظ: "نِيرَانُ الاعْتِرَافِ تَأْكُلُ خَطَايَا الاقْتِرَافِ"، وفي لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي، ص: (56)، بلفظ: "الاعتراف يمحو الاقتراف" كما قيل: "فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه... كما أن إنكار الذنوب ذنوب".
  13. صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم: (6137)، (5/2384)، بلفظ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
  14. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، رقم: (1425)، (1/ 452)، السنن الكبرى للبيهقي، باب دعاء القنوت، رقم: (2957)، (2/ 209)، بلفظ: ((عَنْ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ)).
  15. سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في النهي عن العينة، رقم: (3462)، (2/296)، السنن الكبرى للبيهقي، رقم: (10484)، بلفظ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه.
  16. مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم: (16784)، بلفظ: ((عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَال: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى، فَقَالَ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ))، وفي سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، رقم: (2657)، (5/34)، بلفظ: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ))، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه.
WhatsApp